﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾
يقال: قدّمه وأقدمه، وهما منقولان بتثقيل الحشو والهمزة من قدّمه إذا تقدّمه، ومنه قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ (^١) ونظيره نقلا ومعنى: سلّفه وأسلفه.
ولم يذكر مفعولا لقوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ إما ليراد عمومه في كل تقدم، وإما أن لا يريد له مفعولا؛ كقوله: ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (^٢) ويجوز أن يكون من قدم بمعنى تقدم؟ كوجّه وبيّن، ومنه مقدمة الجيش خلاف ساقته وهي الجماعة المتقدمة، ويعضده قراءة من قرأ: "تقدّموا" بحذف إحدى التاءين، والأول أحسن، وقرئ "تقدموا" (^٣) من القدوم؛ أي: لا تقدموا على أمر قبل قدومهما، وحقيقة ذلك كقولك: جلست بين يديه: أن تجلس بين الجهتين المسامتين ليمينه وشماله فسميت الجهتان يدين؛ لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا؛ كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره، ويسمى في علم البيان: التمثيل، ولو قال: لا تكونوا كالذين تقدموا كان تشبيها، وفيها فائدة جليلة، وهي تصوير هجنة ما صنعوا، والمعنى: لا تقطعوا أمرا إلا بعد ما (٢٦٨ /ب) يحكم الله ورسوله به فتكونوا إما عاملين بالوحي المنزل عليه أو مقتدين بالرسول، ﵊، ويجوز أن يكون كقوله [من الرجز]:
عجبت من نفسي وإشفاقها (^٤)
_________________
(١) سورة هود، الآية (٩٨).
(٢) سورة آل عمران، الآية (١٥٦).
(٣) قرأ يعقوب من العشرة "لا تقدّموا"، وقرأ بقية العشرة "لا تقدّموا" وقرئ "لا تقدموا". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٠٥)، تفسير القرطبي (١٦/ ٣٠٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٦٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٥٢)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٧٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٧٥).
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة النمل.
[ ٢ / ٣٦١ ]
وقولك: عجبت من زيد وكلامه في قضية كذا، وفائدة هذا الأسلوب الدلالة على قوة الاختصاص، وأن التقدم بين يدي رسول الله ﷺ تقدم بين يدي الله. وعن مسروق:
دخلت على عائشة في اليوم الذي يشك فيه؛ فقالت للجارية: اسقيه عسلا، فقلت: إني صائم، فقالت: قد نهى الله عن صوم هذا اليوم، وفيه نزلت (^١).
وروي أن ناسا ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فأمرهم رسول الله ﷺ أن يعيدوا ذبحا آخر (^٢). وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀ وعند الشافعي ﵀: يجوز إذا مضى قدر الصلاة (^٣). وعن الحسن أيضا: لما استقر رسول الله ﷺ بالمدينة أتته الوفود من الآفاق وأكثروا عليه المسائل فنهوا أن يبتدئوه بالمسألة حتى يكون هو المبتدئ (^٤). وعن قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا لكان حسنا؛ فنهوا عن ذلك؛ فنزلت الآية (^٥).
وقيل: هي عامة في كل قول وفعل إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله ﷺ فلا يتكلم فيها أحد قبل رسول الله ﷺ.
﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ فإنكم إذا اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢)﴾
وإن حدثتموه وهو ساكت فاجعلوا صوتكم كصوت المشاور، وإن حدثكم وهو رافع صوته فلا تبلغوا برفع صوتكم رفع صوته، بل لا بد من مراعاة علو صوت النبي ﷺ وأعاد النداء عليهم استدعاء لتيقظهم، وتكرير تنبيه على الأغنياء بما كلفوه من ذلك.
وقيل: المعنى: لا تنادوه باسمه فتقولوا: يا محمد، وخاطبوه بالنبوة فقولوا: يا أيها
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٥٠) وقال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٣٢٤): غريب.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ١١٧)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٤٧) لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن ﵁. ونسبه الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٣٢٥) لعبد الرزاق في تفسيره.
(٣) ينظر: الهداية شرح البداية (٤/ ٧٢)، بدائع الصنائع للكاساني (٥/ ٦٢)، المجموع للنووي (٨/ ٢٨٢، ٢٨٣)، الإقناع للشربيني (٢/ ٥٩١).
(٤) ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٣٢٥) عن الحسن وقال: غريب.
(٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٤٦) ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
الرسول، يا أيها النبي، فلما نزلت قال أبو بكر: والله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله (^١) وعن عمر مثل ذلك لا يسمعه النبي ﷺ حتى يستفهمه (^٢) وكان أبو بكر ﵁ إذا قدم على النبي ﷺ وفد بعث إليهم من يعلمهم كيف يسلمون عليه (^٣). وليس المراد بالنهي عن رفع الصوت رفعه بالاستهانة والاستخفاف؛ فإن ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون، وإنما المراد صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به (٢٦٩ /أ) العظماء، ويوقر به الكبراء، فيتكلف الغض منه، وليس المراد أيضا النهي عن الجهر عند حضور مصلحة، وقد قال النبي ﷺ للعباس عمه: "أصرخ بالناس" (^٤).وكان العباس صيتا يروى أنه صاح مرة فأسقطت الحوامل (^٥). وفيه يقول الشاعر [من المنسرح]:
زجر أبي عروة السّباع إذا أشفق أن يختلطن بالغنم (^٦)
والمراد نهيهم عما كانوا يعتادونه من رفع الأصوات. قيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان في سمعه ثقل، وكان جهوري الصوت فكان إذا كلم النبي ﷺ رفع صوته (^٧). والحبوط: مأخوذ من قولهم: حبطت الإبل: إذا أكثرت من أكل الخضير فانتفخت أجوافها، وربما هلكت.
وفي الحديث: "إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم" (^٨).
وقد دلت الآية على أمرين عظيمين: أحدهما: أن في أعمال المؤمنين ما يقتضي حبوط العمل الحسن، وأنه ربما ظن أن الشيء حسن وهو عند الله يحبط؛ فعليه أن يتوقي كمن يمر في طريق كثير الشوك؛ فهو يتوقى إصابته.
_________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٧٤)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٤٠٣) رقم (٧٥٦) وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: حصين واه. وهو حصين بن عمر الأحمسي وهو متروك كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١١).
(٢) رواه البخاري رقم (٤٤٦٧)، والترمذي رقم (٣١٨٩).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٥٢). (¬٤ و٥) ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٣/ ٣٢٧).
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الصافات.
(٥) رواه البخاري رقم (٣٣٤٤)، ومسلم رقم (١٧٠).
(٦) رواه البخاري رقم (١٣٧٢)، ومسلم رقم (١٧٤٤).
[ ٢ / ٣٦٣ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤)﴾
﴿اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ من قولك: امتحن فلان لأمر كذا؛ فهو مضطلع به وغير وان عنه، والمعنى أنهم صبروا على التقوى وتحمل مشاقها، أو وضع الامتحان موضع المعرفة؛ لأن الامتحان سبب المعرفة واللام كالتي في قولك: أنت لهذا الأمر، أي: كائن، وقول الشاعر [من الرجز]:
أنت لها أحمد من بين البشر (^١)
وهي مع معمولها منصوبة على الحال، أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الشاقة لأجل التقوى. وقيل: خلصها للتقوى؛ من قولهم: امتحن الذهب إذا ألقاه ليذهب خبثه. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر وغضهما أصواتهما حتى صارا كأخي السرار، وفي تنكير المغفرة والأجر ما يدل على أنه لا يقدر قدره، وتنبيه على شرف الشيخين ﵄، وارتضاء لما صنعاه من غض الصوت.
والوراء: الجهة التي يواريها شخصك، سواء كانت من خلف، أو من قدام؛ فالنهي وقع عن مناداته وهو في الدار؛ كما ينادي الأجلاف بعضهم بعضا. والحجرة: القطعة من الأرض المحجورة بحاجز، وحظيرة الإبل تسمى الحجرة، وهي فعلة بمعنى مفعولة، وجمع الحجرات يدل على أنهم تفرقوا حول حجر النبي ﷺ (٢٦٩ /ب) فهذا يناديه من حجرة، وذاك يناديه من أخرى، ويحتمل أنهم اجتمعوا فنادوه من حجرة ثم اجتمعوا فنادوه من أخرى، ويجوز أن يكون جمع الحجرات إجلالا للنبي ﷺ والفعل يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان الباقون راضين، فلذلك أضيف إلى جميعهم؛ كقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ (^٢) ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾
_________________
(١) هذا صدر بيت للحرمازي، أو لعبد الله بن الأعور بن قراد في مدح المنذر بن الجارود، وعجزه: داهية الدهر وصماء الغبر، ينظر في: تاريخ مدينة دمشق لأبي القاسم بن هبة الله (٥٦/ ٥٠٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٩٢)، لسان العرب (غبر) ويروى: أنت لها منذر من بين البشر.
(٢) سورة البقرة، الآية (٦١).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
﴿يا مُوسى﴾ (^١) ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ (^٢) وقد ذكر أن الذي ناداه عيينة بن حصن بن بدر الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي.
قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ يجوز أن يكون المراد متظاهرة وهو خروج بعضهم عن أن ينسب إلى عدم العقل، ويحتمل أن يكون الحكم بقلة العقلاء فيهم قصدا إلى نفي أن يكون فيهم من يعقل؛ فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦)﴾
﴿أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ في موضع رفع بالفاعلية، أي: لو ثبت صبرهم. والصبر: حبس النفس عن أن تسارع إلى هواها. وقولهم: صبر عن كذا محذوف المفعول، أي: صبر نفسه؛ أي:
حبسها، وقال بعضهم: الصبر مر، ولا يتجرعه إلا حر.
وقوله: ﴿إِلَيْهِمْ﴾ يقتضي أنه لو خرج ولم يعلموا أنه خرج إليهم ألزمهم الصبر حتى يعلموا أنه خرج إليهم، وفي ﴿لَكانَ﴾ ضمير يعود إليه اسم كان، أو يرجع الضمير إلى مصدر ﴿صَبَرُوا﴾ لقولهم: من كذب كان شرا له.
روي أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة مصدّقا إلى بني المصطلق، وكان بينه وبينهم شحناء فخرجوا يتلقونه وظن أنهم خرجوا لقتاله فرجع إلى النبي ﷺ وقال: منعوني الزكاة فجاءوا وقالوا: نعوذ بالله من غضبه ومن غضب رسوله، فقال لهم: لئن لم تنتهوا لأبعثن عليكم رسولا يقتل مقاتليكم ويسبي ذراريكم، فبعث خالد بن الوليد فوجدهم مطيعين لم يخطر ببالهم غدر بأحد؛ فنزلت ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (^٣)، وفي تنكير الفاسق والنبأ دليل على أنه أي فاسق جاء بأي نبأ كان، فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشافه
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٧٢).
(٢) سورة الأعراف، الآية (٧٧).
(٣) رواه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٤٠٤ - ٤٠٧) وفي سنده معلى بن عبد الرحمن؛ قال عنه ابن حبان في المجروحين (٣/ ١٧): يروي عن عبد الحميد بن جعفر المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
والفسوق: الخروج من الشيء؛ يقال: فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه: فقست البيضة، إذا كسرتها وأخرجت ما فيها، ثم استعير لسلوك غير طريق الحق، قال رؤبة [من الرجز]:
فواسقا عن قصدها جوائرا (^١)
﴿بِجَهالَةٍ﴾ حال؛ كقوله: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ (^٢) أي: جاهلين بحقيقة الأمر ولا يريد صبح النهار؛ بل الصيرورة. والندم: ضرب (٢٧٠ /أ) من الغم يتجدد كلما تجدد له ذكر ندم عليه.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾
﴿لَوْ﴾ متعلقة بما قبلها؛ حال من أحد الضميرين في ﴿فِيكُمْ﴾ وهو المستتر المرفوع، أو البارز المجرور، والمعنى: أن فيكم رسول الله لو أطاع كل قائل وعمل بقول كل مشير لوقعتم في العنت والمشقة، وفيه دليل على أنه كانت تبدو منهم فرطات، وكذلك في قصة الوليد صدر من بعض الصحابة أن يشير على النبي ﷺ بتصديق الوليد وتكذيب بني المصطلق. والعنت: المشقة؛ يقال: عنت الرجل: إذا جبر عظمه المكسور فجاء العظم معوجا، وأنه يكسر العظم ليجبر مستقيما، وذلك هو العنت، وإنما قدم خبر ﴿أَنَّ﴾ لأن سياق هذا الكلام يقتضي إنكار فعله من داخل رسول الله ﷺ في الرأي، فكان ذكرهم أهم. فإن قيل: لم قال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ ولم يقل: لو أطاعكم؟ قلت: لأن الفعل المضارع يدل على التكرر؛ كقولك: فلان يحمل الكلّ ويصل الرحم. ودخلت "لكن" مع أن شرطها مخالفة ما بعدها لما قبلها؛ لأن هؤلاء صفتهم غير صفة الذين قبلهم (^٣). والكفر:
تغطية نعم الله وسترها بالجحود، والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلّب فيه من
_________________
(١) ينظر الرجز في: تفسير الطبري (١٥/ ٢٦١) قال ابن جرير: "يعني بالفواسق: الإبل المنعدلة عن قصد نجد، وكذلك الفسق في الدين إنما هو الانعدال عن القصد والميل عن الاستقامة".
(٢) سورة الأحزاب، الآية (٢٥).
(٣) هذا قول الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٦٢).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
الرشادة. و﴿فَضْلًا﴾ مفعول له، أو مصدر من غير فعله وقوله: ﴿فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً﴾ الله تعالى فاعل النعم، وإفضاله: إنعامه، فصح إذن شرط المفعول من أجله، وهو أن يكون فعل فاعل المعلل.
﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (١١)﴾
وروي أن رسول الله ﷺ ركب حمارا، ومر على ملأ من الأنصار فيهم عبد الله بن أبي المنافق، فبال حمار النبي ﷺ فغطى عبد الله بن أبي أنفه وقال: أخر حمارك عنا فقد آذانا نتنه؛ فقال عبد الله بن رواحة: حمار رسول الله ﷺ أفضل منك، وبوله أطيب من مسكك؛ فتقاولا وجاء كل واحد منهما قومه من الأوس والخزرج، فجاء النبي ﷺ فأصلح بينهم فنزلت ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ﴾ (^١).
والبغي: الاستطالة وإباء الصلح و﴿تَفِيءَ﴾ ترجع، وإنما قال: ﴿اِقْتَتَلُوا﴾ ولم يقل:
اقتتلتا؛ حملا على المعنى؛ فإن الطائفتين في معنى الجماعتين، وفي قتال أهل البغي تفاصيل مذكورة في كتب الفقه. أمر بالقسط على سبيل العموم، وحكم بأن المسلم أخو المسلم، فإذن أوجبت أخوة النسب النصرة والمصافاة، فأخوة الدين أولى. وقيل: المراد بالأخوين الأوس والخزرج (٢٧٠ /ب) وهو بعيد. روي أن نساء النبي ﷺ [عيروا أم سلمة] (^٢) بالقصر؛ فأنزل الله تعالى ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ﴾ الآية (^٣).
القوم: الرجال خاصة؛ لأنهم القوام بأمر قبيلتهم وعشائرهم، وقول زهير [من الوافر]:
[وما أدري وسوف إخال أدري] أقوم آل حصن أم نساء (^٤)
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٢٦٩١)، ومسلم رقم (١٧٩٩)، والواحدي في أسباب النزول (ص: ٤٠٨ - ٤٠٩).
(٢) ما بين المعقوفين بياض بالأصل والمثبت من الكشاف للزمخشري.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٧٠).
(٤) ورد الشطر الأول في الأصل: فو الله ما أدري وإن كنت داريا، وهو بيت آخر من بحر الطويل كما في -
[ ٢ / ٣٦٧ ]
ودخول النساء في لفظ القوم في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (^١) وقوله: ﴿أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (^٢) فبطريق التبعية.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾
و(الغيبة) من الاغتياب؛ كالغيلة من الاغتيال، وهي ذكر السوء في الغيبة، وسئل رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال: "أن تذكر أخاك بما يكره؛ فإن كان فيه فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته" (^٣).ولما ذكر الله تعالى أن الغيبة بمنزلة أكل لحم أخيك. عقب ذلك بقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أي: فقد تحققت الكراهة وقد ركز في الطباع كراهية أكل لحم الميت، أي: فاتركوا الغيبة كما تتركوا أكل لحم الميت.
وقوله: ﴿مَيْتًا﴾ إما حال من ﴿لَحْمَ أَخِيهِ﴾ أو من الأخ، وعدي (كره) ب (إلى) في قوله: (كره) وبنفسه هاهنا لأن القياس تعديته بنفسه قبل التثقيل؛ تقول: كرهت الشيء وكرهته غيري، وأما تعديته ب "إلى" فإجراء "كره" مجرى "بغض" والمبالغة في التواب؛ لكثرة من يتوب الله عليه من عباده، أو لأنه ما من ذنب إلا وهو مغفور بالتوبة.
﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ بالندم على ما فرط وامتثال أوامره. روي أن سلمان كان يخدم رجلين ويسوي لهما طعامهما، فغفل سلمان عن شأنه؛ فبعثاه إلى رسول الله ﷺ يطلبان منه إداما، فأتى أسامة - وكان على طعام رسول الله ﷺ فلم يجد عنده شيئا، فأتاهما
_________________
(١) = لسان العرب (شعث) وعجزه: شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر وما أثبتناه هو صدر البيت المستشهد به هنا كما في المصادر التي خرجناه منها وهو من بحر الوافر. ينظر في: غريب الحديث للخطابي (١/ ٥٢٦)، لسان العرب (قوم).
(٢) سورة الشعراء، الآية (١٠٥).
(٣) سورة هود، الآية (٦٠).
(٤) رواه مسلم في صحيحه رقم (٤٦٩٠)، والترمذي رقم (١٨٥٧) ولفظه فيهما: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول. قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته".
[ ٢ / ٣٦٨ ]
فأخبرهما بذلك، فقالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة (^١) لغار ماؤها! ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فقال لهما: مالي أرى خضرة اللحم على أفواهكما؟! فقالا: ما أكلنا لحما! فقال لهما:
إنكما اغتبتماه. فنزلت " (^٢).قوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ أي: من آدم وحواء، أي: كل إنسان من ذكر وأنثى. والشعب: أعلى البطون؛ فإنه للقبيلة العظيمة، ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة؛ فأعلاها الشعب، وخزيمة شعب وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، ورتبهم هذا الترتيب ليتعارفوا لا ليتفاخروا بالأجداد، ثم بين الخصلة التي يحصل بها الشرف والكرم عند الله فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ (٢٧١ /أ).
﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)﴾
الإيمان: هو التصديق مع الثقة، والإسلام: الدخول في السلم والخروج من أن يكون حربا للمسلمين. ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ لا ينقصكم.
وعن ابن عباس: أن نفرا من بني أسد قدموا المدينة فأغلوا أسعارها وأفسدوا الطريق بالعذرات، وهم يقولون لرسول الله ﷺ: قدمنا بالأثقال والعيال. يريدون الصدقة، فنزلت ﴿أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ﴾ (^٣). أي: على زعمكم.
_________________
(١) سميحة - بلفظ تصغير سمحة بالحاء المهملة -: موضع. وقيل: بئر بالمدينة. وقيل: بئر بناحية قديد وقيل: عين معروفة، وقيل: سميحة: بئر قديمة بالمدينة غزيرة الماء. ينظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٣/ ٢٥٥).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٧٤)، وقال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٣/ ٣٤٨): غريب وبمعناه رواه أبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب.
(٣) ذكره الواحدي في أسباب النزول (ص: ٤١٢) رقم (٧٦٧)، وابن كثير في تفسيره ونسبه للبزار عن ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٣٦٩ ]