فعلى هذا لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه، وهو السنة، لأنه إذا كان كليا وفيه أمور جلية، كما في شأن الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها، فلا محيص عن النظر في بيانه. وبعد ذلك ينظر في تفسير السلف الصالح له، إن أعوزته السنة، فإنهم أعرف به من غيرهم، وإلا فمطلق الفهم العربيّ لمن حصله يكفي فيها أعوز من ذلك. والله أعلم.
ثم قال الشاطبيّ: فصل
القرآن فيه بيان كل شيء على ذلك الترتيب المتقدم. فالعالم به على التحقيق عالم بجملة الشريعة لا يعوزه منها شيء. والدليل على ذلك أمور: منها النصوص القرآنية في قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] الآية. وقوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٣٨] . وقوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] . وقوله: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩] يعني الطريقة المستقيمة. ولو لم يكمل فيه جميع معانيها لما صح إطلاق هذا المعنى عليه حقيقة. وأشباه ذلك من الآيات الدالة على أنه هدى وشفاء لما في الصدور. ولا يكون شفاء لجميع ما في الصدور إلا وفيه تبيان كل شيء. ومنها ما جاء في الأحاديث والآثار المؤذنة بذلك
كقوله ﵇ «١»: إن هذا القرآن حبل الله وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا
_________________
(١) أخرجه الدارمي في سننه، في فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم. إن هذا القرآن حبل الله، والنور المبين والشفاء النافع. عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه. لا يزيغ فيستعتب ولا يعوج فيقوّم. ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد. فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات. أما إني لا أقول: ألم، ولكن ألف ولام وميم.
[ ١ / ٨٢ ]
يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد
إلخ، فكونه حبل الله بإطلاق، والشفاء النافع، إلى تمامه، دليل على كمال الأمر فيه، ونحو هذا في حديث عليّ عن النبيّ ﵇ «١» .
وعن ابن مسعود، أن كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه. وأن أدب الله القرآن. وسئلت عائشة «٢» عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن، وصدق ذلك قوله:
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] . وعن قتادة: ما جالس القرآن أحد إلا فارقه بزيادة أو نقصان. ثم قرأ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا [الإسراء: ٨٢] . وعن محمد بن كعب القرظيّ في قول الله تعالى: إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ [آل عمران: ١٩٣] . قال: هو القرآن.
ليس كلهم رأى النبي ﷺ.
وفي الحديث «٣»: يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله. وما ذاك إلا أنه أعلم بأحكام الله
. فالعالم بالقرآن عالم بجملة الشريعة. وعن عائشة أن من قرأ القرآن فليس فوقه أحد. وعن عبد الله قال: إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين. وعن عبد الله بن عمر قال: من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما، وقد أدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه. وفي رواية عنه: من قرأ القرآن فقد اضطربت النبوة بين جنبيه. وما ذاك إلا أنه جامع لمعاني النبوة. وأشباه هذا مما يدل على هذا المعنى. ومنها التجربة وهو أنه لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا وجد لها فيه أصلا. وأقرب الطوائف من إعواز المسائل النازلة أهل الظواهر
_________________
(١) أخرجه الدارمي في سننه، في فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، ونصه: عن الحارث قال: دخلت المسجد فإذا أناس يخوضون في أحاديث. فدخلت على علي فقلت: ألا ترى أن ناسا يخوضون في الأحاديث في المسجد؟ فقال: قد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستكون فتن» . قلت: وما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل. هو الذي من تركه من جبّار قصمه الله. ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم. وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء. ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا. هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعي إليه هدي إلى صراط مستقيم . (٢) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها. حديث رقم ١٣٩، عن أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ أنها قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن . (٣) أخرجه البخاري في الأذان، باب إمامة العبد والمولى، لقول النبي ﷺ: يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله.
[ ١ / ٨٣ ]
الذين ينكرون القياس. ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة من المسائل. وقال ابن حزم الظاهريّ: كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل في الكتاب والسنة، نعلمه والحمد لله. حاشى القراض فما وجدنا له أصلا فيهما البتة.
إلى آخر ما قال.
وأنت تعلم أن القراض نوع من أنواع الإجارة. وأصل الإجارة في القرآن ثابت.
وبيّن ذلك إقراره ﵇ وعمل الصحابة به.
ولقائل أن يقول: إن هذا غير صحيح. لما ثبت في الشريعة من المسائل والقواعد غير الموجودة في القرآن، وإنما وجدت في السنة. ويصدق ذلك ما
في الصحيح من قوله ﵇ «١»: لا ألفينّ أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري
. ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه.
وهذا ذم ومعناه اعتماد السنة أيضا. ويصححه قول الله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩] الآية. قال ميمون بن مهران: الرد إلى الله، إلى كتابه. والرد إلى الرسول، إذا كان حيا، فلما قبضه الله، فالرد إلى سنته.
ومثله وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا [الأحزاب: ٣٦] الآية.
يقال إن السنة يؤخذ بها على أنها بيان لكتاب الله لقوله: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] وهو جمع بين الأدلة.
لأنا نقول: إن كانت السنة بيانا للكتاب، ففي أحد قسميها. فالقسم الآخر زيادة على حكم الكتاب، كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو على خالتها. وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع.
وقيل «٢» لعليّ بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا. إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة. قال قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر.
وهذا، وإن كان فيه دليل على أنه لا شيء عندهم إلا كتاب الله، ففيه دليل على أن عندهم ما ليس في كتاب الله. وهو خلاف ما أصلت.
والجواب عن ذلك مذكور في الدليل الثاني وهو السنة بحول الله.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه: في كتاب السنّة، باب في لزوم السنة. حديث رقم ٤٦٠٥.
(٢) أخرجه البخاري في العلم، باب كتابة العلم.
[ ١ / ٨٤ ]
ومن نوادر الاستدلال القرآنيّ ما
نقل عن عليّ أنه قال: الحمل ستة أشهر.
انتزاعا من قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: ١٥] مع قوله:
وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان: ١٤] واستنباط مالك بن أنس أن من سب الصحابة فلا حظّ له في الفيء من قوله: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا [الحشر: ١٠] الآية. وقول من قال: الولد لا يملك. من قوله: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء: ٢٦] . وقول ابن العربيّ: إن الإنسان قبل أن يكون علقة لا يسمى إنسانا. من قوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق: ٢] .
واستدلال منذر بن سعيد على أن العربيّ غير مطبوع على العربية بقوله: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: ٧٨] وأغرب ذلك استدلال ابن الفخار القرطبيّ على أن الإيماء بالرؤوس إلى جانب عند الإباية، والإيماء بها سفلا عند الإجابة، أولى مما يفعله المشارقة من خلاف ذلك، بقوله تعالى: لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ [المنافقون: ٥] الآية.
وكان أبو بكر الشبليّ الصوفي إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا. فقال له ابن مجاهد: أين في العلم إفساد ما ينتفع به؟ فقال: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ [ص: ٣٣] .
ثم قال الشبليّ: أين في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فسكت ابن مجاهد وقال له: قل. قال: قوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] الآية. واستدل بعضهم على منع سماع المرأة بقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: ١٤٣] الآية. وفي بعض هذه الاستدلالات نظر.