قال بعض علماء الفلك ما مثاله: إنّ القرآن الكريم قد أتى في هذا الباب بمسائل علمية دقيقة لم تكن معروفة في زمن النبي ﷺ. وهذه المسائل تعتبر من معجزات القرآن العلمية الخالدة. وهاكها ملخصة:
المسألة الأولى-: الأرض كوكب كباقي الكواكب السيارة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]، وهما من مادة واحدة كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما [الأنبياء: ٣٠] . وهي تدور حول الشمس وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨] .
المسألة الثانية: السيارات الأخرى مسكونة بالحيوانات وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ [الشورى: ٢٩]، تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [الإسراء: ٤٤] يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الرحمن: ٢٩]، ومجموع هذه الآيات يدلّ على أنّ في السموات حيوانات عاقلة كالإنسان، لا كما كان يزعم القدماء: أنّ الكواكب كلها أجرام فارغة خلقت ليتلذذ بمنظرها الإنسان !
المسألة الثالثة: ليس القمر خاصا بالأرض، بل للسيارات الأخرى أقمار وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [نوح: ١٦] فالألف واللام في الْقَمَرَ للجنس لا للعهد، كما
[ ١ / ٢١٠ ]
في قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] .
المسألة الرابعة: ليست السيارات مضيئة بذاتها، بل إن الشمس هي مصباحها جميعا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا [نوح: ١٦] أي لهن، كما يدلّ عليه السياق، فالنور الذي نشاهده فيها منعكس عليها من الشمس.
المسألة الخامسة: السماوات والسيارات السبع شيء، والشمس والقمر شيء آخر، فهما ليسا من السيارات كما كان يتوهم القدماء وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [العنكبوت: ٦١] الآية وغيرها كثير.
المسألة السادسة: العوالم متعدّدة: ولذلك يقول القرآن في كثير من المواضع:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، والعوالم هي منظومات من الكواكب المتجاذبة وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ [الذاريات: ٧] . لا كما كان يتوهم القدماء: أن العالم واحد وأنّ الإنسان أشرف الموجودات !
المسألة السابعة- ليست جميع العوالم مخلوقة لأجل هذا الإنسان: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر: ٥٧]، أي الناس المعهودين على وجه الأرض. والإنسان الأرضيّ أفضل من بعض المخلوقات لا كلّها وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الإسراء: ٧٠] . ولا ينافي ذلك قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الجاثية: ١٣]، إذ لا يلزم من هذا القول أنها غير مسخرة لغيرنا من الأحياء، فالبحر مثلا، قال الله تعالى فيه: سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ [الجاثية: ١٢]، مع أنه مسخّر لغيرنا من الحيوانات البحرية تسخيرا أتمّ وأعمّ، فمنه تأكل وتشرب وتتنفس، وفيه تسكن وتحيى وتموت. فما هو مسخّر لبعض الحيوانات تسخيرا جزئيا قد يكون مسخرا لغيرها تسخيرا كلّيا. فكذلك النجوم مسخرة لنا- لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر- مع أنها لغيرنا شموس عليها قوام حياتهم، كما إن شمسنا عليها قوام حياتنا وهي- بالنسبة لهم- نجم من نجوم الثوابت.
وبالجملة: فإن جميع العوالم- بما بينها من الارتباط العام والتجاذب الذي بينها- مسخرة بعضها لبعض بالنفع الكلّي أو الجزئيّ.
المسألة الثامنة-: كان القدماء يعتقدون أن جميع الثوابت مركوزة في كرة مجوّفة يسمونها كرة الثوابت- أو فلك الثوابت- وبحركة هذه الكرة تتحرك الكواكب كما تقدم. ومعنى ذلك: أن الكواكب لا حركة لها بذاتها، وأن فلك
[ ١ / ٢١١ ]
جميع الثوابت واحد وأنه جسم صلب. والحقيقة خلاف ذلك. فإن لكل كوكب فلكا يجري فيه وحده، وكل كوكب يتحرك بذاته لا بحركة غيره، والكواكب جميعا سابحة في الفضاء، أو بعبارة أصحّ في الأثير- مادّة العالم الأصلية- غير مركوزة في شيء مما يتوهمون. وبهذه الحقائق جاء الكتاب الحكيم والناس في الظلمات والأوهام يتخبطون..! قال الله تعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: ٣٣]، والتنوين في لفظ «كلّ» عوض عن الإضافة. والمعنى: كل واحد من الكواكب في فلك خاصّ به يسبح بذاته. وفي قوله يَسْبَحُونَ إشارة إلى مادة العالم الأصلية- الأثير- التي تسبح فيها الكواكب كما تسبح الأسماك في الماء. فليست الأفلاك أجساما صلبة تدور بالكواكب كما كانوا يزعمون!
المسألة التاسعة: نصّ الكتاب العزيز على جود الجذب العام للكواكب كافّة من جميع جهاتها، فقال: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ [الذاريات: ٧]، أَمِ السَّماءُ بَناها [النازعات: ٢٧]، هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الملك: ٣]، فالكون كله:
كالجسم الواحد الكبير، محكم البناء، لا خلل فيه، كما قال: وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ويتخلّله الأثير كما يتخلل ذرات الجسم الصغير فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: ١٤] .
المسألة العاشرة: كان الناس في سالف الأزمان لا يدرون من أين يأتى ماء المطر، ولهم في السحاب أوهام عجيبة، كما كانت لهم في كل شيء سخافات وخرافات..! ولكن القرآن الشريف تنزّه عن الجهل والخطأ فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا- إلى قوله: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [النور: ٤٣] . وقال:
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ [الزمر: ٢١] . ومقتضى الآيتين:
أنّ الماء العذب الذي نشربه ونسقي به الأرض- سواء كان من الينابيع أو من الأنهار- هو من الأمطار الناشئة من السحاب، ومن أين يأتي السحاب؟ هو بخار من بحار هذه الأرض! أي: أنّ السحاب هو من الأرض، وهو عين قوله تعالى: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها [النازعات: ٣١]، أي: أن الماء جميعه أصله من الأرض وإن شوهد أنه ينزل من السحاب !
فهذه كلها آيات بيّنات، ومعجزات باهرات، دالّة على صدق النبي ﷺ، وصحة القرآن» . كلامه بحروفه.
وقال أيضا:
«من عجيب أمر هذا القرآن أن يذكر أمثال هذه الدقائق العلمية العالية، التي
[ ١ / ٢١٢ ]
كانت جميع الأمم تجهلها، بطريقة لا تقف عثرة في سبيل إيمان أحد به، في أيّ زمن كان، مهما كانت معلوماته. فالناس قديما فهموا أمثال هذه الآية بما يوافق علومهم، حتى إذا كشف العلم الصحيح عن حقائق الأشياء، علمنا أنهم كانوا واهمين، وفهمنا معناها الصحيح. فكأنّ هذه الآيات جعلت في القرآن معجزات للمتأخرين، تظهر لهم كلما تقدّمت علومهم ! وأمّا المعاصرون للنبيّ ﷺ، فمعجزته لهم: إتيانه بأخبار الأوّلين، وبالشرائع التي أتى بها، وبالمغيّبات التي تحقّقت في زمنه وغير ذلك، مع علمهم بصدقه وحاله، وبعده عن العلم، والتعلم بالمشاهدة والعيان. فآيات القرآن- بالنسبة لهم- بعضها معناه صريح لا يقبل التأويل، وفيها بيان كلّ شيء مما يحتاجون إليه، والبعض الآخر يقبل التأويل، وتتشابه عليهم معانيه لنقص علومهم. وهذا القسم لا يهمهم كثيرا، فإنه خاصّ بعلوم لم يكونوا وصلوا إليها، وهو معجزات للمتأخرين يشاهدونها، وتتجلّى لهم كلما تقدّموا في العلم الصحيح. قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: ٧]، أي: لها معان كثيرة يشبه بعضها بعضا، وتتشابه عليهم في ذلك الزمن، فلا يمكنهم الجزم بالصحيح منها: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ بتشكيك الناس في دينهم بسببه وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ في زمنهم لنقص علمهم وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] . وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ إلخ، فإذا جعل قوله تعالى وَالرَّاسِخُونَ معطوفا على لفظ الجلالة كان المعنى: أنّ تأويله لا يعلمه أحد في جميع الأزمنة إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه، وإذا كان لفظ وَالرَّاسِخُونَ مستأنفا كان المعنى: أنّ الراسخين في العلم في زمنهم لا يعلمون تأويله- كما قلنا- وإنما يؤمنون به لظهور الدلائل الأخرى لهم على صدق النبيّ، ويفوّضون علم هذه الأشياء إلى المستقبل من الزمان، كما نفوض الآن نحن، مسألة رجم الشياطين بالشهب، للمستقبل ونؤمن بالقرآن لثبوت صدقه بالدلائل الأخرى القطعية» بحروفه.