﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾
﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ جاء في بعض الفواتح بلفظ الماضي، وفي بعضها بلفظ المضارع، وكلا المعنيين صحيح؛ أي: عادتهم التسبيح، وشأنهم أن يسبحوا له ويعظموه، وقد جاء تارة باللام، وتارة بغير لام؛ كقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (^١) ومعنى سبحت لله، أي: جعلت التسبيح خالصا لوجهه. ﴿ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من يتأتى منه التسبيح.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦) آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾
قوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ يجوز ألا يكون له محل، وأن يكون مستأنفا وأن يكون مرفوعا بخبر مبتدأ محذوف، أي: هو يحيي ويميت، وأن يكون منصوبا؛ حالا من المجرور في ﴿لَهُ﴾ والجار عاملا فيها؛ ومعناه: يحيي النطف والبيض والموتى.
﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ قبل كل شيء ﴿وَالْآخِرُ﴾ بعد كل شيء ﴿وَالظّاهِرُ﴾ بالأدلة الدالة عليه ﴿وَالْباطِنُ﴾ لكونه غير مدرك بالحواس، ومعنى دخول الواو في قوله: ﴿وَالْآخِرُ﴾ أنه الجامع بين هاتين الصفتين، وأما الثالثة فدخلت الواو؛ لتدل على أنه جامع بين الصفتين الأخيرتين،
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية (٤٢).
[ ٢ / ٤٣٣ ]
وأما الوسطى فدخلت لتدل على اجتماع الأول مع الثاني (٢٩٠ /أ) والثالث مع الرابع.
وقيل: الغالب؛ لقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (^١) ﴿مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يريد أن الأموال التي بأيديكم ملك لله وأنتم تتصرفون فيها بإذنه كالوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله وليهن عليكم الإنفاق منها؛ كما يهون على الرجل إذا أنفق من مال غيره، أو جعلكم مستخلفين عمن كان قبلكم في المال الذي بأيديهم وأيديكم، فاعتبروا بحالهم؛ كيف انتقل منهم إليكم؛ وسينقل منكم إلى غيركم! ولا تبخلوا، وارفعوا بالإنفاق منها أنفسكم.
﴿لا تُؤْمِنُونَ﴾ حال من معنى الفعل في الجار والمجرور، والواو في ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ واو الحال؛ فهما حالان متداخلتان، وقد مضى ذكر نظيره في أوائل ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ (^٢) أي: قد ركب فيكم العقول التي تؤديكم إلى العلم بصفاته وأنه يثيب على الإنفاق أضعافا مضاعفة. ﴿أَلاّ تُنْفِقُوا﴾ أي: أي شيء لكم في ترك النفقة؟!
﴿وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ سينتقل من أيديكم انتقال المال الموروث بعد هلاك صاحبه.
﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ﴾ أي: قبل فتح مكة، وكان الإسلام ضعيفا، فالنفقة في ذلك الوقت أصابت محلا قابلا، أي: ومن أنفق بعد ذلك؛ أي: بعد ما عزّ الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا، فحذف ذكر القسم الثاني؛ لوضوح دلالة الكلام عليه.
﴿وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ أي: المثوبة الحسنى، وقرئ:" كلّ "بالرفع (^٣) مع أن الفعل لم يشتغل بضميره، وهو جائز؛ ولكنه قليل الاستعمال (^٤). وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله
_________________
(١) سورة الصف، الآية (١٤).
(٢) سورة الأنبياء، الآية (١).
(٣) قرأ بالرفع ابن عامر وحده والباقون بالنصب" وكلا". تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٧٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦٢٥).
(٤) قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية (١/ ١٤٧):" الجملة المخبر بها إن كانت نفس المبتدأ في المعنى فحكمها في الاستغناء عن ذكر يرجع إلى المبتدأ حكم المفرد الجامد، ولأجل ذلك لم يفتقر ضمير الشأن إلى ما يرجع إليه من الجملة المخبر عنه بها. فإن لم تكن الجملة نفس المبتدأ في المعنى وجب اشتمالها على ضمير يعود على المبتدأ، أو ما يقوم مقامه، وقد يحذف العائد إذا كان عند حذفه لا يجهل، فإن كان العائد مفعولا وكان المبتدأ. "كلا" أو شبهه جاز الحذف، وبقاء المبتدأ مبتدأ بلا خلاف، ومن ذلك قراءة ابن عامر "وكل وعد الله الحسنى" وكذا إذا كان المبتدأ شبيها ب "كل" في العموم أو -
[ ٢ / ٤٣٤ ]
عنه - لأنه أول من أسلم وأول من أنفق في سبيل الله (^١).
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾
القرض الحسن: الإنفاق في سبيله؛ شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز؛ لأنه إذا أعطى ماله لوجهه فكأنه أقرضه إياه. ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ أي: يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا. ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي: ذلك الأجر المضاعف أجر عظيم قبل أن ينضاف إليه المضاعفة. ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ ظرف والعامل فيه الاستقرار في قوله: ﴿وَلَهُ أَجْرٌ﴾ أو منصوب بمضمر تقديره: يوم ترى يكون كيت وكيت. يؤتى السعداء صحائف أعمالهم من بين أيديهم وبأيمانهم (٢٩٠ /ب) ونور تلك الصحائف ينوّر لهم هاتين الجهتين، ويؤتى الأشقياء صحفهم بشمائلهم من وراء ظهورهم، وإذا تجاوز السعداء الصراط سعوا في أنوار أعمالهم وصحائفهم، ويكون ذلك شعارا بفوزهم، وتقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم ﴿بُشْراكُمُ الْيَوْمَ﴾.
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)﴾
_________________
(١) = الافتقار إلى متمم للمعنى، وكذا المشبه "كلا" بالافتقار إلى متمم دون عموم. فإن كان المبتدأ غير " كل" والعائد مفعول لم يجز عند الكوفيين حذفه وبقاء المبتدأ مبتدأ، بل يوجبون نصبه بمقتضى المفعولية إلا في ضرورة شعر، وخالفهم البصريون بإجازة رفع غير "كل" في الاختيار "قال السمين الحلبي في الدر المصون (٦/ ٢٧٤) - بعد أن نقل عن ابن مالك إجماع البصريين والكوفيين على جواز ذلك إن كان المبتدأ" كلا "أو ما أشبهها في الافتقار والعموم -:" وهذا لم أره لغيره ".
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٧٤).
[ ٢ / ٤٣٥ ]
﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ ﴿اُنْظُرُونا﴾ انتظرونا؛ لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركائب تسرع بهم، والأشقياء مشاة. وقيل: ﴿اُنْظُرُونا﴾ انظروا إلينا؛ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، واستنارت الطريق للمنافقين، وجعل اتئادهم في المشي ليلحقهم المنافقون أنظارا. ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستضيئوا بهم.
﴿اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ﴾ طرد لهم وتهكم بهم، أي: ارجعوا إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هنالك، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورا بتحصيل سببه وهو الإيمان، أو ارجعوا خائبين، وقد علموا أنه لا نور لهم؛ وإنما هو طرد وإقنات.
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ بين المؤمنين والمنافقين. ﴿بِسُورٍ﴾ أي: بحائط. قيل: ذلك السور:
الأعراف، لذلك السور ﴿بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أي: ما يخص المؤمنين ﴿ظَهْرِهِ﴾ ما بدا للمنافقين ﴿مِنْ قِبَلِهِ﴾ أي: من جهته، وهو الظلمة ينادى المنافقون المؤمنين فيقولون: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في الدنيا في الجهاد والصلوات؟ فيقول المؤمنون: كنتم معنا ﴿وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أوقعتموها في الفتنة ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالموت الدوائر ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ شككتم في الدين الحق ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ﴾ طول العمر والطمع ﴿حَتّى جاءَ أَمْرُ﴾ الموت و﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان. ﴿فِدْيَةٌ﴾ ما يفتدى به ﴿مَوْلاكُمْ﴾ أي: أولى بكم، وحقيقة الكلام: النار هي أولى بكم أن تكونوا فيها، وهو كقولهم: مئنة.
وفي الحديث:" إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه " (^١).أي: محل يقال فيه: إنه لفقيه، ومنه قوله: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ﴾ (^٢) فسماه إغاثة. وقيل: تتولاكم جهنم؛ كما توليتم في الدنيا أعمال الفجور.
﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ ألم يحن، يقال: أنى الشيء يأنى إناء؛ إذا جاء وقته. قيل: كانوا بمكة مجدبين مضيقا عليهم في ذات اليد، فلما هاجروا إلى المدينة اتسع لهم العيش ففتروا عما كانوا عليه؛
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٣٧١٤)، وأحمد في المسند رقم (١٧٥٩٨) ومئنة: كقولك: مخلقة لذلك، ومجدرة لذلك ومحراة ونحو ذلك. قال الأصمعي: قد سألني شعبة عن هذا، فقلت: مئنة يقول: هي علامة لذاك خليق لذاك. قال أبو عبيد: يعني أن هذا مما يعرف به فقه الرجل ويستدل به عليه وكذلك كل شيء ذلك على شيء فهو مئنة له. ينظر: غريب الحديث لابن سلام (٤/ ٦١).
(٢) سورة الكهف، الآية (٢٩).
[ ٢ / ٤٣٦ ]
فنزلت الآية (^١). (٢٩١ /أ) وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين (^٢). وعن ابن عباس: استبطأ الله قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن (^٣). وعن الحسن: أما والله لقد استبطأهم وهم يحفظون من القرآن أقل مما تحفظون، ويعملون من أعمال الخير أضعاف ما تعملون، وحدث فيكم من الفسق ما لم يكن في الأولين (^٤).
وروي أن هذه الآية قرئت بين يدي أبي بكر الصديق، وعنده ناس من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدا؛ فقال أبو بكر: هكذا كنا حتى قست القلوب (^٥). وكانت بنو إسرائيل إذا سمعوا التوراة خشعوا لله ورقت قلوبهم فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوه من التغيير والتبديل وغيره. ﴿لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ يجوز أن يراد بهما شيء واحد وقيل: ذكر الله أعم، وما نزل من الحق أخص، ويجوز أن يراد خضوعها لذكر الله؛ كقوله: ﴿إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٦) أراد ب ﴿الْأَمَدُ﴾ الأجل؛ كقوله [من البسيط]:
ولا يمهل حيّ إذا انتهى أمده (^٧)
﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾
﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ تمثيل لإثراء الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض. ﴿الْمُصَّدِّقِينَ﴾ هم المتصدقون، وقرئ:" إن المصدّقين "بالتخفيف (^٨) وهم
_________________
(١) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٨) لابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش.
(٢) رواه مسلم رقم (٥٢٥٣)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٨) لابن المنذر وابن مردويه والطبراني والحاكم وصححه عن عبد الله بن الزبير عن ابن مسعود.
(٣) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٨) لابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس.
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٧٧).
(٥) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٧٧).
(٦) سورة الأنفال، الآية (٢).
(٧) ينظر في: الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٧٧).
(٨) قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر عنه" المصدقين والمصدقات "بتخفيف الصاد، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم" المصدقين والمصدقات "بتشديد الصاد. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٧٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦٢٦).
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الذين صدقوا الله ورسوله، والقراءة الأولى بمعنى إخراج الصدقة.
﴿وَأَقْرَضُوا﴾ معطوف على معنى المتصدقين؛ كأنه قيل: إن الذين تصدقوا وأقرضوا.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩) اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾
﴿أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ وهم الشهداء؛ أي: هم عند الله بمنزلة الشهداء، ويجوز أن تقف على قوله: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ وتبتدئ ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ نبه ﷾ أن الدنيا إنما هي أمور محقرات من لعب ولهو وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد ثم مثل حالها في سرعة زوالها بقوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ﴾ أي: الزراع؛ لأن الزارع يستر الحب الذي يبذره، والكفر: الستر ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ ثم ييبس، فترى ذلك الزرع الأخضر صار أصفر، ثم عن قليل يصير حطاما.
وقيل: ﴿الْكُفّارَ﴾ الجاحدون لنعم الله تعالى، وهم مثل أصحاب الجنة الذين ابتلاهم بإحاطة الله بزرعهم (^١) وكما فعل بأصحاب الجنتين في سورة الكهف (^٢).
﴿سابِقُوا﴾ سارعوا إلى أعمال الجنة سعي المسابق ﴿عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾
_________________
(١) ورد ذكرهم في الآيات (١٧ - ٣٣) من سورة القلم.
(٢) ورد ذكرهم في الآيات (٣٢ - ٤٣).
[ ٢ / ٤٣٨ ]
(٢٩١ /ب) أي: كعرض السماوات السبع والأرضين السبع، وذكر العرض دون الطول؛ لأن عرض كل شيء أقصر من طوله، ويجوز أن يراد بالعرض الكثرة؛ كقوله: ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ (^١).
﴿مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ نحو الجدب وآفات الزرع. ﴿وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ بالأعلال والأمراض ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ أي: قبل أن نخلقها؛ فإن الله هو البارئ المصور، والضمير في ﴿نَبْرَأَها﴾ يرجع إلى الأرض أو النفس أو المصيبة.
إن إثبات ذلك يسير على الله، يعني: إذا علمتم بأن كل شيء مكتوب عند الله خفت الهموم، وعلم أن كل ما قدر كائن. ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم عنده اختال وافتخر به وتكبر على الناس. فإن قلت: ما نرى أحدا يملك نفسه ويمنعها عن الفرح بما يتجدد من خير ولا يمنعها من التألم إذا ناله ما يسوءه؟
قلت: المراد ذم الفرح الذي يخرج إلى الفخر والخيلاء ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بدل من ﴿كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ يعني الملائكة إلى الأنبياء. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالحجج والمعجزات. ﴿وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ أي: الكتب؛ كقوله: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ (^٢) أي: الكتب.
وقيل: الكتاب. الخط بالقلم، تقول: كتبت كتابا وكتابة. وروي أن جبريل ﵇ نزل بالميزان فأعطاه نوحا، وقال له: مر قومك يزنوا به (^٣). ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ قيل: نزل آدم ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان، والكلبتان، والمطرقة، والإبرة (^٤). وقيل: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ خلقناه؛ كقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ (^٥).
﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ فالبأس الشديد: القتال به، والمنافع ظاهرة. قيل: ما من عمل من الأعمال إلا وفيه آلة من الحديد. وجعلنا ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: بإعداد آلة
_________________
(١) سورة فصلت، الآية (٥١).
(٢) سورة البقرة، الآية (٢١٣).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٨٠).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢٧/ ٢٣٧) عن ابن عباس ﵄.
(٥) سورة الزمر، الآية (٦).
[ ٢ / ٤٣٩ ]
الحرب من السيف والرمح وغيرها.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)﴾
﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: من الذرية. وقيل: من المرسل إليهم، دل عليه ذكر الإرسال والمرسلين، ونحو وصفهم بأن في قلوبهم الرأفة والرحمة قوله تعالى: ﴿أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ (^١).
والرهبانية: ترهّبهم في الجبال فرارا من الفتنة. وروي أن الجبابرة (٢٩٢ /أ) ظهروا على أصحاب عيسى بعد أن رفعه الله إليه فقاتلوهم مرارا، وقتل الكفار أكثر أصحاب عيسى، وبقي منهم قليل فخافوا أن يفتنهم الكفار فاختاروا الترهب والانقطاع (^٢). وانتصابها بفعل مضمر يفسره "ابتدعوها" أي: أحدثوها من عند أنفسهم، ولم يأتهم أمر من الله بذلك.
﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما فرضناها عليهم ﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ﴾ استثناء منقطع؛ أي:
ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يريد أهل الرأفة الذين اتبعوا عيسى.
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ لم يحافظوا على ما ابتدعوه من الرهبانية، ويجوز أن تكون الرهبانية معطوفة على الرأفة والرحمة، و﴿اِبْتَدَعُوها﴾ صفة لها في محل النصب، أي:
وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم، والمعنى: وفقناهم للرحمة بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم الذين حافظوا على ما ابتدعوه من الرهبانية. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ وهم الذين لم يحافظوا على ما التزموه من الرهبانية.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ﴾
_________________
(١) سورة الفتح، الآية (٢٩).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٨١)، وروى الطبري في تفسيره (٢٧/ ٢٣٩) نحوه عن ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
﴿فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بموسى وعيسى ﴿اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا﴾ بمحمد ﷺ.
﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أي: نصيبين؛ لإيمانكم به وبمن قبله ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يوم القيامة بخلاف المنافقين الذين حرموا النور.
﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ﴾ "لا": زائدة؛ أي: لأن يعلم ﴿أَلاّ يَقْدِرُونَ﴾ "أن" مخففة من الثقيلة أصله: أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله. ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ﴾ الآية، وإن كان قوله:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ خطابا لغيرهم فمعناه: اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم برسوله ﷺ ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ ما وعد المؤمنين وهما الكفلان من رحمته.
روي أن رسول الله ﷺ بعث جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه فقدم جعفر عليه فدعا النجاشي فأجابه فقال جماعة من عظماء أهل اليمن للنجاشي: ائذن لنا أن نتوجه إلى محمد ﷺ ونواسيه بأموالنا فأذن لهم، وقدم جعفر إلى النبي ﷺ ومعه أربعون رجلا فواسوا المؤمنين بأموالهم ووسعوا عليهم، فنزلت الآية (^١) والله أعلم (٢٩٢ /ب).
***
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٧/ ٢٤٢)، وذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٣/ ٤١٩)، وقال: وهذا مرسل.
[ ٢ / ٤٤١ ]