ورد عن النبي ﷺ، من رواية جمع من الصحابة أنافوا على العشرين- كما في الإتقان- وعدّ أبو عبيد
الحديث المرويّ فيه متواترا: «١»
أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
ومما
خرجه رواة الصحاح من طرقه: ما وقع لعمر بن الخطاب ﵁ «٢» وتلبيبه هشام بن حكيم برادئه، وانطلاقه به يقوده إلى رسول الله صلوات الله عليه وقوله: يا رسول الله سمعت هشاما يقرأ على حرف لم تقرئنيه. فاستقرأه ﵇ فقرأ عليه. فقال: «كذلك أنزلت» . ثم استقرأ عمر فقرأ. فقال له ﵇:
«كذلك أنزلت» . ثم قال صلوات الله عليه: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه.» زيد في رواية: «كلها شاف كاف» «٣»
،
وفي رواية أم أيوب
_________________
(١) أخرجه البخاري في الخصومات، باب كلام الخصوم بعضهم في بعض.
(٢) أخرج البخاري في فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف: عن عمر بن الخطاب: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان، في حياة رسول الله ﷺ، فاستمعت لقراءته. فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ. فكدت أساوره في الصلاة، فتصبّرت حتى سلّم. فلبّبته بردائه. فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ. فقلت: كذبت. فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت. فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ. فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله ﷺ: «أرسله. اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله ﷺ: «كذلك أنزلت» ثم قال: «اقرأ يا عمر» . فقرأت القراءة التي أقرأني. فقال رسول الله ﷺ: «كذلك أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف. فاقرؤوا ما تيسر منه» ..
(٣) أخرج أبو داود في الوتر، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف حديث ١٤٧٧: عن أبي بن كعب قال: قال النبي ﷺ: «يا أبي! إني أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل: على حرفين. فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: قل: على ثلاثة. قلت: على ثلاثة. حتى بلغ سبعة أحرف. ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف إن قلت سميعا عليما، عزيزا حكيما. ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب» .
[ ١ / ١٧٨ ]
﵂: «أيها قرأت أصبت» «١»
وصح من رواية أبيّ بن كعب، أن النبيّ ﵇ استزاد جبريل لما قرأه على حرف حتى بلغ سبعة أحرف،
وفي رواية لأبيّ قال:
قال النبيّ لجبريل ﵉: «إني بعثت إلى أمة أميين. منهم الغلام والخادم والشيخ الفاني والعجوز» «٢» فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف. زاد في رواية: فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا.
أخرج ابن جرير عن الأعمش قال: قرأ أنس هذه الآية: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة! إنما هي أقوم. فقال: أقوم وأصوب وأهنأ واحد.
وعن شقيق قال: قال عبد الله بن مسعود: إني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرؤوا كما علمتم. وإياكم والتنطع. فإنما هو كقول أحدكم: هلمّ وتعال.
وقال ابن سيرين: لا تختلف السبع في حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي: هو كقولك: تعال وهلمّ وأقبل. كذا في ابن جرير.
قال الإمام ابن قتيبة في كتاب المشكل: كان من تيسير الله تعالى أن أمر نبيه ﵊ أن يقرئ كل أمة بلغتهم وما جرى عليه عادتهم، فالهذلي يقرأ:
(عتى حين) يريد حتى كذا يلفظ بها ويستعملها، والنميميّ يهمز. والقرشيّ لا يهمز. والآخر يقرأ: (قيل وغيض) بإشمام الضم مع الكسر، بِضاعَتُنا رُدَّتْ بإشمام الكسر مع الضم.
ولو أراد كل فريق من هؤلاء أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا- لاشتد ذلك عليه وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان وقطع للعادة. فأراد الله، برحمته ولطفه، أن يجعل لهم متّسعا في اللغات ومتصرّفا في الحركات، كتيسيره عليهم في الدين.
قال أبو شامة: معنى قول كثير من الصحابة والتابعين: القراءة سنة يأخذها
_________________
(١) أخرج الإمام أحمد في مسنده، ٦/ ٤٣٣ و٤٦٢، عن أم أيوب قالت: إن رسول الله ﷺ قال: «نزل القرآن على سبعة أحرف أيها قرأت أجزأك» . (٢) أخرج الترمذي في القراءات، باب ما جاء أنزل القرآن على سبعة أحرف: عن أبيّ بن كعب قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل. فقال: «يا جبريل. إنّي بعثت إلى أمة أميين. منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط» فقال: يا محمد. إن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
[ ١ / ١٧٩ ]
الآخر عن الأول، فاقرؤوا كما علمتم. هو أن السنة المشار إليها ما
ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قرأه، أو أذن فيه على ما صح عنه «أن القرآن أنزل على سبعة أحرف»
فلأجل ذلك كثر الاختلاف في القراءة في زمانه وبعده. إلى أن كان ما كان في عهد عثمان وجمعهم على حرف واحد- كما سيأتي بيانه مفصّلا.