﴿وَذَلَّلْنَاهَا﴾ أي: سخرناها وجعلناها ذليلة تنقاد لهم، وينتفعون بها كما يشاؤون، ولهذا نجد الصبي الصغير يقود هذا الجمل الكبير، وقد ذلل له ويقوده حيث شاء، بل إن الإنسان يقود البعير الكبير الجسم إلى مكان نحره وينقاد معه، ثم قسم الله ﷿ وجوه الانتفاع فقال: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ الركوب فعول، بمعنى: مركوب، أي: فمنها ما يركبونه، مثل الإبل.
﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ مثل الغنم، ومنها ما يجمع بين الأكل والركوب مثل الإبل، فهذه الأنعام منها: ما يركب ويؤكل، ومنها ما يؤكل ولا يركب. وإذا قلنا: إن الآية أعم مما قال المؤلف، فإننا نقول: منها ما يركب ولا يؤكل، مثل: البغال والحمير والفيلة وغيرها.
فالله ﷿ جعل لهذه الأنعام فوائد متعددة: من الأكل والركوب، وفي سورة النحل ذكر أيضًا من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين. فالمنافع كثيرة في هذه الأنعام التي خلقها الله ﷿ لنا. وقوله ﷾: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ ﴿من﴾ في الموضعين هل هي للتبعيض، أو للابتداء، أو للجنس؟
مقتضى التقسيم أن تكون للتبعيض، أي: بعضها يركب وبعضها يؤكل.
[ ٢٧١ ]
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله ﷾ علينا بتذليل هذه الأنعام، ولو استعصت علينا ما تمكنا من الانتفاع بها، ولهذا لما ند بعير من الإبل في عهد الرسول - ﷺ - أدركه رجل بسهم فقال النبي - ﷺ -: "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فما ندّ منها فاصنعوا به هكذا" (^١)، فهذه البعير تمردت على أهلها ولم يدركوها إلا بالسهم.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن أفعال المخلوقات مخلوقة لله، لقوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ لكنها مفعولة للفاعل مباشرة. فهي تنسب لله ﷿ تقديرًا وخلقًا، وتنسب إلى الفاعل كسبًا وعملًا، فهذه الإبل المذللة الذي ذللها هو الله، إذًا أفعالها صادرة بخلق الله ﷿. وهذا هو المذهب الصحيح في هذه المسألة، أي مسألة أفعال العباد هل هي مخلوقة لله، أو هي للعباد استقلالًا؟ والمسألة فيها ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: مذهب الجبرية، الذين يقولون: إن خلق الله ﷿ شامل لكل حركة في السماوات والأرض، وإن الإنسان مجبور على عمله ليس له فيه اختيار، بل الحركة الإرادية الاختيارية، كالحركة الإجبارية التي ليس له فيها إرادة.
ويقولون: إن أفعال الإنسان كحركة السعفة بالريح ليس
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش، (٥٥٠٩).
[ ٢٧٢ ]
باختياره، فيقال لهم: إن هذا يلزم منه الفوضى بحيث يفعل كل إنسان ما شاء ويقول: هذا بغير اختياري، وأنا مجبور عليه، ويلزم منه أيضًا: أن الله إذا عذب الإنسان على معصية كان ظالمًا له، ويلزم عليه أن مدح الطائعين لغو لا فائدة منه؛ لأنه لا يمدح الإنسان على أمر يجبر عليه بدون اختياره، ويترتب عليه أيضًا: أن ذم العاضين ظلم؛ لأنه ذم لمن لا يختار هذا الفعل. وكما أنه يترتب عليه هذه اللوازم الباطلة فهو أيضًا مخالف للواقع، فإن الإنسان يجد الفرق بين فعله الاختياري، وبين فعله الاضطراري، يجد الفرق بين أن ينزل من السلم درجة درجة وبطمأنينة واختيار، وبين أن يأتي شخص ويدفعه دفعًا، حتى لا يتمكن من الوقوف، فالأمر واضح من الناحية الواقعية العقلية، أن هذا القول باطل من أبطل الأقوال. لكن الذي غرّ أصحابه أن الله ﷿ ذكر أنه خلق كل شيء، وأنه قدر كل شيء، وأنه لا يكون في ملكه ما لا يريد إلى غير ذلك من الأشياء التي يتعللون بها، لكنهم في الحقيقة نظروا إليها وغفلوا عن النصوص الأخرى الدالة على أن الإنسان فاعل باختياره، ولهذا قابلهم:
أصحاب المذهب الثاني: الذين نظروا إلى النصوص الدالة على أن الإنسان فاعل باختياره وإلى الواقع، فأنكروا أن يكون لله ﷿ إرادة، أو خلق في أفعال العباد، وقالوا: إن العبد مستقل بعمله يفعل ما يشاء، ويترك ما يشاء، وليس لله ﷾ تعلق بفعل العبد.
وهؤلاء أقرب إلى المعقول من أولئك القوم؛ لأن الإنسان
[ ٢٧٣ ]
لا شك يجد أنه فاعل بالاختيار، فهو يدخل بيته، ويخرج من بيته، ويأتي للمسجد، ويخرج من المسجد، ويختار هذا الفعل على وجه اختياري لا يشعر أبدًا بأن أحدًا يجبره على ذلك، ولكن ظل هؤلاء بسلبهم إرادة الله ﷿ وخلقه عن أفعال الخلق واعتقادهم أن الإنسان مستقل بما يحدثه، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لمشابهتهم للمجوس في إثبات فاعلين للحوادث، وهم يقولون بإثبات فاعلين للحوادث. الذي من فعل الله، هذا من فعل الله، والذي من فعل الإنسان، وهذا من فعل الإنسان مستقلًا بها، فلهذا سموا مجوس هذه الأمة. وهؤلاء لا شك أنهم ضالون؛ لأنهم أخرجوا شيئًا في ملك الله عن ملك الله.
المذهب الثالث: أهل السنة والجماعة توسطوا بين القولين وأخذوا بالدليلين، وقالوا: إن الإنسان لا شك يفعل باختياره، ويدع باختياره، وإن له إرادة تامة وقدرة، والذي خلق هذه الإرادة والقدرة هو الله ﷿، فلو شاء الله ﷾ لسلبه الإرادة، ولو شاء لسلبه القدرة، ولذلك إذا سلب الله العبد الإرادة لم يترتب على فعله حكم، فالمجنون - مثلًا - لا يؤاخذ بأفعاله؛ لأنه لم يفعلها باختياره والعاجز لا يكلف ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^١) إذًا فالله ﷾ هو الذي خلق الإرادة والقدرة في الإنسان، قالوا: والإرادة والقدرة هما السبب في وجود الفعل، فلولا الإرادة ما فعلت، ولولا القدرة ما فعلت، فالإرادة والقدرة هما سبب وجود الفعل، وإذا كانا مخلوقين لله
_________________
(١) سورة التغابن، الآية: ١٦.
[ ٢٧٤ ]
فإن خالق السبب خالق للمسبب، فيضاف فعل العبد إلى الله من هذه الناحية، أي أن الله هو الذي أوجد فيه سبب الفعل، فصار بذلك فاعلًا. كما أن الإحراق مثلًا بالنار ينسب إلى النار، والذي أودع فيها هذه القوة هو الله ﷿، فلذلك صار إحراق النار بفعل النار مباشرة، لكنه بتقدير الله ﷾ خلقًا، وهذا الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، هو المطابق للمنقول والمعقول والواقع؛ لأنه يجمع بين الأدلة الشرعية، ويصدق الأدلة الحسية. فالأدلة الشرعية إذا جمعتها من أطرافها وجدت أنها تنصب في طريق واحد، وهو الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، ولولا هذا الاعتقاد لشُلت الحركة ولصار الإنسان اتكاليًّا لا يقول ولا يفعل، ولولا هذا الاعتقاد لم يلجأ الإنسان إلى ربه ﷿ في مهماته وملماته، فهو باعتبار أنه مريد فاعل، يتحرك ويعمل، وباعتبار أنه مخلوق مدبر، يرجع إلى الله ﷿، فلا يكون اتكاليًّا، ولا يكون أنانيًّا. يعني أنه لن يستغني بنفسه عن ربه، ولن يكون اتكاليًّا يقول: إن قدر لي شيء صار، بل هو يعمل مستعينًا بالله معتمدًا عليه.
٣ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن لنا أن ننتفع بهذه الأنعام بالركوب، ولكن بشرط أن لا يكون في ذلك مشقة عليها، فإن كان في ذلك مشقة كان حرامًا؛ لأن المشقة تعذيب لها في غير محله.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: جاز الاترداف على الدابة لعموم قوله: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ ولكنه مقيد بما أشرنا إليه أن لا يكون
[ ٢٧٥ ]
في ذلك مشقة.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: حل هذه الأنعام، أو حل بعضها إذا جعلنا "من" للتبعيض وجعلنا "الأنعام" أعم من "بهيمة الأنعام" والحل في الأنعام كلها هو الأصل، ولهذا لو تنازع شخصان في أن هذا الحيوان حلال أو حرام، لكان القول قول من يقول بالحل حتى يقوم دليل على التحريم وذلك:
أولًا: لعموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (^١).
ثانيًا: لعموم قوله: ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ فالأصل هو الحل حتى يقوم دليل على المنع، لكن هذا الحل مقيد بشروط الذكاة المعروفة؛ لأنها إذا لم تذك البهيمة الحلال ذكاة شرعية صارت حرامًا لا تحل، فهذا الإطلاق ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ مقيد بشروط وهو أن يكون مذكًا بذكاة شرعية، ومع هذا إذا اضطر الإنسان إليه حل له ولو لم يذك لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (^٢).
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز تعذيب الحيوان إذا لم تتم المصلحة إلا به، لأن الأكل مصلحة، ولكن لا أكل إلا بعد الذبح، والذبح من أعظم ما يكون من الإيذاء، ولأن الشرع جاء بإباحة وسم البهائم بالنار من أجل حفظ ماليتها، ولأن الشرع جاء بمشروعية إشعار الإبل والبقر في الهدي ليعلم أنها هدي،
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٩.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٣.
[ ٢٧٦ ]
وإشعارها هو شق صفحة سنامها حتى يسيل منها الدم، وعلى هذا إذا احتجنا إلى تعذيب الحيوان من أجل حفظ ماليته أو غير ذلك فإنه لا بأس به، مثل ما يفعله بعض الناس الآن في الحمام إذا أراد أن تربي عنده فإنه ينتف مقدم الأجنحة لئلا تطير، حتى تألف المكان وتربى فيه، يقولون: لو أننا قصصناها قصًّا ما نبت لها ريش بسرعة. فلهذا يختارون أن ينتفوها نتفًا من أجل أن ينبت الريش بسرعة وتستعد للطيران.
* * *