لما جمع عثمان ﵁ الناس على حرف واحد، وأمر بأن يرسل للآفاق مصاحف على ما جمعه، كما تقدم، وكانت كتابتها مجردة من الشكل والنقط، فقرأ أهل كل مصر بما في مصحفهم، وتلقوا ما فيه عن الصحابة الذين تلقوه من في النبيّ ﷺ.
وأول من نقط المصحف وشكله الحجاج، بأمر عبد الملك بن مروان. وقيل أبو الأسود الدؤليّ. وقيل الحسن البصريّ ويحيى بن يعمر. ثم لما كثر الاختلاف فيما يحتمله الرسم، وقرأ أهل البدع والأهواء بما لا يحل لأحد تلاوته وفاقا لبدعهم. كمن قال من المعتزلة: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤]، بنصب الهاء- رأى المسلمون أن يجمعوا على قراءات أئمة ثقات تجردوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم.
فاختاروا من كل مصر، وجّه إليه مصحف، أئمة مشهورين بالثقة والأمانة بالنقل وحسن كمال الدين، وكمال العلم. أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء، واشتهر أمرهم وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم فيما نقلوا، والثقة بهم فيما قرءوا، ولم تخرج قراءاتهم عن خط مصحفهم. فمنهم بالمدينة أبو جعفر وشيبة، ونافع. وبمكة عبد الله بن كثير وابن محيصن والأعرج. وبالكوفة يحيى بن وثاب وعاصم بن أبي النجود، والأعمش، وحمزة، والكسائيّ، وبالشام عبد الله بن عامر، وعطية بن قيس الكلابيّ، ويحيى بن الحارث الزماريّ. وبالبصرة عبد الله بن أبي إسحاق، وأبو عمرو ابن العلاء، وعاصم الجحدريّ، ويعقوب الحضرميّ.
ثم إن القراء بعد ذلك تفرقوا في البلاد وخلفهم أمم بعد أمم. إلا أنهم كان فيهم المتفق وغيره، فلذا كثر الاختلاف وعسر الضبط، وشق الائتلاف. وظهر التخليط، وانتشر التفريط، واشتبه متواتر القراءات بفاذّها، ومشهورها بشاذها. فمن ثمّ وضع الأئمة لذلك ميزانا يرجع إليه، ومعيارا يعول عليه، وهو السند والرسم والعربية. فكل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية، وأوفق لفظه خط مصحف الإمام فهو من
[ ١ / ١٨٥ ]
السبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات على سبعة، كانوا لولاه سبعة آلاف، ومتى سقط شرط من هذه الثلاثة فهو شاذ. هذا لفظ الكواشيّ في أول تفسيره.
إلا أن بعضهم لم يكتف بصحة السند فقط، بل اشترط معها التواتر. ذاهبا إلى أن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وقوّاه أبو القاسم النويريّ بأن عدم اشتراط التواتر قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم، لأن القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواترا. وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر.
ثم قال النويريّ: ولم يخالف من المتأخرين إلا مكيّ، وتبعه بعض المتأخرين:
يعني في الاكتفاء بالمعيار الذي ذكره الكواشيّ.
قال القسطلاني في اللطائف: وها (يعني اشتراط التواتر) بالنظر لمجموع القرآن. وإلا فلو اشترطنا التواتر في كل فرد فرد من أحرف الخلاف انتفى كثير من القراءات الثابتة عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم. كذا في اللطائف للقسطلانيّ.