﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالذّارِياتِ ذَرْوًا (١) فَالْحامِلاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجارِياتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾
﴿وَالذّارِياتِ﴾ الرياح؛ لأنها تذرو التراب والهشيم، ومنه: ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ (^١).
﴿فَالْحامِلاتِ وِقْرًا﴾ السحاب تحمل المطر. ﴿فَالْجارِياتِ يُسْرًا﴾ المراكب تجري جريا ذا يسر.
﴿فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا﴾ الملائكة؛ لأنها تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة به. وقيل: متولي الانتقام من الكفار جبريل، وميكائيل للرحمة، وملك الموت لقبض الأرواح، وإسرافيل للنفخ. وقد قيل: المقسمات: الكواكب السبعة السيارة. ويجوز أن يراد الرياح لا غير؛ لأنها تقسم السحاب وتقله وتحمله وتجري في الجو جريا سهلا وتقسم الأمطار بتصريف السحاب. وأما دخول الفاء فعلى القول الأول جاء للتعقيب أقسم بالرياح فبالسحاب فبالفلك التي تجريها بهبوبها، فبالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر ومنافعه. وعلى القول الأول: الرياح تذرو التراب في أول أمرها فتجري في الجو باسطة له فتقسم المطر. ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ﴾ " ما "مصدرية أو موصولة. ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ الجزاء ﴿لَواقِعٌ﴾. ﴿الْحُبُكِ﴾ الطرائق، مثل حبك الرمل، ولا ندركها لبعد المسافة، والدرع محبوكة لأن خلقها مطرق طرائق، ويقال: إن خلقة السماء كذلك. ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ في أمر الرسول ﷺ فقائل: هو كاهن، وقائل: شاعر، وقائل: كذاب.
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)﴾
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ الضمير في ﴿عَنْهُ﴾ للقرآن أو الرسول، أي: يصرف عنه الصرف الذي لا شيء أعظم منه، أو: يؤفك عن الإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك، ويجوز أن يرجع الضمير
_________________
(١) سورة الكهف، الآية (٤٥).
[ ٢ / ٣٨١ ]
إلى قوله: ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ و﴿عَنْهُ﴾ مثلها في قوله: ينهون عن أكل وعن شرب؛ أي: يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب؛ أي: يؤفك عنه من هو مصروف عن الحق، وكانت القبائل من العرب تبعث إلى مكة؛ يقولون: اكشف لنا أخبار محمد، فيأتي مكة فتقول له قريش:
احذره فإنه مجنون.
﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ﴾ الكذابون، دعاء عليهم؛ كقوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ (^١) وأصله الدعاء بالقتل والهلاك ثم جرى مجرى لعن وقبح، و﴿الْخَرّاصُونَ﴾ الكذابون المقدرون ما لا يصح، واللام إشارة إليهم؛ كأنه قيل: هؤلاء الخراصون.
﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ في جهل يغمرهم ﴿ساهُونَ﴾ غافلون عما أمروا به. ﴿يَسْئَلُونَ﴾ متى ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ وأضاف ﴿أَيّانَ﴾ إلى يوم مع أن (٢٧٥ /أ) الظروف أدعية للحوادث لا للأزمنة لأن التقدير: يسألون أيان وقوع يوم الدين، وينتصب قوله: ﴿يَوْمَ﴾ بفعل مضمر تقديره: يقع ذلك ﴿يَوْمَ هُمْ﴾ ويجوز أن يكون مفتوحا؛ لإضافته لغير متمكن.
﴿يُفْتَنُونَ﴾ يحرقون ويعذبون، فتنت الذهب في النار: إذا أحرقته لتعلم جودته أو رداءته، ومنه الفتين وهي الأرض ذات الحجارة السود؛ فإنها شبيهة بالمحرقة. ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ في محل الحال؛ أي: مقولا لهم هذا القول. ﴿هذَا﴾ مبتدأ و﴿الَّذِي﴾ وصلته خبر أي: هذا العذاب ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ويجوز أن يكون" هذا "بدلا من" فتنتكم "أي: ذوقوا هذا العذاب. ﴿آخِذِينَ ما آتاهُمْ﴾ قابلين لكل ما أعطاهم راضين به، ويجوز ارتفاعه على الفاعلية، وفيه مبالغات.
﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾
لفظ الهجوع، وهو السّنة اللطيفة؛ قال الشاعر [من السريع]:
قد حصّت البيضة رأسي فما أطعم نوما غير تهجاع (^٢)
_________________
(١) سورة عبس، الآية (١٧).
(٢) البيت لأبي قيس بن الأسلت، ينظر في: غريب الحديث لابن سلام (٤/ ٢٧١)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٣٩٨)، لسان العرب (هجع) وحصت: حلقت شعر رأسي، والبيضة: الخوذة التي تلبس على الرأس في الحرب، والتهجاع: النومة الخفيفة.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وقوله: ﴿قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ لأن الليل وقت السبات والراحة وكانوا يحيون الليل بالأعمال الصالحة؛ فإذا جاء السحر استغفروا كأنهم مذنبين، وقوله: ﴿هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: هم أحقاء بالاستغفار الصادر عن صحة النية، وكأنهم المختصون به لاستدامتهم له، وقال قائل في: ﴿ما يَهْجَعُونَ﴾ ما: نافية، ومعناه: لا ينامون قليلا ولا كثيرا، وهو غلط؛ لأن ما بعد" ما "لا يعمل فيما قبلها؛ تقول: زيدا لم أضرب، ولا تقول: زيدا ما ضربت. السائل: هو المصرح بالسؤال، والمحروم: الذي يحسب لتعففه غنيا، فيحرم الصدقة لتعففه، وعن النبي ﷺ:" ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فمن هو؟ قال: الذي لا يجد ولا يفطن له فيتصدق عليه " (^١).
وقيل: المحارف الذي لا يهتدي للتجارة.
﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ﴾ دالة على قدرة الله تعالى ورحمته حيث هي مدحوّة كالبساط لما فوقها؛ كما قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ (^٢) وفيها المسالك والفجاج لمن يتقلب فيها وهي مجزأة من سهل وجبل وبر وبحر وقطع متجاورات من صلبة ورخوة، وهي الطروقة تلقح بألوان النبات والثمر المختلفة الألوان والطعوم والروائح ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ الآية (^٣) وما فيها من العيون المفجرة، والمعادن المختلفة والدواب (٢٧٥ /ب) المنبثة في برها وبحرها.
﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾ الموحدين، فهم ناظرون بعين الاعتبار؛ كلما أرادوا آية عرفوا وجه تأملها فازدادوا إيمانا مع إيمانهم، وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع الخلق ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب وما ركب فيها من العقول وحفت به وبالألسن، وبالنطق، ومخارج الحروف، والأسماع، والأبصار، والأطراف، وسائر الجوارح وتأتيها لما خلقت له، وما سوّي في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني؛ فإنه لو يبس واحد منها لعجزوا، وإذا استرخى أناخ الذل فبان أنه أحسن الخالقين.
﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٢٣٩١)، وأبو داود رقم (١٦٣١) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) سورة طه، الآية (٥٣).
(٣) سورة الرعد، الآية (٤).
[ ٢ / ٣٨٣ ]
﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ يعني المطر؛ لأنه سبب الأقوات. وعن سعيد بن جبير: هو الثلج (^١).
وعن الحسن: أنه كان إذا رأى السحاب قال فيه: والله رزقكم، ولكنكم تحرمونه بخطاياكم (^٢). ﴿وَما تُوعَدُونَ﴾ هي الجنة؛ لأنها فوق السماء السابعة وتحت العرش، أو أراد أن الأرزاق في السماء والأرض إنما هي بأمر الله وتقديره.
﴿مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ من فتحه فبالإضافة إلى غير متمكن، ومن ضمه فهو نعت ل " حق " (^٣) وهو كقول الناس: إنه حق مثل ما أنك ترى وتسمع، والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ يرجع إلى الآيات المذكورة والرزق. وعن بعض العرب أنه سمع قارئا يقرأ: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ﴾ فنحر ناقته وفرقها على الفقراء، ثم لقيه ذلك القارئ فقال: هل معك من ذلك الذي تلوته شيء؟ فقال: نعم، وتلا عليه الآية: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ فصاح وقال: من أغضب الكريم حتى فعل؟! ثم صرخ صرخة فخرجت فيها روحه، رحمة الله عليه (^٤).
﴿هَلْ أَتاكَ﴾ تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من جهة ما يأتي به رسول الله ﷺ وإنما هو بلاغ من الله ورسالاته. والضيف: يقع للواحد والجمع. وقيل: كانوا اثني عشر ملكا وقيل: تسعة عاشرهم جبريل. وقيل: ثلاثة جبريل وميكائيل وملك معهما، وجعلهم ضيفا لأنهم كانوا في صورة الضيف، وإكرامهم أن إبراهيم خدمهم بنفسه وأخدمهم زوجته وعجل لهم القرى، أو سماهم مكرمين لأنهم كرام على الله ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (^٥).
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٢٠٥).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٢٠٥)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٠١) لأبي الشيخ عن الحسن ﵀.
(٣) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بالرفع" مثل "وقرأ الباقون بالنصب" مثل". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٣٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٨٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦٠٨)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٠٠).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٠٠).
(٥) سورة الأنبياء، الآية (٢٦).
[ ٢ / ٣٨٤ ]
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾
﴿إِذْ دَخَلُوا﴾ متعلق بما في الضيف من معنى الفعل.
﴿سَلامٌ﴾ تقديره: سلمنا سلاما، وأما ﴿سَلامٌ﴾ فتقديره: عليكم سلام، والرفع أمدح؛ لأنه يدل على دوام السلامة لهم (٢٧٦ /أ) بخلاف الفعل الماضي في قوله: سلمنا؛ فإن الفعل الماضي لا يدل على التكرر بخلاف المضارع.
قوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي: ليسوا على هيئة القوم الذين نعرفهم، أو لأنه توهم فيهم ما دله على ذلك، أو رأى لهم حالا وشكلا غير الحالة التي عهدها. ﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ﴾ فذهب إليهم في خفية، ومن أدب المضيف أن يخفي ما يريد أن يضيفه للضيف، وأن يبادر بالقرى من غير أن يشعر الضيف به؛ وحذرا من أن يكفه ويعذره. قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم البقر (^١) والهمزة في ﴿إِلاّ﴾ إنكار عليهم؛ حيث لم يأكلوا طعامه ولما لم يتحرموا بطعامه ظن أنهم يريدون به سوءا؛ ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ أي: يبلغ، وعن الحسن: نبي (^٢) والمبشر به إسحاق ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ:﴾ في جماعة. وقيل: في صرخة.
﴿فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ المرأة التي لا تحبل، وأصله: الرملة العقيم أو العاقر؛ فإنها لا تنبت، وصر القلم أي: صوت، ومحله النصب، أي: صارخة؛ قال الحسن: أقبلت إلى بيتها، وكانت في زاوية تنظر إليهم؛ لأنها وجدت حرارة الدم فلطمت وجهها من الحياء (^٣). وقيل:
فأخذت في صرة؛ كقولك: عذلته فأقبل يلومني. وقيل: صرتها: قولها: ﴿يا وَيْلَتى﴾ (^٤) وعن عكرمة: رنتها (^٥).
﴿فَصَكَّتْ﴾ فلطمت تبسط يديها. وقيل: ضربت بأطراف أصابعها جبهتها؛ فعلا للتعجب ﴿عَجُوزٌ﴾ أنا ﴿عَقِيمٌ﴾ فكيف ألد؟! ﴿كَذلِكَ﴾ مثل قولنا ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ أي: هذا
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٢٠) ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٠٢).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٠٢).
(٤) سورة هود، الآية (٧٢).
(٥) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٢٠٩) عن قتادة، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٣٧) وقال: قاله ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة وأبو صالح والضحاك وزيد بن أسلم والثوري والسدي.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
الذي قلنا ليس من جهتنا، وإنما نحن مبلغون عن الله تعالى فالله تعالى قادر على ما تستبعدين.
لما علم إبراهيم أن أضيافه ملائكة قال: فما شأنكم؟ وما الذي أحوجكم إلى أن نزلتم؟
﴿قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ إلى قوم لوط.
﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾
﴿حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾ السجين: طين يطبخ كالآجر، ويصير في صلابة الحجر. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة بعلامة تعرف بها من السومة وهي العلامة؛ على كل واحدة اسم من يهلك بها.
وقيل: أعلمت بأنها من حجارة العذاب. وقيل: بعلامة تدل على أنها ليست من حجارة الدنيا.
سماهم مسرفين لتجاوزهم ما قدر لهم في الأحكام. ﴿فَما وَجَدْنا فِيها﴾ أي: في القرية، ولم يجر لها ذكر، وفي ذلك دليل على أن الإيمان والإسلام (٢٧٦ /ب) واحد، وأنهما صفتا مدح.
قيل: البيت الذي من المسلمين هم لوط وابنتاه. وقيل: كان الذين نجوا ثلاثة عشر. قال قتادة: لو كان فيها أكثر لنجوا؛ ليعلم أن وصف الإيمان غير مضيع عند الله (^١). ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً﴾ أي: علامة يتعظ بها الخائفون من الله ومن عذابه.
قيل: هي صخر منضود فيها. وقيل: ماء أسود منتن. ﴿وَفِي مُوسى﴾ عطف على قوله:
﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ﴾ أو على قوله: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً﴾ والمعنى: في موسى آية كقوله [من الرجز]:
علفتها تبنا وماء باردا (^٢)
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٢)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٢٠) لابن المنذر.
(٢) هذا صدر بيت وعجزه: حتى شتت همالة عيناها ويروي: حتى غدت همالة عيناها. ينظر في: الأشباه والنظائر للسيوطي (٢/ ١٠٨)، الخصائص لابن جني (٢/ ٤٣١)، شرح الأشموني (١/ ٢٢٦)، شرح شذور الذهب (ص: ٣١٢)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٠٣)، لسان العرب (علف)، مغني اللبيب (٢/ ٦٣٢)، المقاصد النحوية (٣/ ١٠١)، همع الهوامع (٣/ ١٥٩).
[ ٢ / ٣٨٦ ]
﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ أدبر وأعرض؛ كقوله: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ (^١). وقيل: تولى بما كان يتوقى به من جنوده وعدده. ﴿مُلِيمٌ﴾ قد أتى بما يلام عليه، والجملة مع الواو حال من الضمير في ﴿فَأَخَذْناهُ﴾ فإن قلت: سمي هاهنا فرعون مليما وفي موضع آخر سمي يونس بذلك، فقال:
﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (^٢) قلت: مراتب المعاصي متفاوتة، ويصدق على الكل اسم واحد.
﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ لا يلقح شجرا ولا ينزل مطرا، وهي ريح الهلاك وهي الدبور. وقيل:
النكباء. وقيل: الجنوب.
﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾
و﴿كَالرَّمِيمِ﴾ البالي من عظم أو نبات وغير ذلك. ﴿حَتّى حِينٍ﴾ يفسره قوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ﴾ (^٣).
﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ استكبروا عن امتثاله، و﴿الصّاعِقَةُ﴾ النازلة. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ كانت نهارا يعاينونها، وروي أن العمالقة كانوا معهم في الوادي فأهلكت ثمود ولم تضر العمالقة.
﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ﴾ لم يقدروا على النهوض. وقيل: هو من قولك: ما يقوم فلان بهذا الأمر؛ أي: ما يستطيع دفعه ﴿مُنْتَصِرِينَ﴾ ممتنعين من العذاب.
﴿بَنَيْناها بِأَيْدٍ﴾ بقوة، والأيد: القوى. ﴿وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ لقادرون؛ يقال: ما هذا في وسع فلان؛ أي: في قدرته. وقيل: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ الرزق بالمطر. وقيل: جعلنا بين السماء والأرض سعة. ﴿فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ نحن. ﴿خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ أي: صنفين، وذكر للحسن ذلك فقال: السماء
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (٨٣).
(٢) سورة الصافات، الآية (١٤٢).
(٣) سورة هود، الآية (٦٥).
[ ٢ / ٣٨٧ ]
والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة، وقال: كل واحد منها زوج، والله تعالى فرد لا مثل له (^١). ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تعرفون بذلك الخالق فتعبدونه وحده. ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ إلى طاعة الله. ﴿كَذلِكَ﴾ أي: الأمر مثل ذلك، وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول وقولهم فيه (٢٧٧ /أ) الأقاويل المختلفة، ولا يصح أن تكون الكاف منصوبة ب "أتى" لأن "ما" النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
﴿أَتَواصَوْا بِهِ﴾ يعني الكفار الأولين والكفار المتأخرين بهذا القول وهو نسبته إلى السحر والجنون. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ تجاوزوا الحدّ ولم يتواصوا. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة فلم يجيبوا، ولا تدع التذكير بالمواضع زمنا بعد زمن بعد ما بلغت وأديت ما عليك. ﴿فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تحثهم وتبعثهم على زيادة التذكر وروي أنه لما نزل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ حزن رسول الله ﷺ وظن أن الوحي قد انقطع من السماء فنزل ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢).
﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾
﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليعرفون، ولو خلقهم ليعبدوه لعبدوه الكل؛ فإنه سبحانه فعال لما يريد.
﴿الْمَتِينُ﴾ الشديد القوة، قرئ بالرفع نعتا لقوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ وبالجر (^٣) على معنى الاقتدار. الذنوب: الدلو الكبير، وأصله في السقاة يتزاحمون على الموارد فيجعل لهذا ذنوب ولهذا ذنوب، ثم نقل ذلك فصار بمعنى النصيب؛ قال الشاعر [من الرجز]:
_________________
(١) ذكره بهذا السياق الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٠٤)، ورواه الطبري في تفسيره (٢٧/ ٨) مختصرا عن الحسن، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٢٣) عن مجاهد.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٧/ ١١).
(٣) قرأ جمهور القراء بالرفع، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش بالجر. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٤٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٩٤)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ٩٣)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢١)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٨٩)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٩٠).
[ ٢ / ٣٨٨ ]
لنا ذنوب ولكم ذنوب فإن أبيتم فلنا القليب (^١)
والمعنى: فإن للذين ظلموا نصيبا من عذاب الله مثل نصيب أصحابهم.
وعن قتادة: سجلا من عذاب الله مثل سجل أصحابهم (^٢) والسجل: الدلو العظيم.
﴿مِنْ يَوْمِهِمُ﴾ من يوم القيامة أو يوم بدر.
***
_________________
(١) ينظر في: تفسير الطبري (٢٧/ ١٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٩٤)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٠٧)، لسان العرب (ذنب) وفيه: لها ذنوب ولكم ذنوب
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٧/ ١٤).
[ ٢ / ٣٨٩ ]