﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)﴾
صالح رسول الله بني النضير على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر رسول الله ﷺ يوم بدر قالوا: هو النبي المذكور في التوراة فلا ترد له راية، فلما انهزم المسلمون يوم أحد شكوا وارتابوا فخرج كعب بن الأشرف وهو كبير اليهود فحالف على رسول الله ﷺ فأمر رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة الأنصاري أن يقتل كعبا فقتله، وكان محمد بن مسلمة أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، ثم جاء النبي ﷺ على حمار خطامه من ليف، فأمرهم أن يخرجوا من البلاد، فقالوا: الموت أهون من ذلك، فاستمهلوا رسول الله ﷺ عشرة أيام فأمهلهم، ثم تنادوا بالحرب فدس المنافقون من يقول لليهود: إن أمركم محمد بالخروج من البلاد فلا تفعلوا، فإنا معكم ننصركم ونعينكم عليه، ولئن خرجتم لنخرجن معكم، فدربوا على الأزقة وحصنوها فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصر (٢٩٥ /أ) المنافقين لهم طلبوا الصلح فأبى عليهم رسول الله ﷺ إلا أن يخرجوا من البلاد، وهو الجلاء، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات ما يحمل جمل، فجلوا من البلاد إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام إلا بيتين وهما لأبي الحقيق وحيي بن أخطب؛ فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة من اليهود بالحيرة (^١).
واللام التي في قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ لام التأريخ (^٢) كما في قوله: ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ﴾
_________________
(١) ذكره بهذا السياق الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٩٨)، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٩٣) ونسبه لعبد الرزاق وعبد بن حميد، وأبو داود وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ.
(٢) هكذا سماها الفيروز أبادي في القاموس المحيط (١/ ١٤٩٧) فقال: بمعنى عند "كتبته لخمس خلون"، وتسمى لام التاريخ، وسماها السمين الحلبي في الدر المصون (٦/ ٢٩٢) لام التوقيت.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
﴿لِحَياتِي﴾ (^١) أي: في زمن حياتي، ومنه قولك: جئتك لوقت كذا؛ أي: أخرج الذين كفروا عند أول الحشر وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، وهذا أول حشرهم، والحشر الثاني إجلاء عمر أهل خيبر.
وقيل: آخر حشرهم يوم القيامة؛ لأن المحشر يكون بالشام.
وعن عكرمة: من شك أن المحشر يكون بالشام فليقرأ هذه الآية (^٢). وقيل: لأول حشر وقع معهم؛ فإنهم لم يقاتلوا قبل ذلك. ﴿ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ لقوة حصونهم وكثرة لعدد والآلات عندهم. ﴿وَظَنُّوا﴾ أن حصونهم تنجيهم من عذاب الله. ﴿فَأَتاهُمُ﴾ أمر ﴿اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ حتى خربوا ديارهم بأيديهم؛ فإنهم صالحوا على أن يحمل كل ثلاثة أبيات حمل جمل؛ فكانوا يجدون الخشبة الحسنة مدهونة فلا يسهل عليهم تخليتها للمسلمين، ولا يجدون ما يحملونها عليه، فيكسرها اليهودي صاحبها؛ حسدا للمسلمين أن ينالوها، ويكسرها المسلم إرغاما للكافر وهي معنى قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ هو قذف قلوبهم، وتمكين المسلمين من هدم بنيانهم، وأوقف المنافقين الذين حلفوا لليهود على نصرتهم؛ ألقى فى قلوبهم الجبن؛ فكفوا عن قتال المسلمين ونصرة اليهود، وهذا كله لم يكن في حسابهم. وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ﴾ أبلغ من قول القائل: وظنوا أن حصونهم تمنعهم؛ فإن ذلك الظن يضعف الحصون عن المنع، والذي في هذه الآية يدل على أنهم ظنوا في نفوسهم القدرة والقوة على دفع المسلمين. و﴿الرُّعْبَ﴾ الخوف الذي ترعد منه الفرائص. والقذف: الإلقاء بقوة، ومنه قيل للأسد إنه مقذف؛ أي: قذف باللحم قذفا، لتداخل أعضائه. والتخريب والإخراب:
الإفساد بالنقض، والخربة: الفساد كانوا يخربون بواطنها، والمسلمون ظواهرها؛ لما أراد الله (٢٩٥ /ب) من استئصال شأفتهم، وألا تبقى في المدينة لهم دار، ولا يوجد فيها منهم ديار.
وقيل: تخريب بيوتهم بأيدي المؤمنين أن المؤمنين كانوا هم السبب، والفعل ينسب إلى المتسبب فيه والمعين عليه؛ كقولك: ضرب الأمير اللص. ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ من نصر الله المؤمنين وتمكينهم من تخريب ديارهم. وقيل: وعد رسول الله ﷺ أن يملكهم الله بلاد
_________________
(١) سورة الفجر، الآية (٢٤).
(٢) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٩٢) لعبد بن حميد عن عكرمة، ونسبه في (٨/ ٨٩) للبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
الكفار وأموالهم وحصونهم وإراحة المسلمين من مجاورتهم.
﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)﴾
﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ وعوقبوا بالبعد عن ديارهم لما قنع لهم بالجلاء وكفى بالجلاء عن الأوطان عقوبة.
﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ بالقتل؛ كما فعل بإخوانهم بني قريظة؛ يعني: إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة. ﴿مِنْ لِينَةٍ﴾ بيان ل ﴿ما قَطَعْتُمْ﴾ ومحل ﴿ما﴾ نصب ب ﴿قَطَعْتُمْ﴾ والتقدير: أي شيء قطعتم، وأنث الضمير العائد على ﴿ما﴾ في قوله: ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوها﴾ لأنه في معنى اللينة، واللينة: النخلة، من الألوان التي هي ضروب النخل، ما خلا العجوة والبرنية، وهما من أجود النخيل، وياؤها منقلبة عن واو لانكسار ما قبلها؛ كثياب ومياه. وقيل: اللينة: الكريمة؛ كأنهم اشتقوها من اللين وجمعها لين.
وقرئ ﴿أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ (^١) أي: قطعها بإذن الله ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ ليذلهم ويغيظهم؛ فإنهم قالوا: إن محمدا كان ينهانا عن الفساد في الأرض، فما بال النخيل تقطع وهي لم تذنب، فنزلت هذه الآية (^٢). وفيها دليل على جواز الاجتهاد من رسول الله ﷺ فإنه نهاهم عن قطع النخيل، ثم أمر به وأذن فيه، واحتج به من يقول إن كل مجتهد مصيب (^٣).
_________________
(١) قرأ بها عبد الله بن مسعود والأعمش وزيد بن علي. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٩٤)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٠١).
(٢) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٩٧) للبيهقي في الدلائل عن مقاتل بن حيان.
(٣) قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (١٢/ ١٤): "اختلف العلماء في أن كل مجتهد مصيب أم المصيب واحد وهو من وافق الحكم الذي عند الله تعالى والآخر مخطئ لا إثم عليه لعذره، والأصح عند الشافعي وأصحابه أن المصيب واحد، وقد احتجت الطائفتان بهذا الحديث، وأما الأولون القائلون كل مجتهد مصيب فقالوا قد جعل للمجتهد أجر فلولا إصابته لم يكن له أجر. وأما الآخرون فقالوا: سماه مخطئا ولو كان مصيبا لم يسمه مخطئا وأما الأجر فإنه حصل له على تعبه في الاجتهاد. قال الأولون: إنما سماه مخطئا لأنه محمول على من أخطأ النص أو اجتهد فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد كالمجمع عليه وغيره. -
[ ٢ / ٤٥١ ]
﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾
قوله تعالى: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ أي: جعله خاصة له فيئا. وأوجفت الدواب إذا أسرعت في السير؛ لأن هذا الفيء ما عاد إليهم بقتال، بل حصل للمسلمين بغير تعب؛ فهو لرسول الله ﷺ يصرفه كيف يشاء، وأتى بالواو في الأولى؛ لأنها عاطفة لها على جملة سابقة تماثلها، وأتى في الثانية بغير واو؛ لأنها كالتفسير والشرح.
الدّولة والدّولة بمعنى واحد. وقيل: بضم الدال للشيء الذي يتداول؛ كاللقمة والغرفة.
والدّولة بالفتح: المصدر، والمعنى أن الله (٢٩٦ /أ) تعالى أمر أن يكون الفيء للمصالح، ولا يفعل فيه كما يفعل الظلمة في اختصاصهم بمال الفيء.
قوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ﴾ أي: وما أعطاكم ﴿فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقيل: إن قوله: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ﴾ عام في كل ما أمر به من القسمة وغيرها، وكذلك
_________________
(١) = وهذا الاختلاف إنما هو في الاجتهاد في الفروع فأما أصول التوحيد فالمصيب فيها واحد بإجماع من يعتد به ولم يخالف إلا عبد الله بن الحسن العنبري وداود الظاهري فصوبا المجتهدين في ذلك أيضا، قال العلماء: الظاهر أنهما أراد المجتهدين من المسلمين دون الكفار والله أعلم". وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٤٠٩):" والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد وخالف الجاحظ والعنبري وأما ما لا قطع فيه فقال الجمهور أيضا: المصيب واحد. وقد ذكر ذلك الشافعي وقرره ونقل عن الأشعري أن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تابع لظن المجتهد. وقال بعض الحنفية وبعض الشافعية: هو مصيب باجتهاده وإن لم يصب ما في نفس الأمر فهو مخطئ وله أجر واحد". قال الشوكاني في نيل الأوطار (٨/ ٥٤): والحق أن كل مجتهد مصيب من الصواب لا من الإصابة.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
﴿وَما نَهاكُمْ عَنْهُ﴾ وهذا القول أجود؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله:
﴿لِلْفُقَراءِ﴾ بدل من قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبى﴾ والمعطوف عليه، والذي منع الإبدال من ﴿فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ والمعطوف عليهما - وإن كان المعنى لرسول الله - أن الله أخرج رسوله من الفقراء في قوله: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وأنه يرتفع رسول الله ﷺ عن التسمية بالفقر، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ خلاف الواجب في تعظيم الله ﷿. قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ﴾ يعني:
الأنصار، والمعنى: تبوءوا الدار، وأخلصوا لله الإيمان؛ لأن الإيمان لا يتبوأ؛ وكقوله [من الرجز]:
علفتها تبنا وماء باردا (^١)
وقوله [من الوافر]:
وزجّجن الحواجب والعيونا (^٢)
أي: وكحلن العيون. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل المهاجرين. وقيل: من قبل هجرتهم. قوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ أي: طلب محتاج إليه مما استأثر به المهاجرون من الفيء وغيره. والخصاصة: الفقر والحاجة مأخوذ من خصاص الباب، وهي شقوقه، وكان رسول الله ﷺ قد قسم أموال بني النضير على المهاجرين. ولم يعط الأنصار شيئا إلا ثلاثة نفر؛ صحابيين: أبا دجانة سماك بن خرشة وسهل، والحارث بن الصمة، وقال للأنصار:" إن شئتم جمعنا أموالكم وهذه الغنيمة وقسمناها بينكم وبين المهاجرين، وإن شئتم أبقينا أموالكم لكم، وخصصنا هذه الغنيمة بالمهاجرين. فقالت الأنصار: بل نقسم لهم أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بهذه الغنيمة فلا نشاركهم فيها؛ فنزلت (^٣).
والشح: اللوم، وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع، كما قال [من الطويل]:
يمارس نفسا بين جنبيه كزّة إذا هم بالمعروف قالت له مهلا (^٤)
_________________
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الذاريات.
(٢) عجز بيت وصدره: إذا ما الغانيات برزن يوما، ينظر في: تفسير الطبري (٢٧/ ١٧٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٣٩٠)، غريب الحديث للخطابي (١/ ٣٣٠)، لسان العرب (زجج).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٨/ ٤١).
(٤) ينظر البيت في: الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٠٥)، فيض القدير للمناوي (٥/ ٤٦٥) وهو في وصف رجل بخيل، وكزة: شحيحة منقبضة عن فعل الخير، إذا غلبها وأراد المعروف دعته إلى البخل وحجبته عن البذل فكأنها قالت له: أمهل فيطاوعها.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وأضيف إلى النفس؛ لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو المنع نفسه، ومنه قوله تعالى:
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (^١) (٢٩٦ /ب) ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ ومن غلب نفسه على هواها فلم يطعها في المنع فذلك هو المفلح.
﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١)﴾
﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف على المهاجرين، وهم الذين هاجروا من بعد المهاجرين الأولين قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا﴾ الآية. وقيل: هم التابعون بإحسان. ﴿غِلاًّ﴾ الغل والغمر والحقد [بمعنى] (^٢). ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ﴾ حالفوهم على قتال المشركين معهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ الآيات، وقد استنبط من هذه الآية معنى حسن وهو أن من فعل فعلا أو قال قولا وهو يعتقد بطلانه فكان صحيحا وانتفع به المسلمون يكون عاصيا بذلك.
وإن هؤلاء المنافقين وعدوا اليهود النصرة، وغشوهم في ذلك، فلما رأوا أنهم مغلوبون خذلوهم، وقصدوا بذلك الخذلان تخليصهم من عهدة اليمين، ولم يقصدوا نفع المسلمين فانتفع المسلمون بذلك الخذلان، وذم الله تعالى الكفار عليه. قوله: ﴿وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أي: في ترك نصرتكم، أو ترك خذلانهم. ﴿أَحَدًا أَبَدًا﴾ الآيات.
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (١٧)﴾
_________________
(١) سورة النساء، الآية (١٢٨).
(٢) ما بين المعقوفين ليس بالأصل وأضيف لإتمام المعنى والسياق. وقرئ "غمرا" بدل "غلا" كما في الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٠٦).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
قوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أي: على طريق الفرض والتقدير بعد قوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ الآية - فيه دليل على أن الله تعالى يعلم ما لا يكون؛ أن لو كان كيف يكون. قوله:
﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ﴾ أي: المنافقون يولون مدبرين واليهود المحاربون أيضا منهزمون. قوله:
﴿رَهْبَةً﴾ مصدر للفعل المبني على ما لم يسم فاعله؛ كأنه قيل: لأنتم أشد مرهوبية. قوله:
﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ تلويح بنفاقهم؛ لأنهم يظهرون أنهم يخافون الله، وأنتم في صدورهم أهيب من خوف الله. فإن قيل: فيه دليل على أنهم كانوا يخافون الله، ولكن خوفهم منكم أشد، فجوابه: أن الخوف الذي يظهرونه من الله أضعف من الخوف الذي يخافونه منكم. ﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يعلمون قدرة الله وعظمته حتى يخشوه حق خشيته. ﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾ لا يقدرون على مقاتلتكم. ﴿جَمِيعًا﴾ مجتمعين يعني: اليهود والمنافقين، إلا كائنين ﴿فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ﴾ بالخنادق والدروب ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ يعني: إذا اقتتل بعضهم مع بعض ظهرت الجلادة والقوة، فإذا قاتلوكم حصل الرعب في قلوبهم. ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ متفرقة، يعني: أن بينهم إحنا وعداوة فلا يتعاضدون حق (٢٩٧ /أ) التعاضد، وهذا تشجيع لقلوب المؤمنين وحث على قتالهم.
﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أن تشتيت القلوب يوقع الوهن وقلة الثبات. ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ أي: مثلهم كمثل أهل بدر في زمان قريب. فإن قلت: بم انتصب ﴿قَرِيبًا؟﴾
قلت: ب ﴿كَمَثَلِ﴾ على كوجود مثل أهل بدر. ﴿وَبالَ أَمْرِهِمْ﴾ سوء عاقبته، بمعنى:
ذاقوا عذاب القتل في الدنيا ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة عذاب النار. مثّل المنافقين في إغرائهم اليهود وخذلانهم إياهم وقت الحاجة بحال الشيطان ﴿إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ﴾ ثم تبرأ منه عند الحاجة، والمراد به قوله لقريش يوم بدر: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ الآية (^١) وقرئ: "خالدان فيها" (^٢) على أنه خبر إنّ.
كرر الأمر بالتقوى إما توكيدا، وإما لأن الأول في أداء الطاعات، والثاني في اجتناب المعاصي، والسياق يدل عليه.
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية (٤٨).
(٢) قرأ بها ابن مسعود والأعمش وزيد بن علي وابن أبي عبلة. ينظر: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٩٩)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٠٧).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾
﴿لِغَدٍ﴾ لأقرب الأيام إليك، ما زال يقرب أمر الساعة حتى جعلها غدا كأن الدنيا والآخرة يومان يوم وغد، وأمّا قوله: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾ نكرة، فلقلة الناظرين فيما عملوه وقدموه للآخرة، وأما تنكير الغد فلتعظيم أمره، وأنه يوم لا يقدر قدره. وقيل: مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا؛ ربحنا ما قدمنا، خسرنا ما خلفنا. ﴿فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ فأهملوها إهمال الناسي؛ فلا ينظرون فيما قدموه ليوم القيامة، أو رأوا من أهوال الساعة ما نسوا به أمر الدنيا، جعلهم كالناسين فلا يدرون الفرق بين أهل الجنة وأهل النار. وقد استدل أصحاب الشافعي على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكفار إذا غلبوا على أموال المسلمين لم يملكوها، والغرض تقريع الإنسان على قلة تحفظه، وقلة نظره لنفسه (^١). الغيب: المعدوم، والشهادة: الموجود المدرك؛ كأنه يشاهده. وقيل: ما غاب عن العباد وما شاهدوه. وقيل:
السر والعلانية، القدوس: بالضم والفتح، وقد قرئ بهما (^٢) البليغ في النزاهة عما يستقبح.
ونظيره: السبوح والسلام بمعنى السلامة، وبه سميت الجنة دار السلام؛ بليغ في السلامة من الظلم، أو: في كونه سليما من النقائص، أو: في إعطائه السلامة، وقرئ: "المؤمن" بفتح الميم (^٣). بمعنى: المؤمن به على حذف الجار. والمهيمن: الرقيب على كل شيء الحافظ له،
_________________
(١) ينظر: الأم للإمام الشافعي (٦/ ٢٥)، الوسيط لأبي حامد الغزالي (٦/ ٢٧٣)، روضة الطالبين للنووي (٢٩٤، ١٠/ ٢٩٣)، التنبيه للشيرازي (ص: ٢٣٥).
(٢) قرأ بالفتح أبو ذر وأبو السمأل وقرأ الباقون بالضم. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٣٠٠)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٠٩).
(٣) قرأ بها أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين. وقيل: ابن القعقاع. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٣٠٠)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٠٩).
[ ٢ / ٤٥٦ ]
مفيعل من الأمن؛ إلا أن همزته قلبت هاء. والجبار: أجبر خلقه على ما أراد.
والمتكبر: البليغ الكبرياء والعظمة. وقيل: المتكبر عن ظلم العباد، والخالق: المقدر لما يريده، والبارئ: المميز بعضه من بعض بالأشكال المختلفة (٢٩٧ /ب) والمصور: الممثل الذي يخلق المصورات. وعن أبي هريرة ﵁: سألت رسول الله ﷺ عن اسم الله الأعظم فقال: "عليك بآخر سورة الحشر؛ فأعدت عليه فأعاد عليّ، فأعدت عليه فأعاد" (^١).
***
_________________
(١) ذكره بهذا السياق الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٤٤٢) وقال: رواه الثعلبي، وذكر نحوه عن ابن عباس ونسبه للواحدي في تفسيره الوسيط، وهو ما ذكر السيوطي في الدر المنثور (٨/ ١٢٣) ونسبه للديلمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "اسم الله الأعظم في ستة آيات من آخر سورة الحشر".
[ ٢ / ٤٥٧ ]