الخطاب في هذه الآية للرسول - ﷺ - ومعنى ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ أي لا يوقعك في الحزن، والحزن هو الندم والهم والتأسف لما مضى، والخوف هو الهم والترقب لما يستقبل. ولا شك أن هؤلاء المكذبين للرسول - ﷺ - يقولون في الله ﷿، ويقولون في رسول الله - ﷺ - قولًا عظيمًا، والنبي - ﷺ - يحزن لهذا؛ لأنه أنصح الخلق للخلق، فيحزنه أن يتكلم هؤلاء بما عاقبته سيئة عليهم، وإن كان هذا لا يضره، ولكن يحزن، فقال الله ﷿: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (^١) أي: لعلك مهلك نفسك لعدم إيمانهم، وقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (^٢) والآيات في تسلية الرسول ﵊ وتقويته على التحمل والصبر على تكذيب هؤلاء كثيرة، وقد قالوا أشياء كثيرة:
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (^٣) وهذا طعن في الألوهية.
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية: ٣.
(٢) سورة النحل، الآية: ١٢٧.
(٣) سورة ص، الآية: ٥.
[ ٢٨٦ ]
وقالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ (^١) وهذا طعن في الرسالة، وقالوا: إن محمدًا - ﷺ - مجنون، وشاعر، وكاهن، وساحر، وهذا أيضًا عيب في شخصية الرسول - ﷺ -، ومن المعلوم أن الإنسان بشر سوف يتأثر إذا صودمت دعوته في لبها وأصلها وقيل: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ والإنسان إذا صودم قوله الفقهي مثلًا يحس بنفسه بضغط، لكن إذا كان سيهدم أصله يكون أشد وأعظم، وإذا عيب عيبًا ذاتيًّا يكون أشد وأشد.
ولهذا يُسلي الله نبيه محمدًا - ﷺ - في مثل هذه التوجيهات ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾.
﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾. هنا يجب الوقوف على قوله: ﴿قَوْلُهُمْ﴾ لأنك لو وصلت لأوهم أن تكون جملة ﴿إِنَّا نَعْلَمُ﴾ من قولهم، وليست كذلك بل هي جملة استئنافية لبيان حال هؤلاء الذين يقولون ما يقولون في رسول الله - ﷺ - وما جاء به، وحالهم أنهم مهددون بعلم الله ﷿ لما يسرون وما يعلنون، ما يسرونه فيما بينهم، وما يعلنونه للناس، ما يسرونه في أنفسهم، وما يبدونه لغيرهم، فعندنا إسراران:
الإسرار الأول: إسرار الإنسان ما في نفسه بحيث لا يعلم به أحد.
الإسرار الثاني: إسرار الأمر بينهم فلا يخرج لغيرهم، ونضرب لهذا مثلًا:
هؤلاء قوم عددهم عشرة يتحدثون فيما بينهم بأمر من
_________________
(١) سورة الرعد، الآية: ٤٣.
[ ٢٨٧ ]
الأمور، لكن لا يخرج لغيرهم فهذا إسرار، وأحد هؤلاء العشرة أضمر في نفسه شيئًا لم يخبر به زملاءه فهذا أيضًا إسرار.
فقوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يشمل هذا وهذا، أي: ما أسره كل إنسان في نفسه، وما أسروه فيما بينهم دون أن يعلنوه لغيرهم، وفي هذا من التهديد ما هو ظاهر، فالله تعالى يعلم ما يسرونه وما يعلنونه، وسوف يجازيهم على ذلك يوم القيامة.
* * *