قال الشاطبيّ في الموافقات: من الناس من زعم أن للقرآن ظاهرا وباطنا، وربما نقلوا في ذلك بعض الأحاديث والآثار.
فعن الحسن، مما أرسله عن النبي ﷺ، أنه قال: ما أنزل الله آية إلا لها ظهر وبطن،
بمعنى ظاهر وباطن، وكل حرف حد وكل
[ ١ / ٣٩ ]
حد مطلع. وفسر بأن الظهر والظاهر هو ظاهر التلاوة، والباطن هو الفهم عن الله لمراده، لأن الله تعالى قال: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء: ٧٨] . والمعنى لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام. كيف وهو منزل بلسانهم؟ ولكن لم يحظوا بفهم مراد الله من الكلام، وكان هذا هو معنى ما روي عن علي أنه سئل هل عندكم كتاب؟ فقال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة «١» . الحديث.
وإليه يرجع تفسير الحسن للحديث إذ قال: الظهر هو الظاهر والباطن هو السر.
وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢] . فظاهر المعنى شيء، وهم عارفون به لأنهم عرب.
والمراد شيء آخر، وهو الذي لا شك فيه أنه من عند الله. وإذا حصل التدبر لم يوجد في القرآن اختلاف البتة. فهذا الوجه الذي من جهته يفهم الاتفاق، وينزاح الاختلاف هو الباطن المشار إليه. ولما قالوا في الحسنة: هذا من عند الله، وفي السيئة: هذا من عند رسول الله، بيّن لهم أن كلا من عند الله، وأنهم لا يفقهون حديثا، لكن بين الوجه الذي يتنزل عليه أن كلا من عند الله بقوله: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ.. [النساء: ٧٩] الآية. وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: ٢٤] فالتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد. وذلك ظاهر أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن فلم يحصل منهم تدبر.
قال بعضهم: الكلام في القرآن على ضربين: أحدهما يكون برواية، فليس يعتبر فيها إلا النقل. والآخر يقع بفهم فليس يكون إلا بلسان من الحق إظهار حكمة عن لسان العبد، وهذا الكلام يشير إلى معنى كلام عليّ.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ في الاعتصام باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلوّ في الدين والبدع. عن إبراهيم التيميّ قال: حدثني أبي قال: خطبنا عليّ ﵁ على منبر من آجرّ، وعليه سيف، فيه صحيفة معلقة. فقال: والله، ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله. وما في هذه الصحيفة. فنشرها فإذا فيها: أسنان الإبل. وإذا فيها: المدينة حرم من عير إلى كذا (وكذا يعني ثورا. كما جاء في روايات أخرى متعددة) فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وإذا فيه (كذا): ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم. فمن أخفر مسلما عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وإذا فيها: من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.
[ ١ / ٤٠ ]
وحاصل هذا الكلام أن المراد بالظاهر هو المفهوم العربيّ، والباطن هو مراد الله تعالى من كلامه وخطابه، فإن كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فسر، فصحيح. ولا نزاع فيه. وإن أرادوا غير ذلك فهو إثبات أمر زائد على ما كان معلوما عند الصحابة ومن بعدهم، فلا بد من دليل قطعيّ يثبت هذه الدعوى. لأنها أصل يحكم به على تفسير الكتاب.
فلا يكون ظنيا. وما استدل به إنما غايته، إذا صح سنده، أن ينتظم في سلك المراسيل وإذا تقرر هذا فليرجع إلى بيانهما على التفسير المذكور بحول الله. وله أمثلة تبين معناه بإطلاق. فعن ابن عباس: كان عمر يدخلني مع أصحاب النبي ﷺ.
فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتدخله ولنا بنون مثله؟ فقال له عمر: إنه من حيث تعلم. فسألني عن هذه الآية: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقلت: إنما هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه إياه. وقرأ السورة إلى آخرها. فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم.
فظاهر هذه السورة أن الله أمر نبيه ﷺ أن يسبح بحمد الله ويستغفره إذ نصره الله وفتح عليه. وباطنها أن الله نعى إليه نفسه.
ولما نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] فرح الصحابة، وبكى عمر وقال: ما بعد الكمال إلا النقصان. مستشعرا نعيه ﵇.
فما عاش بعدها إلا أحدا وثمانين يوما. وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ.. [العنكبوت: ٤١] الآية. قال الكفار: ما بال العنكبوت والذباب يذكر في القرآن. ما هذا الكلام لإله فنزل إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [البقرة: ٢٦] فأخذوا بمجرد الظاهر، ولم ينظروا في المراد. فقال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ الآية.
ويشبه ما نحن فيه نظر الكفار للدنيا واعتدادهم منها بمجرد الظاهر الذي هو لهو ولعب، وظل زائل. وترك ما هو المقصود منها، وهو كونها مجازا ومعبرا لا محل سكنى. وهذا هو باطنها على ما تقدم من التفسير.
ولما قال تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: ٢٧ و٣٠] نظر الكفار إلى ظاهر العدد. فقال أبو جهل، فيما روي: لا يعجز كل عشر منكم أن يبطشوا برجل منهم. فبين الله تعالى باطن الأمر بقوله: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً
[ ١ / ٤١ ]
[المدثر: ٣١]، إلى قوله: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا.
وقال: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨] فنظروا إلى ظاهر الحياة الدنيا. وقال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ.. [لقمان: ٦] الآية.
لما نزل القرآن، الذي هو الهدى للناس ورحمة للمحسنين ناظره الكافر النضر بن الحارث بأخبار فارس والجاهلية، أو بالغناء، فهذا هو عدم الاعتبار لباطن ما أنزل الله.
وقال تعالى في المنافقين: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ..
[الحشر: ١٣] وهذا عدم فقه منهم. لأن من علم أن الله هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وأنه هو مصرف الأمور، فهو الفقيه. ولذلك قال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ.
وكذلك قوله تعالى: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [التوبة:
١٢٧]، لأنهم نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا.
فاعلم أن الله تعالى إذا نفى الفقه أو العلم عن قوم فذلك لوقوفهم مع ظاهر الأمر وعدم اعتبارهم للمراد منه. وإذا ثبت ذلك فهو لفهمهم مراد الله من خطابه، وهو باطنه.