لم يعتبر تأكيد الإرسال، مع أنَّه بلا شك مؤكد.
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾ قال المؤلف - ﵀ -[التبليغ المبين (^١) الظاهر، بالأدلة الواضحة، هذا حصر حقيقي أي: ما عليهم في جانب الرسالة إلَّا البلاع المبين في جانب الرسالة، فقولنا: (في جانب الرسالة) يقتضي أن يكون حصرًا إضافيًّا، لأن عليهم سوى البلاع أن يقوموا بعبادة الله الخاصة التي هي غير التبليغ، لكن هي بجانب الرسالة ما عليهم إلَّا البلاغ المبين، قال المؤلف: [التبليغ] كلمة بلاغ بمعنى تبليغ، فهي اسم مصدر من بلغ يبلغ، كما يقال: كلم يكلم، المصدر كلام، واسم المصدر كلام، بلغ يبلغ تبليغًا هذا مصدر، واسم المصدر بلاغ، أما تفسير المبين بالبين فهذا قد يقال: إن فيه نظرًا؛ لأن الظاهر أن المبين بمعنى المظهر، يعني البلاع المظهر لحقيقة الأمر الواقع، وهو أننا رسل من عند الله، وسبق لنا أننا فسرنا المبين بالمظهر على وجه صحيح صار متضمنًا لكونه بينًا، إذ لا يكون الشيء مبينًا إلَّا وهو بين في نفسه، أما قوله - ﵀ -: [التبليغ البين الظاهر بالأدلة الواضحة، وهي: إبراء الأكمه، والأبرص، والمريض، وإحياء الموتى، هذا ليس بصحيح؛ لأن هذا مبني على أنهم رسل عيسى ﵊، والأمر ليس كذلك، لكن عليهم التبليغ البين بالرسالة فيبلغون تبليغًا بينًا.
في القصة فوائد كثيرة منها:
١ - بيان ضرب الأمثال ليعتبر بها لقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ
_________________
(١) في بعض النسخ (البين).
[ ٦٠ ]
مَثَلًا﴾، والخطاب كما سبق إما للرسول - ﷺ - أو لكل من يتأتى خطابه.
٢ - أن العبرة بما في القصة من ضرب الأمثال، وأنه ليس من الضروري أن يعين المثل المضروب فهنا قال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾. ولم يعين القرية، ولم يعين أولئك الأصحاب بأعيانهم؛ لأنه ليس هذا محل عبرة، بل العبرة في القصة كلها.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله ﷿ لن يدع الخلق بلا رسل لقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾ وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾.
٤ - ومن فوائدها: بيان رحمة الله ﷿ في تعزيز الرسالة بالصيغة والعدد، لأنه قال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ فهنا التعزيز بالثالث تقوية فعلية، والتأكيد بـ (إنا) تقوية لفظية.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تعدد الرسل مع اتحاد المرسل إليه؛ لأن الله أرسل لهذه القرية اثنين ثم عززهما بثالث.
٦ - ومن فوائدها: أن الذين يكذبون الرسل ليس عندهم إلَّا المكابرة، وليس عندهم حجة عقلية أو نقلية لقولهم: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾ كل هذه الجمل الثلاث ليس فيها أي حجة تسوغ تكذيب هؤلاء الرسل، لأنك إذا رأيت هذه الحجج الثلاث أو الشبه لم تجد فيها حجة:
الأولى: أنهم ردوهم لأنهم بشر مثلهم، وقد سبق في التفسير بيان الرد عليها، وأنه لا يمكن أن يرسل للبشر إلَّا بشر
[ ٦١ ]
مثلهم، حتَّى لو أنزل إليهم ملائكة فإن الملائكة لابد أن يكونوا على صورة البشر، وحينئذ تعود الشبهة.
الثانية: ما أنزل الرحمن من شيء، فهذا نفي مجرد بدون ذكر حجة، وليس هذا بدليل للخصم إطلاقًا، لأن نفي قول الخصم بدون حجة ما هو إلَّا مكابرة.
الثالثة: وكذلك قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾.
٧ - فوائد الآية الكريمة: بيان أن المعاندين للرسل ليس عندهم إلَّا المكابرة المحضة كقولهم: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾.
٨ - أن حكمة الله ﷿ تقتضي أن يرسل للبشر بشرًا مثلهم.
٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التأكيد بما يشبه القسم لقولهم: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾. وهل هذا أقوى من التأكيد بالقسم، أو التوكيد بالقسم أقوى؟ الظاهر أن هذا أقوى من التوكيد بالقسم، لأنهم إذا قالوا ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾ وإن لم يكونوا مرسلين استلزم قولهم هذا وصف الله بالجهل والعجز والقصور، لأنهم إذا قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، ولم يكونوا مرسلين، معناه: أن الله علم الحال على خلاف ما كانت عليه، إذا فرضنا أن الله يعلم أنهم مرسلون وهم غير مرسلين في الواقع، لزم من ذلك أن يكون الله جاهلًا بحالهم، وأن يكون الله تعالى عاجزًا عن الانتقام منهم وبيان كذبهم، لأنهم سيقولون: إنا مرسلون، ويأخذون بمقتضى هذه الرسالة، والله تعالى يعلم
[ ٦٢ ]
أنهم غير مرسلين، وهذا يستلزم الجهل، إذًا فالتأكيد بمثل هذا أشد من التأكيد بالقسم لما يترتب عليه من اللوازم الخطيرة، ولهذا قال العلماء: لو قال قائل: الله يعلم أني ما فعلت كذا وهو فاعل قالوا: إن هذا يقتضي الكفر إذا كان يعلم معنى ما يقول، وما يلزم من قوله، ووجه ذلك ما أشرنا إليه آنفًا من كونه يستلزم أن يكون الله جاهلًا وعاجزًا.
١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التأكيد بعدة مؤَكدات في جانب المنكر، بل قد نقول: إن التأكيد واجب إلَّا لفائدة، لقوله هنا: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾ وقد سبق أن الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات.
١١ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ليس عليهم هداية الخلق، وإنَّما عليهم إبلاغ الرسالة فقط، لقولهم: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾.
١٢ - ومن فوائدها أيضًا: أنَّه يلزم الرسل أن يكون بلاغهم مبينًا مظهرًا للأمر على حقيقته.
١٣ - ويتفرع على ذلك أنَّه لا إبهام في الشرائع، وأن الشرائع كلها واضحة، فإن جاء إبهام في نص، فهو مبين موضح في نص آخر، وإن بقي الإبهام قائمًا فالعلة في فهم المخاطب، إما لقصوره، أو لتقصيره، أما ما جاءت به الرسل فإنه يحصل به البلاغ المبين المظهر لكل ما تحتاج إليه الرسالة، لقوله: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾.
* * *
[ ٦٣ ]