﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧)﴾
بدأ سبحانه بتحديد نعمائه على العالمين، فبدأ بنعمة الدين، وبدأ من نعم الدين بما هو في أعلى مراتبها وأشرف مناصبها وهو تعليم القرآن، وهو من أعظم حرمات الله، وهو الحبل المتين، والصراط المستقيم، ثم ثنى بنعمة إيجاد الإنسان، وما خلق فيه من عجائب التربيب وحسن النظم والترتيب، وما وهبه له من المنن والمصالح فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ وفي ﴿الْبَيانَ﴾ قولان: قيل: هو النطق. وقيل: هو الكتابة؛ كقوله:
﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (^١) وقوله: ﴿الرَّحْمنُ﴾ مبتدأ، وهذه الأفعال المعطوفة أخبار، ولم يأت بينها بعاطف؛ لأنه جعلها كالجملة الواحدة؛ تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، جبرك بعد كسر، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد؛ فأي شيء تشكر من إنعامه؟!
﴿بِحُسْبانٍ﴾ يجريان بحسبان معلوم؛ يجريان في بروجهما ومنازلهما، وفي ذلك منافع للناس عظيمة منها: علم السنين؛ لقوله ﷿ عن القمر: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ (^٢) ومنها إنضاج الفواكه ويبس الحبوب المزروعة.
و﴿وَالنَّجْمُ﴾ النبات الذي ليس له ساق يبقى سنة ثانية، و﴿وَالشَّجَرُ﴾ كل ما له ساق ويبقى إلى سنة ثالثة وأصله قائم. وسجودهما: انقيادهما لما خلق الإنسان من أجله تشبيها بالمكلفين في انقيادهم بالسجود لله تعالى، والضمائر العائدة في الأخبار إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾ استغني عنها بقوة الكلام، والتقدير: يجريان بحسبانه ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ له.
وقيل: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ جعله آية وعلامة على صدق الرسول. وقيل: ﴿الْإِنْسانَ﴾ آدم.
وقيل: محمد ﷺ. وعن مجاهد: ﴿وَالنَّجْمُ﴾ نجوم السماء (^٣). ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها﴾ خلقها
_________________
(١) سورة العلق، الآية (٥، ٤).
(٢) سورة يونس، الآية (٥).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٠٠).
[ ٢ / ٤١٣ ]
مرفوعة. ﴿وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ خفضه؛ لأن به يحصل العدل والتناصف، ويدخل فيه المكيال؛ لأنه يعرف به وفاء الحق، وكذلك القرسطون وهو القبان.
﴿أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠)﴾
﴿أَلاّ تَطْغَوْا﴾ أي: لئلا تطغوا، أو هي" أن "المفسرة، أي: فقلنا: لا تطغوا. ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: وقوّموا وزنكم ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ أي: لا تنقصوه، وكرر لفظ " الميزان "تأكيدا لوجوب الاحتياط في الوزن. ﴿وَضَعَها﴾ خفضها مدحوّة على الماء.
﴿لِلْأَنامِ﴾ للخلق، وهو كل ما ظهر على وجه الأرض من دابة. وقيل: الأنام: الإنس والجن.
(٢٨٤ /ب) ﴿فاكِهَةٌ﴾ أنواع ما يتفكه به، والأكمام: كل ما يتغطى به من ليفه وسعفه وقشر طلعه، وكله ينتفع به؛ كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه. وقيل: الأكمام:
أوعية الثمر، الواحد: كم، بكسر الكاف. ﴿الْعَصْفِ﴾ ورق الزرع. وقيل: التين، ﴿وَالرَّيْحانُ﴾ الرزق، وهو اللب؛ أراد أن فيها ما يتفكه به، وفيها ما يتغذى به وهو الرزق.
وقرئ:" والريحان "بالجر (^١)؛ عطفا على ﴿الْعَصْفِ﴾ أي: فيها ما تأكلون أنتم وأنعامكم؛ كما قال: ﴿مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ (^٢) وقال: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾ (^٣). وقيل:
وفيها الريحان الذي يشم، والخطاب في ﴿رَبِّكُما﴾ للجن والإنس بدلالة الأنام عليها، وقوله:
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾
الصلصال: الطين اليابس له صلصة. والفخار: الطين المطبوخ بالنار، ومعنى الآية: أنه
_________________
(١) قرأ بالكسر حمزة والكسائي، وقرأ بالرفع البن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٣٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦١٩).
(٢) سورة النازعات، الآية (٣٣).
(٣) سورة الأحزاب، الآية (٢٧).
[ ٢ / ٤١٤ ]
خلق الإنسان من تراب، ثم جعل نسله من ماء مهين، ثم جعله طينا ثم صلصالا ثم حمأ مسنونا، أي: منتنا. ﴿الْجَانَّ﴾ أبو الجن. وقيل: إبليس، والمارج: اللهب الصافي الذي لا دخان له. وقيل: المختلط بسواد النار؛ من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط، ومعنى قوله:
﴿مِنْ نارٍ﴾ بيان المارج؛ كأنه قيل: من صاف من نار أو مختلط من نار؛ أراد: من نار مخصوصة. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متساويين في مرأى العين. ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ لا يتجاوزان حديهما، ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨)﴾
و﴿وَالْمَرْجانُ﴾ هذا الخرز الأحمر وهو البسذ (^١). وقيل: اللؤلؤ كباره، والمرجان صغار اللؤلؤ (^٢).
وقال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ مع أنه لا يخرج إلا من الملح خاصة؛ لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يعبر عنهما بالتثنية والإفراد؛ كما تقول: أخرجت الشيء من البحر، وأنت لا تخرجه من جميع البحر؛ بل من بعضه، وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلة منه؛ بل من دار واحدة من دوره. وقيل: لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب.
الجوار السافن، و﴿الْمُنْشَآتُ﴾ المرفوعات الشّرع و﴿كَالْأَعْلامِ﴾ الجبال. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها﴾ أي:
على الأرض. ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي: ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات (^٣). ومساكين مكة تقول: أين وجه عربي كريم ينقذني من الهوان؛ أي: من الجوع. ﴿ذُو الْجَلالِ﴾ الذي يجله
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٧/ ١٣١) عن كعب الأحبار. والبسذ: ليس بعربي، وهو المرجان: جوهر أحمر. قال ابن بري: والذي عليه الجمهور أنه صغار اللؤلؤ كما ذكره الجوهري. ينظر: لسان العرب (بسذ).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٧/ ١٣١) عن عكرمة.
(٣) تقدم الكلام غير مرة أن عقيدة السلف الصالح من أهل السنة والجماعة هي إمرار آيات الصفات الواردة في القرآن الكريم، وكذلك ما صح من أحاديث النبي ﷺ على ظاهرها من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف، ونؤمن بها على ظاهرها في إطار قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
[ ٢ / ٤١٥ ]
الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم (٢٨٥ /أ) أو الذي يقال له: ما أجلك وأكرمك، أو: من عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده، وهذه الصفة من أعظم صفات الله تعالى، ولقد قال ﷺ:" ألظّوا بيا ذا الجلال والإكرام " (^١).ومر رسول الله ﷺ برجل يصلي، وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام فقال:" قد استجيب لك " (^٢).
فإن قلت: لم قال عقيب هذه الآية ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وأي نعمة في هذا؟
قلت: فيه أعظم النعم، وهو مجيء وقت الجزاء وانتصاف كل مظلوم ممن ظلمه.
﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤)﴾
كل ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مفتقرون إليه ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ أي: كل وقت يجدد أحكاما لتجدد أمور، وروي أن النبي ﷺ سئل عن هذه الشؤون؛ فقال:" يغفر ذنبا ويفرج كربا ويضع قوما ويرفع آخرين " (^٣).
وعن ابن عباس:" الدهر كله عند الله يومان، فما مضى من الزمان فشأنه فيه الأمر والنهي والأخذ والإعطاء والمنع، والآخر: يوم القيامة فشأنه فيه الجزاء والحساب " (^٤).
وقيل: نزلت في اليهود حين قالوا: لا يقضي في يوم السبت شيء. وقيل: إن ملكا سأل وزيره عنها فلم يجبه، فأمهله ثلاثا فلم يجب، فقال غلام الوزير: أنا أفسره وأعلمه فأعلمه؛ فقال:
من شأنه أن يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج
_________________
(١) رواه أحمد في المسند رقم (١٦٩٣٥)، والترمذي رقم (٣٤٤٧) وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (١٢٥٠).
(٢) رواه أحمد في المسند رقم (٢١٠٤٤)، والترمذي رقم (٢٤٣٢) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب رقم (١٠١٨) ولظ بالمكان، وألظ به، وألظ عليه: أقام به وألح، وألظ بالكلمة: لزمها. والإلظاظ: لزوم الشيء والمثابرة عليه، ولظ بالشيء: لزمه، وألظوا - في الحديث - أي: الزموا هذا واثبتوا عليه وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم. لسان العرب (لظظ).
(٣) رواه ابن ماجه رقم (١٩٨) وقال البوصيري في مصباح الزجاجة في التعليق على سنن ابن ماجه: إسناده حسن. وحسن الشيخ الألباني إسناده في تحقيق سنن ابن ماجه رقم (٢٠٢).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٤٧).
[ ٢ / ٤١٦ ]
الميت من الحي، ويشفي سقيما ويسقم سليما، ويبتلي معافي ويعافي مبتلي، ويعز ذليلا ويذل عزيزا، ويفقر غنيا ويغني فقيرا، فقال الملك: أحسنت؛ فأمر الوليد أن يخلع له بباب الوزارة؛ فقال: يا مولاي: هذا من شأن الله. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ مستعار من قول الرجل لمن يتهدده:
سأتفرغ لك؛ أي: لا أجعل لي شغلا غير عقوبتك، ومراده: التوفر على ذلك والاهتمام به.
﴿الثَّقَلانِ﴾ الإنس والجن؛ سميا بذلك لأنهم مثقلان بالذنوب. ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ أي:
إن قدرتم أن تخرجوا من ملكوتي فافعلوا، لا تطيقون ذلك إلا بسلطان يقهر من يمنعكم.
وروي: أن الملائكة تنزل يوم القيامة فيحيطون بأقطار الأرض فيهرب أهل الموقف من شواظ النار ولهبها فلا يأتون جهة من الجهات إلاّ وجدوا الملائكة يردونهم بالمقامع.
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥) وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩)﴾
والشواظ: اللهب الخالص، والنحاس: الدخان. وقيل: الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ (٢٨٥ /ب) إلى المحشر (^١).
﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ أي: فلا تمتنعان ﴿وَرْدَةً﴾ حمراء ﴿كَالدِّهانِ﴾ كدهن الزيت كما قال:
﴿كَالْمُهْلِ﴾ (^٢) وهو دردي الزيت، وهو جمع دهن، أو اسم ما يدهن به كالحزام والإدام وقيل:
الدهان: الأديم الأحمر. المراد: لا يسألون عن ذنوبهم. ﴿بِسِيماهُمْ﴾ أي: بعلامات يعرفون بها من سواد الوجوه وزرقة العيون، وأما قوله: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^٣) ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ (^٤) فلأن يوم القيامة فيه مواطن، ففي بعضها يسألون وفي بعضها لا يسألون، وفي
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٤٩)، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٧٠٢) ونسبه لابن أبي شيبة عن الضحاك ﵁ قال: "نار تخرج من قبل المغرب تحشر الناس حتى إنها لتحشر القردة والخنازير تبيت حيث باتوا وتقيل حيث قالوا".
(٢) سورة الكهف، الآية (٢٩).
(٣) سورة الحجر، الآية (٩٢).
(٤) سورة الصافات، الآية (٢٤).
[ ٢ / ٤١٧ ]
بعضها يختم على أفواههم فتتكلم جوارحهم بما صنعوا.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي﴾ أي: يشد بسلسلة من خلف ظهره إلى قدميه. وقيل: تسحبهم الملائكة تارة تأخذ بنواصيهم، وتارة تأخذ بالأقدام. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ ماء حار قد انتهى حره ونضجه يعاقب عليهم بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم. وقيل: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم. وقيل: إن واديا من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم ثم يخرجون منها، وقد أحدث الله سبحانه لهم جلدا جديدا. وعد ذلك نعما؛ لأن الإنسان بالإنذار ينجذب قلبه إلى الطاعة خوفا. ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب، ونحوه: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي﴾ (^١) ويجوز أن يراد ب ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ أن ربه قائم عليه مطلع لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وقيل: هو مقحم؛ كما تقول: أخاف جانب فلان، وقول الشاعر [من الوافر]:
ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب للرجل اللعين (^٢)
وقوله: ﴿جَنَّتانِ﴾ خطاب للجن والإنس، للخائف من مقام ربه من الإنس جنة، وللخائف من الجنّ جنة. وقيل: إحدى الجنتين للإيمان والأخرى لترك المعاصي. والأفنان:
الغصون خصت بالذكر؛ لأنها التي تثمر، ومنها تتفرع العروق وتغدق الأغصان.
وقيل: الأفنان: جمع فن؛ أي: أنواع من الفواكه؛ قال الشاعر [من الطويل]:
ومن كلّ أفنان اللذاذة والصبا لهوت به والعيش أخضر ناضر (^٣)
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ﴾
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية (١٤).
(٢) البيت للشماخ بن ضرار، ينظر في: تفسير الطبري (١/ ٤٠٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٤٦)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٥١)، لسان العرب (لعن).
(٣) ينظر البيت في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٨٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٤٦)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٥٢).
[ ٢ / ٤١٨ ]
﴿الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩)﴾
﴿عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ في الأعالي والأسافل؛ كما يختارون. وقيل: تجريان من عينين
(٢٨٦ /أ) إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل. ﴿زَوْجانِ﴾ صنفان: صنف معروف وصنف مجهول. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على المدح للخائفين أو حال منهم؛ لأن ﴿مَنْ خافَ﴾ في معنى الجمع. ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غلظ من الديباج، وإذا كانت هذه البطائن، فما ظنك بالظهائر. وقيل: ظهائرها من سندس. وقيل: من نور. ﴿دانٍ﴾ قريب يناله القائم والقاعد.
﴿فِيهِنَّ﴾ أي: في هذه الآلآت المعدودة ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ نساء قصرت أطرافهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم، في هذه الآية دليل على أن الجن تطمث كما يطمث الإنس.
وقيل: هن في صفاء الياقوت والمرجان، وصغار الدر أنصع بياضا وقيل: إن الحوراء تلبس سبعين حلة فيرى مخ ساقها من وراء ذلك كله؛ كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء. ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ﴾ في العمل ﴿إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ في الثواب، وعن محمد بن الحنفية (^١): إنهما للبر والفاجر؛ من أحسن أحسن إليه، ومن أساء أسيء إليه (^٢).
﴿وَمِنْ دُونِهِما﴾ أي: ومن دون الجنتين اللتين ﴿لِمَنْ خافَ مَقامِي﴾ جنتان، وجنتان أخريان دون تلك الجنتين المتقدمتين لمن دونهما من أصحاب اليمين. ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ قد اشتدت خضرتهما، والأخضر يرى من البعد أسود، ومنه سمي سواد البصرة.
و﴿نَضّاخَتانِ﴾ فوّارتان بالماء، والنضخ - بالخاء المعجمة - أقوى من النضح؛ لأن النضح بالحاء المهملة شبيه بالرش، وإنما ذكر النخل والرمان بعد ذكر الفاكهة اعتناء بذكرهما؛ كقوله: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ (^٣) وهما من الملائكة؛ ولأن
_________________
(١) في الأصل: محمد بن الحسن، والمثبت كما في الكشاف وبقية المراجع.
(٢) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٧١٤) لسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري في الأدب وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان عن محمد بن الحنفية في قوله: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ قال: هي مسجلة للبر والفاجر ". قال البيهقي: يعني: مرسلة.
(٣) سورة البقرة، الآية (٩٨).
[ ٢ / ٤١٩ ]
النخل ثمره فاكهة وقوت، وهو التمر، وأما الرمان فإنه فاكهة ودواء؛ فلم يخلص للتفكه، ومنه قال أبو حنيفة: إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وخالفه صاحباه (^١).
﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)﴾
﴿خَيْراتٌ﴾ خيرات مخفف؛ كقوله ﵇:" المؤمنون هينون لينون " (^٢) وأما خير الذي هو بمعنى أخير فلا يقال فيه خيرون ولا خيرات، وقرئ:" خيّرات " (^٣) على الأصل، والمعنى: فاضلات الأخلاق، حسان الخلق.
﴿مَقْصُوراتٌ﴾ قصرن في خدورهن، يقال: امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة: مخدرة وقيل: إن الخيمة من خيامهن درة مجوفة. ﴿قَبْلَهُمْ﴾ قبل أصحاب الجنتين، ودل عليهم ذكره الجنتين. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ (٢٨٦ /ب) نصب على الاختصاص. والرفرف: ضرب من البسط.
وقيل: الوسائد. وقيل: كل ثوب عريض رفرف. وقيل: لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف، ورفرف السحاب: هيدبه (^٤). والعبقري: المنسوب إلى عبقر، يزعم العرب أنه بلد الجن فينسب إليه كل شيء عجيب، وقرئ:" رفرف "بضمتين (^٥). ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ بفتح القاف
_________________
(١) ينظر: تفسير القرطبي (١٧/ ١٨٦)، عمدة القاري للعيني (١٩/ ٢١٤).
(٢) نسبه السيوطي في الجامع الصغير لابن المبارك عن مكحول مرسلا، وللبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر - ﵄ - وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم (٦٦٦٩).
(٣) قرأ بالتشديد" خيّرات "ابن مقسم والنهدي وبكر بن حبيب. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٩٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٤٩).
(٤) الهيدب: السحاب الذي يتدلى ويدنو مثل هدب القطيفة. وقيل هيدب السحاب: ذيله. وقيل: هو أن تراه يتسلسل في وجهه للودق ينصب كأنه خيوط متصلة، وهيدب السحاب: ما تهدب منه إذا أراد الودق كأنه خيوط. ينظر: لسان العرب (هدب).
(٥) قرأ بها عثمان بن عفان ونصر بن عاصم وعاصم الجحدري. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٩٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٥٠).
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ومنع الصرف، وهذا لا وجه لصحته (^١). فإن قلت: كيف تقاصرت صفة هاتين الجنتين عن الأوليين؛ حتى قيل: ﴿وَمِنْ دُونِهِما؟﴾
قلت: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ دون ﴿ذَواتا أَفْنانٍ،﴾ و﴿نَضّاخَتانِ﴾ دون ﴿تَجْرِيانِ﴾ و﴿فاكِهَةٌ﴾ دون ﴿مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ وكذلك صفة الحور والمتكأ. وقرئ:" ذو الجلال " (^٢) صفة للاسم.
***
_________________
(١) قال السمين الحلبي في الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٥٠) وهي مشكلة؛ إذ لا مانع من تنوين ياء النسب، وكأن هذا القارئ توهم كونها في" مفاعل "يمنع من الصرف. وقد روي عن النبي ﷺ وجماعة " وعباقري "منونا.
(٢) قرأ بها ابن عامر وحده، وقراءة الباقين بالياء" ذي الجلال". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٩٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٥٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦٢١).
[ ٢ / ٤٢١ ]