﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)﴾
﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ إلا متلبسا بالحكمة وبتقدير ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ينتهى إليه، وهو يوم القيامة.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا﴾ به من يوم القيامة وباستعداد العمل له ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يؤمنون. ويجو أن تكون "ما" في قوله ﴿عَمّا أُنْذِرُوا﴾ مصدرية. ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ في خلق السماوات ﴿مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أي: من قبل هذا الكتاب؛ أي: فائتوا بكتاب واحد من كتب الله يشهد بصحة ما ادعيتموه. ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بقية؛ تقول: سمنت الناقة على أثارة من شحم، أي: بقية من شجر كانت بها من شحم ذاهب. وقرئ "أثرة" (^١) أي:
شيء، أو أثرتم به.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)﴾
﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ معنى الهمزة فيه إنكار أن يكون في الضلال أحد أضل منه، وإذا قامت القيامة، وحشر الناس كانت الأصنام أعداء لمن عبدها؛ كما قال إبراهيم: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ﴾
_________________
(١) قرأ بها ابن عباس وزيد بن علي وعكرمة والسلمي والحسن وأبو رجاء. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٥٥)، تفسير القرطبي (١٦/ ١٨٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٣٥)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ١٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥١٥)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٦٤)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٥٠).
[ ٢ / ٣٢٩ ]
﴿لِي﴾ (^١) ويجحدون عبادتهم، وإنما قال: ﴿مِنَ﴾ و﴿وَهُمْ﴾ لأنه أسند إليهم فعل العقلاء، وهو الدعاء والاستجابة. ويجوز أن يراد: كل معبود من دون الله من الجن والإنس والأوثان، فغلب من يعقل، وقرئ: "ما لا يستجيب له" (^٢) ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة؛ تهكم بها؛ ونحوه قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ إلى آخر الآية (^٣)، اللام في ﴿لِلْحَقِّ﴾ مثلها في قوله: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ (^٤) أي: لأجل الذين آمنوا، ولأجل الحق، والمراد بالحق الآيات، وبالذين كفروا: المتلو عليهم، فوضع الظاهران موضع المضمرين، أي: بادروه بالرد ساعة أتاهم، ومن ضلالتهم تسميته سحرا مبينا. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ فيه إضراب عن دعوى (٢٥٨ /ب) إنما جاء بسحر إلى دعوى أنه افتراء، ومعنى الهمزة في "أم" التعجب والإنكار.
﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ فالله قادر على الانتقام منه ولا أملك من أمره شيئا، ومثله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ (^٥) وقال النبي ﷺ: "يا فاطمة بنت محمد، لا أملك لك من الله شيئا" الحديث (^٦). ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ﴾ أي: تندفعون فيه بكثرة، ومعنى ذكر العلم والشهادة التهديد البليغ. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ موعدة بالمغفرة والرحمة لمن تاب.
﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾
البدع: بمعنى البديع، وقرئ: "بدعا" بفتح الدال (^٧) أي: ذا بدع، ويجوز أن تكون
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية (٧٧).
(٢) قرأ بها عبد الله بن مسعود. ينظر: الكشاف للزمخشري (٣/ ٥١٦)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٥٠).
(٣) سورة فاطر، الآية (١٤).
(٤) سورة مريم، الآية (٧٣).
(٥) سورة المائدة، الآية (٤١).
(٦) رواه مسلم رقم (٢٠٤)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٣٣)، والترمذي رقم (٣١٨٥)، والنسائي (٦/ ٢٤٨)، وابن حبان في صحيحه رقم (٦٤٦) عن أبي هريرة ﵁.
(٧) قرأ بها عكرمة وأبو حيوة وابن أبي عبلة. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٥٦)، تفسير القرطبي (١٦/ ١٨٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٣٦)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ١٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥١٧)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٦٤).
[ ٢ / ٣٣٠ ]
صفة على فعل؛ كقوله سبحانه: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ (^١) كانوا يقترحون على رسول الله ﷺ الآيات، ويطلبون منه إعلامهم بما غاب عنهم، فقيل له: قل: سبق الرسل من قبل، وكانوا يسألون عن المغيبات، ولا يأتون بغير ما آتاهم الله من المعجزات. ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ في المستقبل ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي: ما أدري إلى ما يصل أمري وأمركم في الدنيا وأما في الآخرة فقد علم أنه ﷺ من المتقين وأن الذين كذبوه من الظالمين. قال الصحابة لما كثر أذى الكفار لهم، قالوا: يا رسول الله، إلى متى نبقى في هذا الهوان؟ فقيل له: قل لهم: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي﴾ تقديره: أأترك بمكة أم أومر بالهجرة أم بالمهاجرة إلى أرض قد رفعت لي في المنام؟ (^٢)
وقيل: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ في الآخرة، وهو بعيد (^٣). وقيل: أراد نفي الدراية
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (١٦١).
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢٣٦:٧) ونسبه لابن المنذر.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٦) وروى الطبري عن الحسن البصري قال في هذه الآية: "أما في الآخرة فمعاذ الله، قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل ولكن قال وما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا أخرج كما أخرجت الأنبياء قبلي أو أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم أمتي المكذبة أم أمتي المصدقة أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفا أم مخسوف بها خسفا ثم أوحي إليه: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ يقول: أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك فعرف أنه لا يقتل ثم أنزل الله ﷿: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا يقول أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الأديان ثم قال له في أمته: وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فأخبره الله ما يصنع به وما يصنع بأمته". ثم قال الطبري في تفسيره (٢٦/ ٨): "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة وأشبهها بما دل عليه التنزيل القول الذي قاله الحسن البصري، وإنما قلنا ذلك أولاها بالصواب؛ لأن الخطاب من مبتدأ هذه السورة إلى هذه الآية والخبر خرج من الله ﷿ خطابا للمشركين وخبرا عنهم وتوبيخا لهم واحتجاجا من الله تعالى ذكره لنبيه ﷺ عليهم، فإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أن هذه الآية أيضا سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم وتوبيخ لهم أو خبر عنهم. وإذا كان ذلك كذلك فمحال أن يقال للنبي ﷺ قل للمشركين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة وآيات كتاب الله ﷿ في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مخلدون والمؤمنون به في الجنان منعمون وبذلك يرهبهم مرة ويرغبهم أخرى ولو قال لهم ذلك لقالوا له: فعلام نتبعك إذن وأنت لا تدري إلى أي حال تصير غدا في القيامة إلى خفض ودعة أم إلى شدة وعذاب؟ وإنما اتباعنا إياك إن اتبعناك وتصديقنا بما تدعونا إليه رغبة في نعمة -
[ ٢ / ٣٣١ ]
المفصلة، وإنما دخلت ﴿لا﴾ في قوله: ﴿وَلا بِكُمْ﴾ لزيادة توكيد النفي و﴿ما﴾ في ﴿ما يُفْعَلُ﴾ يجوز أن تكون موصولة منصوبة، وأن تكون استفهامية مرفوعة. جواب الشرط محذوف؛ أي: أخبروني.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾
﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ ألستم ظالمين ويدل على هذا المحذوف قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ والشاهد من بني إسرائيل عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله ﷺ فتبصر ما فيه من علامة صحة النبوة فأسلم، وقصة عبد الله بن سلام معروفة، والضمير للقرآن. فإن قلت: أخبرني عن نظم هذا الكلام؟ قلت: (٢٥٩ /أ) الواو الأولى عاطفة ل ﴿وَكَفَرْتُمْ﴾ على فعل الشرط؛ كما عطف ب ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾.
وأما الواو في ﴿وَشَهِدَ﴾ فقد عطفت جملة قوله: ﴿وَشَهِدَ﴾ على جملة قوله: ﴿إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ونحوه قولك: أرأيت إن أحسنت وأسأت وأقبلت عليك وأعرضت لم يتفق، والمعنى: أخبروني: إن اجتمع كون القرآن من عند الله وكفرتم به وشهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله؛ ألستم أضل الناس؟ وقد جعل إيمانه مسببا عن شهادة الشاهد؛ لأنها أوضحت الحق ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأجلهم، وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامة من يتبع محمدا أسقاط الناس. يعنون عمارا وصهيبا وخبابا وابن مسعود ونظائرهم من فقراء أهل الصفة فلو كان خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء الأعبد. وقيل: إنها كانت جارية لعمر كان يعاقبها على إسلامها قبل إسلامه؛ فتقول كفار قريش: لو كان الإسلام خيرا ما سبقتنا إليه هذه الجارية. فإن قلت: قوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا﴾ ظرف لا يجوز أن يعمل فيه ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ فعل مستقبل، و﴿وَإِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان؛ فيتدافعان؟ قلت: العامل في ﴿وَإِذْ﴾ محذوف يفهم من السياق كما حذف من قوله: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ (^١) في قصة يوسف،
_________________
(١) = وكرامة نصيبها أو رهبة من عقوبة وعذاب نهرب منه. ولكن ذلك كما قال الحسن ثم بين الله لنبيه ﷺ ما هو فاعل به وبمن كذب بما جاء به من قومه وغيرهم".
(٢) سورة يوسف، الآية (١٥).
[ ٢ / ٣٣٢ ]
والتقدير: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم. وقولهم: ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ كقولهم: ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (^١).
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾
﴿وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لما بين يديه من كتاب موسى، أو لما سبقه من الكتب والصحف. ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ حال من ضمير الكتاب في ﴿مُصَدِّقٌ﴾ والعامل فيه "مصدق" ويجوز أن ينتصب عن ﴿كِتابُ﴾ لتخصيصه بالصفة. ﴿وَبُشْرى﴾ معطوف على محل ﴿لِيُنْذِرَ﴾. و﴿كُرْهًا﴾ أي: ذات كره، أو كرها نصب على أنه صفة للمصدر؛ أي: حملا كرها وهذه الآية دليل على أن أقل الحمل ستة أشهر (^٢).
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ اقتطع منها سنتين بقوله: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ (^٣) فبقي من الثلاثين ستة أشهر. فإن قلت: المراد بيان مدة الرضاع لا مدة الفصال فلم قال:
﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ؟﴾ قلت: لما كان الرضاع يلابس الفصال وينتهي به جعل كأنه الرضاع، فأخبر عنه بأن مدته سنتان؛ قال (٢٥٩ /ب) [من الخفيف]:
كلّ حيّ مستكمل مدة العم ر ومود إذا انتهى أجله (^٤)
وبلوغ الأشد من الثلاثين إلى الأربعين. وقيل: أربعون. وقيل: ثلاث وثلاثون.
وقيل: لم يبعث نبي قط إلا بعد أن صار عمره أربعين سنة والمراد بالنعمة التي استودع الله
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (٢٥).
(٢) قال الخطيب الشربيني في كتاب الإقناع (١/ ٩٩): "وأقل زمن الحمل: ستة أشهر ولحظتان: لحظة للوطء ولحظة للوضع - من إمكان اجتماعهما بعد عقد النكاح، وأكثره - أي زمن الحمل -: أربع سنين وغالبه تسعة أشهر للاستقراء كما أخبر بوقوعه الشافعي وكذا الإمام مالك".
(٣) سورة لقمان، الآية (١٤).
(٤) البيت للطرماح، ينظر في: تفسير الطبري (٣/ ٢٣١).
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الشكر عليها - نعمة الإسلام والهداية وجمع بين شكر النعمة عليه وعلى والديه؛ لأن النعمة عليه نعمة على والديه، وكذلك النعمة على الوالدين نعمة على الولد. وقيل في الأعمال المرضية الصلوات الخمس، ومعنى ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ اجعلهم محلا للصلاح، ومنه [من الطويل]:
وإن تعتذر فالمحل من ذي ضروعها إلى الضّيف يجرح في عراقيبها نصلي (^١)
﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من المخلصين.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨)﴾
وقوله: ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾ أي: مع أصحاب الجنة وقيل: نزلت في أبي بكر وفي أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم وقيل: لم يكن أحد من المهاجرين والأنصار اجتمع له إسلام أبويه وأولاده إلا هو (^٢). ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ يريد:
من كان من هذا الجنس، ولذلك وقع الخير مجموعا. وقيل: المراد عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه؛ دعاه أبوه أبو بكر وأمه أم رومان فأبى وقال: أف لكما، وأنكرت عائشة ذلك، وقالت: عبد الرحمن رجل صالح فكيف نزلت في حقه؟ (^٣).
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: وجب عليهم كلمة العذاب، وحكي أن معاوية
_________________
(١) ذكر جزءا منه المباركفوري في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (٩/ ٢٢٣)، والمناوي في فيض القدير (٢/ ١٣٤).
(٢) ذكر ذلك الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٠٣).
(٣) روى ذلك الطبري في التفسير (٢٦/ ١٩)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٤٤٤) لعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٥٩ - ١٦٠): "ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ فقوله ضعيف لأن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وكان من خيار أهل زمانه. ثم قال:" وقوله: (أولئك) بعد قوله: (والذي قال) دليل على ما ذكرناه من أنه جنس يعم كل من كان كذلك. وقال الحسن وقتادة: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه المكذب بالبعث ".
[ ٢ / ٣٣٤ ]
بايع ليزيد ولده، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هر قلية، فقال مروان: يا أيها الناس: هذا الذي قال الله في حقه: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: إن عبد الرحمن رجل صالح، والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن هو قصص من لعنه الله (^١). واللام للبيان؛ أي: هذا التأفف لكما خاصة؛ كقوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (^٢). ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ أن أبعث وأخرج من الأرض ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ أي: ولم يأت منهم من يخبرنا عن حقيقة الحال. ﴿يَسْتَغِيثانِ﴾ يقولان: الغياث بالله منك.
﴿وَيْلَكَ﴾ دعاء عليه بالثبور. (٢٦٠ /أ) المراد به الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك. ﴿فِي أُمَمٍ؛﴾ كقوله: ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾.
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٢)﴾
﴿وَلِكُلٍّ﴾ من الجنسين المذكورين ﴿دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أي: منازل ومراتب لما عملوا من الخير والشر، والجنة درجات، والنار دركات؛ فغلب جانب الخير. و﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ تعليل معلله محذوف تقديره: فعل ذلك ليوفيهم ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ﴾ أي: يقال لهم: أذهبتم، ويقال المحذوفة هي العاملة في الظرف، والعرض على النار؛ كقولك:
عرضت الحوض عليها. وفي تفسير ابن عباس: يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها (^٣).
﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ أي: لم يكن لكم حظ من الطيبات إلا ما أصبتموه في الدنيا، وقد أخذتموه فلم يبق لكم نصيب في الآخرة. وروي عن عمر أنه قال: لو شئت لكنت أحسنكم لباسا وأطيبكم طعاما، ولكني سمعت الله ينعي لقوم أنهم أخذوا نصيبهم من الطيبات في
_________________
(١) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٤٤٤) لابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٢) سورة يوسف، الآية (٢٣).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٠٥).
[ ٢ / ٣٣٥ ]
الدنيا (^١). ومر النبي ﷺ بأهل الصفة، وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لهم رقاعا، فقال: "أنتم اليوم خير أم يوم يغدى على أحدكم بجفنة ويراح بأخرى، ويغدو بحلة ويروح بأخرى؟ فقالوا: ذلك اليوم خير؛ فقال النبي ﷺ:" بل هذا خير " (^٢).
﴿الْهُونِ﴾ الهوان. الأحقاف: جمع حقف، وهي رمال مستطيلة مرتفعة، مأخوذة من احقوقف الشيء: إذا اعوج. وكانت عاد أصحاب عمد يسكنون على رمال مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشحر (^٣) من بلاد اليمن. وقيل: بين عمان ومهرة. والنذر: جمع نذير، بمعنى المنذر، أو الإنذار. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ من قبله ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ من بعده، والمعنى: أن الله بعثني إليكم لآمركم بالتوحيد، وأخوفكم العذاب، وأعلمهم أن الرسل الذين كانوا قبله بعثوا بمثل ذلك، ولك أن تجعل قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ اعتراضا بين ﴿أَنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ وبين ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا﴾ ويكون المعنى: واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك، وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك.
﴿لِتَأْفِكَنا﴾ لتصرفنا؛ يقال: أفكه عن الأمر: إذا صرفه. ﴿عَنْ آلِهَتِنا﴾ عن عبادتها.
﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ من معاجلة العذاب.
﴿قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾
وإنما طابق قوله: (٢٦٠ /ب) ﴿قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ﴾ لقوله: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ لأن هودا هددهم بالعذاب فأنكروه واستهزءوا به؛ فقال لهم: إنني لا أعلم إلا ما علمني الله؛ ولكنه تعالى لم يعلمني بوقت العذاب، وليس علي إلا البلاغ، وأنتم قوم تجهلون فتضيفون إلي العلم بالمغيبات، والهاء في ﴿رَأَوْهُ﴾ ترجع إلى ﴿بِما تَعِدُنا﴾ ويجوز أن يكون مبهما فسره ما بعده إما تمييزا وإما حالا.
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٢١).
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٢) ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير الطبري.
(٣) الشحر - بكسر أوله وإسكان ثانيه بعده راء مهملة -: ساحل اليمن وهو ممتد بينها وبين عمان. ينظر: معجم ما استعجم لأبي عبيد البكري (٣/ ٧٨٣).
[ ٢ / ٣٣٦ ]
والعارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء، ومنه: الحبي والعنان من حبا وعنّ إذا ظهر. وإضافة ﴿مُسْتَقْبِلَ﴾ و﴿مُمْطِرُنا﴾ مجازية لا تقتضي تعريفا بدليل أنه وصف بهما النكرة. ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ هذا من قول هود. ﴿تُدَمِّرُ﴾ تهلك ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مرت به من عاد ودوابهم، ولم تفن جبالهم ولا أرضهم، ف ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو عام مخصوص.
﴿لا يُرى﴾ الخطاب للرائي كائنا من كان. وروي: أن الريح كانت تحمل الظعينة في الجو حتى ترى كالجرادة، وكذلك تفعل بالفسطاط (^١). وروي: أنه أول ما عرفوا أنه عذاب أنهم رأوا ما على الجبل من أنفسهم ودوابهم تحمله الريح بين السماء والأرض. وروي: أن هودا لما رأى فعل الريح خط على نفسه خطا إلى جانب عين تنبع عليه وعلى المؤمنين. وقيل:
اعتزلوا في حظيرة ما ينالهم من الريح إلا ما تلين عليه الجلود، وإنها لتمر على عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدفعهم بالحجارة (^٢).
وقيل: إن النبي ﷺ ﷺ كان إذا رأى الريح تغير وجهه، ودخل وخرج؛ فقيل له في ذلك؟ فقال:" إني أخاف أن يكون كما قال قوم عاد؛ ظنوه رياحا تأتي بالمطر والخصب؛ فإذا هي مهلكة لهم ولدوابهم " (^٣).
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٢٦)، والظعينة: الهودج تكون فيه المرأة وقيل هو الهودج كانت فيه أو لم تكن، والظعينة: المرأة في الهودج سميت به على حد تسمية الشيء باسم الشيء لقربه منه. وقيل: سميت المرأة ظعينة لأنها تظعن مع زوجها وتقيم بإقامته كالجليسة ولا تسمى ظعينة إلا وهي في هودج. وعن ابن السكيت: كل امرأة ظعينة في هودج أو غيره والجمع ظعائن وظعن وظعن وأظعان وظعنات. والفسطاط: بيت من شعر، وفيه لغات: فسطاط وفستاط وفساط. وكسر الفاء لغة فيهن، وفسطاط مدينة مصر، والجمع فساطيط. ينظر: لسان العرب (ظعن) و(فسطط).
(٢) ذكر ذلك كله الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
(٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٨٣٩)، ومسلم رقم (٨٩٩)، وأحمد في المسند (٦/ ٢٤٠)، والترمذي رقم (٣٢٥٧)، وابن ماجه رقم (٣٨٩١)، وابن حبان في صحيحه رقم (٨٦٥).
[ ٢ / ٣٣٧ ]
﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾
﴿إِنْ﴾ نافية أي: فيما ما مكناكم فيه، وأنكر الزمخشري (^١) التمثيل بما الثانية؛ لأنه يستقبح إعادة اللفظ الواحد إلا لضرورة، وكان الأحسن أن يقول: فيما لم نمكن، ويدل عليه أنهم جعلوا" مهما ": " مه "دخلت عليها" ما "فكرهوا أن يقولوا" ماما " فقالوا: مهما وقد جعلت ﴿إِنْ﴾ صلة زائدة مثلها فيما أنشده الأخفش [من الوافر]:
يرجّي المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه الخطوب (^٢)
وتأويله: إنا مكناكم فيما إن مكناكم فيه، ومعنى الأول أظهر، ومثله قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾ (^٣) (٢٦١ /أ) ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من الغنى، وانتصب قوله: ﴿إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ﴾ بقوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ ودخلت ﴿إِذْ﴾ وفيها التعليل؛ كما تقول: ضربت زيدا لإساءته، وضربته إذ أساء؛ فإن التعليل يفهم من اللفظين. ﴿ما حَوْلَكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿مِنَ الْقُرى﴾ والمراد أهل القرى؛ لقوله:
﴿لَعَلَّهُمْ﴾. القربان: ما تقرب به إلى الله، أي: اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى الله وأحد مفعولي ﴿اِتَّخَذُوا﴾ الهاء المضمرة تقديره: اتخذوه. والثاني: ﴿آلِهَةً *﴾ و﴿قُرْبانًا﴾ حال، والمعنى: فهلا منعتهم آلهتهم التي اتخذوها شفعاء من الهلاك ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ غابوا عن نصرتهم في الموقف.
و﴿وَذلِكَ﴾ إشارة إلى منع نصرة آلهتهم لهم، والإفك والأفك؛ كالحذر والحذر، وقد قرئ بهما (^٤). ﴿صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾ أملناهم إليك. والنفر: دون العشرة. ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾
_________________
(١) الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٠٨).
(٢) ينظر البيت في: خزانة الأدب للبغدادي (٣/ ٥٦٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٤٢)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٤٥)، مغني اللبيب لابن هشام (١/ ٤٧).
(٣) سورة التوبة، الآية (٦٩).
(٤) قرأ" أفكهم "بفتح الهمزة ابن عباس. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٦٤)، تفسير القرطبي (١٦/ ٢٠٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٤٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٢٤)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٦٨).
[ ٢ / ٣٣٨ ]
الضمير للقرآن، أي: فلما كان بمسمع منهم، أو لرسول الله. ﴿قالُوا﴾ قال بعضهم لبعض: ﴿أَنْصِتُوا﴾ اسكتوا. وروي أنه لما بعث النبي ﷺ ازداد الرمي بالشهب وحرس السماء بها، فقالت الجن: إنما هذا لأمر حدث في الأرض فبعثوا تسعة. وقيل: سبعة من أشرافهم فوافوا النبي ﷺ وهو في بطن نخلة في صلاة الفجر، أو في صلاة الليل، فاستمعوا لقراءته، وذلك حين توجه إلى جهة ثقيف يستنصرهم، فلم يجيبوه وأغروا به السفهاء والصبيان (^١). وعن سعيد بن جبير أنه قال:" لم يقرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم؛ ولكن مروا به وهو يصلي ولا يشعر، فأنبأه الله باستماعهم " (^٢).
وروي أن النبي ﷺ ليلة الجن قال لأصحابه:" إني أمرت أن أتلو على الجن القرآن فمن يجيء معي؟ فلم يقل أحد أنا، فقال ابن مسعود: أنا يا رسول الله. فخرجنا حتى أتينا وادي الحجون، فخط لي خطا، فقال: اجلس هاهنا ولا تخرج، ثم ذهب عني حتى غاب عن عيني، وجاء الجن كقطع السحاب فقرأ عليهم سورة ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فلما قضى جاءني رسول الله ﷺ وتفرق الجن ذاهبين كقطع السحاب " (^٣).
﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾
قيل: كان جملتهم اثني عشر ألفا، وإنما قالوا: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ ولم يذكروا عيسى؛ لأن أولئك الجن كان يهودا لا يصدقون بعيسى، واختلف في الجن؛ هل لهم ثواب على الطاعة أم لا؟ فقيل: لا ثواب (٢٦١ /ب) لهم، وإنما يجارون من العذاب؛ لقوله ههنا.
﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ والصحيح أنهم يثابون. ﴿بِقَدَرٍ *﴾ في محل الرفع خبر أن،
_________________
(١) روى نحوه الطبري في تفسيره (٢٩/ ١٠٣)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٢٩٧) لابن المنذر.
(٢) رواه الترمذي في سننه رقم (٣٣٢٣)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٥٤٦)، والطبري في تفسيره (٢٩/ ١٠٢)، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٣٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٧).
[ ٢ / ٣٣٩ ]
ودخلت الباء؛ لأن الكلام مصدر بالنفي؛ قال الزجاج (^١): ما علمت أن زيدا بحاضر جائز.
يقال: عييت بالأمر: إذا لم يعرف وجهه، ومشيت حتى أعييت؛ من الإعياء وهو التعب.
﴿أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ *﴾ أي: فيقال لهم ذلك، وهذا المضمر هو ناصب الظرف.
﴿أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أولو الجد والثبات، و﴿مَنْ﴾ يجوز أن تكون للتبعيض، ويراد ب ﴿أُولُوا الْعَزْمِ﴾ بعض الأنبياء. وقيل: إن" من "لبيان الجنس، أي: فاصبر كما صبر أولو العزم الذين هم رسل. ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ﴾ لكفار قريش بالعذاب وأنهم يستقصرون مدة مقامهم في الدنيا حتى يجعلوها ﴿ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾.
﴿بالِغَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا بلاغ، فلن يهلك إلا الخارجون عن العمل بالواجب.
***
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٤٤٧) وعبارته:" لو قلت: "ما ظننت أن زيدا بقائم" جاز.
[ ٢ / ٣٤٠ ]