﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾
﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ كله من الله، فيجب شكر ذلك علينا. تقول: الحمد لله الذي كساني زيد وحملني عمرو، أي: لله الحمد على ذلك. ﴿يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ من النبات والقطر؛ لقوله: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^١) ومن الكنوز والدفائن والأموات.
﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ من الشجر والنبات والمعادن ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ من الأمطار والثلج والبرد والصواعق والأرزاق والملائكة وأنواع البركات. ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ من الملائكة وأعمال العباد، وهو مع ذلك المستمر الرحمة لعباده، الغافر لمقصرهم (٢٠٠ /أ) عن شكر هذه النعم. قولهم: ﴿لا تَأْتِينَا السّاعَةُ﴾ إنكار واستهزاء؛ كقولهم: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ (^٢).
قوله ﷿: ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي﴾ أكّد تحقق الساعة بالقسم بالرب، ثم وصف نفسه بالإحاطة بجميع المخلوقات، ومتى كان المقسم عظيما كان المقسم عليه كذلك. قوله ﷿: ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أي: إلا مكتوبا، والرزق الكريم: الجنة.
فإن قيل: المنكرون للبعث معتقدون أنه لا يكون، فقسمه لا يرجع بهم إلى الحق؟
_________________
(١) سورة الزمر، الآية (٢١).
(٢) سورة يونس، الآية (٤٨).
[ ٢ / ١٣٥ ]
قلنا: إنما يتوجه السؤال إذا لم يقرن به ما تقوم به الحجة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فإن الجزاء من جملة العدل، وإيصال كل ذي حق إلى حقه.
﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ مقدار أصغر نملة، وقرئ ﴿وَلا أَصْغَرُ﴾ ﴿وَلا أَكْبَرُ﴾ بالرفع فيهما على الابتداء، وبالنصب على نفي الجنس (^١).
قوله ﷿: ﴿وَيَرَى﴾ يجوز أن يكون مرفوعا مستأنفا، أو منصوبا على العطف ل "يجزي". قال بعض كفار قريش لبعض: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ﴾ يعنون النبي ﷺ يخبركم أنكم إذا مزقتم كل تمزيق، وصرتم رفاتا تنشأون خلقا جديدا، ثم قسّم الأمر في ذلك بين أن يكون مفتريا على الله، أو به جنون يغشاه فيداوى منه، والعامل في ﴿إِذا﴾ ما دل عليه قوله:
﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: تبعثون، ولا يعمل فيه ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لأن ما بعد "إن" لا يعمل فيما قبلها، وقد سبق نظيره في سورة النمل.
فإن قلت: ﴿جَدِيدٍ﴾ بمعنى فاعل أو مفعول؟ قلت: هو عند البصريين بمعنى فاعل (جد) فهو مجدود، ومنه جداد النخل، وهو قطع ثمرها، وسقطت همزة الوصل في قوله: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ﴾ ولم تسقط في قوله:
﴿أَسِحْرٌ﴾ (^٢) و﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (^٣) لأن مسألة السحر لو سقطت المدة لا لتبس الاستفهام بالخبر، بخلاف ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ؛﴾ فإن الهمزة لو ظهرت لكانت مكسورة. قوله:
﴿وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ مجاز؛ لأن البعد حقيقة في الأماكن، وقد نسب البعد - هاهنا - إلى الضلال، وإنما البعيد هو الضال؛ قد أبعد عن الطريق فعوده إليها مبطئ مع بعدها.
﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾
_________________
(١) قرأ الجمهور "ولا أصغر من ذلك ولا أكبر" بالرفع، وقرأ قتادة والأعمش بالنصب. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٥٨)، تفسير القرطبي (١٤/ ٢٦٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٢٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٧٩).
(٢) سورة يونس، الآية (٨١).
(٣) سورة يونس، الآية (٥٩).
[ ٢ / ١٣٦ ]
﴿وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ إن في النظر في آيات (٢٠٠ /ب) السماوات والأرض. ﴿لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ وهو الراجع إلى ربه ﷾ المطيع له. قوله: ﴿يا جِبالُ﴾ إما أن يكون بدلا من ﴿فَضْلًا﴾ وإما من ﴿آتَيْنا﴾ وقوله: ﴿يا جِبالُ﴾ [بتقدير: قولنا يا جبال. أو: قلنا: يا جبال. وقرئ: (أوبي) وأوبي من التأويب، والأوب أي: رجعي معه التسبيح أو ارجعي معه في التسبيح كلما رجع فيه لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه] (^١) ومعنى تسبيح الجبال: أن الله يخلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة.
فإن قلت: أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ تسبيح الجبال؟ قلت: الفرق بينهما أن الذي في الآية دال على عظمة الله وكبريائه؛ حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذين ينادون ويخاطبون. ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ جعلناه ليّنا كالطين والعجين يصرفه بيده كيف يشاء. وقيل: إن داود ﵇ كان قويّا، فكان الحديد في يده كالعجين في يد غيره ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: لا تجعل الحلق ضيقة فتفصم، ولا واسعة فتفلق، والسرد: نسج الدروع ﴿وَاعْمَلُوا﴾ الضمير لداود ولأهله.
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ منصوب ب ﴿سَخَّرْنَا﴾ المضمر؛ فمن قرأ "الرياح" بالرفع أو "الريح" فهو مبتدأ خبره ﴿وَلِسُلَيْمانَ﴾ ومن نصب فهو مفعول ب "سخرنا" (^٢).
﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ جريها بالغداة مسيرة شهر، وبالعشي مثل ذلك. ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ النحاس وكان قد أذيب له ينبع من تحت الأرض كما ينبع الماء. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ بتسخيره. ﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾ يمل عن أمرنا له بطاعة سليمان. ﴿عَذابِ السَّعِيرِ﴾ هو عذاب الآخرة. وقيل: كان معه
_________________
(١) الكشاف (١/ ١٠١٦).
(٢) قرأ جمهور القراء "الريح" بالنصب، وقرأ شعبة عن عاصم "الريح" بالرفع، وقرأ أبو جعفر "الرياح" بالنصب. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٦٤)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٩٢)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٨٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٣٤)، السبعة في القراءات لابن مجاهد (ص: ٥٢٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٨٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٩).
[ ٢ / ١٣٧ ]
ملك بيده سوط من نار إذا عصى الجني ضربه به من حيث لا يراه الجني.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾
المحاريب: المساكن والمنازل الشريفة. وقيل: هي المساجد. والتماثيل: الصور من الملائكة والنبيين والصالحين؛ كان يعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوها، وإنما أمر سليمان ﵇ بعمل الصور وهي حرام في شرعنا؛ لأنه كان مباحا في شرعهم، ويجوز أن يراد أنهم كانوا يعملون تماثيل الأشجار وما لا روح فيه.
وروي: أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين في أعلاه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.
والجوابي: الحياض الكبار، قال [من الطويل]:
تروح على آل المحلّق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق (^١)
لأن الماء يجبى (٢٠١ /أ) إليها، أي: يجمع، جعل الفعل إليها مجازا وهي من الصفات الغالبة؛ كالدابة، وقيل: كانت الجفنة يجلس عليها ألف رجل.
﴿راسِياتٍ﴾ ثابتات. ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ فيه دليل على أن الشكر يكون قولا وفعلا. ﴿شُكْرًا﴾ مفعول لقوله: ﴿اِعْمَلُوا﴾ أو حال، أو مصدر؛ كأنه قال: اشكروا شكرا.
﴿الشَّكُورُ﴾ المتوفر على الشكر، الباذل وسعه فيه. وقيل: يشكر على الشكر، أو يرى أنه عجز عن الشكر، والعجز عن درك الإدراك إدراك، وعن داود أنه جزّأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.
وسمع عمر رجلا يقول: "اللهم اجعلني من ذلك القليل، فقال عمر: كل الناس أفقه
_________________
(١) البيت للأعشى، ينظر في: غريب الحديث لابن سلام (١/ ١٠٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٧٢)، لسان العرب لابن منظور (حلق، جبى) وقال ابن منظور في لسان العرب (جبى):" خص العراقي لجهله بالمياه؛ لأنه حضري فإذا وجدها ملأ جابيته وأعدها ولم يدر متى يجد المياه وأما البدوي فهو عالم بالمياه فهو لا يبالي ألا يجدها، ويروى: كجابية السيح، وهو الماء الجاري ". وتفهق: تمتلئ حتى تكاد تتدفق.
[ ٢ / ١٣٨ ]
منك يا عمر " (^١).
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾
﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ الدويبة التي تكون في الكبت. والمنسأة: العصاة؛ لأنه بها يطرد ويؤخر، وقرئ بفتح الميم (^٢). ومنسأة على مفعلة، ومنسأته من طرف عصاه.
﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ من تبين الشيء إذا ظهر، و" أن "مع صلتها بدل اشتمال من ﴿الْجِنُّ﴾ كقولك: تبين زيد جهله. والظهور له، أي: ظهر أن الجن ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ أو علم الجن كلهم علما بيّنا بعد التباس الأمر على عامتهم وتوهمهم أن كبارهم يصدقون في ادعائهم علم الغيب، أو علم من ادعى علم الغيب من جهتهم، وأنهم لا يعلمون الغيب، وإن كانوا عالمين بتخيل ذلك بحالهم. وقرئ ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ على البناء للمفعول (^٣).
روي أنه كان من عادة سليمان أن يعتكف في بيت المقدس المدد الطوال، فلما دنا أجله لم يصبح يوما إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله، فيسألها: لأي شيء نبتّ؟ فتقول:
لكذا، حتى أصبح ذات يوم ورأى الخرّوبة (^٤) فسألها، فقالت: نبتّ لخراب هذا المسجد، فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ، أنت التي على وجهك هلاكي. فنزعها وغرسها في حائط له، وقال: اللهم عمّ على الجن موتي، حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب؛ لأنهم كانوا يسترقون السمع، ويوهمون الإنس أنهم يعلمون الغيب، وقال لملك الموت:
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٣١) ونسبه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم التيمي عن رجل عن عمر ﵁.
(٢) قرأ الجمهور من القراء" منسأته "وقرأ ابن ذكوان" منسأته "بهمزة ساكنة، وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر" منساته "بألف محضة بدون همزة. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٢٦٧/ ٧)، تفسير القرطبي (١٤/ ٢٧٩)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٩٣)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٨٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٣٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٢٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٨٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٩).
(٣) قرأ بها ابن عباس ورويس ويعقوب. تنظر في: تفسير القرطبي (١٤/ ٢٧٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٣٧)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٣١٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٥٤)، مجمع البيان للطبرسي (٨/ ٣٨٠)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٨٦).
(٤) الخروبة: شجرة الخروب شجر مثمر من الفصيلة القرنية، ثماره قرون تؤكل وتعلفها الماشية. المعجم الوسيط: مادة (خرب).
[ ٢ / ١٣٩ ]
إذا أمرت بي فأعلمني. فقال: أمرت بك، وقد بقي من عمرك ساعة. فدعا الشياطين، فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب، فقام يصلي (٢٠١ /ب) متكئا على عصاه، فقبض روحه وهو متكئ عليها، وكانت الشياطين تجتمع على محرابه أينما صلى، فلم يكن الشيطان ينظر إليه في صلاته إلا احترق، فمرّ به شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع، فإذا سليمان خرّ ميتا ففتحوا عليه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة (^١) فأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت في يوم وليلة مقدارا منها، فحسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حيّا، فأيقن الناس أنهم لو كانوا يعلمون الغيب لما لبثوا في العذاب سنة.
وروي: أن داود ﵇ أسّس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى ﵇، فمات قبل أن يتمّه فوصى به إلى سليمان، فأمر الشياطين بإتمامه، فلما بقي من عمره سنة سأل الله أن يعمي عليهم موته؛ حتى يفرغوا، وليبطل دعواهم علم الغيب (^٢).
وروي أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه، فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها، فلم يجسر أحد أن يدنو منه، وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة، وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وبقي في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه (^٣).
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾
﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ إما حكاية لما قال لهم الأنبياء، وإما قيل بلسان الحال، أو هم أحقاء بأني قائل لهم ذلك، ولما قال: كلوا من رزق ربكم واشكروا له؛ ذكر سبب اقتضاء الشكر، وهو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ وعن ابن عباس ﵁: كانت من أخصب البلاد وأطيبها؛ لم يكن فيها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية (^٤).
_________________
(١) الأرضة - بالتحريك -: دودة بيضاء شبه النملة تظهر في أيام الربيع، قال أبو حنيفة: الأرضة ضربان ضرب صغار مثل كبار الذر وهي آفة الخشب خاصة، وضرب مثل كبار النمل ذوات أجنحة، وهي آفة كل شيء من خشب ونبات غير أنها لا تعرض للرطب، وهي ذات قوائم والجمع أرض. ينظر: لسان العرب (أرض).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٧٥)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٦٨٢) لابن أبي حاتم.
(٣) ينظر: الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٧٤).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٧٥) عن ابن عباس، ورواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٧٨)، -
[ ٢ / ١٤٠ ]
﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧)﴾
﴿الْعَرِمِ﴾ الجرد الذي نقب عليهم السّكر، ضربت عليهم بلقيس بسد ما بين الجبلين بالصخر والقار فخفيت به ماء العيون والأمطار، وتركت فيه ثلاثة أبواب على مقدار ما يحتاجون إليه في سقيهم، فلما طغوا قيل: بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيّا يدعونهم إلى الله، فكذبوهم وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة، فسلط الله على سدّهم الجرذ فنقبه من أسفله فغرقهم.
وقيل: ﴿الْعَرِمِ﴾ جمع عرمة، وهي الحجارة المركومة. ويقال للكدس من الطعام:
عرمة. وقيل: العرم اسم الوادي. وقيل: العرم: المطر الشديد. وقيل: كانوا في الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ. والخمط: شجر الأراك. وعن أبي عبيدة: هو كل شجر ذي شوك (^١). وقال الزجاج: كل نبت أخذ طعما من مرارة حتى لا (٢٠٢ /ب) يمكن أكله (^٢). والأثل: شيء يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عودا. والأثل والسدر معطوفان على ﴿أُكُلٍ﴾ لا على ﴿خَمْطٍ﴾ لأن الأثل لا أكل له. وقرئ ﴿وَشَيْءٍ﴾ بالنصب (^٣) عطفا على ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ لأجل المشاكلة. وعن الحسن قال: السدر؛ لأنه أجود ما بدلوه (^٤).
وقرئ ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ (^٥) وهل يجازي هذا الجزاء إلا الله؟ ولا يعذب به إلا
_________________
(١) = وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٦٨٧) ونسبه لابن أبي حاتم عن ابن زيد.
(٢) ينظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢/ ١٤٧).
(٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٢٤٩).
(٤) حكاها الفضل بن إبراهيم. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٧١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٤٠) روح المعاني للألوسي (٢٢/ ١٢٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٧٦)، مختصر الشواذ لابن خالويه (ص: ١٢١).
(٥) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٧٦).
(٦) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة وأبو جعفر" وهل يجازى "، وقرأ الباقون" وهل نجازي ". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٧١)، تفسير القرطبي (١٤/ ٢٨٨)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٩٤)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٨٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٤١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٢٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٧٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٠).
[ ٢ / ١٤١ ]
الكافر أو المؤمن. وقيل: يجازي به المؤمن؛ تكفّر سيئاته حسناته، والكافر يحبط عمله فيجازى بجميع ما يفعله من السوء.
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾
﴿الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ هي قرى الشام وكانت متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها فهي ظاهرة لأعين الناظرين. أو راكبة متن الطريق ظاهرة للسابلة لا تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم.
﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ قيل: كان الحادي منهم يقيل في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام ولا يخاف جوعا ولا عطشا ولا عدوّا، ولا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء.
وقلنا لهم: ﴿سِيرُوا فِيها﴾ ولا قول، ولكنهم لما مكّنوا من السير، وهيئت لهم أسبابه، فكأنهم أمروا بذلك، قيل: (سيروا فيها وأياما) متطاولة ﴿لَيالِيَ﴾ قيل: ﴿آمِنِينَ﴾ في ليلكم ونهاركم؛ فإنكم في كل حين وزمان لا تلقون فيها إلا الأمن.
فبطروا النعمة وملّوا العافية، وطلبوا الكد والتعب، كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم عوضا عن المن والسلوى، وقالوا: لو كان جنى جناتنا أبعد كان أقرب أن نشتاق إلى السفر ونركب الرواحل فيها، ونتزود الأزواد فعجل الله لهم الإجابة (^١).
﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ﴾ فرقناهم في البلاد، فإنه لما غرقت بلدهم تفرقوا ذاهبين كل فرقة إلى إقليم؛ فذهبوا إلى الشام واليمن وغيرهما من الأقاليم، و﴿مُمَزَّقٍ﴾ بمعنى المصدر، أي: مزقناهم كل تمزيق.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ لكل مؤمن؛ قال النبي ﷺ:" الإيمان نصفان، نصف شكر ونصف صبر " (^٢). ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ بقوله:
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٨٥).
(٢) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٣٩) للبيهقي في شعب الإيمان ولابن جرير وابن أبي الدنيا، -
[ ٢ / ١٤٢ ]
﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ (^١) فصدقه الله بقوله: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾ (^٢) فكان ظنه لاتباعهم صادقا، ولم يكرههم إبليس على اتباعه.
﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾
﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ﴾ لنرى أو لنميز، أو نعلم العلم الذي يتعلق به الجزاء. وقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ إما لأولاد سبأ، أو لبني آدم كلهم، ثم استثنى نفرا قليلا بقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٠٢ /ب) ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ من تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء. إلا بحكمة بينة وهي تمييز الحق من الباطل والمستيقن من الشاك. ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ مفعولا" زعمتم "محذوفان والتقدير: زعمتموهم.
والثاني: آلهة. ثم أجاب الله عنهم بقوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ مقدار ذرة، وهي النملة الحمراء (^٣). والهباء: الذي يظهر في الكوة عند دخول الشمس فيها، وما لشركائهم شركة في خلق السماوات والأرض؛ كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ (^٤) ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ﴾ وما لله تعالى من هؤلاء الشركاء من معين يعينه على ما يريده. ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ يجوز أن يراد بالإذن للشافع أن يشفع، أو للمشفوع له أن يشفع فيه. ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: كشف.
حكي أن بعض أهل اللغة سقط عن دابته فغشي عليه، ثم أفاق فرأى الناس مجتمعين عليه؛ فقال: ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنة؟ افرنقعوا عني. فقال رجل من
_________________
(١) = وفي سنده يزيد بن أبان الرقاشي وهو متروك كما قال النسائي وغيره، وتنظر ترجمته في: ميزان الاعتدال للذهبي (٧/ ٢٢٢) ولذلك قال الشيخ الألباني في ضعيف الجامع رقم (٢٣١٠) ضعيف جدّا.
(٢) سورة الأعراف، الآية (١٧).
(٣) سورة الأعراف، الآية (١٠٢).
(٤) وقد أثبت العلم الحديث أن الذرّة أصغر من ذلك بكثير.
(٥) سورة الأحقاف، الآية (٤).
[ ٢ / ١٤٣ ]
الواقفين عليه: هذه الجنية التي على رأسه تتكلم بالهندي (^١).
فإن قلت: ﴿حَتّى﴾ غاية لماذا؟ قلت: لما دل عليه الكلام من شفاعة من يشفع، وانتظار الإذن وتوقع الشفاعة أن ينزل عليه الإذن، وإذا نزل زال الهم والوجل عن قلوبهم.
وقرئ ﴿قالُوا الْحَقَّ﴾ برفع" الحق " (^٢).أي: قوله الحق. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ذو العلو والكبرياء فليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه. أمره بأن يقررهم بقوله:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقولهم:
يرزقكم ﴿اللهُ﴾ وذلك إشعار بأنهم مقرون بأن الله رازقهم، فكيف يعبدون من لا يخلق ولا يرزق؟ لأن في قلوبهم من العناد ما أخرسها عن النطق بالكذب. ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ﴾ هذا تقسيم يسمى تجاهل العارف، وهو هاهنا في قوله: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهو يعلم أنه على هدى، وأن الكافر في ضلال مبين، ومثله قول الشاعر [من الطويل]:
فيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النّقا آأنت أم أمّ سالم (^٣)
وقول حسان [من الوافر]:
أتهجوه ولست له بكفء فشرّكما لخيركما الفداء (^٤)
_________________
(١) ينظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٤٥)، وذكر ابن منظور في لسان العرب (كأكأ) أن صاحب هذه القصة هو عيسى بن عمر وهذا من كلامه.
(٢) قرأ بها ابن أبي عبلة وقراءة الجمهور بالفتح. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٧٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٤٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٥٨)، معاني القرآن للأخفش (٢/ ٤٤٥).
(٣) البيت لذي الرمة، ينظر في: أدب الكاتب لابن قتيبة (ص: ٢٢٤)، الأزهية في الحروف للهروي (ص: ٣٦)، الأغاني للأصفهاني (١٧/ ٣٠٩)، الخصائص لابن جني (٢/ ٤٥٨)، الدرر اللوامع (٣/ ١٧)، ديوان ذي الرمة (ص: ٧٥٠)، شرح أبيات سيبويه للسيرافي (٢/ ٢٥٧)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ٩٤)، الكتاب لسيبويه (٣/ ٥٥١)، لسان العرب (جلل)، المقتضب للمبرد (١/ ١٦٣)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٢٧).
(٤) ينظر في: تذكرة النحاة (ص: ٧٠)، الدرر اللوامع (١/ ٢٩٦)، ديوان حسان (ص: ٧٦)، مغني اللبيب لابن هشام (ص: ٦٢٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٨٢)، المقتضب للمبرد (٢/ ١٣٧)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٢٨٩).
[ ٢ / ١٤٤ ]
وإنما جعل حرف الجر المعدي لفعل الضلال جره ب "في"، وجعل المتعدي إلى الهدى جره ب "على" لأن (٢٠٣ /أ) صاحب الحق كالراكب على جواد مستعليا عليه وصاحب الباطل على شك وتردد.
﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾
وقوله: ﴿لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا﴾ كقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (^١) حتى زعم زاعمون أن هذه الآية منسوخة وليس ذلك بصحيح؛ لأن النسخ على خلاف الأصل، ومتى أمكن حمل الكلام على ظاهره؛ فهو أولى من الحمل عليه بالنسخ، والمذكور في هذه الآية وهو قوله: ﴿لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا﴾ باق على حكمه لم ينسخ فإنّ أحدا لا يسأل عن أحد، وكذلك قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ فإن لكل أحد دينه لا لغيره.
﴿يَفْتَحُ بَيْنَنا﴾ يحكم الله بيننا، وإنما قال: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ﴾ مع أن النبي ﷺ كان يراهم ويشاهدهم؛ لأنه أراد أن يبين لهم خطأهم في دعواهم الشركة لهم.
﴿كَلاّ﴾ رد وردع لهم عن اعتقادهم الفاسد بعد ما أوضح بطلانه.
﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾
﴿إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ الرسالة عامة. وقال الزجاج (^٢): المعنى كافّا للناس، والهاء للمبالغة كما تقول: علامة ونسابة، وحماد الراوية، ومن جعله حالا من المجرور فقد أخطأ؛
_________________
(١) سورة الكافرون، الآية (٦).
(٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٢٥٤).
[ ٢ / ١٤٥ ]
لأن معمول المجرور لا يتقدم عليه، وهو كتقديم المجرور على الجار (^١).
قرئ ﴿مِيعادُ يَوْمٍ﴾ و﴿مِيعادُ يَوْمٍ﴾ (^٢) والميعاد: ظرف الوعد من مكان أو زمان، وهو هاهنا الزمان، والدليل عليه قراءة ﴿مِيعادُ يَوْمٍ﴾ فأبدل اليوم من الميعاد، وجعله هو نفسه وأما من نصب "يوما" فعلى الظرف، والعامل فيه محذوف أي: أعني يوما، أو خفوا يوما، ثم يجوز على هذا أن يرتفع "يوم" بإضمار "هو". ومن جرّه فبالإضافة، وإنما صلح قوله: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعادُ﴾ جوابا والسؤال عن تعيين الزمان بقوله: ﴿مَتى﴾ لأنه لم يقصد به الجواب عن تعيين الزمان، وهم إنما سألوا ب "متى" استهزاء وتكذيبا، فأجيبوا بأن هذا الأمر لم يطلع عليه أحد، ولا يستطيعون تأخّرا ولا تقدّما.
﴿بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما نزل من الأخبار السماوية قبل نزول القرآن، وأن كفار قريش سألوا أهل الكتاب الذين بجوارهم، فأخبروهم أنهم يجدون نعت رسول الله ﷺ في كتابهم فأغضبهم ذلك، وكفروا بما أنزل على موسى وعلى جميع الأنبياء. وقيل: ﴿بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ القيامة، والمعنى أنهم جحدوا أن يكون القرآن منزّلا من عند الله وأنكروا الإعادة.
﴿وَلَوْ تَرى﴾ خطاب لرسول الله ﷺ ولكل سامع، والجواب محذوف تقديره: لرأيت أمرا عظيما (٢٠٣ /ب) والمستضعفون هم الأتباع، والمستكبرون هم الرؤساء والمقدمون، أجاب المستكبرون بإنكار أن يكونوا هم الذين صدوا.
_________________
(١) قال العكبري في اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٩٢): "ولا يجوز تقديم حال المجرور عليه؛ لأن العامل في الحامل هو العامل في صاحب الحال، والعامل في صاحبها هو الحرف المعلق بالفعل فصار كالشيء الواحد فتقديمها على الجار يفصل بين الفعل والحرف؛ ولأن حرف الجر لا تصرّف له، وهو العامل في صاحب الحال، وليس له معنى يعمل به، فامتنع قولك: مررت قائما بزيد، وقائما مررت بزيد والقيام لزيد. وقال بعض النحويين: يجوز تقديمها عليه، واحتج بقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ والجواب: أما كافة فحال من الكاف لا من" الناس "والهاء فيها للمبالغة، والتقدير: ما أرسلناك إلا كافة للناس كفرهم".
(٢) قرأ الجمهور "ميعاد يوم"، وقرأ ابن أبي عبلة "ميعاد يوما" وقرئ أيضا "ميعاد يوم". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٨٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٤٧ - ٤٤٨)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٣٢٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٠)، مفاتيح الغيب للرازي (٢٥/ ٢٥٨).
[ ٢ / ١٤٦ ]
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾
وأدخلوا حرف الاستفهام على الشخص، ولو كان الفعل منكرا لقال: أصددتم ﴿بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ﴾ و"إذ" ظرف لا يتصرف، ولا يخرج عن الظرفية، فكيف أضيفت إليه "بعد"؟ لكن قد اتسع في ظرف الزمان؛ كما أضيف إلى الجمل؛ كقوله: جئتك أيام الحجّاج أمير.
لما أنكر المستكبرون أنهم تسببوا في ضلال المستضعفين، ونسبوا ذلك إلى اختيار المستضعفين كرر عليهم المستضعفون بالرد وقالوا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي: كنتم تأمروننا بالكفر الليل والنهار، ولولا ذلك ما حصل الضلال، وقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ تقديره: بل مكركم في الليل والنهار؛ كقول الشاعر [من الرجز]:
يا سارق الليلة أهل الدّار (^١)
وقيل: جعلوا الليل والنهار ماكرين مجازا؛ كما جعلوهما مهلكين في قوله: ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ (^٢) فإن قلت: لم حذف حرف العطف من قوله: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا؟﴾ قلت: لأنها مقاولة جرت، والمقاولة لا يدخل فيها حرف العطف؛ كقوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ إلى آخر المقاولة (^٣) وفي سورة الحجر: ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ إلى آخر
_________________
(١) ينظر البيت بلا نسبة في: الأمالي لابن الشجري (٢/ ٥٧٧)، خزانة الأدب (٣/ ١٠٨)، شرح المفصل (٢/ ٤٥)، الكتاب لسيبويه (١/ ١٧٥)، المحتسب (٢/ ٤٩٥)، همع الهوامع (١/ ٢٠٣). والشاهد فيه: أن الظرف إذا توسع فيه يجوز حينئذ إضافته على طريق الفاعلية، وهنا الظرف "الليلة" متصرف، قد أضيف إليه "سارق" وهو وصف. قال سيبويه في الكتاب (١/ ١٧٦): "فإن نونت فقل: يا سارقا الليلة أهل الدار. كان حد الكلام أن يكون" أهل الدار " على" سارق "منصوبا، ويكون" الليلة "ظرفا؛ لأن هذا موضع انفصال، وإن شئت أجريته على الفعل على سعة الكلام". ثم قال: "ولا يجوز" يا سارق الليلة أهل الدار "إلا في شعر؛ كراهية أن يفصل بين الجار والمجرور".
(٢) سورة الجاثية، الآية (٢٤).
(٣) سورة الشعراء، الآية (٢٣).
[ ٢ / ١٤٧ ]
المقاولة (^١) وأما قول المستضعفين فلا جواب له.
والواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ تعود إلى الجنس المشتمل على نوعي المستضعفين والمستكبرين.
تندم المضلون على ضلالهم وإضلالهم، وتندم الضالون على ضلالهم. قيل: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ أظهروا. وقيل: أخفوا؛ مشترك بين الشيء وضده.
﴿فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجاء بالصريح مبالغة.
﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٣٩)﴾
﴿مُتْرَفُوها﴾ أغنياؤها وكبراؤها الذين أترفتهم النعمة. هذه تسلية لرسول الله ﷺ أي:
إن الأنبياء قبلك كذبوهم قومهم كما كذبوك وأبطرتهم النعمة وقالوا: كثر الله أموالنا وأولادنا، ولو أراد بنا السوء لما فعل بنا ذلك. ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أرادوا أنهم أكرم على الله ﷿ من أن يعذبهم؛ نظرا إلى أحوالهم في الدنيا، وقد أبطل الله ﷿ حسبانهم بأن الرزق فضل من الله يقسمه كيف يشاء على حسب ما يراه من المصالح. ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾ (٢٠٤ /أ) وقدر الرزق: تضييقه.
﴿رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ تارة ويقبضه أخرى؛ لما يعلمه من المصالح التي هو أعلم بها.
والأظهر أن ﴿مَنْ آمَنَ﴾ في موضع رفع؛ إلا إيمان من آمن. و"من": إما شرطية، وإما موصولة، ودخلت الفاء؛ لأن صلتها فعل، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا، ويكون الضمير في ﴿أَمْوالُكُمْ﴾ لجميع المؤمنين والكفار.
والزلفى: مصدر، ومعناه تقربكم قربى. ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ أن يكون حالا، والعامل فيه ﴿آمَنَ﴾ وكذلك قوله: ﴿فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ فيه الوجهان، والمعنى: أن
_________________
(١) الآية (٥٧).
[ ٢ / ١٤٨ ]
الأموال لا تقرّب أحدا إلا من أنفقها في سبيل الله ﷿، وكذلك الأولاد إلا لمن علمهم الجدّ في طاعة الله ﷿. ﴿جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، كأنه قال:
يجازون الجزاء المضاعف. ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ لا يعوضه سواه، إما عاجلا بالمال، وإما بالقناعة التي هي كنز لا ينفد، وإما أجلا بالثواب الذي كل خلف دونه.
﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ وأعلاهم رب العزة، فإن كل من رزق غير الله من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق عبده، أو رجل يرزق عياله؛ فإن الله ﷿ الذي أجراه على أيديهم، وهو رزق من الله ﷿. وعن بعضهم: كان يقول: الحمد لله الذي أوجدني، وجعلني ممن يشتهي؛ فكم من مشته لا يجد، وكم من واجد لا يشتهي!
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾
﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ﴾ هذا الخطاب للملائكة، وفيه تعيير للكفار، وقد علم الله أن الملائكة وعيسى لم يؤثروا عبادة غير الله ﷿، وهو قوله ﷿ لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ (^١) مع علمه تعالى بأن عيسى لم يقل. والموالاة: مفاعلة من الولي، وهي القرب كما أن العداوة مأخوذة من العدو، وهو البعد، والولي يطلق على المتولّي والمتولّى ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ (^٢). ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^٣). بينوا بموالاتهم لله ﷿ وعداوتهم
_________________
(١) سورة المائدة، الآية (١١٦).
(٢) سورة الأعراف، الآية (١٩٧).
(٣) سورة المائدة، الآية (٥٦).
[ ٢ / ١٤٩ ]
لأعدائه أنهم برءاء مما نسب إليهم. وقيل: كانوا يعبدون الجن؛ يطيعونهم فيما يغضب الله ﷿. ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ معطوف على ﴿لا يَمْلِكُ﴾ والإشارة الأولى إلى رسول الله ﷺ والثانية إلى القرآن، والثالثة إلى الحق، والحق هو أمر النبوة كله، ودين الإسلام. وقوله:
﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ (٢٠٤ /ب) دليل على مبادرتهم إلى الإنكار قبل أن يتأملوا الكلام وصحته؛ فبادروا بجعله سحرا بيّنا لا يخفى. ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ فيها برهان على صحة الشرك وما جآءهم بذلك رسول؛ كما قال ﷿: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ (^١). أو وصفهم بأنهم ﴿الْأَمِينُ *﴾ لا يعلمون من العلم شيئا. وما بلغ هؤلاء المتأخرون ﴿مِعْشارَ﴾ ما أوتي أولئك المتقدمون ويجوز أن يراد: ما أوتي المتقدمون معشار ما أوتي المتأخرون من العلم بالشرائع وصفات الله تعالى. والمعشار: كالمرباع، وهما العشر والربع.
فإن قلت: فما معنى ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي؟﴾ وهو مستغني عنه بقوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؟﴾ قلت: لما كان معنى قوله ﷿: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه؛ جعل تكذيب الرسل مسببا عنه.
﴿بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا﴾ بدل من قوله ﷿ ﴿بِواحِدَةٍ﴾ أو خبر ابتداء محذوف، أو منصوب بإضمار أعني، وأراد بالقيام؛ إما القيام عن مجلس رسول الله ﷺ وتفرقهم عنه وإما القيام [الذي لا يراد] (^٢) به المثول على القدمين، بل المراد الاهتمام به والانتصاب لقضائه، والمعنى: أن تقوموا جماعات ومتفرقين، وإنما اقتصر على ﴿مَثْنى وَفُرادى﴾ دون غيرهما من الأعداد؛ لأن الإنسان إذا انفرد وحده بالفكر وعرض ما أدّاه إليه ذهنه على قواعد صحيحة إذا لم يكن متعسفا متقيدا بأشياء يحفظها من قديم الزمان؛ فربما ظهر له - على الأغلب - الصواب وكذلك الاثنان إذا اجتمعا وتناصفا من غير غرض لهما في البحث مع وجود الفكرة والروية، فالظاهر أنهما يصلان إلى الحق، فأما إذا كان العدد أكثر من ذاك ثار العجاج، واختلفت الآراء، ويجري كثير من ذلك في المجالس والمحافل ويبعد ظهور الصواب. وأراهم بقوله ﷿: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أن هذا الأمر العظيم
_________________
(١) سورة الروم، الآية (٣٥).
(٢) في الأصل: فلا يراد، والمثبت كما في الكشاف (٣/ ٥٨٩) وهو أنسب لسياق الكلام.
[ ٢ / ١٥٠ ]
الذي تحته ملك الدنيا والآخرة جميعا لا يتصدى لادعاء مثله إلا رجلان؛ إما مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طلب بالبرهان فعجز، بل لا يدري ما الافتضاح وما (٢٠٥ /أ) رقبة العواقب؟ وإما عاقل راجح العقل، مرشح النبوة، مختار من أهل الدنيا، لا يدعيه إلا بعد صحته عنده بحجته وبرهانه، وإلا فما يجدي على العاقل دعوى شيء لا بينة عليه، وقد علمتم أن محمدا ما به من جنة، بل علمتموه أرجح قريش عقلا، وأرزنهم حلما، وأثقبهم ذهنا، وأصلبهم رأيا، وأصدقهم قولا، وأشرفهم نفسا، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحون به؛ فكان مظنة لأن تظنوا فيه الخير، وترجّحوا فيه جانب الصدق، وإذا فعلتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بأن يأتيكم بآية؛ فإذا أتى بها تبين أنه نذير مبين.
فإن قلت: بم يتعلق: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ؟﴾ قلت: يجوز أن يكون كلاما مستأنفا تنبيها من الله ﷿ على طريقة النظر في أمر رسول الله ﷺ، ويجوز أن المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم. وقد جوز بعضهم أن تكون "ما" في قوله: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ استفهامية. ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ كقوله ﵇: "بعثت في أنفاس الساعة" (^١).
﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩)﴾
قوله: ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ جواب لقوله: ﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ كقوله: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ الآية (^٢). وفيه معنيان: أحدهما: نفي مسألة الأجر رأسا؛ كما يقول الرجل لصاحبه:
إن أعطيتني شيئا فخذه مني، وهو يعلم أنه لم يعط شيئا. والثاني: أن يريد بالأجر ما أراد في قوله: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ (^٣) لأن دعاءهم لتسبيح الله ﷿، وتعظيمه نفعه عائد إليهم لا إليه، وكذلك المودة في القرابة لأنها قد انتظمته وإياهم.
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٢٢١٣) وقال: غريب، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي رقم (٣٨٨) وذكره في السلسلة الضعيفة رقم (٦٢٥) ونسبه للخرائطي في كتاب "فضيلة الشكر" وللديلمي، وقال: ضعيف جدا.
(٢) سورة فاطر، الآية (٢).
(٣) سورة الشورى، الآية (٢٣).
[ ٢ / ١٥١ ]
القذف والرمي: توجيه السهم (^١) إلى المرمى مع تحامل [ويستعاران من حقيقتهما لمعنى] (^٢) للإلقاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (^٣). ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ﴾ (^٤).
ومعنى قوله تعالى: ﴿رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يلقيه إلى أنبيائه صلوات الله عليهم، أو يرمي به الباطل فيدمغه ويزهقه. ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ رفع على "إن" واسمها أو المستكن في ﴿يَقْذِفُ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف. وقرئ بالنصب (^٥) صفة لربي، أو على المدح. الحي لا يخلو في حال حياته أن يبدئ أمرا أو يعيده؛ فإذا مات انقطع ذلك؛ فجعلوا قولهم لا يبدئ ولا يعيد؛ كناية عن الموت؛ قال [من الرجز]:
أقفر من أهله عبيد فاليوم لا يبدي ولا يعيد (^٦)
وعن ابن مسعود أنه قال: "دخل النبي ﷺ مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة (٢٠٥ /ب) وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده وهو يقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ (^٧).
" جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد " (^٨).
_________________
(١) في الكشاف: تزجية السهم، والتزجية: الدفع برفق. ينظر: لسان العرب (زجى).
(٢) بياض بالأصل والمثبت من الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٩١).
(٣) سورة الحشر، الآية (٢).
(٤) سورة طه، الآية (٣٩).
(٥) قرأ عامة القراء بالرفع" علام "وقرأ زيد بن علي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق بالنصب " علام ". تنظر في: البيان في غريب القرآن لابن الأنباري (٢/ ٢٨٣)، التبيان للعكبري (٢/ ١٩٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٥٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩٦)، معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٢٥٧).
(٦) البيت لعبيد بن الأبرص، ينظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٥٣)، ديوان عبيد (ص: ٤٥)، العين للخليل (٢/ ٢١٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٩١)، لسان العرب (قفر)، معجم البلدان لياقوت الحموي (٤/ ١٩٨).
(٧) سورة الإسراء، الآية (٨١).
(٨) رواه البخاري رقم (٤٢٨٧)، ومسلم رقم (١٧٨١)، والترمذي رقم (٣١٣٨)، وأحمد في المسند (١/ ٣٧٧)، وابن حبان في صحيحه رقم (٥٨٦٢) عن ابن مسعود ﵁.
[ ٢ / ١٥٢ ]
والحق: القرآن. وقيل: الإسلام. وقيل: الباطل هو إبليس، ولا يبدئ إبليس خلقا ولا يعيده. وقيل: لا يبدئ ولا يعيد، أي: لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة.
وقال الزجاج:" ما "في قوله: ﴿وَما يُبْدِئُ﴾ استفهامية، وكذلك ﴿وَما يُعِيدُ﴾ (^١).
﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾
﴿ضَلَلْتُ﴾ وعدي الضلال ب" على "بقوله: ﴿فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ وجعل قرينه ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي﴾ والقياس: وإن اهتديت فلها، كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ (^٢) لأن الهدى من الله، وإنما يتيسر بأسباب يسهل بها وقوع الطاعة، والضلال؛ كالراكب على الحيوان، الضابط لنفسه.
وجواب ﴿وَلَوْ تَرى﴾ محذوف، أي: لرأيت أمرا عظيما، والأفعال التي هي ﴿فَزِعُوا﴾ ﴿وَأُخِذُوا﴾ ﴿وَحِيلَ﴾ المراد المستقبل وهي ماضية في اللفظ؛ لأن أخبار القيامة تأتي على صيغة الماضي؛ لتحققها عند الله كتحقق ما مضى وثبت. ﴿فَزِعُوا﴾ وقت الموت.
وقيل: البعث. وقيل: يوم بدر. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:" إن جيشا يغزون الكعبة يريدون هدمها فيخسف بهم " (^٣).فجاءت الآية دالة على ذلك ﴿فَلا فَوْتَ﴾ فلا يفوتون الله، والأخذ ﴿مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ من الموقف إلى النار إذا بعثوا أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو تحت أقدامهم إذا خسف بهم، وفيما عطف عليه قوله ﴿وَأُخِذُوا﴾ وجهان: أحدهما: على ﴿فَلا فَوْتَ﴾ أي: فلا يفوتون وأخذوا. والثاني: على ﴿فَزِعُوا﴾ والتقدير: ولو ترى إذا فزعوا وأخذوا.
﴿آمَنّا بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ وقد مر ذكره في قوله: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾.
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٢٥٨).
(٢) سورة فصلت، الآية (٤٦).
(٣) رواه البخاري رقم (٢١١٨)، ومسلم رقم (٢٨٧٣)، وأحمد في المسند (٦/ ١٠٥)، وابن حبان في صحيحه رقم (٦٧٥٥)، عن عائشة ﵂.
[ ٢ / ١٥٣ ]
والتناوش: التناول، إلا أن التناول يقع على ما فيه رفق وما لا رفق فيه، والتناوش يقع على ما لا رفق فيه أصلا، وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يتأتى، وهو قبول الإيمان عند نزول العذاب؛ كما أن المؤمنين نفعهم إيمانهم قبل مجيء القيامة.
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ حكاية حال ماضية كقوله: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (^١) ﴿ما يَشْتَهُونَ﴾ هو قبول الإيمان يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ الآية (^٢).
﴿بِأَشْياعِهِمْ﴾ من كان على مثل عقيدتهم (٢٠٦ /أ) ومذهبهم.
﴿مُرِيبٍ﴾ إما أن يكون من أرابه: إذا حصل فيه الريب، أو من أراب الرجل: إذا صار ذا ريب.
***
_________________
(١) سورة الكهف، الآية (١٨).
(٢) سورة غافر، الآية (٨٥).
[ ٢ / ١٥٤ ]