﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾
﴿وَالْكِتابِ﴾ الواو فيه واو القسم إن جعلت ﴿حم﴾ تعديدا للحروف، أو اسما للسورة مرفوعا على خبر الابتداء المحذوف، وواو العطف إن كانت ﴿حم﴾ مقسما بها.
وقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ جواب القسم و﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ القرآن، والليلة المباركة:
ليلة القدر. وقيل: ليلة النصف من شعبان، ولها أسماء أربعة: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة. وقيل: بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة. وقيل في تسميتها ليلة البراءة وليلة الصك: إن البذّار إذا استوفى خراجه (٢٥٣ /ب) من أهله كتب لهم البراءة؛ كذلك الله تعالى يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة، وقيل: هي مختصة بخمس خصال: تفريق كل أمر حكيم، وفضيلة العبادة فيها، ونزول الرحمة؛ قال ﵇: "إن الله يرحم من أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب" (^١).
﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾
وحصول المغفرة؛ قال ﵇: "إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا المتشاجر أو مدمن خمر أو عاق الوالدين أو مصر على الزنا" (^٢) وما أعطي فيها رسول الله ﷺ من تمام الشفاعة؛ وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته؛ فأعطي الثلث منها، ثم سأل في الليلة الرابعة عشر فأعطي الثلثين، ثم سأل في الليلة الخامسة عشر فأعطي الجميع إلا من شرد عن الله شراد البعير (^٣). ومن عادة الله أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة. والقول الأكثر أن المراد بالليلة المباركة: ليلة القدر لقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (^٤) ولمطابقة قوله: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ لقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ﴾
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٧٣٩)، وابن ماجه رقم (١٣٨٩)، وأحمد في المسند (٦/ ٢٣٨) عن عائشة ﵂.
(٢) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٤) ونسبه للبيهقي في شعب الإيمان بنحوه، وقال الزيلعي: غريب بهذا اللفظ.
(٣) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٦) وقال: غريب.
(٤) سورة القدر، الآية (١).
[ ٢ / ٣١٣ ]
﴿رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (^١) وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (^٢) وليلة القدر في أكثر الأقوال في رمضان ومعنى إنزال القرآن في هذه الليلة أنه أمر بإنزاله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا؛ فكان جبريل ينزله من بيت العزة على رسول الله ﷺ نجوما مقسما مفرقا.
فإن قلت: قوله: ﴿إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ما موقع هاتين الجملتين؟ قلت:
هما جملتان مستأنفتان فسر بهما جواب القسم، وإنزاله في هذه الليلة تفضيل لها، والمباركة:
الكثيرة الخير، ومعنى ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل ويكتب كل أمر محكم من أرزاق العباد وآجالهم.
وقيل: يكتب ما يكون في كل سنة من اللوح المحفوظ فيدفع إلى ميكائيل أوراق الأرزاق، وإلى جبريل أوراق الحروب والزلازل والصواعق والخسف، وإلى كل ملك ما يغدق به وعن بعضهم: يعطى كل عامل بركة عمله، فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وفي قلوبهم وده.
ووصف الأمر بالحكيم مجاز، وحقيقة الحكيم: الحاكم، والحكيم هاهنا بمعنى: المحكم.
﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾
﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا﴾ نصب على الاختصاص، وفيه زيادة تعظيم لهذا الأمر. ويجوز أن يراد به الأمر الذي في مقابلة النهي، ويكون حالا من أحد الضميرين في "أنزلناه" إما من الفاعل؛ أي: أنزلناه أمرا، أو من المفعول؛ أي: أنزلناه مأمورا به ويجوز أن يكون تعليلا ل "يفرق" ولقوله: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا﴾ أو ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول به، ووصف الرحمة (٢٥٤ /أ) بالإرسال موجود في قوله: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية (^٣) وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ عوض قوله (مّنّا) فوضع الظاهر موضع المضمر.
قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ يريد أن من شأننا إرسال الرسل؛ ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٤) ورد قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ بقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾. ﴿يَوْمَ﴾
_________________
(١) سورة القدر، الآية (٤).
(٢) سورة البقرة، الآية (١٨٥).
(٣) سورة فاطر، الآية (٢).
(٤) سورة الإسراء، الآية (١٥).
[ ٢ / ٣١٤ ]
مفعول به وليس بظرف؛ لأن اليوم مرتقب، وليس بمرتقب فيه. واختلف في الدخان؛ فقيل: هو دخان يأتي قبل يوم القيامة يدخل في مسام الكفار حتى تكون رأس كل كافر كرأس الحنيذ (^١)، ويعتري المؤمن منه مثل الزكام، وتكون الأرض كبيت أوقد فيه، وليس فيه مكان يخرج الدخان منه. وعن النبي ﷺ: "أول الآيات الدخان، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر. قال حذيفة: يا رسول الله، ما الدخان؟ فتلا الآية وقال: يملأ ما بين المشرق والمغرب ويمكث أربعين يوما وليلة" (^٢).وقيل: هو دخان يأتي يوم القيامة فبلغ ابن مسعود فقال: "من علم شيئا فليقل، ومن لم يعلم شيئا فليقل: الله أعلم". إن قريشا امتنعوا من طاعة رسول الله ﷺ فدعا عليهم النبي ﷺ بسنين كسني يوسف فقحطوا حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل منهم يحدثك فتسمع صوته ولا ترى شخصه من كثرة الدخان " (^٣).وعن ابن مسعود:" خمس قد مضين: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام " (^٤).
﴿يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾
﴿يَغْشَى النّاسَ﴾ هو في محل جر صفة للدخان، وقوله: هذا عذاب ﴿هذا عَذابٌ﴾ إلى قوله: ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ نصب بفعل محذوف، أي: يغشى الناس وهم يقولون. ﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٥/ ١١٣)، عن ابن عمر ﵂. والحنيذ: المشوي.
(٢) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٦) ونسبه للطبراني.
(٣) رواه البخاري رقم (٤٨٢٥)، ومسلم رقم (٢٧٩٨) عن ابن مسعود ﵁.
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢٥/ ١١٢)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٨٧) لابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود ﵁. واللزام: فسر بأنه يوم بدر، وهو في اللغة: الملازمة للشيء والدوام عليه، وهو أيضا الفصل في القضية، واللزام: الموت. ينظر: لسان العرب (لزم).
[ ٢ / ٣١٥ ]
من أين يحصل لهم التذكر ﴿وَقَدْ جاءَهُمْ﴾ ما هو أشد وأقطع في وجوب الادّكار من كشف الدخان وهو معجزات رسول الله ﷺ فلم يتذكروا، و﴿تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ﴾ أي: علّمه عدّاس غلام لثقيف. ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا﴾ فبمجرد كشفه يرجعون إلى ما هم عليه؛ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (^١) فإن قيل: من جعل الدخان قبل يوم القيامة؛ كيف يجتمع معه ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ؟﴾ قلنا: إذا جاء الدخان ضج المؤمنون والكافرون وسألوا (٢٥٤ /ب) الله الرحمة والعفو فيكشف عنهم فيعودون لما كانوا عليه. ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرى﴾ هي يوم القيامة كقوله: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ (^٢) وانتصب ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ بفعل دل عليه ﴿إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿فَتَنّا﴾ بكثرة الأموال والأولاد ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ هو موسى ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ﴾ لأن موسى جاء إلى فرعون بأن يرسل معه بني إسرائيل ولا يعذبهم، فلم يطع لذلك. ﴿كَرِيمٌ﴾ على الله وعلى عباده المؤمنين؛ أو: كريم في نفسه؛ أي: شريف؛ إن الله لم يبعث نبيّا إلا من سراة قومه. ﴿أَنْ أَدُّوا﴾ هي المفسرة؛ لأن إتيان الرسول في معنى القول، أو: المخففة من الثقيلة؛ أي: بأن الشأن والحديث ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ﴾ وهم بنو إسرائيل، ويجوز أن يكون (بني إسرائيل) منادى، والتقدير: أن أدوا إلي، ويوقف عليه، ويستفتح ﴿عِبادَ اللهِ﴾ من اتباع سبيلي وقبول دعوتي، ثم علل ذلك بكونه رسولا أمينا. قوله: ﴿أَمِينٌ﴾ أي: ائتمنه الله على وحيه ورسالته. ﴿لا تَعْلُوا﴾ فيه الوجهان، أي: لا تجترئوا على الله باستكباركم على نبيه. ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ تقتلون. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ أي: فليس بيني وبينكم اتصال وسأهجركم في الله ﴿فَدَعا﴾ موسى ﴿رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ قيل: كان من دعائه: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الآيتين (^٣).
﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى﴾
_________________
(١) سورة الزخرف، الآية (٥٠).
(٢) سورة النازعات، الآية (٣٤).
(٣) سورة يونس، الآية (٨٥).
[ ٢ / ٣١٦ ]
﴿الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤)﴾
﴿فَأَسْرِ﴾ أي: احملهم على السّرى معي فقد دبر الله هلاك فرعون بأن ينجو المتقدمون ويغرق الآخرون. الرهو: الساكن؛ أي: يغرقهم البحر ثم يبقى ساكنا غير مضطرب.
وقيل: الرهو: الفجوة الواسعة، تقديره: اتركه على حاله غير مضطرب.
قوله: ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ المنازل والمجالس. وقيل: المنابر. والنّعمة بالفتح: من التنعم، وبالكسر: من الإنعام. ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف في موضع نصب، أي: مثل الإخراج أخرجناهم منها ﴿وَأَوْرَثْناها﴾ أو في موضع الرفع تقديره: الأمر كذلك. ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ هم بنو إسرائيل كانوا يستضعفون، فأورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها. كانوا إذا مات رجل كبير منهم قالوا: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس، وفي الحديث:" ما من مؤمن يموت في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض يبكي عليه (٢٥٥ /أ) مصعد عمله في السماء وموضع سجوده في الأرض " (^١).
﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من العذاب المهين؛ فإن فرعون كان عذابا مهينا في نفسه لإفراطه في التعذيب، ويجوز المعنى: من العذاب المهين واقعا من جهة فرعون. ﴿إِنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ كقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢) الضمير في ﴿اِخْتَرْناهُمْ﴾ لبني إسرائيل ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ منا بأهليتهم. ﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا﴾ أي: امتحان؛ لأن الله يبلو بالنعم كما يبلو بالمصائب؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (^٣).
﴿إِنَّ هؤُلاءِ *﴾ إشارة إلى كفار قريش. فإن قيل: ما معنى: ﴿مَوْتَتُنَا الْأُولى﴾ وكان النزاع في حياة ثانية وموتة ثانية؟ وما معنى ذكر الأولى في صفة الموتة؛ كأنهم وعدوا موتة أخرى فجحدوها؟ قلنا: تقدير كلام المسلمين للكفار: إنكم تموتون هذه الموتة في الدنيا، ثم يتعقبها حياة فأنكروها وهو قوله ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (^٤)
_________________
(١) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٨) ونسبه للبيهقي في شعب الإيمان والطبراني.
(٢) سورة القصص، الآية (٤).
(٣) سورة الأنبياء، الآية (٣٥).
(٤) سورة البقرة، الآية (٢٨).
[ ٢ / ٣١٧ ]
كأنهم أجابوا: ليست هذه الموتة التي تتعقّبها حياة، أي لا موت إلا الموتة التي متناها في الدنيا.
﴿إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣)﴾
﴿بِمُنْشَرِينَ﴾ بمبعوثين ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ (^١) ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ (^٢) أي: يحيون الموتى. ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ من كلام الكفار للمؤمنين أي:
قالوا: إن كنتم تدعون حياة أخرى فأحيوا آباءنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾. وقيل: كانوا يلتمسون أن يحيي الله قصي بن كلاب ليشاوروه، وكان شيخا كبيرا من أكابرهم، وكان يستشار في معاظم الأمور. ﴿أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تبع الحميري، هو ملك.
قالت عائشة:" ذم الله قومه ولم يذمه؛ حير الحيرة، وبني سمرقند (^٣). وقيل: كان إذا كتب كتب: باسم الذي ملك برّا وبحرا " (^٤).وروي أنه ﷺ قال:" لا تسبوا تبعا؛ فإنه كان قد أسلم " (^٥).فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ولا خير في الفريقين؟!
قلنا: معناه: أهم خير في القوة والمنعة؛ كقوله: بعد ذكر آل فرعون: ﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ﴾
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٥٩) وهذا على قراءة الراء؛ فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو" ننشرها "وقرأ عاصم في رواية أبان عنه" ننشرها "، وقرأ الباقون" ننشزها "بالزاي. ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٣١٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٦٢٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ١٨٩).
(٢) سورة الأنبياء، الآية (٢١).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٥/ ١٢٨)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٤١٥)، ونسبه للحاكم وصححه عن عائشة ﵂. وروي عن كعب ﵁ أيضا بنحوه.
(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧٥٠)، ونسبه للحاكم وصححه.
(٥) رواه أحمد في المسند (٥/ ٣٤٠)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٠٣)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧٤٩) لابن مردويه.
[ ٢ / ٣١٨ ]
﴿أُولئِكُمْ﴾ (^١) ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ أي: بين الجانبين ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى﴾ أي مولى كان من قرابة في النسب أو غيرها. ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ينجون من العذاب. ﴿مَنْ رَحِمَ اللهُ﴾ في موضع رفع على البدل من الواو في ﴿يُنْصَرُونَ﴾ ويجوز أن يكون منصوبا على الاستثناء. وروي أن أبا جهل أحضر زبدا وتمرا وقال للجماعة: كلوا؛ فإن هذا الزقوم الذي يهددكم به محمد؛ فنزلت ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ (^٢) (٢٥٥ /ب).
﴿طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾
و﴿الْأَثِيمِ﴾ الفاعل للإثم، وعن أبي الدرداء:" أنه كان يقرئ رجلا فكان يقول:
طعام اليتيم، فلما أكثر من ذلك قال له: قل: طعام الفاجر " (^٣). ﴿كَالْمُهْلِ﴾ هو دردي الزيت (^٤). وقيل: هو ما أذيب من النحاس والفضة، والكاف في قوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ خبر بعد خبر. يقال للزبانية: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ اجذبوه بقوة وهوان ﴿إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ أي:
وسطها، والمصبوب هو الحميم نفسه لا عذابه، لكن إذا صب عليهم الحميم فقد صب عذابه، وصب العذاب مستعار وصب الحميم حقيقة؛ كقوله [من البسيط]:
صبّت عليه صروف الدّهر من صبب (^٥)
_________________
(١) سورة القمر، الآية (٤٣).
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧٥٢) ونسبه لسعيد بن منصور.
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧٥٢) ونسبه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير الطبري وابن المنذر والحاكم وصححه.
(٤) دردي الزيت وغيره: ما يبقى في أسفله، والدردي: الخميرة التي تترك على العصير والنبيذ ليتخمر، وأصله ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان. ينظر: لسان العرب (درد)
(٥) هذا عجز بيت وصدره: كم امرئ كان ذا خفض وذا دعة ينظر في الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٨٢) وللبحتري بيت يشبهه: والمرء لو كانت الشّعرى له وطنا حطّت عليه صروف الدّهر من صبب
[ ٢ / ٣١٩ ]
وكقوله: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ (^١) ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ في قومك ﴿الْكَرِيمُ﴾ على عشيرتك؛ استهزاءا واستهانة. وحكي أن أبا جهل قال لرسول الله ﷺ: ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فو الله ما تستطيع أن تفعل أنت ولا ربك شيئا (^٢). ﴿إِنَّ هذا﴾ العذاب أو هذا الأمر ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ تشكون. المقام - بالفتح -: هو موضع القيام، وبالضم: موضع الإقامة، ووصف المكان بالأمين استعارة؛ لأن من أقام فيه لا يخاف. السندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه، ومعنى كونها عجمية وهي في الكتاب العربي أنها إذا عربت فيه خرجت عن أن تكون عجمية. ﴿كَذلِكَ﴾ أي: الأمر كذلك، أو منصوب على مثل ذلك. ﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾ قرناهم، وقرأ عكرمة ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ على الإضافة (^٣) يعني: من الصنف الذين هم حور العين، والأحور: شديد بياض العين، والعين: الواسعة العين.
فإن قيل: كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه قبلها؟ قلنا: لأنه أريد به: لا يذوقون فيها الموت البتة، إلا إن كنت تعد الموتة الأولى واقعة في الثانية؛ فهم يذوقون فيها الموت، وهو من باب التعليق بالمحال.
﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾
﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ عطاء من ربك، وقرئ" فضل " (^٤) أي: ذلك فضل ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ﴾ يعني: هذه السورة وضعناها، ومعناها: ذكرهم بالكتاب المبين ﴿يَسَّرْناهُ﴾ أي: سهلناه حيث أنزلناه عربيا ﴿بِلِسانِكَ﴾ بلغتك؛ إرادة أن يفهمه قومك فيتذكروا ﴿فَارْتَقِبْ﴾ انتظر ما يحل بهم. ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ ما يحل بك.
***
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٥٠).
(٢) ذكره الواحدي في تفسيره (٢/ ٩٨٦)، وأبو السعود في تفسيره (٨/ ٦٥).
(٣) تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١١٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٣٥)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٦١).
(٤) تنظر في: الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٣٥).
[ ٢ / ٣٢٠ ]