بلغ الجمود من بعض أدعياء الدين أن امتنعوا عن الاحتجاج بالكتاب والسنة، في أي أمر من أمور الدنيا والدين، وقنعوا بكتب الفقهاء وحدها، على ما فيها من اختلاف. وأصبح قول الفقيه عندهم هو وحده الحجة والسند، فلما أدرك القاسمي هذه الحقيقة المرة، رأى أن الإصلاح لا يمكن أن يتم بالاستشهاد بالكتاب وحده، وإن كان دستور المسلمين الخالد، ولا بالسنّة معه، وإن كانت متممة له، لذلك عمد إلى الإكثار من نقل أقوال أئمة المسلمين الغابرين في كتبه، يختار ما كان منسجما مع دعوته السامية، ذلك لأن خصومه من رجال الدين، إذا كان لهم أن يعترضوا على أقواله، فليس لهم أن يعترضوا على أقوال الفقهاء الأقدمين، بل عليهم أن يسلموا بما جاء فيها.
ولم يكن يقتصر في نقوله عن الأئمة المعروفين من المذاهب الأربعة وغيرهم من فلاسفة المسلمين. وإنما كان يجد القول الصحيح لدى زيدي أو معتزلي أو خارجي أو غيرهم، فلا يمنعه ذلك من الاستشهاد بقوله. لا بل قد يرى قولا لأحد العلماء الفرنجة، فيسارع إلى التقاطه وضمه إلى كتابه.