وبعد هذه الجولة مع المصنف وحياته ومصنفاته وذكره في كتب الآخرين نركز الحديث هنا عن التفسير ونبدأ بأهم نقطة في هذا الأمر، وهي توثيق نسبة التفسير لعلم الدين السخاوي فنقول - وبالله التوفيق:
ذكر المترجمون لعلم الدين السخاوي أن له تفسيرا وصل فيه إلى سورة الكهف (^١). وكان ياقوت الحموي هو أول من أشار إلى ذلك (^٢)، ثم تبعه في قوله من جاء بعده ممن ترجم لعلم الدين السخاوي. وقد كانت هذه النقطة سببا من أسباب تأخرنا وترددنا في إخراج هذا السفر العظيم، وبعد البحث وتتبع أقوال المترجمين للسخاوي تبين لنا أن (تفسير القرآن العظيم) لعلم الدين السخاوي تفسير كامل وهو الذي نقدمه كاملا إلى المكتبة الإسلامية، وقد بنينا هذا الرأي على عدة أدلة نوجزها في النقاط الآتية:
أولا - الحصول على نسخة مخطوطة كاملة للتفسير من أول المقدمة وسورة الفاتحة حتى سورة الناس آخر القرآن الكريم، في مجلدين، وجاء على غلاف كل مجلد منهما (تفسير القرآن العظيم للشيخ الإمام العالم العامل، العلامة، فريد دهره، ووحيد عصره، علم الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي تغمده الله برحمته آمين).
ثانيا - اعتمد القائلون بأن السخاوي توقف عند الكهف ولم يتمّ تفسيره على ما ذكره ياقوت الحموي عند ترجمته للسخاوي، وتابع كل من ترجم للسخاوي ياقوت الحموي في كلامه، وهو قول نجزم - بعد البحث والتحقيق - بعدم صحته وذلك بناء على مجموعة أمور من أهمها:
١ - أن ياقوت الحموي الذي ذكر هذا القول توفي (٦١٩ هـ) أي في حياة العلم السخاوي الذي توفي (٦٤٣ هـ) والفارق الزمني بين وفاتيهما ربع قرن من الزمان تقريبا، وهي فترة كفيلة بأن يتم السخاوي تفسيره؛ بل ويكتب تفسيرا آخر غير هذا الذي بين أيدينا على ما سنبين لاحقا.
٢ - وجود التفسير كاملا - كما تقدم - متحدا في أسلوبه وطريقة تصنيفه ومنهجه في تفسيره وآرائه، من أول التفسير إلى آخره، وسيأتي ذكر أمثلة على ذلك في هذه المقدمة.
_________________
(١) ينظر: كشف الظنون لحاجي خليفة (١/ ٤٤٨)، هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين لإسماعيل باشا البغدادي (١/ ٣٧٨).
(٢) ينظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٣/ ١٩٦).
[ ١ / ٢٩ ]
٣ - تطابق آراء السخاوي في تفسيره مع آرائه في مصنفاته الأخرى، كالمفضل في شرح المفصل، وغيره وقد أشرنا إلى ذلك في مواضع من التحقيق، ومن ذلك مثلا ما عرضه السخاوي حول الواو في إعراب قوله تعالى في سورة الجاثية: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ [الجاثية: ٥] الآيات (^١).
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٧٣) [سورة ص] أورد اعتراضا على الزمخشري وذكر رأي الزجاج وهو بنصه في المفضل أيضا (^٢).
ثالثا - من أهم ما يمكن ذكره أن المصنف ذكر في سورة الكهف (^٣) رأي كلّ من القاضي الفاضل وأبي الجود حول مسألة نحوية، والذي يعنينا هنا أن كلاّ منهما شيخ المصنف وكثيرا ما ذكرهما في مصنفاته، والأكثر أهمية أن ذلك في الجزء الذي قال الزاعمون إن السخاوي لم يفسره.
رابعا - وردت إشارات من المصنف في تفسير السور من سورة الكهف إلى آخر القرآن الكريم يقرر أنه تقدم كلامه في السور التي قبل سورة الكهف وهذا من أقوى الأدلة على أن التفسير الذي بين أيدينا هو تفسير كامل لمصنفه علم الدين السخاوي - رحمه الله تعالى - ومن ذلك:
وننبه قبل ذلك أن المصنف - ﵀ - له عبارة في النصف الأول من تفسيره - وهو الجزء الذي لم يشك أحد في نسبته إليه - عبارة تدل على أنه - ﵀ - كان في تفسيره عازما على استكماله كله، وهذه العبارة وردت في سورة الأنعام، حيث قال المصنف - رحمه الله تعالى - عند قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
قال السخاوي: واتخذتموهم أتباعا. وقيل: المراد: استعاذة الإنس بالجن على ما يأتي شرحه في سورة ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] (^٤).
- أما إشارات المصنف في الجزء الثاني والذي يبدأ من سورة الكهف إلى آخر القرآن الكريم وهو الجزء محل الشك - لدى من يشكون - فقد كانت كثيرة سنكتفي بذكر بعضها
_________________
(١) وينظر: المفضل في شرح المفصل للسخاوي (١/ ٢٠٨) فقد ورد هذا النص في كتاب المفضل (ج ٢ / الورقة ظ من المخطوط).
(٢) المفضل في شرح المفصل للسخاوي (٢/ ١٩٥).
(٣) وذلك عند قوله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف: ٢٢].
(٤) أي: سورة الجن، الآية (١) وقد فصل المصنف ذلك هناك. وفي ذلك إشارة منه - ﵀ - أنه بصدد تفسير القرآن الكريم كله، حيث تقع سورة الجن في الجزء التاسع والعشرين.
[ ١ / ٣٠ ]
على سبيل التمثيل لا الحصر، وهي تشير إلى ما سبق وتقدم تفسيره وذكره في الجزء الأول، وفي بعضها تكرار لتفسيرات وردت في بعض الآيات التي يتكرر ذكرها في القرآن الكريم في عدد من السور وسنشير إليها عند ذكرها ومن تلك الإشارات:
* عند قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢].
قال السخاوي - ﵀: «(مثلا) و(رجلين) مفعولان ل (اضرب) ومعناها:
صيّر؛ كقولك: ضربت الطين لبنا، وقد سبق أن الزمخشري قال: إن الجنة من النخل (^١).
* وعند قوله تعالى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧].
قال السخاوي: هي الموعدة التي وعد بها إبراهيم أباه، وقد بسط عذره وشرح قصته في سورة التوبة (^٢).
- وعند قوله تعالى: ﴿قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٧].
قال السخاوي: ﴿ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا﴾ إن سألتموه النفع ﴿وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ إن تركتم عبادته (أفّ لكم) مذكور في (سبحان)» (^٣).
- وعند قوله تعالى في سورة الحج: ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الحج: ٥] قال السخاوي:
«تفسير الأشد مذكور في سورة يوسف» (^٤).
خامسا: يوجد كلام للسخاوي في تفسيره لسور ما قبل سورة الكهف تطابق مع كلامه في تفسير بعض سور ما بعد سورة الكهف ومن ذلك على سبيل التمثيل:
- في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦] قال السخاوي: «وابتداء السلام سنة، وجوابه فرض كفاية، إذا قام به بعض سقط عن الباقين، وإذا التقى رجلان، أو قال أحدهما للآخر: سلام عليكم، وقال الآخر كذلك في وقت واحد، وجب على كل واحد منهما الرد على صاحبه. وسلام المتاركة لا يقتضي جوابا لقوله: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزّخرف: ٨٩]، وكذلك إذا انصرف عن جماعة فقال: سلام عليكم. لم
_________________
(١) وذكر ذلك في تفسير سورة الرعد، الآية (٤).
(٢) وذكر ذلك في تفسير سورة التوبة، الآية (١١٤).
(٣) سورة الإسراء، الآية (٢٣) حيث قال السخاوي هناك: «أفّ: كلمة يتضجر بها».
(٤) سورة يوسف، الآية (٢٢) عند قوله تعالى: وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ حيث قال السخاوي هناك: «قويت قواه وهو جمع شد، وشدّ النهار: وسطه؛ لأن ضوء الشمس فيه أقوى».
[ ١ / ٣١ ]
يستحق جوابا».
- وقال في سورة مريم عند قوله تعالى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧]: «سلام موادعة ومفارقة»، وقال بعض أصحاب الشافعي: «إن سلام المتاركة لا يجب جوابه على السامع».
- وعند قوله تعالى: ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ (٥٢) [مريم].
قال السخاوي: «وقال - ﷾ - في حق فرعون: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] أي: نلقيك على مكان مرتفع عن الماء، وكانت بنو إسرائيل قد قالوا بعد غرق فرعون: ما يموت فرعون أبدا؛ لما ثبت في قلوبهم من الرعب منه، فألقاه الموج على شاطئ البحر، وكان عليه درع من ذهب معروفة لا يلبسها إلا هو، فعرفوه وتحققوا موته، فقوله: ﴿نُنَجِّيكَ﴾ أي: نرفعك على مكان عال، وإلا ففرعون ما نجا».
- وقد ذكر السخاوي هذا الكلام في تفسير سورة يونس فقال: ﴿نُنَجِّيكَ﴾: نلقيك على نجوة مكان مرتفع من الأرض؛ لأن بني إسرائيل قالوا: ما غرق فرعون؛ لما ثبت في قلوبهم من الرعب منه. فألقاه البحر على مكان مرتفع، وكان عليه درع من ذهب، فرآه بنو إسرائيل وعرفوه، وأيقنوا بموته».
- وفي سورة يونس عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] قال السخاوي:
«يدل على أن السحر حق؛ لأنه وعد بإبطاله بسين الاستقبال ولو كان باطلا لاستحال إبطاله؛ لأنه تحصيل الحاصل. وقد سحر رسول الله ﷺ. ومذهب الشافعي أن من قتل بسحر يقتل غالبا - يجب عليه القصاص».
- وقال عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (٤) [الفلق]: «النفاثات:
النساء السواحر، أو النفوس، أو الجماعات السواحر، وأنكر الحنفية تأثير السحر، وقالوا:
هو تخييل؛ لقوله - تعالى: ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦]. واحتج الشافعي على تأثير السحر بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] فجعل إبطاله مستقبلا، فدل على تحققه قبل الإبطال وبأن النبي ﷺ سحر، كما جاء في الحديث الصحيح».
- ومما تطابق فيه كلام السخاوي ما ذكره في سورة هود عند قوله - تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ [هود: ٧١] حيث قال السخاوي - ﵀: «وفيه دليل على أن الذبيح إسحاق؛ لأن الذبيح هو المبشّر به؛ لقوله: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ولم تبشر إلا بإسحاق، ومن ذكر أنه إسماعيل قال: لو كان الذبيح إسحاق لما شك إبراهيم في أنه لا ينذبح؛ لأن الله قد بشّره بأن يولد من إسحاق ولد اسمه يعقوب، فكان يعلم أنه لا يموت حتى يرزق الولد».
[ ١ / ٣٢ ]
- وفي سورة الصافات بعد تفسير الآيات التي تناولت قصة الذبيح (^١) قال الشيخ علم الدين السخاوي - ﵀: «فإن قلت: من الذبيح؟ قلت: فيه قولان:
أحدهما: أنه إسماعيل وبه قال ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وجماعة من التابعين محتجين بأن الكبش والذبيح كانا بمكة، ولم ينقل أن إسحاق وصل إلى مكة، بل إسماعيل، وبنى هو وأبوه البيت.
والقول الثاني: أنه إسحاق وبه قال علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والعباس وعطاء، وعكرمة، وأن المذبوح هو المبشر به؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢].
وقد قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ [هود: ٧١] وقد ثبت أن المذبوح هو المبشر به، ولأن الله - تعالى - ما ذكر نبيّا في هذه السورة إلا سلم عليه، أو بارك، وقد بارك على إسحاق بقوله: ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (١١٣) [الصافات: ١١٣]، ولأن الله بشر إبراهيم بولد، وبأن ذلك الولد يعيش إلى أن يولد له ولد، فلو كان الذبيح إسماعيل لكان يقول: إن الله وعدني أن يعيش هذا حتى يرزق ولدا، ولم يرزق بعد ولدا، وأكثر العلماء على أن الذبيح إسحاق».
سادسا - يوجد تطابق في تسمية بعض السور في التفسير مع تسمية السخاوي لها في كتبه الأخرى؛ كما في تسمية سورة الشورى مع تسميته في جمال القراء وكمال الإقراء له (^٢).
سابعا - جاء مخطوط تفسير السخاوي الذي اعتمدنا عليه في التحقيق في مجلدين، وكان من المفترض أن ينتهي المجلد الأول عند سورة الكهف - كما قد يفهم من كلام ياقوت الحموي ومن تبعه في ترجمته لعلم الدين السخاوي - وهذا لم يحدث؛ بل بدأ المجلد الثاني بسورة النمل إلى آخر سورة الناس، وقد حمل غلاف المجلد الثاني العنوان الآتي: «الجزء الثاني من تفسير القرآن العظيم للشيخ الإمام العالم العلامة فريد دهره ووحيد عصره علم الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي تغمده الله برحمته آمين».
- أمّا قول ياقوت الحموي إن السخاوي وصل في تفسيره إلى سورة الكهف فيمكن أن نفسره بما يلي:
لعل الحموي اعتمد في ذكر ما قال على ما وحد مكتوبا عند أول سورة الكهف على
_________________
(١) سورة الصافات، الآيات (١٠٠ - ١١٣).
(٢) ينظر: جمال القراء وكمال الإقراء للسخاوي (ص: ٢١٥) حيث سماها سورة حم (١) عسق، وكذا ورد اسمها في التفسير الذي بين أيدينا، وهذا للتمثيل.
[ ١ / ٣٣ ]
لسان محمد بن منصور، وهو ناسخ هذه النسخة وهو أحد تلاميذ الشيخ علم الدين السخاوي؛ حيث قال: «إلى هنا انتهت قراءتي على المصنف من أول الكتاب من النسخة التي نقلت هذه منها، كتبه محمد بن منصور مالكها» (^١).
ومن كلام الناسخ يمكن أن نؤكد أن الذي لم يتم هو قراءة الناسخ - الذي هو تلميذ المصنف - التفسير عليه، لا أن التفسير لم يتم، وهذا بيّن جدّا من سياق الكلام، كما لا يستبعد - في نظرنا - أن الحموي وغيره لم يدققوا في هذه العبارة، وسار المتأخرون على ما ذكر المتقدمون في هذا الأمر.
* وهناك احتمال آخر قد نفسر به كلام ياقوت ومن اتبعه وهو احتمال قويّ كذلك، وهو أننا من خلال قراءتنا لترجمة السخاوي وأخباره وقفنا على أن للسخاوي تفسيرا آخر مطوّلا ومن الممكن أن هذا التفسير المطوّل هو الذي لم يتم، أو أن المصنف وصل فيه إلى سورة الكهف؛ ويؤيد هذا أن بعضهم نقل عن السخاوي آراء في التفسير لم نجدها في تفسيره الذي بين أيدينا نحققه، ومن ذلك ما أورده أبو شامة (وهو من كبار تلاميذ السخاوي) في تاريخه عند الحديث عن فتح بيت المقدس؛ حيث قال أبو شامة: «رأيت أنا في كتاب تفسير القرآن لأبي الحكم بن برجان (^٢) ذكر في تفسير أول سورة الروم أن بيت المقدس استولت عليه الروم عام سبع وثمانين وأربعمائة، وأشار أنه يبقى بأيديهم إلى تمام خمسمائة وثلاث وثمانين سنة.
وهذا الذي ذكره أبو الحكم الأندلسي في تفسيره من عجائب ما اتفق لهذه الأمة المرحومة، وقد تكلم عليه شيخنا أبو الحسن علي بن محمد في تفسيره الأول؛ فقال: «وقع في تفسير أبي الحكم الأندلسي في أول سورة الروم إخبار عن فتح بيت المقدس؛ وأنه ينزع من أيدي النصارى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. قال: ولم أره أخذ ذلك من علم الحروف وإنما أخذه فيما زعم من قوله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤] فبنى الأمر على التاريخ كما يفعل المنجمون، فذكر أنهم يغلبون في سنة كذا وكذا ويغلبون في سنة كذا وكذا على ما تقتضيه دوائر التقدير.
_________________
(١) ينظر: تفسير السخاوي الورقة (١٠٥) من المخطوط.
(٢) هو عبد السلام بن عبد الرحمن بن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن أبو الحكم اللخمي الإفريقي، ثم الإشبيلي المشهور بابن برجان. كان من أهل المعرفة بالقراءات والحديث والكلام والتصوف مع الزهد والاجتهاد في العبادة، ومن مصنفاته: تفسير القرآن وشرح الأسماء الحسنى. توفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة. تنظر ترجمته في: طبقات المفسرين للسيوطي (١/ ٥٧).
[ ١ / ٣٤ ]
ثم قال: وهذه نجابة وافقت إصابة إن صح، قال ذلك قبل وقوعه وكان في كتابه قبل حدوثه قال: وليس هذا من قبيل علم الحروف ولا من باب الكرامات والمكاشفات ولا ينال في حساب. قال: وقد ذكر في تفسير سورة القدر أنه لو علم الوقت الذي نزل فيه القرآن لعلم الوقت الذي يرفع فيه. قلت: ابن برجان ذكر هذا في تفسيره في حدود سنة ثنتين وعشرين وخمسمائة، ويقال: إن الملك نور الدين أوقف على ذلك فطمع أن يعيش إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة لأن مولده في سنة إحدى عشر وخمسمائة فتهيأ لأسباب ذلك حتى إنه أعد منبرا عظيما لبيت المقدس إذا فتحه والله أعلم» (^١).
- ولأبي شامة نص آخر في ترجمة كمال الدين الدزماري يقول فيه: «وهو الذي ذكره شيخنا السخاوي في خطبة تفسيره وأثنى عليه، وكان ملازما حلقة شيخنا وقت سماع التفسير وفي أيام ختمات الطلبة» (^٢).
ولم يرد ذكر لذلك في مقدمة التفسير الذي بين أيدينا.
ومن يقرأ ويمعن النظر - بقليل من الدقة - في هذين النصين لأبي شامة وهو من أقرب الناس لشيخه السخاوي وأدراهم بمصنفاته يمكن أن يقف على الحقائق الآتية:
- أن للسخاوي تفسيرا آخر، وهو ما عبّر عنه أبو شامة بقوله: «تفسيره الأول»، ويحتمل أنه المقصود في كلام ياقوت بأن السخاوي لم يتمه ووصل فيه إلى الكهف. والله تعالى أعلم.
- أن الذي بين أيدينا تفسير كامل للسخاوي؛ لما تقدم ذكره منذ قليل.
وإذا أضيف إلى كل ما سبق أن القارئ والمحقق لن يجد فرقا بين أول التفسير وآخره من حيث المنهج وطريقة العرض والآراء الفقهية واللغوية وكذا مذهب المصنف الفقهي والعقدي والنحوي كما سبق بيانه؛ فهو شافعي يذكر مذهب الشافعي ويؤيده من أول التفسير إلى آخره، وكذا فهو في العقيدة يتبنى رأي أصحاب التأويل لا سيما في الآيات التي تتناول صفات الله تعالى التي قد يوهم ظاهرها - وهذا في رأي السخاوي ومدرسته - تشبيها
_________________
(١) ينظر كلامه في: الروضتين في تاريخ الدولتين النورية والصلاحية لأبي شامة (٣/ ٣٩٤ - ٣٩٥) ط. مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٩٩٧ م - تحقيق إبراهيم الزيبق. وذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية (١٢/ ٣٢٦) نقلا عن أبي شامة.
(٢) نقله عن أبي شامة ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٣٠)، وابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية (٢/ ١٠٠)، وذكره الدكتور عبد الكريم جواد كاظم في مقدمة رسالته للدكتوراه (ص: ٩٤) من الدراسة، بعنوان: (المفضل للسخاوي وأثره في الدراسات النحوية في القرن السابع الهجري) كلية اللغة العربية - الأزهر - القاهرة رقم (١٤٠٧) نقلا عن أبي شامة.
[ ١ / ٣٥ ]
لله تعالى بخلقه.
وقد بينا في غير موضع من التفسير عند تعليقنا على كلام السخاوي - ﵀ - المذهب الذي نراه أحق بالاتباع، وهو أيضا أسلم وأحكم وهو مذهب أهل السنة والجماعة من السلف والخلف.
وقد استمر السخاوي على مذهبه هذا في تفسيره كله في النصف الثاني كما هو في النصف الأول.
كما أن هناك ملمحا عامّا في التفسير كله وهو العناية بآراء الزمخشري والتعليق عليها.
وأخيرا: كتبت عدة دراسات علمية موثقة وقد ذكرت نسبة التفسير إلى السخاوي كاملا ومن هذه الإشارات والدراسات:
* التفسير في القرن السابع الهجري (^١).
* مقدمة تحقيق كتاب سفر السعادة (^٢).
* الاتجاهات الأدبية في تفسير السخاوي (^٣).
* السخاوي وجهوده النحوية من خلال تفسيره للقرآن العظيم (^٤).
* السخاوي وجهوده اللغوية من خلال تفسيره للقرآن العظيم (^٥).
ومجمل القول وخلاصته التي يمكن أن تقال بعد هذا الاجتهاد منا: إننا لم نجد مسوّغا ينفي نسبة ما بعد سورة الكهف لعلم الدين السخاوي إلا ما قدمناه من ترجمة ياقوت ونقل التابعين قوله بلا برهان غير ما ذكرناه من الفهم الخاطئ لعبارة الناسخ.
وبعد فإن التراث العربيّ المحقق زاخر بمصنفات غير منسوبة أو مختلف في نسبتها إلى أصحابها، ولم يقلل ذلك أو ينقص من قيمة المصنفات؛ بل ظلت مصدر نفع وخير للقراء، وهذا أمر يفوق الحصر، يكفي التمثيل لذلك بإعراب القرآن المنسوب للزجاج، وكذا الحدائق في النحو لمجهول، وبعض مصنفات الخليل؛ كالجمل والمنظومة النحوية وغير ذلك من الكتب. وهذا لا يعني أن لدينا شكّا في نسبة النصف الثاني من تفسير السخاوي؛ بل فقط نقول: تبقى مادة الكتاب معبّرة عن قيمته، ولو لم ينسب، فما بالنا وقد ثبت لدينا بما
_________________
(١) رسالة دكتوراه - بدار العلوم - جامعة القاهرة.
(٢) للدكتور أحمد عبد المجيد هريدي رسالة دكتوراه بكلية الآداب - جامعة القاهرة.
(٣) رسالة ماجستير للدكتور أحمد عثمان أحمد - بكلية دار العلوم - جامعة المنيا.
(٤) رسالة ماجستير للدكتور أشرف محمد محمد عبد الله - بدار العلوم - جامعة المنيا.
(٥) رسالة دكتوراه للدكتور أحمد طه - دار العلوم - جامعة القاهرة - فرع الفيوم - ٢٠٠٣ م.
[ ١ / ٣٦ ]
ذكرنا من أدلة صحة نسبة التفسير كله للعلامة علم الدين السخاوي.