هذه الجملة شرطية، فعل الشرط قوله ﴿نُعَمِّرْهُ﴾ وجوابه: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ يقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ أي: نجعل عمره طويلًا، ولهذا قال المؤلف -﵀-[بإطالة أجله ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ وفي قراءة بالتشديد من التنكيس]، القراءة التي جعلها المؤلف أصلًا (نُنْكِسْهُ) من الإنكاس، والقراءة التي في المصحف ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ من التنكيس، والإنكاس والتنكيس بمعنى الرد من حال كاملة إلى حال ناقصة، وقوله: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ أو ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ ﴿فِي الْخَلْقِ﴾ يقول المؤلف في تفسيرها: [أي: خلقه، فيكون بعد قوته وشبابه ضعيفًا وهرمًا]. فكلما طال العمر بالإنسان فإنه يرجع للوراء، ليس في القوة البدنية فحسب، بل في القوة العقلية، والقوة البدنية، والقوة الفكرية، فيضعف ويعود إلى أرذل العمر، كما قال الله ﷿، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ
[ ٢٣٩ ]
شَيْئًا﴾ (^١)، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ (^٢) والغرض من هذا التنبيه -وإن كان أمرًا واقعًا وكل يعرفه- الغرض منه أن يبادر الإنسان عمره مادام في قوته وشبابه، لأنه سيأتيه اليوم الذي لا يكون عنده تلك القدرة البدنية، ولا القدرة الفكرية، ويكون تفكيره محدودًا كتفكير الصبي لا يفكر إلا بما يحيط به جدران بيته، ويكون عقله كذلك محدودًا لا يستطيع أن ينظر ويعقل، ويفكر في الأمور، ويوازن بينها ويحكم عليها، كذلك أيضًا يكون حفظه للأشياء محدودًا، فيمر به الشيء في الصباح ولا يستطيع التعبير عنه في المساء، وكل هذا أمر واقع وظاهر، بل من الناس من يسلب عقله نهائيًا، وربما يصل إلى حد يشبه الجنون فيؤذي أهله بالصراخ والعويل والأناشيد وما أشبه ذلك حسب ما كان عليه حين الصغر، حتى قيل: إن الإنسان إذا كان جمالًا مثلًا، وكان ينشد الأشعار تجده إذا كبر وهرم يبدأ ينشد هذه الأشعار فكل هذا أمر لابد منه، ولهذا قال الشاعر:
لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم
فكل إنسان عاقل إذا تذكر أن مآله إما موت عاجل، وإما هرم، فإنه لا يطيب له العيش، ولكن العاقل ليس معنى أنه لا يطيب له العيش أنه يبقى في ندم وفي حزن، بل يسعى ويستعد لهذه الحال التي لابد منها، ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾. قال المؤلف -﵀-: [إن القادر على ذلك المعلوم عندهم قادر على البعث فيؤمنون به،
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٧٠.
(٢) سورة الروم، الآية: ٥٤.
[ ٢٤٠ ]
وفي قراءة بالتاء] أي: (أفلا تعقلون)، وهي سبعية كما تقدم من اصطلاح المؤلف. هكذا قال المؤلف ﵀: إن المراد الاستدلال بتغيير حال الإنسان إلى هذه الحالة الدانية على أن الله تعالى قادر على أن يبعثهم، وهذا الذي قاله ممكن، لكن أحسن منه أن يقال: إن معنى قوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ أفلا يكون لكم عقل فتبادروا أعماركم قبل أن تصلوا إلى هذه الحال؟ تبادروها بالإيمان والعمل الصالح ما استطعتم، حتى إذا وصلتم إلى هذه الحالة، وإذا أنتم على أتم استعداد لها، وغالبًا أن الإنسان الذي يمضي وقته بطاعة الله ﷾ إذا هرم تجده لا يهتم إلا بالطاعات، كثير من المسلمين إذا هرموا تجده يقول: أين الماء؟ أريد أن أتوضأ، أو تجده يصلي دائمًا، أو تجده يقرأ القرآن دائمًا، أو يذكر الله تعالى دائمًا، وهذا من نعمة الله ﷾ أن الإنسان يهرم على الحال التي يكون عليها، وعكس ذلك سيكون بالعكس من كان في حال قوته وشبابه على غير هذا العمل الصالح سوف يكون هذيانه إذا كبر بهذا العمل السيء، نسأل الله العافية والسلامة.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان حال الإنسان وأنه ينتقل من طور إلى طور، وقد بين الله ﷿ ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ (^١). لكن هذه
_________________
(١) سورة الروم، الآية: ٥٤.
[ ٢٤١ ]