قال الشاطبيّ: ربما أخذ تفسير القرآن على التوسط والاعتدال. وعليه أكثر السلف المتقدمين. بل ذلك شأنهم وبه كانوا أفقه الناس فيه، وأعلم العلماء بمقاصده وبواطنه. وربما أخذ على أحد الطرفين الخارجين عن الاعتدال، إما على
_________________
(١) أخرجه مسلم في الإيمان، حديث رقم ٤٣ عن عثمان.
(٢) أخرجه البخاري في العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، عن أنس بن مالك.
[ ١ / ٩٢ ]
الإفراط وإما على التفريط، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، فالذين أخذوه على التفريط قصروا في فهم اللسان الذي به جاء وهو العربية، فما قاموا في تفهم معانيه، ولا قعدوا. كما تقدم عن الباطنية وغيرها. ولا إشكال في اطّراح التعويل على هؤلاء.
والذين أخذوه على الإفراط أيضا قصروا في فهم معانيه من جهة أخرى. وقد تقدم في كتاب المقاصد بيان أن الشريعة أمية. وأن ما لم يكن معهودا عند العرب فلا يعتبر فيها. ومرّ فيه أنها لا تقصد التدقيقات في كلامها. ولا تعتبر ألفاظها كل الاعتبار إلا من جهة ما تؤدي المعاني المركبة. فما وراء ذلك، إن كان مقصودا لها، فبالقصد الثاني. ومن جهة ما هو معين على إدراك المعنى المقصود. كالمجاز والاستعارة والكناية، وإذا كان كذلك فربما لا يحتاج فيه إلى فكر. فإن احتاج الناظر فيه إلى فكر خرج عن نمط الحسن إلى نمط القبح والتكلف. وذلك ليس من كلام العرب.
فكذلك لا يليق بالقرآن من باب الأولى. وأيضا، فإنه حائل بين الإنسان وبين المقصود من الخطاب من التفهم لمعناه ثم التعبد بمقتضاه. وذلك أنه إعذار وإنذار وتبشير وتحذير وردّ إلى الصراط المستقيم. فكم بين من فهم معناه ورأى أنه مقصود العبارة فداخله من خوف الوعيد ورجاء الموعود ما صار به مشمّرا عن ساعد الجد والاجتهاد، باذلا غاية الطاقة في الموافقات، هاربا بالكلية عن المخالفات- وبين من أخذ في تحسين الإيراد والاشتغال بمآخذ العبارة ومدارجها، ولم اختلفت مع مرادفتها مع أن المعنى واحد.
وتفريع التجنيس، ومحاسن الألفاظ، والمعنى في الخطاب، بمعزل عن النظر فيه.
كل عاقل يعلم أن مقصود الخطاب ليس هو التفقه في العبارة، بل التفقه في المعبر عنه، وما المراد به. هذا لا يرتاب فيه عاقل. ولا يصح أن يقال: إن التمكن في التفقه في الألفاظ والعبارات وسيلة إلى التفقه في المعاني، بإجماع العلماء. فكيف يصح إنكار ما لا يمكن إنكاره؟ ولأن الاشتغال بالوسيلة والقيام بالفرض الواجب فيها، دون الاشتغال بالمعنى المقصود، لا ينكر في الجملة. وإلّا لزم ذم علم العربية بجميع أصنافه. وليس كذلك باتفاق العلماء. لأنا نقول: ما ذكرته في السؤال لا ينكر بإطلاق. كيف؟ وبالعربية فهمنا عن الله تعالى مراده من كتابه. وإنما المنكر الخروج في ذلك إلى حد الإفراط الذي يشكّ في كونه مراد المتكلم. أو يظن أنه غير مراد. أو يقطع به فيه. لأن العرب لم يفهم منها قصد مثله في كلامها. ولم يشتغل بالتفقه فيها سلف هذه الأمة. فما يؤمننا من سؤال الله تعالى لنا يوم القيامة: من أين فهمتم عني أني قصدت التجنيس الفلانيّ بما أنزلت من قولي: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
[ ١ / ٩٣ ]
يُحْسِنُونَ صُنْعًا
[الكهف: ١٠٤]، أو قولي قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ [الشعراء: ١٦٨]؟
فإن في دعوى مثل هذا على القرآن، وأنه مقصود للمتكلم به، خطرا. بل هو راجع إلى معنى قوله تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور: ١٥]، وإلى أنه قول في كتاب الله بالرأي. وذلك بخلاف الكناية في قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [النساء: ٤٣]، وقوله: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [المائدة: ٧٥]، وما أشبه ذلك. فإنه شائع في كلام العرب، مفهوم من مساق الكلام، معلوم اعتباره عند أهل اللسان ضرورة. والتجنيس ونحوه ليس كذلك. وفرق ما بينهما خدمة المعنى المراد وعدمه. إذ ليس في التجنيس ذلك، والشاهد على ذلك ندوره في العرب الأجلاف البوّالين على أعقابهم (كما قال أبو عبيدة)، ومن كان نحوهم. وشهرة الكناية وغيرها. ولا تكاد تجد ما هو نحو التجنيس إلا في كلام المولدين ومن لا يحتج به. فالحاصل أن لكل علم عدلا، وطرفا إفراط وتفريط. والطرفان هما المذمومان. والوسط هو المحمود.