﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾
قرئت صفات الله - ﷿ - بالرفع (^١) على المدح، أي: هو الملك القدوس، ولو قرئ بالنصب لجاز (^٢) كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من الشرك، ومن قبائح أفعال الجاهلية. و﴿الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ القرآن والسنة. و"إن" في قوله - تعالى -:
﴿وَإِنْ كانُوا﴾ هي المخففة من الثقيلة، واللام في قوله "لفي" هي الفارقة بين النافية والمخففة.
﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ معطوف على ﴿الْأَمِينُ﴾.
وسئل رسول الله ﷺ عن الذين يجيئون من بعدهم يلحقون بهم فوضع يده على رأس سلمان وقال: "لو كان الدين في الثريا لناله رجال من هؤلاء" (^٣).ويجوز (٣٠١ /أ) أن ينتصب ﴿وَآخَرِينَ﴾ عطفا على المضمر المنصوب في "ويعلمهم" أي: ويعلم آخرين.
شبهت اليهود في ابتداء أخذهم بالتوراة ثم لم يعملوا بما فيها بالحمار الحامل لكتب لا يدري ما فيها ولا يحس إلا بثقل الحمل، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فالحمار مثله.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ﴾
_________________
(١) قرأ بها أبو وائل وسلمة بن محارب ورؤبة. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٣١٥)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٢٩).
(٢) قاله الزمخشري في الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٢٩) وزاد: كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد.
(٣) رواه البخاري في الصحيح رقم (٤٨٩٧)، ومسلم رقم (٢٥٤٦)، وأحمد في المسند (٢/ ٤١٧)، والترمذي رقم (٣٣١٠) عن أبي هريرة ﵁. قال العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (١٩/ ٢٣٥): "وقد ظهر ذلك بالعيان؛ فإنهم ظهر فيهم الدين، وكثر فيهم العلماء، وكان وجودهم كذلك دليلا من أدلة صدقه ﷺ".
[ ٢ / ٤٦٩ ]
﴿أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾
﴿بِئْسَ﴾ مثلا ﴿مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بالآيات الدالة على نبوة محمد ﷺ.
ومعنى ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ كلفوا العلم بها والعمل ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ ثم لم يعملوا بها؛ فكأنهم لم يحملوها. ومحل ﴿يَحْمِلُ﴾ نصب؛ أي: حملوها كالحمار حامل الأسفار، ويجوز أن يكون محله جرا؛ نعتا للحمار؛ لأنه لم يقصد حمار بعينه؛ إنما أراد هذا الجنس فهو نكرة؛ فكأنه قال:
كمثل حمار حامل للأسفار. دخلت الفاء في قوله: ﴿فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ لأن الكلام فيه معنى الشرط، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ (^١).
حاصله: أن دخول "إن" لا يمنع من دخول الفاء في الخبر؛ بخلاف ليت ولعل (^٢).
[يوم الجمعة: يوم الفوج المجموع] (^٣) فإن الفعلة: الذي يفعل به الفعل؛ فإذا قلت:
_________________
(١) سورة البروج، الآية (١٠).
(٢) قال ابن مالك: "حق خبر المبتدأ ألا يدخل عليه فاء؛ لأن نسبته من المبتدأ نسبة الفعل من الفاعل، ونسبة الصفة من الموصوف، إلا أن بعض المبتدآت تشبه أدوات الشرط، فتقترن بالفاء جوازا وذلك: إما موصول بفعل لا حرف شرط معه، أو بظرف، وإما موصوف بهما، وإما مضاف إلى أحدهما، وإما موصوف بالموصول المذكور بشرط قصد العموم، واستقبال معنى الصلة، أو الصفة؛ نحو:" الّذي يأتيني، أو في الدّار فله درهم". فلو عدم العموم لم تدخل الفاء؛ لانتفاء شبه الشرط، وكذا لو عدم الاستقبال، أو وجد مع الصلة، أو الصفة حرف شرط. وربما دخلت في خبر موصول مع عدم العموم، والاستقبال كقوله - تعالى -: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ [آل عمران: ١٦٦]. وإذا دخل شيء من نواسخ الابتداء على المبتدأ الذي اقترن خبره بالفاء أزال الفاء، إن لم يكن (إن) أو (أن) أو" لكنّ "بإجماع من المحققين. فإن كان الناسخ" إنّ "أو" أنّ "أو" لكنّ "جاز بقاء الفاء؛ نص على ذلك في" إنّ "و" أنّ "سيبويه وهو الصحيح الذي ورد نص القرآن المجيد به كقوله - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف: ١٣] وقوله - تعالى -: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ كما ذكر المصنف هنا. ينظر: شرح الكافية الشافية لابن مالك (١/ ١٦٠ - ١٦١)، الكتاب لسيبويه (٣/ ١٠٢)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٣٤٧).
(٣) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل ومثبت من الكشاف وبه يستقيم الكلام.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
رجل ضحكة؛ فهو يضحك منه، وإذا قلت: لعنة فهو يلعن، وأما إذا قلت: ضحكه فهو يضحك من غيره، وإذا قلت: لعنة فهو يلعن غيره، ومثله الهمزة واللمزة. قوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ تفسير ل" إذا "والمراد الأذان عند قعود الإمام على المنبر، وكان لرسول الله ﷺ مؤذن واحد وكان إذا جلس الرسول ﷺ على المنبر أذن المؤذن (^١).
وقيل: كذب الله اليهود في ثلاثة دعاوى: أحدها: قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه؛ فكذبهم بقوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ وافتخروا بأن لهم كتابا؛ فنزلت ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ (^٢) وافتخروا بيوم السبت؛ فقال النبي ﷺ:" خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة " (^٣).
﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: فامضوا، ليس المراد السعي على الأقدام، والسعي: العمل ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ (^٤) ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ (^٥) أراد النهي عن كل ما يشغل عن ذكر الله، لم يأمرهم بتجارة ولا كسب، وإنما أمرهم بالتوفر على العبادة وعيادة المرضى وزيارة أخ في الله وشبهه. وقيل: طلب العلم.
وقيل: صلاة التطوع.
﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١)﴾
روي أن أهل المدينة (٣٠١ /ب) أصابهم جوع وغلاء شديد فقدم دحية بن خليفة
_________________
(١) ذكره بهذا السياق السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٢٦)، ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن السائب بن يزيد، وأصله في الصحيح عند البخاري رقم (٩١٣) عن السائب بن يزيد.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٥٣٢).
(٣) رواه أحمد في المسند (٢/ ٤٨٦)، وأبو داود رقم (١٠٤٦)، والترمذي رقم (٤٩١)، والنسائي (٣/ ١١٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٨) عن أبي هريرة ﵁. وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٣٣٤).
(٤) سورة الصافات، الآية (١٠٢).
(٥) سورة النجم، الآية (٣٩).
[ ٢ / ٤٧١ ]
الكلبي بتجارة من زيت الشام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقاموا إليه خشوا أن يسبقوا إليه، فما بقي معه إلا يسير. قيل: ثمانية، وأحد عشر، واثنا عشر، وأربعون؛ فقال ﵇:" والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا " (^١).
وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق؛ فهو المراد باللهو. وعن قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير (^٢).
***
_________________
(١) ذكره الواحدي في أسباب النزول (ص: ٤٤٩) رقم (٨٢٠) بغير إسناد، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٣١) ونسبه لابن مردويه عن ابن عباس ﵂.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٨/ ١٠٤)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ١٦٧) لعبد بن حميد عن قتادة.
[ ٢ / ٤٧٢ ]