فتكرير صفات الله دالّ على الاعتناء بمعرفتها، والعمل بموجبها.
وتكرير القصص دالّ على الاهتمام بالوعظ للإيقاظ والاعتبار. وفائدة تكرير القصص تطرئة المواعظ وتشديدها، لأن منها: ما يحث على الطاعة والإيمان، ومنها ما يزجر عن الكفر والعصيان.
[ ١ / ١٥٩ ]
وكذلك تكرير الوعد والوعيد، وكذلك تكرير ذكر الأحكام، وكذلك تكرير المدح والذم، وما يترتب على المأمورات والمنهيات من المؤكدات المذكورات.
فتكرير الوعد يدل على الاهتمام بفعل الطاعات ترغيبا في ثوابها. وتكرير الوعيد يدلّ على الاهتمام بترك المخالفات ترهيبا من عقابها. وتكرير القرآن بين الوعد والوعيد يدلّ على الاهتمام بوقوف العباد بين الخوف والرجاء، فلا يقنطوا من رحمة الله وأفضاله، ولا يغترّوا بحلمه وإمهاله. وتكرير الأحكام يدلّ على الاعتناء بفعل الطاعات واجتناب المخالفات. وتكرير الأمثال يدلّ على الإيضاح والبيان. وتكرير تذكير النعم يدلّ على الاعتناء بشكرها.
واعلم أنه لا تؤكد العرب إلا ما تهتم به، فإن من اهتم بشيء أكثر ذكره. وكلما عظم الاهتمام كثر التأكيد. وكلما خفّ، خفّ التأكيد. وإن توسط الاهتمام، توسط التأكيد. فإذا قال القائل: زيد قائم، فقد أخبر بقيامه. فإن أراد تأكيد ذلك، عند من شك فيه، أو يكذبه، أو ينازعه فيه، أكّده فقال: إن زيدا قائم. فإذا جاء ب (إن) فكأنه قال: زيد قائم، زيد قائم. فإن زاد في التأكيد قال: إن زيدا لقائم، فيصير بمثابة ما لو قال: زيد قائم، ثلاث مرات.
أمثلة ذلك: قوله: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ [الكافرون: ١- ٤]، تأكيد لقوله تعالى: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وقوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ تأكيد لقوله وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ. لمّا وقع الاهتمام بأنه لا يوافقهم على عبادة الأصنام، وبأن الله قد حرمهم أن يدخلوا في دين الإسلام- أكّد ذينك لشدة الاهتمام بهما. فهذا تأكيد واحد لكل واحد من الخبرين. وعلى الجملة: فقد أكد نفي عبادته لأصنامهم بقوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وأكّد نفي عبادتهم لمعبوده بقوله وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وإن حمل ذلك على وقتين مختلفين، فلا تأكيد إذن.
ومثال تكرير التأكيد قوله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ كَلَّا [التكاثر: ١- ٤] المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد عن الاستعداد للمعاد، ثم زجرهم عن التكاثر بقوله كَلَّا ثم هددهم بقوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثم أكد الزجر الأول ب كَلَّا الثانية، ثم أكد التهديد ب سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثم أكد الزجر ب «كلّا الثالثة» فزجرهم ثلاث مرات للاهتمام بزجرهم عن ذلك. وهددهم على ذلك مرتين للاهتمام بالاستعداد للمعاد.
[ ١ / ١٦٠ ]
ومثل هذا قوله تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ [النبأ: ١- ٥]، زجرهم ب «كلا» الأولى عن التساؤل والاختلاف، ثم أكد كلّا الأولى بكلّا الثانية وتهددهم فيما بينهما بقوله بعد: سَيَعْلَمُونَ ثم أكد هذا التهديد بقوله بعد: (كلا) الثانية سَيَعْلَمُونَ.
وأما تكرير قوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات: ١٩- ٢٤- ٢٨]، فيجوز أن يكون ما عدا الكلمة الأولى تأكيدا لها، وأن تتكرر العدة بالويل على من كذب، بقوله: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ. ويجوز أن يريد بكلّ عدة من عذاب الويل من كذب بما بين عدتي كل ويل.
وأما قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: ١٣- ١٦- ١٨] فيجوز أن تكون مكررة على جميع أنعمه، ويجوز أن يراد بكل واحدة منهنّ ما وقع بينها وبين التي قبلها من نعمة، ويجوز أن يراد بالأولى ما تقدمها من النعم، وبالثانية ما تقدّمها، وبالثالثة ما تقدم على الأولى والثانية، وبالرابعة ما تقدم على الأولى والثانية والثالثة
وهكذا إلى آخر السورة.
فإن قيل: كيف يكون قوله سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ [الرحمن: ٣١] نعمة، وقوله: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ [الرحمن: ٤١] نعمة؟ وكذلك قوله: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ [الرحمن: ٤٣]، وقوله: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ [الرحمن: ٣٥]، وقوله يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ؟
قلنا: هذه كلها نعم جسام، لأن الله هدد العباد بها استصلاحا لهم ليخرجوا من حيز الكفر والطغيان والفسوق والعصيان، إلى حيّز الطاعة والإيمان والانقياد والإذعان، فإن من حذّر من طرق الردى وبيّن ما فيها من الأذى، وحثّ على طرق السلامة الموصلة إلى المثوبة والكرامة، كان منعما غاية الإنعام، ومحسنا غاية الإحسان.
ومثل ذلك قوله: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ [يس: ٥٢]، وعلى هذا تصلح فيه مناسبة الربط بذكر صفة الرحمة في ذلك المقام.
وأما قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن: ٢٦] فإنه تذكير بالموت والفناء للترغيب في الإقبال على العمل لدار البقاء، وفي الإعراض عن دار الفناء.
وأما قوله: وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ
[ ١ / ١٦١ ]
[الروم: ٤٩]، فإن تقديره عند بعضهم: وإن كانوا من قبل إنزال القطر عليهم، من قبل إنزاله، لمبلسين. فأكد قَبْلِ الأولى ب قَبْلِ الثانية. وهذا لا اهتمام فيه، فإنه معلوم أن اليأس من نزول المطر كان محققا قبل الإنزال، فلا حاجة- في مثل هذا- إلى التأكيد.
وقدّر آخرون: وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبل إرسال الرياح، أو من قبل إثارة السحاب لمبلسين، فعلى هذا لا يكون تكريرا ولا تأكيدا.
وعود الضمائر إلى المصادر التي دلت عليها الأفعال، ولم تذكر معها- كثير في القرآن وفصيح الكلام. مثاله: قوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: ٨] فعاد الضمير إلى العدل الذي دلّ عليه اعْدِلُوا.
ومثله قوله: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا [المائدة: ١٠٦]، أي: لا نشتري بالقسم الذي دلّ عليه قوله: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ.
وأما قوله: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى [الليل: ١٢]، ففيه ثلاث تأكيدات: (أحدها) إنّ، و(الثاني) اللام في للهدى، و(الثالث) تقديم الخبر، فإن العرب لا يقدمون إلا ما يعتنون به ويهتمون. ومثله قوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ [الأنعام: ٩٩]، وقوله:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً [النازعات: ٢٦]، أكد ب (إنّ واللام وتقديم الخبر) .
وقد يتوهم التأكيد فيما ليس بتأكيد في مثل قوله تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [البقرة: ١٩٦]، فإنه لم يرد كمالها في العدد، ولو أراده لكان تأكيدا، وإنما أراد كمالها في صفتها، فإن كمال الصيام في تتابعه. بدليل وجوب المتابعة حيث أمرنا بها فيه، فلما تقرر في الشريعة أن متابعة الصوم أفضل من تفريقه، وقيدت هذه الأيام بالتفريق، فقد يظن ظانّ أنها ناقصة لتفريقها، وأن كمالها في تتابعها- أخبر أن كمال هذه الأيام في تفريقها لا في تتابعها. ويحتمل أن يريد، بالكاملة، كمال الصوم بترك الرفث والفسوق، وترك المشاتمة، وغير ذلك مما يكون اجتنابه أو فعله مكملا للصوم، فإن العبادات تنقسم إلى كاملة وناقصة. فالناقصة ما اقتصر فيها على أركانها وشرائطها، والكاملة ما أتى فيها بالأركان والشرائط والسنن.
وأعلم أن للتفسير أحكاما وضروبا، فمن ذلك:
فهم معنى اللفظ: وهو منقسم إلى ثلاثة أقسام: (أحدها) ما يعرفه العامة والخاصة كالأرض والسماء والجبال والأشجار والأمطار. (القسم الثاني) ما يعرفه معظم الخاصة كالمعاد والملاذ. (القسم الثالث) ما يعرفه القليل من الخاصة كالرفرف والصفصف.
[ ١ / ١٦٢ ]
ومن ضروب التفسير ما يتردد بين محملين: أحدهما أظهر عند النزول فيرجع فيه إلى الصحابة والتابعين، ويحمل على ظاهره حينئذ. ومنه ما يحمل على أخفى محمليه لدليل يقوم عليه. ومنه ما يتساوى فيه الأمران فيخص أحدهما بالسبب الذي نزل لأجله. ومنه ما يتساوى من غير ترجيح عندنا وهو راجح في نفس الأمر، لأن الرسول ﵇ قد بيّن للناس ما نزل إليهم، فبعض المتأخرين يحمله على جميع محامله. والوقف أولى به.
وقد يتردد بين محامل كثيرة يتساوى بعضها مع بعض، يترجح بعضها على بعض.
وأولى الأقوال: ما دلّ عليه الكتاب في موضع آخر، أو السنة، أو إجماع الأمة، أو سياق الكلام، وإذا احتمل الكلام معنيين وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق- كان الحمل عليه أولى. وقد يقدر بعض النحاة ما يقتضيه علم النحو. لكن يمنع منه أدلّة شرعية، فيترك ذلك التقدير، ويقدر تقدير آخر يليق بالشرع. وقد يعبّر النحاة والمفسرون وغيرهم بالعام ويريدون به الخاص فيجهله كثير من الناس. وعلى الجملة: فالقاعدة في ذلك أن يحمل القرآن على أصح المعاني وأفصح الأقوال، فلا يحمل على معنى ضعيف، ولا على لفظ ركيك. وكذلك لا يقدر فيه من المحذوفات إلا أحسنها وأشدها موافقة وملائمة للسياق. وإذا كان للاسم الواحد معان ك الْعَزِيزُ بمعنى القاهر، وبمعنى الممتنع، وبمعنى الذي لا نظير له، حمل في كل موضع على ما يقتضيه ذلك السياق كيلا ينبتر الكلام وينخرم النظام. وإذا اتحد معنى القراءتين- كالسراط والصراط- فهذا ظاهر. وإن اختلف معناهما وجب القطع بأنهما مرادتان. مثال ذلك قوله: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ويَكْذِبُونَ [البقرة: ١٠]، أخبر بأنهم يعذبون بالتكذيب والكذب، وهذا اختصار في صورة الخط، دون اللفظ.
ومن ضروب التفسير وأحكامه: بيان كون اللفظ حقيقة أو مجازا. ومنه: بيان رجحان إحدى الحقيقتين على الأخرى. ومنه: بيان رجحان أحد المجازين على الآخر. ومنه: بيان ترجيح الحقيقة على المجاز. ومنه: بيان ترجيح ما يناسب الكلام ويطابقه على ما ليس كذلك. ومنه: ترجيح بعض الإعراب على بعض. ومنه: بيان التقديم والتأخير. ومنه: بيان مظان الإطالة. ومنه: بيان مظان الاختصار. وفائدة الاختصار، سهولته على المتكلم، وإيصال المعنى على الفور إلى المخاطب. كقوله
[ ١ / ١٦٣ ]
تعالى: فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦] . ومنه: الحذف وهو أنواع وقد تقدمت في أول هذا الكتاب- يعني كتابه- ومن ضروب التفسير وأحكامه: تعين المضاف المحذوف. ومنه: ترجيح بعض المضافات المحذوفة على بعض. ومنه: استواء المضافات المحذوفة من غير ترجيح. ومنه: ترجيح بعض المفاعيل المحذوفة على بعض. ومنه: استواؤها. ومنه:
تعين بعضها. ومنه: ترجيح بعض ما تصح الإشارة إليه بذلك على بعض. ومنه: تعين ما يشار إليه بذلك. ومنه: عود الإشارة بذلك إلى ما ليس بمذكور. ومنه: ترجيح بعض الموصوفات على بعض. ومنه تعين بعض الموصوفات المحذوفة. ومنه ترجيح ما تعود إليه الضمائر. ومنع: تردد ما تعود إليه الضمائر. ومنه: عود الضمائر إلى ما ليس بمذكور. ومنه: عود الضمائر إلى ما دل عليه اللفظ وليس بمذكور، انتهى.