﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾
﴿حم﴾ إن جعلتها (٢٥٦ /أ) مبتدأ مخبرا عنه ب "تلك" لم يكن بد من حذف مضاف، تقديره: تنزيل حم تنزيل الكتاب، و﴿مِنَ اللهِ﴾ صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديدا للحروف كان ﴿تَنْزِيلُ﴾ مبتدأ، والظرف خبرا. ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: في خلقهن، بدليل قوله:
﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾. فإن قيل: علام عطف: ﴿وَما يَبُثُّ﴾ أعلى الخلق المضاف، أم المضاف إليه؟ قلنا: بل على المضاف؛ لأن المضاف إليه ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه؛ استقبحوا أن يقال: مررت بك وزيد، وكذلك إن أكدوه؛ كقولك: مررت بك أنت وزيد (^١).
قرئ ﴿آياتٌ﴾ بالنصب والرفع (^٢) على قولك: إن زيدا في الدار وعمرا في السوق، وعمرو في السوق، وأما قوله: ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على عاملين، سواء نصبت أو رفعت فالعاملان إذا نصبت هما: ﴿إِنَّ﴾ و﴿فِي؛﴾ أقيمت الواو مقامهما؛ فعملت الجر في ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ والنصب في ﴿آياتٌ﴾ وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و﴿فِي﴾ عملت
_________________
(١) هذا كلام الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٨٤) وقد اختلف النحاة في هذه المسألة وهي العطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار على ثلاثة مذاهب: أحدها: جواز ذلك مطلقا وهذا مذهب الكوفيين وتابعهم الأخفش ويونس والشلوبين. والثاني: جواز ذلك بشرط إعادة الجار، إلا في ضرورة، وهذا مذهب البصريين. والثالث: جواز ذلك إذا أكد الضمير بغير إعادة الجار، وإلا فلا يجوز إلا ضرورة، وهو مذهب الجرمي. ينظر تفصيل المسألة في: الإنصاف لابن الأنباري (٢/ ٣)، أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٣٩٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٥٢٩)، شرح الكافية لابن مالك (١/ ٥٦١)، المفضل شرح المفصل للسخاوي (١/ ٢٠٨).
(٢) قرأ حمزة والكسائي ويعقوب "آيات" وقرأ بقية العشرة "آيات". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٤٤)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٢٥)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٥٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٢١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٩٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٠٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٧١).
[ ٢ / ٣٢١ ]
الرفع في ﴿آياتٌ﴾ والجر في (اختلف.) وسمي المطر رزقا لأنه منبته.
﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩)﴾
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الآيات المتقدمة، و﴿نَتْلُوها﴾ في محل الحال؛ أي: متلوة عليك بالحق، والعامل اسم الإشارة؛ كقوله: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (^١).
وقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً﴾ (^٢) ﴿يُصِرُّ﴾ يقيم على كفره؛ من إصرار الحمار على العانة (^٣)، ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ عن الإيمان بالآيات. قيل: نزلت في النضر بن الحارث، وما كان يشير به من قصص أحاديث العجم ويشغل الناس (^٤). والآية عامة في كل من كان مضادا لدين الله، ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ كقول الشاعر [من الطويل]:
ولا يكشف الغمّاء إلا ابن حرّة يرى غمرات الموت ثمّ يزورها (^٥)
وذلك أن غمرات الموت حقيقة بأن يفر رائيها، وينجو بنفسه فأما إقدامه على زيارتها فأمر مستبعد لا يفعله إلا مذلّ بنفسه.
﴿كَأَنْ﴾ هي المخففة من الثقيلة والأصل: كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن والقصة؛ كما في قوله [من الطويل]:
كأن ظبية تعطو إلى قاصي السّلم (^٦)
_________________
(١) سورة هود، الآية (٧٢).
(٢) سورة النمل، الآية (٥٢).
(٣) العانة: القطيع من حمر الوحش، والعانة: الأتان والجمع منهما عون. ينظر: لسان العرب (عون).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٨٦).
(٥) تقدم تخريجه في سورة يونس، الآية (٥١).
(٦) هذا عجز بيت لعلباء بن أرقم، وصدره: ويوما توافينا بوجه مقسم ينظر في: الأصمعيات (ص: ١٥٧)، الدر اللوامع (٢/ ٢٠٠)، شرح أبيات سيبويه للسيرافي (١/ ٥٢٥)، المقاصد النحوية (٣٨٤، ٤)، وبلا نسبة في: أوضح المسالك لابن هشام (١/ ٣٧٧)، جواهر الأدب (ص: ١٩٧)، شرح الأشموني (١٤٧:١)، شرح قطر الندى (ص: ١٥٧)، -
[ ٢ / ٣٢٢ ]
ومحل الجملة على النصب على الحال، أي: يصر مثل غير السامع، وإذا بلغه شيء من الآيات وعلم أنه منها ﴿اِتَّخَذَها﴾ أي: اتخذ الآيات ﴿هُزُوًا﴾ ولم يقل: اتخذه؛ إشعارا بأنه متى سمع شيئا منها أخذ الآيات هزوا وطعن في كل آية مما يستطيعه، ويجوز أن يريد أنه متى سمع أدنى شيء يمكن الخصم (٢٥٦ /ب) أن يجعله شبهة بادر إلى الطعن بكل طريق، ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء علم، بمعنى أن ذلك الشيء آية أو آيات ﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى ﴿لِكُلِّ أَفّاكٍ﴾ لعمومه؛ لأنه في معنى الجمع، ومنه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (^١).
﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾
والوراء: الجهة التي يتوارى عنها الشخص سواء كان لخلف أو لقدام؛ قال سبحانه:
﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ (^٢) ﴿وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (^٣).
وقوله [من الوافر]:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب (^٤)
﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا﴾ من الأموال ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا﴾ أي: المعبودات التي اتخذوها شركاء.
﴿هذا هُدىً﴾ إشارة إلى القرآن ويدل عليه قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: هذا القرآن كامل في الهداية. الرّجز: أشد العذاب.
_________________
(١) = الكتاب (٣/ ١٦٥)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٨٦)، المحتسب لابن جني (١/ ٣٠٨)، مغني اللبيب (١/ ٣٣)، همع الهوامع (٢/ ٣٢٦) ويروى آخره: وارق السلم. وناضر السلم. وتعطو: تأخذ وتتناول. ووارق - على الرواية الثانية -: كثير الورق. والسلم: شجر العضاه.
(٢) سورة النمل، الآية (٨٧).
(٣) سورة المؤمنون، الآية (١٠٠).
(٤) سورة إبراهيم، الآية (١٧).
(٥) ينظر البيت في: تاريخ بغداد (١٤/ ٢٦٤)، تهذيب الأسماء للنووي (٣/ ٢٠٦)، حلية الأولياء لأبي نعيم (٧/ ٢٨٩)، شعب الإيمان للبيهقي (٧/ ٢٠٨).
[ ٢ / ٣٢٣ ]
﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة. وقيل: بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري وغير ذلك. وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ في موضع الحال، أي: كائنة منه وحاصلة، يعني أنه مكونها بقدرته ومستخرجها بحكمته، ويجوز أن يكون ﴿مِنْهُ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: كل ذلك منه، وأن يكون ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾ تأكيدا لقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾ ثم ابتدأ قوله: ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وأن يكون ﴿وَما فِي الْأَرْضِ﴾ مبتدأ، و﴿مِنْهُ﴾ الخبر. وقرئ ﴿مِنْهُ﴾ بكسر الميم وتشديد النون "منّه" أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: ذلك، أو هو منّه (^١). ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ حذف المقول في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ لأن الجواب دال عليه، والمعنى: قل لهم اغفروا يغفروا. ﴿لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ أي: وقائع الله بالمكذبين.
وقيل: لا يرجون بمعنى يأملون، وكونه وعدهم بالفوز فيها. قيل: نسخت بآية القتال (^٢).
وقيل: نزلت في عمر - ﵁ - وقد شتمه رجل من غفار، فهم أن يبطش به. وعن ابن المسيب أن قارئا قرأها عند عمر؛ فقال: ليجزى عمر بما صنع (^٣). ﴿لِيَجْزِيَ﴾ تعليل للأمر بالمغفرة، ونكر "قوما" تفخيما لشأنهم؛ أي: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾ وأي قوم، وذلك لصبرهم على أذى الكفار. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الثواب. وقيل: لما نزلت الآية قال عمر: وعزة ربي لا ترى الغضب في وجهي (^٤).
﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ﴾
_________________
(١) قرأ بها ابن عباس وابن عمر والجحدري وابن محيصن "منّة" وقرأ سلمة بن محارب "منّه". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٤٤)، تفسير القرطبي (١٦/ ١٦٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٢٧)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٨٨)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٦٢).
(٢) قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٥/ ١٤٤): "وإنما قلنا هي منسوخة لإجماع أهل التأويل على أن ذلك كذلك".
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٨٨).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٨٩) وذكر أنه قال ذلك للرسول ﷺ.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
﴿وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾
و﴿الْكِتابَ﴾ التوراة، و﴿وَالْحُكْمَ﴾ الحكمة والفقه، أو فصل الحكومات بين الناس؛ لأنهم كانوا ملوكا وأنبياء. ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ من الحلالات.
﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم ﴿بَيِّناتٍ﴾ آيات معجزات ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ من أمر الدين فما وقع بينهم الخلاف، ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بصحة نبوة النبي - ﷺ - وإنما أخلفوا لبغي حدث بينهم، أي: عداوة وحسدا.
﴿عَلى شَرِيعَةٍ﴾ على طريقة ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ من أمر الدين ﴿فَاتَّبِعْها﴾ أي: اتبع شريعتك الثابتة والبراهين. ﴿وَلا تَتَّبِعْ﴾ ما لا حجة عليه من أهواء الجهال، وهم رؤساء قريش حتى قالوا لرسول الله ﷺ: أرجع إلى دين آبائك ولا توالهم؛ إنما يوالي الظالمين من هو ظالم مثلهم، وأما المتقون فالله وليهم (^١).
﴿هذا﴾ القرآن. ﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب؛ كما جعل روحا وحياة، وهو ﴿وَهُدىً﴾ من الضلال. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من العذاب وقرئ: "هذا بصائر" (^٢) أي: هذه الآيات ﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. والاجتراح: الاكتساب؛ ومنه: جوارح الصيد، ويقال: جارحة أهله؛ أي: كاسبهم.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾
﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ أي: نصيرهم، وهو من "جعل" المتعدي إلى مفعولين: الأول الضمير والثاني الكاف، والجملة الثانية التي هي ﴿سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ﴾ بدل من الكاف، والجملة
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٨٩).
(٢) تنظر في: تفسير القرطبي (١٦/ ١٦٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٢٨)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ٨)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٦٢).
[ ٢ / ٣٢٥ ]
تقع مفعولا ثانيا فهي في حكم المفرد فهو كقولك: حسبت زيدا أبوه منطلق، ومن قرأ ﴿سَواءً﴾ بالنصب (^١) جعل "سواء" بمعنى مستويا، وارتفع ﴿مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ﴾ على الفاعلية، وكان مفردا غير جملة، ومن قرأ: "ومماتهم" (^٢) بالنصب جعل "محياهم ومماتهم" ظرفين؛ كمقدم الحاج وخفوق النجم؛ أي: سواء في محياهم وفي مماتهم، والمعنى: إنكار أن يستوي المحسنون والمسيئون محيا وأن يستووا مماتا لافتراق أحوالهم في الدنيا؛ فالمؤمنون على حق والكافرون على باطل. وقيل: إن المؤمنين والكفار في الدنيا مستوون في سعة الرزق وقلته. وعن تميم الداري أنه قام في الليل يصلي فوصل في تلاوته حتى هذه الآية، فلم يزل يرددها ويبكي إلى الصباح (^٣). وعن الفضيل أنه كان يرددها ويقول: ليت شعري؛ من أي الفريقين أنت؟ (^٤).
﴿وَلِتُجْزى﴾ معطوف على "بالحق"؛ لأن فيه معنى التعليل، أو على معلل محذوف تقديره: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ ليدل بذلك على قدرته ﴿وَلِتُجْزى﴾.
﴿إِلهَهُ هَواهُ﴾ أي جهة مالت إليها نفسه (٢٥٧ /ب) تبعها، وقرئ ﴿إِلهَهُ﴾ (^٥) على الجمع، وكانوا إذا عبدوا صنما ثم رأوا غيره أحسن منه رفضوا الأول وعبدوا الثاني فصارت العبادة تبعا لهوى النفس وصار هوى النفس آلهة شتى. ﴿هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ﴾ بمعرفته بما ينبغي اجتنابه ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ﴾ إضلال الله.
_________________
(١) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف "سواء" وقرا الباقون "سواء". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٤٧)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٢٥)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٦١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٢٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٩٥)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٩٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٧٢).
(٢) قرأ بها الأعمش. ينظر: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٢٩)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٩٠).
(٣) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٥٠) بسنده عن مسروق قال: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري لقد رأيته قام ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله ﷿ فيركع ويسجد ويبكي أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ.
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٩٠).
(٥) قرأ بها الأعرج. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٤٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٣٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥١٢).
[ ٢ / ٣٢٦ ]
﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)﴾
﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ أي: نموت نحن وتحيا أولادنا، أو يموت بعض ويحيا بعض، أو نكون أمواتا في الأصلاب ثم نحيا بعد ذلك، أو يصيبنا الأمران: الحياة والموت، يريدون الحياة الدنيا والموت بعدها، وليس بعد ذلك حياة، وما يقولون ذلك عن علم؛ ولكن عن ظن؛ كانوا يزعمون أن هلاك الأنفس بمرور الأيام والليالي، وينكرون ملك الموت، وكانوا يضيفون كل الحوادث إلى الدهر، ونرى أشعارهم ناطقة بذلك وفي الحديث: "لا تسبوا الدهر؛ فإن الدهر هو الله" (^١) أي: فإن الله الآتي بالحوادث لا الدهر.
وقرئ ﴿حُجَّتَهُمْ﴾ بالنصب والرفع (^٢) وسمي قولهم حجة؛ لأنهم أجروه مجرى الحجة والمراد نفي أن يكون لهم حجة البتة. فإن قيل: كيف وقع قوله: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ﴾ جوابا لقولهم: ﴿اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟﴾
قلنا: لما أنكروا البعث ألزموا بأنهم مقرون به من جهة أن الله هو الذي يحييهم ويميتهم وضم إلى إلزام ذلك أمرا أعظم منه، وهو جمعهم إلى يوم القيامة، فمن كان قادرا على ذلك فهو قادر على إحياء آبائهم، وهو أهون شيء عليه.
عامل النصب في ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ﴾ "يخسر"، و"ويومئذ" بدل من ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ﴾.
﴿جاثِيَةً﴾ باركة على الركب من شدة الهول. وقيل: ﴿جاثِيَةً﴾ أي: مجتمعة ﴿إِلى كِتابِهَا﴾
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٦١٨١، ٤٨٢٦)، ومسلم رقم (٢٢٤٦) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) قرأ جمهور القراء "حجتهم" بالنصب، وقرأ زيد بن علي وعمرو بن عبيد وعبيد بن عمرو "حجتهم" بالرفع. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٤٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٣١)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥١٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٧٢).
[ ٢ / ٣٢٧ ]
إلى صحائف أعمالها، ويقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقد أضاف الكتاب إليهم بقوله: ﴿إِلى كِتابِهَا﴾ وإلى ذاته العلية بقوله: ﴿هذا كِتابُنا﴾ لأن الإضافة تكون بأدنى ملابسة، وقد لابس الجهتين. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ في جنته. ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى﴾ أي: يقال لهم ذلك. ﴿وَالسّاعَةُ﴾ بالنصب؛ عطف على ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ وبالرفع (^١) عطف على إن واسمها. ﴿مَا السّاعَةُ﴾ أي شيء الساعة؟ ﴿إِلاّ ظَنًّا *﴾ أثبت الظن ونفى كل ما سواه، وزيد نفي ما سوى الظن بقوله: ﴿وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾.
﴿سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا *﴾ أو عقوباتها. ﴿نَنْساكُمْ﴾ نترككم (٢٥٨ /أ) في العذاب؛ كما تركتم عدة ﴿لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي: كما أهملتم كالشيء الذي يطرح وراء الظهر يجعل نسيا منسيا، ومعنى إضافة اللقاء إلى اليوم الإضافة إلى محذوف، أي: كما نسيتم العمل للقاء عذاب يومكم هذا. ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ولا يطلب منهم إزالة العتب؛ لأنه لا سبيل إليه لأن رضا الله عنهم مستحيل.
﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ فمن كان ربّا للسماوات والأرض كان حقيقا أن يحمد ويثنى عليه، وفي الحديث عن الله ﷿: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار" (^٢).
***
_________________
(١) قرأ حمزة وحده "والساعة" بالنصب، وقرأ الباقون "والساعة" بالرفع. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٥٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٣٢)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٩٥).
(٢) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٤٨)، وأبو داود رقم (٤٠٩٠)، وابن ماجه رقم (٤١٧٤)، وابن حبان في صحيحه رقم (٣٢٨)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع رقم (٤٣١١).
[ ٢ / ٣٢٨ ]