قال السيد محمد الطباطبائيّ- أحد أعلام الإمامية- في كتابه «مفاتيح الأصول» في: باب أدلّة الأحكام في القول في الكتاب الكريم. ما مثاله:
اختلفوا في أنّ القراءات السبع المشهورة، هل هي متواترة، أو لا؟ على أقوال:
الأول: إنها متواترة مطلقا، وإن الكلّ مما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين. هو للعلامة ابن المطهر، وابن فهد، والمحقق الثاني في المعالم، والشهيد الثاني في المقاصد العلية، والمحدث الحر العامليّ، والمحكيّ عن الفاضل الجواد، وفي شرح الوافية للسيد صدر الدين، معظم المجتهدين من أصحابنا حكموا بتواتر القراءات السبع. وفي التفسير الكبير للرازيّ: ذهب إليه الأكثرون.
الثاني: إن القراءات السبع منها ما هو من قبيل الهيئة كالمدة واللين وتخفيف
[ ١ / ١٩٦ ]
الهمزة والإمالة ونحوها، وذلك لا يجب تواتره وغير متواتر. ومنها: ما هو من جوهر اللفظ كملك ومالك وهذا متواتر. وهذا للفاضل البهائيّ، وابن الحاجب في مختصره، والعضديّ في شرحه.
الثالث: إنها ليست بمتواترة مطلقا لو كانت من جوهر اللفظ، وهو للشيخ في «التبيان» ونجم الأئمة في «شرح الكافية»، وجمال الدين الخونساريّ، والسيد نعمة الله الجزائريّ، والشيخ يوسف البحرانيّ، والسيد صدر الدين، والمحكيّ عن ابن طاوس في كتاب «سعد السعود»، والرازيّ، والزمخشريّ، وإليه يميل كلام الحرفوشيّ.
للقول الأول وجوه:
منها: تضمن جملة من العبارات الإجماع على تواتر السبع: وقد يناقش فيه:
أولا: بأنّ غاية ما يستفاد- مما ذكر- الظن بتواتر السبعة، ومحل الكلام حصول العلم به. وثانيا: باحتمال أن يريدوا ما ذكره الشهيد الثاني في «المقاصد العلية» وولد الشيخ البهائي فقالا: «ليس المراد أن كل ما ورد من هذه القراءات متواتر، بل المراد انحصار المتواتر الآن فيما نقل من هذه القراءات، فإن بعض ما نقل عن السبعة شاذّ فضلا عن غيرهم» انتهى.
وباحتمال أن يريدوا جواز القراءة بالسبعة. وفي هذين الاحتمالين نظر لبعدهما عن ظاهر العبارة فتأمل! وثالثا: بالمعارضة بما ذكره الشيخ في «التبيان» من أن المعروف من مذهب الإمامية، والتطلّع في أخبارهم ورواياتهم، أن القرآن نزل بحرف واحد على نبيّ واحد. فتأمل!.
ومنها: ما
روي عن النبي ﷺ قال: «نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف واف»
فإن المراد من الأحرف القراءات. وقد يناقش فيه:
أولا: بضعف السند. سلمنا الصحة. ولكنه خبر واحد، فلا يفيد العلم بالمدّعى.
وثانيا: بضعف الدلالة، لعدم الدليل على إرادة القراءات من الأحرف. وقد اختلفوا في تفسيرها.
ومنها: أن القراءات السبع لو لم تكن متواترة، ومن القرآن المنزل، لوجب أن يتواتر ذلك، ويعلم عدم كونها منه، والتالي باطل فالمقدّم مثله. أما الملازمة فلأن العادة قاضية بأنه يجب أن يكون ما ليس بقرآن معلوما أنه ليس بقرآن لتوفر الدواعي
[ ١ / ١٩٧ ]
على تمييز القرآن عن غيره، وهو مستلزم لذلك. وفيه نظر.
ومنها: ما تمسك به العلامة في «نهاية الأصول»، والحاجبيّ في «مختصره»، والعضديّ في «شرحه» من أن القراءات السبع «لو لم تكن متواترة لخرج بعض القرآن عن كونه متواترا- كما لك وملك وأشباههما- والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الشرطية أنهما وردا عن القراء السبعة، وليس تواتر أحدهما أولى من تواتر الآخر، فإمّا أن يكونا متواترين وهو المطلوب، أو لا يكون شيء منهما بمتواتر وهو باطل، وإلّا يخرج عن كونه قرآنا، وهذا خلف» . وأورد عليه جمال الدين الخونساريّ فقال: «لا يخفى أن دليل وجوب تواتر القرآن- وهو توفر الدواعي على نقله- لو تم إنّما يدل على وجوب تواتره إلى زمان الجمع. وأمّا بعده، فالظاهر أنهم اكتفوا فيه بتكثير نسخ هذا الكتاب الذي جمع، بحيث يصير متواترا في كل زمان، واستغنوا به عن جعل أصل القرآن المنزل متواترا بالحفظ من خارج، كيف وقد عرفت أن الظاهر أنه لم يقع التواتر في كثير من أبعاض القرآن إلّا بهذا الوجه، وهو وجوده في هذا الكتاب المتواتر، على هذا، فالاستدلال على تواتر القراءات السبع بما ذكره العضديّ ضعيف جدا، إذ بتواتر ذلك الكتاب- على الوجه المذكور- لا يعلم إلّا تواتر إحدى القراءات لا بعينها. لا خصوص بعضها ولا جميعها. فالظاهر أنه لا بد- في إثبات تواترها- من التفحص والتفتيش في نقلتها ورواتها، فإن ظهر بلوغهم إلى حد التواتر فهو متواتر وإلّا فلا. والذي ظهر لنا من خارج، شهرة القراءات السبع دون ما عداها، وأما بلوغ الجميع أو بعضها حد التواتر فكأنه لا يظهر في هذه الأعصار.
وللقول الثاني: على تواتر ما هو من جوهر اللفظ، الوجه الأخير الذي تمسّك به الجماعة المتقدم إليهم الإشارة لإثبات تواتر السبع، وعلى عدم تواتر ما هو من قبيل الهيأة- كالمدّ واللين والإمالة وغيرها- ما ذكره بعض من أنّ القرآن هو الكلام، وصفات الألفاظ- أعني الهيأة- ليست كلاما. وأورد عليه الباغنويّ فقال: «هاهنا بحث، وهو أنه لا شك أن القرآن هاهنا عبارة عن اللفظ. وكما أنّ الجوهر جزء ماديّ له، كذلك الهيأة جزء صوريّ له. فإذا ثبت أن القرآن لا بد أن يكون متواترا ثبت أن الهيأة لا بدّ أن تكون متواترة أيضا. ولو سلم أنّ الهيأة ليست جزءا للفظ فلا شك أنها من لوازمه. ولا يمكن نقله بدون نقلها، فإذا تواتر نقله تواتر نقلها. فإن قلت: نقله لا يستلزم نقلها بخصوصها بل إنما يستلزم نقل إحداهما لا بعينها، فاللازم تواتر القدر المشترك بين الهيئات، والظاهر أنّ الهيئات المخصوصة لا يوجب تواترها، فلا منافاة.
قلت: ما ذكر من توفر الدواعي على نقل القرآن لا يجري في الجواهر المخصوصة
[ ١ / ١٩٨ ]
أيضا، إذ كما أن اختلاف بعض الهيئات لا يؤثر في صلاحية كون القرآن متحدى به، وفي كونه من أصول الأحكام، كذلك اختلاف بعض الجواهر لا يؤثر في ذلك، فلم يلزم أن كلّ ما هو من قبيل الجوهر لا بدّ أن يكون متواترا، فليتأمّل !» انتهى.
واعترض عليه جمال الدين الخونساري فقال- بعد الإشارة إليه-: «لا يخفى أن ما ذكر من دليل وجوب تواتر القرآن- وهو توفّر الدواعي على نقله للتحدي به ولكونه أصل سائر الأحكام- لا يدل إلا على وجوب تواتر مادته وهيأته التي يختلف باختلافها المعنى والفصاحة والبلاغة. وأمّا ما يكون من قبيل الأداء بالمعنى الذي ذكر، فلا يدلّ على وجوب تواتره، إذ لا مدخل له فيما هو مناط توفّر الدوعي. أمّا استنباط الأحكام فظاهر. وأمّا التحدي والإعجاز فلأنهما لا يوجبان إلا نقل أصل الكلام الذي وقعا به من مادّته وصورته التي لهما مدخل فيهما. وأمّا الهيأة التي لا مدخل لها في ذلك- كالمدّ واللين مثلا- فلا حاجة إلى تواترهما. بل يكفي فيهما الحوالة إلى ما هو دأب العرب في كلامهم في المد في مواضعه، واللين في مواقعه، وكذا في أمثالهما» .
ثمّ قال: «لا يخفى أنه إذا جوز تغيير بعض الجواهر، مما يكون من هذا القبيل، فقد يؤدي خطأ إلى تغيير ما يختلف ويختل به المعنى والفصاحة والبلاغة، فلا بد من سد ذلك الباب بالكلية، حذرا من أن ينتهي إلى ذلك، وأما تحريف النقلة في المد واللين وأمثالهما فلا يخل بشيء، إذ يكفي فيهما الرجوع إلى قوانين العرب فيهما. فإذا نقل إلينا متواترا جوهر الكلام وهيأته التي لها دخل في المعنى والفصاحة والبلاغة، فلنرجع في المد واللين وأمثالهما إلى قوانين العرب، ولا حاجة إلى أن يتواتر عندنا أنّه في أيّ موضع مدّ، وفي أيّ موضع قصر، وهو ظاهر» .
وللقول الثالث وجوه:
منها:
خبر الفضيل بن يسار قال: «قلت لأبي عبد الله ﵇: إنّ الناس يقولون: نزل القرآن على سبعة أحرف، فقال: بل نزل على حرف واحد من عند واحد» .
ويؤيّده
خبر زرارة عن أبي جعفر ﵇ قال: «إنّ القرآن واحد نزل من عند الواحد»
ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة.
ومنها: ما ذكره السيد نعمة الله من أنّ كتب القراءة والتفسير مشحونة من قولهم: قرأ حفص وعاصم كذا، وفي قراءة عليّ بن أبي طالب وأهل البيت عليهم
[ ١ / ١٩٩ ]
السلام كذا، بل ربما قالوا: وفي قراءة رسول الله ﷺ كذا، يظهر من الاختلاف المذكور في قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين. والحاصل أنهم يجعلون قراءة القراء قسيمة لقراءة المعصومين. فكيف تكون القراءات السبع متواترة عن الشارع تواترا يكون حجة على الناس؟
ومنها: ما ذكره السيد المذكور أيضا من أن قراءات السبع استندوا بالقراءات بآرائهم، وإن أسندوا بعض قراءاتهم الى النبيّ ﷺ، فلا يجوز أن يدعي تواتر قراءاتهم. وذلك لأن المصحف الذي وقع إليهم خال من الإعراب والنقط. كما هو الآن موجود في المصاحف التي هي بخط مولانا أمير المؤمنين ﵇ وأولاده.
وقد شاهدنا عدة منها في خزانة الرضا ﵇. نعم ذكر جمال الدين السيوطيّ في كتابه الموسوم ب «المطالع السعيدة»: أن أبا الأسود الدؤلي أعرب مصحفا واحدا في خلافة معاوية. وبالجملة: لما وقعت إليهم المصاحف على ذلك الحال تصرفوا في إعرابها ونقطها وإدغامها وإمالتها ونحو ذلك من القوانين المختلفة بينهم على ما يوافق مذهبهم في اللغة والعربية، كما تصرفوا في النحو، وصاروا إلى ما دوّنوه من القواعد المختلفة.
قال محمد بن بحر الرهنيّ: «إن كل واحد من القراء قبل أن يتجدد القارئ الذي بعده كانوا لا يجيزون إلا قراءته، ثم لما جاء القارئ الثاني انتقلوا عن ذلك المنع إلى جواز قراءة الثاني، وكذلك في القراءات السبع، فاشتمل كلّ واحد على إنكار قراءته، ثم عادوا إلى خلاف ما أنكروه، ثم اقتصروا على هؤلاء السبعة، مع أنه قد حصل في علماء المسلمين والعالمين بالقرآن أرجح منهم، مع أنّ في زمان الصحابة ما كان هؤلاء السبعة إلخ» . ومنها: ما ذكره الرازيّ في تفسيره الكبير فإنّه قال: «اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالتواتر، وفيه إشكال، وذلك لأنا نقول هذه القراءات، إمّا أن تكون منقولة بالنقل المتواتر، أو لا تكون، فإن كان الأول فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أنّ الله قد خيّر المكلفين بين هذه القراءات وسوّى بينها بالجواز، وإذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على بعض واقعا، على خلاف الحكم الثالث بالتواتر، فيجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للفسق إن لم يلزمهم الكفر، كما ترى أنّ كلّ واحد من هؤلاء القراء يختصّ بنوع معين من القراءة، ويحمل الناس عليه ويمنعهم عن غيره. وأمّا إن قلنا: إنّ هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر، بل بطريق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع وذلك باطل بالإجماع» . ثمّ قال: «ولقائل أن يجيب عنه
[ ١ / ٢٠٠ ]
فيقول: بعضها متواتر، ولا خلاف بين الأمة فيه، وفي تجويز القراءة بكل واحد منها.
وبعضها من باب الآحاد، وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بالكلية عن كونه قطعيا» انتهى.
ومنها: أنها لو كانت متواترة لكان ترك البسملة من أوائل السور، عدا الحمد، متواترا. لأنه من قراءة بعض السبعة، فيلزم جواز تركها في الصلاة، وهو باطل للأدلة الدالة على عدمه، وقد بيّناها في المصابيح.
ومنها: ما ذكره العلامة الشيرازيّ- فيما حكى عنه- من: «إن الذين يستند إليهم القراء سبعة. والتواتر لا يحصل بسبعة فضلا فيما اختلفوا فيه- ثم قال- أجيب عنه أولا: بأنا لا نسلم أن التواتر لا يحصل بسبعة لأنه لا يتوقف على حصول عدد معيّن، بل المعتبر فيه حصول اليقين. وثانيا: بأن التواتر ما حصل من هؤلاء السبعة لأن القارئين لكل واحدة من القراءات السبع كانوا بالغين حدّ التواتر، إلّا أنهم استندوا- كل واحد منهم- إلى واحد منهم، إما لتجرده بهذه القراءة، أو لكثرة مباشرته بها، ثم أسندوا الرواية عن كل واحد منهم إلى اثنين لتجردهما لروايتها» انتهى.
وفي جميع الوجوه المذكورة نظر.
والتحقيق أن يقال: إنه لم يظهر دليل قاطع على أحد الأقوال في المسألة. نعم يمكن استظهار القول الأول للإجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة بين الخاصة والعامة والمؤيدة بالمرويّ عن الخصال- كذا- المتقدم إليه الإشارة وغيره مما ذكره حجة عليه. ولا يعارضها خبر الفضيل وزرارة لقصور دلالتهما جدا. فإن المناقشة في
حديث «نزل القرآن على سبعة أحرف»
جار فيهما كما لا يخفى. ولا يقدح فيها ما ذكره السيد نعمة الله والرازيّ وغيرهما مما ذكر، حجة على القول الثالث، كما لا يخفى على المتدبر.
وينبغي التنبيه على أمور:
الأول: قال العلامة الشيرازيّ فيما حكي عنه: «السبع متواترة بشرط صحة إسنادها إليهم، واستقامة وجهها في العربية، وموافقة لفظها خط المصحف المنسوب إلى صاحبها كذلك- كمالك بالألف، وملك بغير الألف- المنسوب أولهما إلى الكسائي وعاصم بإسناد صحيح، مع كونه مكتوبا بالألف في مصحفهما، واستقامة وجهه في العربية» . ثم قال: «وفيه نظر، لأنّ المتواتر ما يفيد العلم، فإذا حصل ثبت أنه قرآن، والعربية ينبغي أن تكون متبعة بالقرآن دون العكس، ثم إنه لا
[ ١ / ٢٠١ ]
مدخل لموافقة الخط وعدمها عند ثبوت التواتر.
الثاني: اعلم أنه إذا قلنا بأنّ القراءات السبع كلها متواترة يقينا، فيتفرع عليه أمور: منها: جواز استفادة الأحكام الشرعية من كل منها، ومنها: وجوب الاجتناب من كل منها أصالة إذا كان محدثا. ومنها: لزوم الجمع بين القراءات عند تعارضها، كما يجب الجمع بين الآيات عند تعارضها. وإن قلنا بأنّ تواترها غير ثابت يقينا، فيتفرع عليه أمور منها: عدم وجوب الاجتناب عن جميع القراءات أصالة إذا كان محدثا، بل يجب من باب المقدمة على القول بأنّ المنهي عنه- إذا كان مشتبها بغيره وكان محصورا- وجب الاجتناب عن الجميع. وأمّا على القول بعدم وجوب ذلك فلا يجب الاجتناب- عمّا ذكر- لا أصالة ولا مقدّمة. ومنها: عدم جواز الاستدلال بشيء من القراءات، ولزوم الجمع بينها عند التعارض. لكنّ هذا إنّما يصحّ إذا منعنا الظنّ بتواترها، وأمّا إذا قلنا به، فيجوز الاستدلال بكلّ منها، ويجب الجمع بينها، كما إذا علم به، بناء على أنّ الأصل في كل ظن الحجية، فإن منع منه، ففي الأمرين نظر !» انتهى بحروفه ملخصا.