الآية فيها دليل على أن الإنسان إذا تقادم في السن فإنه يرجع إلى الوراء لقوله: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾.
٢ - يتفرع على الفائدة السابقة: أنه ينبغي للإنسان أن يغتنم فرص العمر وقوته وشبابه قبل أن ينكس في الخلق.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: التنديد بهؤلاء المكذبين؛ لقوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على التعقل والتفكر وحسن التصرف حتى يكون الإنسان من العقلاء.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن العقل غير الذكاء؛ لأن الإنسان قد يكون ذكيًّا ولكنه ليس بعاقل؛ لقوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ ومن المعلوم أن هؤلاء عندهم من عقل الإدراك والذكاء الشيء الكثير.
* * *
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ قال المؤلف -﵀- في تفسيره: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: النبي ﴿الشِّعْرَ﴾ رد لقولهم: إنما أتى به من القرآن شعرًا ﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾ يسهل ﴿لَهُ﴾ الشعر ﴿إِنْ هُوَ﴾ ليس الذي أتى به ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ عظة ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ مظهر للأحكام وغيرها] قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ (نا) تعود إلى الله ﷾، وأما الضمير (الهاء) فيعود إلى النبي - ﷺ -.
فإذا قال قائل: أين مرجع الضمير لأن كل الآيات السابقة ليس فيها ذكر للنبي - ﷺ -؟
[ ٢٤٢ ]
قلنا: إن الضمير يعلم مرجعه من السياق السابق، أو السياق اللاحق، وهذا يشبه العهد الذكري في (أل)، أو من الفهم بحيث يكون الأمر مفهومًا عند المخاطب، وهذا كالعهد الذهني، وهنا يعلم مرجع الضمير في قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ ومعلوم أن الذي جاء بهذا الذكر والقرآن المبين هو محمد - ﷺ -، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: ما علمنا النبي - ﷺ - الشعر؛ لأن الشعر لو علمه الله تعالى النبي - ﷺ - لكان في ذلك حجة للمبطلين المكذبين، ولقالوا: إنما هذا القرآن من جملة الشعر الذي علم إياه، ولهذا لم يعلم الشعر، ولم يعلم الكتابة كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ (^١) فالنبي - ﷺ - لم يقل شعرًا أبدًا، وإذا قدر أن جرى على لسانه كلام موزون وزن الشعر فإنه ليس عن قصد وإرادة، وإنما جاء عفوًا، والذي يأتي عفوًا ليس مقصودًا فلا يكون معلومًا مثل قوله - ﷺ -:
"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" (^٢)
فإن هذا رجز، ولكنه ليس عن قصد، فلا يكون ذلك شعرًا، أما الشعر فإنه الكلام الموزون المقفى الذي يأخذ باللب، وسمي شعرًا لأنه يأخذ بالشعور، ولهذا تجد أن النظم يأخذ باللب أكثر من أن يأخذ النثر، فربما تسمع خطبة بليغة جيدة جدًّا، وتجد ما
_________________
(١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٨.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب من قاد دابة غيره (٢٨٦٤). ومسلم، كتاب الجهاد، باب غزوة حنين (١٧٧٦).
[ ٢٤٣ ]
يماثلها في المعاني بالنظم ولكنك ترى أن تأثير النظم أشد، وأقرب للشعور أكثر، ولهذا سمي شعرًا، وبه نعرف أن ما يسمى الآن بالشعر المنثور ليس بشعر؛ لأنه لا يأخذ بالمشاعر، فهو ليس بشعر وليس بنثر، وإنما هو كالمنافق لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا يطرب إليه من يطربون إلى النثر والخطب، ولا يطرب إليه من يطربون إلى الشعر والقصائد، فهو في الحقيقة ليس بشيء، ولكن لكل امرئ من دهره ما تعود، والذين أحدثوه يطربون له، ويرون أنه أشد شاعرية من شعر امرئ القيس. ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْر﴾ قال المؤلف: [ردّ لقولهم: (إن ما أتى به من القرآن شعر] والمكذبون والذين يقومون ضد -أي إنسان- لا بد أن يصفوا قوله بالمعائب لأجل أن ينفر الناس عنه، ولكن كما قال الله ﷿: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (^١) وقال الله ﷾ في سورة الذاريات: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ (^٢) كل الرسل وصفوا بهذين الوصفين من أعدائهم: السحر، والجنون، ومحمد عليه أفضل الصلاة والسلام أيضًا وصف بذلك، وصفوه بأنه ساحر، وشاعر، ومجنون، وكاهن، وكذاب، كل ذلك من أجل أن ينفروا الناس عنه، ولكن هل حصل الأمر وهل نفر الناس؟ أبدًا، لأن الحق -والحمد لله- سيعلو مهما قوبل به من صدمات فإن العاقبة له.
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٣٢.
(٢) سورة الذاريات، الآية: ٥٢.
[ ٢٤٤ ]
فإذا قال قائل: هذا الوصف للرسول ﵊ هل يتعدى إلى أتباعه؟
فالجواب: نعم. كل ما وصفت به الرسل يوصف بمثله أتباعهم، ألم تعلموا أن المجرمين إذا رأوا المؤمنين يقولون: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾ (^١) يصفونهم بالضلال، وفي عصرنا يصفونهم بالرجعية والتأخر وما أشبه ذلك من الكلمات التي ينفرون الناس بها عن الحق، وأهل البدع يصفون أهل السنة والجماعة بألقاب السوء يقولون: إنهم نوابت، غثاء، حشوية، مجسمة، مشبهة، وما أشبه ذلك، كل هذا من أجل التنفير عمّا هم عليه، ولكن الحمد لله أن الأمر يكون ثوابًا لهؤلاء الذين يوصفون بهذه العيوب، وامتحانًا لهم بالصبر على ما هم عليه من الحق، ثم العاقبة تكون لهم، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ الشعر قال المؤلف: [أي: ما يسهل له الشعر]. بل هو صعب عليه إنشاءً، وصعب عليه إنشادًا، فهو ﵊ إذا أنشد شعر غيره ينشده أحيانًا على غير الوزن المعروف، لأنه ليس له عناية بالشعر أو تحفظ له، أما بنفسه فلا ينشد.
ولكن الأولى أن نفسر ﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾ أي: ما يمكن ولا يصلح له، ولا يليق به، لأنه كل ما جاءت في القرآن ﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾ فالمراد بها الممتنع غاية الامتناع، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ (^٢) أي: مستحيل غاية الاستحال، ومثل قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني هذا شيء
_________________
(١) سورة المطففين، الآية: ٣٢.
(٢) سورة مريم، الآية: ٩٢.
[ ٢٤٥ ]
مستحيل أن تدرك القمر هذا حسب العادة فيما يتعلق بالشمس ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي ما يمكن ولا يليق به ﵊ أن يكون شاعرًا. فلا يصح ولا يمكن أن يُعلم أو يتعلم الشعر؛ لأن تعلمه الشعر يوجب احتجاجًا من المبطلين كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ (^١) فلو تعلم النبي - ﷺ - الشعر لقالوا: إن هذا القرآن شعر مما تعلمه.
سؤال (^٢): لماذا وصف العرب الجاهليون القرآن بالشعر مع أن الفرق بين الشعر والنثر واضح لدى عامتهم فضلًا عن خواصهم؟
الجواب: المبطل يموه بكل شيء، وإذا كثرت الدعايات والكلام والقول فقد ينقلب الأمر، فهم يعرفون أن هذا ليس بشعر، لكن قد يقولون: هذا شعر على وجه جديد وما أشبه ذلك، يروجون لدعايتهم حتى يشتبه الأمر.
سؤال: يقول من يروج للشعر الحديث: إن الشعر كان عند العرب بهذا الشكل بدليل أنهم نعتوا القرآن بالشعر وليس موزونًا ولا مقفى؟
الجواب: هذا من باب الترويج، ولهذا لا تستطيع أن تأتي بقصيدة واحدة أبدًا على مثل شعرهم هذا.
كما أنه لو كان يكتب لقالوا إن هذا شيء مما كتبه. ﴿إِنْ هُوَ
_________________
(١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٨.
(٢) هذا السؤال والذي يليه طرحا على فضيلة الشيخ -﵀- أثناء الدرس فأثبتهما مع جوابهما، والله الموفق.
[ ٢٤٦ ]
إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ قال المؤلف: [ليس الذي أتى به إلا ذكر] فأفادنا بأن (إن) هنا نافية، أي: ما هو إلا ذكر، و(إِن) تأتي لعدة معانٍ: تأتي زائدة، وشرطية، ونافية، ومخففة من الثقيلة. والذي يعين المعاني المتعددة في الكلمة الواحدة هو السياق، وهذه قاعدة في كل كلمة ذات معاني متعددة أنه يعينها السياق، وقرينة الحال، وهي هنا نافية، قال ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على المصدر المفهوم من ﴿عَلَّمْنَاهُ﴾، وكون مرجع الضمير مصدرًا معلومًا من الفعل السابق أمر لا يستغرب، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (^١) ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من كلمة: (اعدلوا) وهنا ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ أي: ما الذي علمناه إلا ذكر وقرآن مبين. قوله: ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ قال المؤلف: [عظة] يعني موعظة يتذكر بها من تذكر، والذي يتذكر بهذا القرآن بينه الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ (^٢) وهذا باعتبار الاستعداد والقبول، وجاء في آيات أخرى ما يدل على أن كل المتقين يتعظون بهذا القرآن، فيكون فيه بيان للذين يتعظون به من حيث السلوك، ففي سورة "ق" بيان الذين يتعظون به من حيث القبول والاستعداد بالتذكر، وفي الآيات الأخرى التي تربط التذكر بالقرآن بالإيمان والتقوى وما أشبه ذلك دليل على من يتعظ به من حيث السلوك والعمل،
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٨.
(٢) سورة ق، الآية: ٣٧.
[ ٢٤٧ ]
وكلما ازداد الإنسان عملًا بالقرآن ازداد تذكرًا به، وهذا الذي ذكره المؤلف -﵀- في معنى الذكر هو أحد المعاني؛ لأن الذكر الذي وصف به القرآن يتضمن عدة معان:
المعنى الأول: ما ذكره المؤلف وهو العظة والتذكر به.
المعنى الثاني: إنه ذكر يذكر به الله، وهو أشرف أنواع الذكر، لأن القرآن كلام الله ﷿، فبمجرد ما تتلوه وأنت تشعر أنه كلام الله سوف تذكر عظمته ﷿؛ ولأن القرآن يشتمل على أخبار هي أصدق الأخبار وأنفعها للقلوب؛ ولأنه يشتمل على قصص هي أحسن القصص وأجملها وأتمها؛ ولأنه يشتمل على أحكام من لدن حكيم خبير، هي أعدل الأحكام وأقومها لمصالح العباد؛ ولأنه يشتمل على أوصاف الله تعالى وأسمائه التي هي أفضل الأسماء وأشرف الأوصاف، وكل هذا ذكر، فالقرآن نفسه ذكر لله ﷿؛ لأنه يشتمل على كل هذه المعاني التي بينها الله تعالى في كتابه.
المعنى الثالث: أنه رفعة وشرف لمن يقوم به ويعمل به لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾ (^١) والذكر بمعنى الرفعة والشرف موجود في القرآن كما في الآية السابقة، وكما في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ (^٢) أي: ذكرك بالشرف والتبجيل والتعظيم. ولا شك أن من تمسك بالقرآن فإن له الشرف والسيادة على جميع الخلق، ولهذا فإني أحثكم على أن تمسكوا
_________________
(١) سورة الزخرف، الآية: ٤٤.
(٢) سورة الشرح، الآية: ٤.
[ ٢٤٨ ]
بهذا القرآن العظيم، وإذا تمسكتم به عقيدة، وعملًا، وهديًا فستكون العاقبة لكم، ولا تظنوا أنكم قليلون -لو كنتم قليلين- فإن الاهتداء بالقرآن يستلزم أن ينجذب الناس للمهتدي به حتى يكثروا شيئًا فشيئًا، كالحجر تلقيه في اليم ثم تتسع الدائرة حتى يشمل اليم كله، فالحاصل أن الإنسان إذا تمسك بهذا القرآن الكريم فسوف يكون له الشرف والسيادة والظهور على جميع الخلق، قال: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ قرآن يحتمل أن يكون معنى مفعول، وأن يكون بمعنى فاعل؛ لأن قرآن مصدر مثل: الشكران، والغفران، والنكران، وما أشبهه، والمصدر يأتي بمعنى اسم الفاعل، ويأتي بمعنى اسم المفعول، وعلى هذا فهو قارئ ومقروء، أما كونه قارئًا فلأنه من القر يعني الجمع فهو جامع للأحكام، والأخلاق، والآداب الموجودة في الكتب السابقة قبله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (^١) وجامع أيضًا لكل ما تقوم به أمور الدنيا وأمور الآخرة، وهو أيضًا مقروء أي: متلو؛ لأنه يتلى، والقراءة بمعنى التلاوة. ﴿مُبِينٌ﴾ قال المؤلف -﵀-[مظهر للأحكام وغيرها] فـ ﴿مُبِينٌ﴾ هنا من (أبان) بمعنى أظهر، وقد سبق لنا مرارًا أن (أبان) يكون لازمًا، ويكون متعديًا، يكون لازمًا بمعنى ظهر، وهو كثير في القرآن مثل: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ (^٢) أي: بين ظاهر،
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٤٨.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.
[ ٢٤٩ ]
وتأتي مبين من (أبان) بمعنى أظهر، أي: المتعدي كما في الآية: ﴿مُبِينٌ (٦٩)﴾ أي مظهر، مظهر للأحكام وغير الأحكام، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^١) فما من شيء يحتاج الناس إليه إلا وجد في القرآن، لكن وجوده في القرآن: إما أن يكون على وجه صريح، أو على وجه ظاهر، أو على وجه الإيماء والإشارة، أو على وجه الشمول والعموم، أو على وجه اللزوم، فالمهم أن القرآن مبين لكل شيء، تارة يذكر الدليل على المسألة، وتارة يذكر التوجيه إلى الدليل فمثلًا: هناك مسائل لا توجد في القرآن وهي من أهم أحكام الإسلام كعدد الركعات في الصلوات، وتقدير أنصبة الزكاة، وما يجب فيها، وما أشبهها لكن في القرآن ما يشير إليه مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٢) فهذه الآية إذا وجهتها إلى السنة شملت جميع السنة، وشرعنا كله لا يعدو الكتاب والسنة، إذًا فالقرآن مبين لكل شيء، وهو أيضًا مبين لكل ما سبقنا من الحوادث التي يكون في بيانها مصلحة كقصص الأنبياء، وقصص الأولياء، وقصص المكذبين للرسل وغير ذلك، فكل ما سبق مما فيه مصلحة لنا فهو مذكور، أما ما ليس فيه مصلحة فإنه لا حاجة إلى ذكره، وقد يكون هذا الشيء الذي لم يذكر موكولًا إلى عقول الناس وتجاربهم، كما في كثير من طبائع الأشياء الأمور الطبيعية سواء الفلكية، أو الجولوجية، أو غير ذلك نجد أن القرآن لم
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٨٩.
(٢) سورة الحشر، الآية: ٧.
[ ٢٥٠ ]
يفصلها ولم يبينها؛ لأنه ليس فيها فائدة، فائدتها تكمن في أن الناس يطلبونها وينظرون في آيات الله، ويتحركون حتى يدركوها، ولهذا تجد بعض المسائل التي يتنازع فيها الناس كمسألة دوران الأرض ليست موجودة في القرآن على وجه صريح، ولو كان هذا مما يتعين علينا اعتقاده إثباتًا أو نفيًا لكان الله ﷿ يبينه بيانًا واضحًا كما بين الأمور التي لابد لنا من الاعتقاد فيها على وجه صريح، إذًا هذه موكولة للناس، واستخراج ما في الأرض من المعادن وغيرها من المصالح العظيمة التي لم يطلع عليها إلا أخيرًا هذه أيضًا لم تذكر في القرآن، وإن كان في القرآن إشارة إليها، لكنه لم تذكر على وجه التفصيل بل قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ (^١) وقطع من صيغ جموع التكثير لو تقول: "إنها ملايين القطع" لم يخرج عن دلالتها، هذه القطع لولا أنها تختلف في منافعها وذواتها وكل ما يتعلق بها ما قال الله ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إذًا هي متباينة. في هذه الآية تستطيع أن تقول: إن الله أرشدنا إلى استخراج المعادن من الأرض، لأن الله بين أنها قطع، وليست القطع التي فوق التراب فقط، ففيه أشياء كثيرة ما تعلم وربما تعلم في المستقبل، وربما بعضها علم الآن، فالقرآن مبين لكل شيء، وإذا تدبرت القرآن مرة بعد أخرى لا تعيد التدبر مرة ثانية إلا ظهر لك معنى جديدًا غير الأول، ولا يمكن لأحد أن يحيط بمعاني القرآن، لكن كلما تدبره الإنسان طالبًا للحق، مريدًا للصواب فإنه يهتدي إلى معاني كثيرة، سئل علي بن أبي طالب
_________________
(١) سورة الرعد، الآية: ٤.
[ ٢٥١ ]
-﵁- هل عهد إليكم رسول الله - ﷺ - بشيء - لأنه كان يروج في ذلك الوقت - من وقت علي والشيعة يروجون بأن النبي - ﷺ - عهد بالخلافة لعلي بن أبي طالب - ﵁ - فسئل هل عهد إليكم رسول الله - ﷺ - بشيء؟ يعني من الخلافة، أو من العلوم التي كتمها عن الناس؟ فقال: لا والذي برأ النسمة، وفلق الحبة إلا فهما يؤتيه الله تعالى من شاء في كتابه، وما في هذه الصحيفة، والذي في هذه الصحيفة العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر (^١). الشاهد قوله: "إلا فهمًا يؤتيه الله تعالى من شاء من كتابه" وهذا الفهم يختلف فيه الناس اختلافًا كثيرًا جدًّا جدًّا، ترى بعض العلماء يتكلم عن آية يستخرج منها فوائد محدودة معدودة، وترى آخر يتكلم عليها ويستخرج منها أضعافًا مضاعفة بالنسبة لما استخرجه الأول، وكل هذا بحسب استعداد الإنسان وفهمه وبصيرته، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا وتقوى ازداد هدى بالقرآن ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ (^٢).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: في هذه الآية رد وتكذيب للمشركين الذين قالوا: إن محمدًا - ﷺ - شاعر، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يصلح ولا يليق برسول الله - ﷺ - أن يكون شاعرًا؛ لأن مقام النبوة أسمى وأعلى من أن ينحط
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب كتاب العلم (١١١).
(٢) سورة محمد، الآية: ١٧.
[ ٢٥٢ ]
الإنسان إلى رتبة الشعراء.
وقد يقال: إن فيها ملاحظة البعد عن الشبه، بمعنى أنه ينبغي للإنسان أن يبتعد عن كل ما يوجب الشبهة حوله، فمقام النبوة الذي ادعي فيه أنه شعر ينبغي أن يبتعد الإنسان عمّا يوجب هذه الشبهة، ويؤيد هذا أن النبي - ﷺ - لما كان يمشي مع صفية - ﵂- فمر به رجلان فأسرعا فقال: "على رسلكما فإنها صفية بنت حيي" (^١) وهذه فائدة عظيمة؛ لأن بعض الناس يقول: ما دمت نزيهًا فلا يهمني أن يسيء الناس الظن بي. وهذا ليس بصحيح، وليس من حسن الرعاية لنفسه أن ينزل بها إلى هذا الحد، بل الإنسان مأمور أن يدفع عن نفسه الشبهات واللوم والظن.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم الذي علمه رسول الله - ﷺ - ذكر، وقد تقدم في التفسير أنه ذكر من ثلاثة أوجه.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما تمسك المسلمون بهذا الكتاب العزيز فإنهم يزدادون عزة وشرفًا؛ لأن المعلق على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف، ويضعف بضعف ذلك الوصف.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن مبين لكل شيء، فكل شيء يحتاج الناس إليه فهو مبين؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الاعتكاف، باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه (٢٠٣٨) ومسلم، كتاب السلام، باب بيان أن يستحب لمن رؤي خاليًا بامرأة وكانت زوجة أن يقول: هذه فلانة (٢١٧٥).
[ ٢٥٣ ]