قال الإمام أبو العباس أحمد بن زروق في قواعد التصوف: التأثير بالأخبار عن الوقائع أتم لسماعها من التأثير بغيرها. فمن ثم قيل: الحكايات جند من جنود الله يثبت الله بها قلوب العارفين. قيل: فهل تجد لذلك شاهدا من كتاب الله؟ قال:
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود: ١٢٠]، ووجه ذلك:
أن شاهد الحقيقة بالفعل أظهر وأقوى في الانفعال من شاهدها اللغويّ، إذ مادة
_________________
(١) أخرجه البخاريّ في التفسير- سورة البقرة- باب ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم. عن ابن عباس ﵄ قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية.. فتأثموا أن يتجروا في المواسم. فنزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحج.
[ ١ / ٣٠ ]
الفاعل مستمرة في الفعل لغابر الدهر.
وقال وليّ الله الدهلويّ، قدس سره، في أصول التفسير، في فصل الكلام على معرفة أسباب النزول:
شرط المفسر أمران:
الأول: ما تعرض له الآيات من القصص، فلا يتيسر فهم الإيماء بتلك الآيات إلا بمعرفة تلك القصص.
والثاني: ما يخصص العام من القصة، أو مثل ذلك من وجوه صرف الكلام عن الظاهر، فلا يتيسر فهم المقصود من الآيات بدونها.
ومما ينبغي أن يعلم أن قصص الأنبياء السالفين لا تذكر في الحديث إلا على سبيل القلة، فالقصص الطويلة العريضة التي تكلف المفسرون روايتها، كلها منقولة عن علماء أهل الكتاب إلا ما شاء الله تعالى. انتهى.
فإذن، لا يخفى أن من وجوه التفسير معرفة القصص المجملة في غضون الآيات الكريمة، ثم ما كان منها غير إسرائيليّ. كالذي جرى في عهده ﷺ، أو أخبر عنه. فهذا تكفّل ببيانه المحدثون. وقد رووه بالأسانيد المتصلة، فلا مغمز فيه.
وأما ما كان إسرائيليا، وهو الذي أخذ جانبا وافرا من التنزيل العزيز، فقد تلقى السلف شرح قصصه، إما مما استفاض على الألسنة ودار من نبئهم، وإما من المشافهة عن الإسرائيليين الذين آمنوا. وهؤلاء كانوا تلقفوا أنباءها عن قادتهم. إذ الصحف كانت عزيزة لم تتبادلها الأيدي، كما هو في العصور الأخيرة. واشتهر ضنّ رؤسائهم بنشرها لدى عمومهم، إبقاء على زمام سيطرتهم، فيروون ما شاؤوا غير مؤاخذين ولا مناقشين. فذاع ما ذاع.
ومع ذلك فلا مغمز على مفسرينا الأقدمين في ذلك، طابق أسفارهم أم لا، إذ لم يألوا جهدا في نشر العلم وإيضاح ما بلغهم وسمعوه. إما تحسينا للظن في رواة تلك الأنباء وأنهم لا يروون إلا الصحيح، وإما تعويلا على ما
رواه الإمام أحمد والبخاريّ والترمذيّ عن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» «١»
ورواه أبو داود أيضا بإسناد صحيح عن
_________________
(١) أخرجه البخاريّ في الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل. عن عبد الله بن عمرو أن النبيّ ﷺ قال «بلغوا عني ولو آية. وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» .
[ ١ / ٣١ ]
أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»
فترخصوا في روايتها كيفما كانت، ذهابا إلى أن القصد منها الاعتبار بالوقائع التي أحدثها الله تعالى لمن سلف لينهجوا منهج من أطاع فأثنى عليه وفاز. وينكبوا عن مهيع من عصى فحقت عليه كلمة العذاب وهلك. هذا ملحظهم ﵃.
وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يقول: إذا روينا في الأحكام شددنا، وإذا روينا في الفضائل تساهلنا، فبالأحرى القصص. وبالجملة فلا ينكر أن فيها الواهيات بمرة، والموضوعات، مما استبان لمحققي المتأخرين. وقد رأيت، ممن يدعي الفضل، الحط من كرامة الإمام الثعلبيّ، قدس الله سره العزيز، لروايته الإسرائيليات وهذا، وأيم الحق، من جحد مزايا ذوي الفضل ومعاداة العلم. على أنه، قدس سره، ناقل عن غيره، وراو ما حكاه بالأسانيد إلى أئمة الأخبار. وما ذنب مسبوق بقول نقله باللفظ وعزاه لصاحبه؟ فمعاذا بك، اللهم! من هضيمة السلف.
وقد رأيت له في تاريخ القاضي ابن خلّكان ترجمة عالية أحببت إثباتها هنا، تعريفا بمقامه لدى الجاهل به.
قال القاضي في حرف الهمزة: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبيّ النيسابوريّ المفسر المشهور: كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، وغير ذلك. ذكره السمعانيّ، وقال: يقال له الثعلبيّ، والثعالبيّ، وهو لقب له ليس بنسب، قاله بعض العلماء.
وذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسيّ في كتاب سياق تاريخ نيسابور، وأثنى عليه، وقال: حدث عن أبي طاهر بن خزيمة والإمام أبي بكر بن مهران المقرئ، وكان كثير الحديث، كثير الشيوخ، توفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
وقال غيره: توفي في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
وقال غيره: توفي يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. رحمه الله تعالى. انتهى.
والقصد أن الصالحين كانوا يتقبلون الروايات على علاتها للملاحظة المارة، لصفاء سريرتهم. فلا ينبغي إلا تفنيد الموضوع منها، لا الحط من مقامهم وقرض أعراضهم. كيف وقد تلقى الصحابة ومن بعدهم الإسرائيليات وحكوها، بل بعضهم
[ ١ / ٣٢ ]
اقتنى أسفارها وأدمن مطالعتها، لما استبان له من البشائر النبوية، وتحقق تحريفهم.
روى الحافظ الذهبيّ في تذكرة الحفاظ، في ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، أنه أصاب جملة من كتب أهل الكتاب وأدمن النظر فيها ورأى فيها عجائب.
وقال السيوطيّ في الإتقان في طبقات المفسرين: وورد عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أشياء تتعلق بالقصص وأخبار الفتن والآخرة، وما أشبهها بأن يكون مما تحمله عن أهل الكتاب.
وقال أيضا، في آخر الإتقان: حديث الفتون طويل جدا، يتضمن شرح قصة موسى وتفسير آيات كثيرة تتعلق به، وقد نبه الحفاظ منهم المزيّ وابن كثير على أنه موقوف من كلام ابن عباس. قال ابن كثير: وكان ابن عباس تلقاه من الإسرائيليات. انتهى.
وقد ثبت أن النبي ﷺ دخل كنيسة لليهود وسمع قراءة التوراة حتى أتوا على صفته.
روى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: إن الله ﷿ ابتعث نبيه لإدخال رجل الجنة، فدخل الكنيسة فإذا يهود، وإذا يهوديّ يقرأ عليهم التوراة. فلما أتوا على صفة النبي ﷺ أمسكوا، وفي ناحيتها رجل مريض، فقال النبيّ ﷺ: ما لكم أمسكتم؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبيّ فأمسكوا. ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة فقرأ حتى أتى على صفة النبيّ ﷺ وأمته. فقال:
هذه صفتك وصفة أمتك. أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبيّ ﷺ لأصحابه: «لوا أخاكم» «١» .
وروى الإمام أحمد أيضا في مسنده عن أبي صخر العقيليّ قال: حدثني رجل من الأعراب قال: جلبت جلوبه إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ. فلما فرغت من بيعتي قلت لألقينّ هذا الرجل فلأسمعنّ منه، قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشرا التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه على ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ: أنشدك بالذي أنزل التوراة! هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟ فقال برأسه: هكذا، أي لا. فقال ابنه: إي والله الذي أنزل التوراة! إنا لنجد في كتابنا
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده. جزء أول ص ٤١٦.
[ ١ / ٣٣ ]
صفتك ومخرجك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله! فقال: أقيموا اليهودي عن أخيكم، ثم ولي دفنه وحنطه وصلى عليه «١» .
وروى الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة عبد الله بن سلام الحبر ﵁: عن إبراهيم بن أبي يحيى، قال: حدثنا معاذ بن عبد الرحمن عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه: جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني قرأت القرآن والتوراة، فقال: اقرأ هذا ليلة وهذا ليلة
. قال الذهبيّ: فهذا- إن صح- ففيه الرخصة في تكرير التوراة وتدبرها. انتهى.
أي ليعلم المحرف فيها من سياق القرآن الكريم، وليتبصر فيما تقوم به الحجة على حملة أسفارها، وليزداد معرفة بمجادلتهم من معتقدهم، ولغير ذلك.
قال الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره: غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدّي الكبير، في تفسيره، عن هذين الرجلين ابن مسعود وابن عباس. ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث
قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» . رواه البخاريّ عن عبد الله بن عمرو.
ولهذا كان عبد الله بن عمرو، ﵄، قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد، لا للاعتقاد.
فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، ويجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني. انتهى.
فحيث جازت حكايته، على ما قاله، فالأولى رواية ما كان من القسم الأول أو الثالث عن نص كتبهم، كما هو مذهب عبد الله بن عمرو، ﵄، كما نقله ابن كثير هنا، والذهبي والسيوطيّ كما تقدم.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده. جزء خامس ص ٤١١.
[ ١ / ٣٤ ]
وإنما كان الأولى، في رواية الإسرائيليات، ما ذكرنا دفعا لمناقشة بعضهم على الإسرائيليات المتداولة في التفاسير بأنها لم ترو في كتب الحديث المشهورة حتى تكون المرجع، ولم تؤخذ من أسفارهم حتى تتطابق معها، فارتأى النقل عنها لذلك، لا اعتقادا بسلامتها من التحريف المحقق، كلا. بل توسعا في باب الأخبار للاستشهاد والاعتبار. قياما بالحجة على الخصم من معتقده، وناهيك بذلك.
قال ابن حزم في كتاب الملل والنحل، بعد ما أوضح البراهين العديدة على تحريفهم وتبديلهم: إن الله تعالى كما أطلق أيديهم في تبديل ما شاء رفعه من ذينك الكتابين، كفّ أيديهم عما شاء إبقاءه من ذينك الكتابين، حجة عليهم.
وممن كان يرى جواز النقل عن كتبهم، من قدماء الشافعية، الإمام الماورديّ.
كما تراه في مواضع من كتابه «أعلام النبوة» .
وممن حقق هذا البحث الإمام برهان الدين البقاعيّ، ثم الدمشقي، في تفسيره «المناسبات» الذي قال عنه شيخ الإسلام القاضي زكريا: «ما ألف نظيره وجدير بأن يكتب بماء الذهب» كما حكاه عنه تلميذه الإمام الهيتميّ في آخر فتاويه الحديثية.
وهاك ما قاله البقاعيّ، ﵀، في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: ٣٤]، ما نصه: فإن أنكر منكر الاستشهاد بالتوراة أو بالإنجيل، وعمي عن أن الأحسن في باب النظر أن يرد على الإنسان بما يعتقده، تلوت عليه قول الله تعالى استشهادا على كذب اليهود قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: ٩٣]، وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا [المائدة: ٤٨] في آيات من أمثال ذلك كثيرة.
وذكرته باستشهاد النبي ﷺ بالتوراة في قصة الزاني «١» .
وروى الشيخان «٢» عن
_________________
(١) أخرجه البخاريّ في التفسير سورة آل عمران باب قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. عن عبد الله بن عمر ﵄ أن اليهود جاءوا إلى النبيّ ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا. فقال لهم: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا نحممهما ونضربهما. فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئا. فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم. فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها. ولا يقرأ آية الرجم. فنزع يده عن آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم. فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد. فرأيت صاحبها يجنأ عليها يقيها الحجارة . (٢) أخرجه البخاريّ، في الرقاق، باب يقبض الله الأرض: عن أبي سعيد الخدريّ: قال النبيّ ﷺ: تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في
[ ١ / ٣٥ ]
أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: تكون الأرض يوم القيامة خبزة نزلا لأهل الجنة. فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة. كما قال النبيّ ﷺ، فنظر النبيّ ﷺ إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه.
وقريب من ذلك حديث الجساسة «١» في أشباهه.
هذا فيما يصدقه كتابنا، وأما ما لا يصدقه ولا يكذبه،
فقد روى البخاريّ عن عبد الله بن عمرو، ﵄، أن النبي ﷺ قال: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ورواه مسلم والترمذيّ والنسائيّ عن أبي سعيد ﵁
، وهو معنى ما
في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ الآية
. فإن دلالة هذا على سنّية ذكر مثل ذلك أقرب من الدلالة على غيرها. ولذا أخذ كثير من الصحابة ﵃ عن أهل الكتاب.
فإن فهم أحد من الشافعية منع أئمتهم من قراءة شيء من الكتب القديمة مستندا إلى قول الإمام أبي القاسم الرافعيّ في شرحه: وكتب التوراة والإنجيل مما لا يحل الانتفاع به لأنهم بدلوا وغيروا وكذا قال غيره من الأصحاب. قيل له: هذا مخصوص بما علم تبديله. بدليل أن كل من قال ذلك علل بالتبديل. فدار الحكم معه.
ونص الشافعيّ ظاهر في ذلك. قال المزنيّ عنه في مختصره، في باب جامع
_________________
(١) السفر نزلا لأهل الجنة. فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم. ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة (كما قال النبيّ ﷺ) فنظر النبيّ ﷺ إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: إدامهم بالأم ونون. قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا.
(٢) قصة الجساسة أوردها الإمام مسلم في صحيحه في الفتن وأشراط الساعة، قصة الجساسة، حديث ١١٩. وهو حديث طويل روته فاطمة بنت قيس، أخت الضحاك بن قيس، عن رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٣٦ ]
السير: وما كان من كتبهم- أي الكفار- فيه طب وما لا مكروه فيه، بيع، وما كان فيه شرك بطل وانتفع بأوعيته.
وقال في الأم في سير الواقديّ في باب ترجمة كتب الأعاجم، قال الشافعيّ: وما وجد من كتبهم فهو مغنم كله، وينبغي للإمام أن يدعو من يترجمه، فإن كان علما من طب أو غيره لا مكروه فيه، باعه كما يبيع ما سواه من المغانم. وإن كان كتاب شرك شقّوا الكتاب فانتفعوا بأوعيته وأداته فباعها، ولا وجه لتحريقه ولا دفنه قبل أن يعلم ما هو. انتهى.
فقوله في الأم: «كتاب شرك» مفهم لأنه كله شرك، ولهذا عبر المزنيّ عن ذلك بقوله: وما كان فيه شرك، أي من أبواب الكتاب وفصوله.
وأدل من ذلك قولهم في باب الأحداث: أن حكمها في مس المحدث حكم ما نسخت تلاوته من القرآن في أصح الوجهين: والتعبير «بالأصح» على ما اصطلحوا عليه، يدل على أن الوجه القائل بحرمة مس المحدث وحمله لها قويّ.
وأدل من ذلك ما ذكره محرر المذهب، الشيخ محي الدين النوويّ ﵀ في مسائل ألحقها في آخر باب الأحداث من شرح المهذّب وأقره، أن المتولي قال:
فإن ظن أن فيها شيئا غير مبدل، كره مسه. انتهى.
فكراهة المس للاحترام فرع جواز الإبقاء والانتفاع بالقراءة.
وأصرح من ذلك كله قول الشافعي ﵀: أن ما لا مكروه فيه يباع. وكذا قول البغويّ في تهذيبه في آخر باب الوضوء: وكذلك لو تكلم- أي الجنب- بكلمة توافق نظم القرآن أو قرأ آية نسخت قراءتها أو قرأ التوراة والإنجيل أو ذكر الله سبحانه أو صلى على النبي ﷺ، فجائز.
قالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه «١» .
فإنه لا يتخيل أنه يجوز للجنب ما لا يجوز للمحدث، بل كل ما جاز للجنب قراءته من غير أمر ملجئ جاز للمحدث، ولا عكس.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ في الأذان باب هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا؟ وقالت عائشة: كان النبيّ ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
[ ١ / ٣٧ ]
وتعليله لذلك بحديث عائشة ﵂ دالّ على أن ذلك ذكر لله تعالى.
ولا يجوز الحمل على العموم، لا سيما إذا لوحظ قول القاضي الحسين: أنه يجوز الاستنجاء بها، لأنه مبنيّ على الوجه القائل بأن الكل مبدل. وهو ضعيف أو محمول على المبدل منهما. لأنه لا يخفى على أحد أن مسلما، فضلا عن عالم، لا يقول أنه يستنجي بنحو قوله في العشر الكلمات التي صدرت بها الألواح: قال الله جميع هذه الآيات كلها. أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق لا يكونن لك آلهة غيري. لا تعملنّ شيئا من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق، وفي الأرض من تحت، ومما في الماء أسفل الأرض. لا تسجدن لها ولا تعبدنّها. لأني أنا الرب إلهك إله غيور. لا تقسم بالرب إلهك كذبا. لأن الرب لا يزكي من حلف باسمه كذبا. أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها الرب إلهك. لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور.
وقد أشبع الكلام في المسألة شيخنا حافظ عصره أبو الفضل ابن حجر في آخر شرحه للبخاريّ. وآخر ما حط عليه، التفرقة بين من رسخ قدمه في العلوم الشرعية، فيجوز له النظر في ذلك، فإنه يستخرج منه ما ينتفع به المهتدون. وبين غيره فلا يجوز له ذلك. وأيده بنظر الأئمة فيها قديما وحديثا، والرد على أهل الكتابين بما يستخرجونه منها. فلولا جواز ذلك ما أقدموا عليه. والله الموفق.
وقد حررت هذه المسألة في فن المرفوع من حاشيتي على شرح ألفية الشيخ زين الدين العرافيّ. فراجعه إن شئت. والله الهادي.
ثم صنفت في ذلك تصنيفا حسنا سميته، الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة، كلام البقاعيّ الدمشقيّ رحمه الله تعالى.
وأما مسألة تحريف الكتابين، أعني التوراة والإنجيل، فقد نقل البخاريّ في أواخر صحيحه في باب قول الله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ عن ابن عباس: يحرفون يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله ﷿، ولكن يحرفونه يتأولونه عن غير تأويله.
قال أبو الفضل ابن حجر في شرحه: قال شيخنا ابن الملقن في شرحه: هذا الذي قاله أحد القولين في تفسير هذه الآية، وهو مختاره. أي البخاريّ.
ثم قال ابن حجر: اختلف في هذه المسألة على أقوال:
[ ١ / ٣٨ ]
أحدها: أنها بدلت كلها. وهو مقتضى القول المحكيّ بجواز الامتهان، وهو إفراط. وينبغي حمل إطلاق من أطلقه على الأكثر، وإلا فهي مكابرة. والآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل. من ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: ١٥٧] الآية- ومن ذلك قصة رجم اليهوديين وفيه وجود آية الرجم.
ويؤيده قوله تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: ٩٣] .
ثانيها: أن التبديل وقع ولكن في معظمها. وأدلته كثيرة. وينبغي حمل الأول عليه.
ثالثها: وقع في اليسير منها. ومعظمها باق على حاله. ونصره الشيخ تقيّ الدين ابن تيمية في كتابه «الرد الصحيح على من بدل دين المسيح» .
رابعها: إنما وقع التبديل والتغيير في المعاني لا في الألفاظ وهو المذكور هنا.
وبالجملة فكتب الكتابيّين، كأقوالهم، لا يعتمد عليها كلها. لظهور الكذب والتناقض فيها إلى اليوم. ولظهور تلفيقها. فهي ككتب القصص عندنا. فيها شيء من القرآن والسنة، ولكنه ممزوج بالأكاذيب والآراء المقتبسة من الأمم. ثم إن موافقة القرآن الكريم أو الحديث الصحيح لبعض ما في كتبهم دون بعض، يدل على أن الله تعالى بيّن له حق كلامهم من باطله، وصدقه من كذبه. وهذا معنى قوله تعالى: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨] .
قال بعضهم: لا شيء يعول عليه في صحة بعض أقوال كتب اليهود دون بعض، بعد ما طرأ عليها من الضياع والتحريف والخلط. إلا الوحي. وقد ثبتت نبوة محمد ﷺ بالدلائل الساطعة والآثار النافعة. انتهى. أي فعلى وحيه المعوّل فالحمد لله الذي وفقنا لاتباعه.