في الإرشاد إلى طريق المعرفة لصحيح التفسير، وأصح التفاسير عند الاختلاف بطريق واضح لا يشك أهل الإنصاف في حسن التنبيه عليه والإرشاد إليه:
«اعلم أن كتاب الله تعالى، لما كان مفزع الطالب للحق بعد الإيمان، وكان محفوظا كما وعد به الرحمن، دخل الشيطان على كثير من طريق تفسيره، وعدم
[ ١ / ١٢ ]
الفرق بين التفسير والتحريف والتأويل والتبديل، ولو كان لكل مبتدع أن يحمله على ما يوافق هواه، بطل كونه فرقا بين الحق والباطل. وقد ثبت أنه يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. وهذا لا يتم إلا بحراسته من دعاوى المبطلين في تصرفاتهم واحتيالهم على التشويش فيه، ولبس صوادعه وقواطعه بخوافيه، وهذه هذه فليهتم المعظم له بمعرفتها، ويتأملها حق التأمل، ويتعرف أسبابها ممن قد مارسها» وقد أوضحها ﵁ في كتابه المذكور، وجوّد الكلام عليها ثم قال:
فإذا عرفت ذلك فلا غنى عن معرفة مراتب المفسرين، حيث يكون التفسير راجعا إلى الرواية ثم مراتب التفسير، حيث يكون التفسير راجعا إلى الدراية.
أما مراتب المفسرين: فخيرهم الصحابة ﵃، لما ثبت من الثناء عليهم في الكتاب والسنة، ولأن القرآن أنزل على لغتهم، فالغلط أبعد عنهم من غيرهم، ولأنهم سألوا رسول الله ﷺ عما أشكل عليهم، وأكثرهم تفسيرا حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس ﵄، وقد جمع عنه تفسير كامل، ولم يتفق مثل ذلك لغيره من الصدر الأول الذين عليهم في مثل ذلك المعوّل، ومتى صح الإسناد إليه كان تفسيره من أصح التفاسير، مقدما على كثير من الأئمة الجماهير، وذلك لوجوه:
أولها: أن رسول الله ﷺ دعا له بالفقه في الدين، وتعلّم التأويل أي التفسير، وصح ذلك واشتهر عن رسول الله ﷺ، وله طرق في مجمع الزوائد. وقال الحافظ أبو مسعود في أطرافه: إنه مما أخرجه البخاري ومسلم بكماله.
وفيهما من غير طريق أبي مسعود عند سائر الرواة «اللهم علمه الكتاب والحكمة»
،
وفي رواية «اللهم فقهه في الدين»
. وفي رواية الترمذي: أنه رأى جبريل ﵇ مرتين، ودعا له النبي ﷺ بالحكمة مرتين. وينبغي معرفة سائر مناقبه مع ذلك في مواضعها، ولولا خوف الإطالة لذكرتها.
وثانيها: أن الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموما، وفي التفسير خصوصا، وسموه البحر والحبر وشاع ذلك فيهم من غير نكير، وظهرت إجابة الدعوة النبوية فيه، وقصة عمر معه، ﵄، مشهورة، في سبب تقديمه وتفضيله على من هو أكبر منه من الصحابة، وامتحانه في ذلك «١» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ في التفسير سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ باب فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا.
[ ١ / ١٣ ]
وثالثها: كونه من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة.
ورابعها: أنه ثبت عنه أنه كان لا يستحل التأويل بالرأي. روي عنه أنه قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. وفي رواية «بغير علم» رواه أبو داود في العلم، والنسائي في فضائل القرآن، والترمذي في التفسير، وقال: حديث حسن، وشرطه فيما قال فيه «حسن» أن يأتي من غير طريق.
والخامس: أن الطرق إليه محفوظة غير منقطعة، فصح منها تفسير نافع، ممتع.
ولذلك خصصته بالذكر، وإن كان غيره أكبر منه، وأقدم وأعلم وأفضل، مثل علي بن أبي طالب ﵇، من جنسه وأهله، وغيره من أكابر الصحابة ﵃.
لكن ثبوت التفسير عنهم قليل بالنظر إليه، ﵃ أجمعين.
ثمّ المرتبة الثانية من المفسرين «التابعون» ومن أشهر ثقاتهم المصنفين في التفسير: مجاهد وعطاء وقتادة والحسن البصري وأبو العالية رفيع بن مهران ومحمد ابن كعب القرظي وزيد بن أسلم. ويلحق بهؤلاء عكرمة، ثم مقاتل بن حيان ومحمد ابن زيد، ثم علي بن أبي طلحة، ثم السدي الكبير. وتتمة هذا في الإيثار وفي الإتقان.
قال ابن تيمية: أعلم الناس بالتفسير أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس وغيرهم. وكذلك في الكوفة أصحاب ابن مسعود. وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد، ومالك بن أنس. انتهى.