﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾
كان المسلمون بمكة يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأن الروم أهل كتاب، وأهل فارس مجوس يعبدون النار؛ فجاء الخبر أن الروم تواقعوا هم والكفار فغلبت الروم وانتصرت فارس، فعيّر الكفار المؤمنين؛ هؤلاء الكفار من أهل الروم إخوانكم وقد ظهرنا عليهم، وليظهرننا الله عليكم، فقال أبو بكر للقائل: والله لتغلبن الروم فارس؛ فقال له أبيّ بن خلف: ناحبني (^١) على ذلك - أي: راهنّي - فناحبه على ذلك، وأن على كل من غلب بعد ثلاث سنين عشر قلاص (^٢) فبلغ أبو بكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال له: "زد في الرّهن وزد في المدّة؛ فإنّ البضع يكون تسع سنين" (^٣) فراهنه على مائة قلوص وعلى مائة من الإبل، يكون ذلك على من غلب منهما، فغلبت الروم فارس يوم الحديبية. - وقيل:
يوم بدر - وأخذ أبو بكر - ﵁ - القلاص من تركة أبي بن خلف، وجاء به إلى النبي ﷺ فقال: تصدّق به، وكان ذلك بعد تحريم القمار (^٤).
والغلب والغلب مصدران، والذي في الآية يجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل وإلى المفعول؛ بناء على القراءتين؛ فمن قرأ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فهو مضاف إلى الفاعل، ومن قرأ بضم الغين (^٥) فهو مضاف إلى المفعول، وهذا الخلاف مثل الخلاف في قوله:
_________________
(١) ناحبني: من المناحبة وهي المخاطرة والمراهنة. ينظر: لسان العرب (نحب).
(٢) القلاص: جمع القلوص: وهي أول ما يركب من إناث الإبل إلى أن تثني فإذا أثنت فهي ناقة، والقعود: أول ما يركب من ذكور الإبل إلى أن يثني فإذا أثنى فهو جمل، وربما سموا الناقة الطويلة القوائم قلوصا، وقد تسمى قلوصا ساعة توضع، والجمع من كل ذلك: قلائص وقلاص وقلص وقلصان جمع الجمع وحالبها القلاص. ينظر: لسان العرب (قلص).
(٣) رواه الترمذي رقم (٣١٩١)، والطبري في تفسيره (٢١/ ١٧)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٢٩٠) لابن أبي حاتم والبيهقي. وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي رقم (٦٢٤).
(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٧٩) ونسبه لأبي يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر.
(٥) قرأ جمهور القراء "غلبت" بالبناء لما لم يسم فاعله وقرأ علي بن أبي طالب وأبو سعيد الخدري -
[ ٢ / ٦٢ ]
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ﴾ (^١). واحتج أبو حنيفة ومحمد بقصة أبي بكر مع أبي بن خلف على أن العقود الفاسدة من عقود الربا وغيرها جائزة في دار الحرب بين المسلم والكافر (^٢).
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾
وقرئ ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ على الجر (^٣) من غير تقدير مضاف إليه؛ كأنه قيل: قبلا وبعدا؛ بمعنى: أولا وآخرا.
ويوم تغلب الرّوم على فارس ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿بِنَصْرِ اللهِ﴾. وقوله: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أبدل "يعلمون" من ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ليعلمك أن علمهم كلا علم.
_________________
(١) = ومعاوية بن قرة وابن عمر وأهل الشام "غلبت" بالبناء للمعلوم. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٦١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٧١)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢١٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ١٩٧)، معاني القرآن للأخفش (٢/ ٤٣٧)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣١٩).
(٢) سورة البقرة، الآية (٨٥).
(٣) ينظر: المبسوط للسرخسي (٥٧، ١٤/ ٥٦)، شرح فتح القدير لمحمد بن عبد الواحد السيواسي (٣٩، ٧/ ٣٨) ط. دار الفكر - بيروت.
(٤) حكاها الفراء وغلطه النحاس، وحكى الكسائي "من قبل ومن بعد"، وقراءة عامة القراء "من قبل ومن بعد". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٦٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٧١)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢١٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢١٤)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٢٠).
[ ٢ / ٦٣ ]
قوله ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يجوز أن تكون "في" ظرفية، والتقدير: أو لم يجدّدوا أو يحدثوا التفكّر في قلوبهم؛ كما تقول: اجعل هذا في نفسك. وأن يكون محلا للتفكر، وهو ظاهر. و﴿ما خَلَقَ﴾ معمول للقول (١٧٩ /أ) المقدر؛ تقديره: فيقول ما خلق الآية. وقيل: لا تحتاج إلى إضمار "فيقولوا" لأن السياق يدلّ على القول.
﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ مصحوبة بالحكمة وبالتأجيل إلى أجل معلوم، وهو النفخة الأولى.
﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ﴾ حرثوها، ومنه قوله: ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ (^١). ﴿وَعَمَرُوها﴾ قريش كما عمرها من كان قبلهم، وليس في أرض قريش موضع حرث إلا يسيرا؛ لأنها جبال وأودية. وقوله: ﴿وَعَمَرُوها﴾ تهكم بهم وبحرثهم.
﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾
﴿السُّواى﴾ تأنيث الأسوأ، وهو الأفصح؛ كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، والمعنى أنهم عوقبوا في الدنيا بالتكذيب فدمروا و﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ بمعنى: لأن كذبوا؛ أي: دمّروا لأجل التكذيب، ويجوز أن يكون "أن" بمعنى أي؛ لأنه إذا كان تفسير الإساءة التكذيب والاستهزاء كانت في معنى القول؛ نحو: نادي وكتب وما أشبه ذلك. ويجوز أن يكون ﴿السُّواى﴾ مصدر أساءوا؛ أي: اقترفوا السيئات، و﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ عطف بيان، وخبر كان محذوف؛ كما يحذف جواب (لما) و(لو)؛ إرادة الإبهام.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: إلى دار جزائه. الإبلاس: أن تبقى ساكتا متحيرا لا تهتدي إلى طريق الجواب بالحق، ومنه: الناقة المبلاس: التي لا ترغو. وقيل: يبلس - بفتح اللام - من: أبلسه، إذا أسكته، وكانوا في الآخرة مبلسين، وتنكر الأصنام عبادتهم لها، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ (^٢) فيبلس الكفار حينئذ. وقيل:
كانوا في الدنيا مبلسين بشركهم والضمير في قوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ للمسلمين والكافرين
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٧١).
(٢) سورة القصص، الآية (٦٣).
[ ٢ / ٦٤ ]
معا؛ بدليل السياق. وقيل: أراد بالتفرق: أن الأبرار في عليين، والفجار أسفل السافلين.
وعن قتادة: فرقة لا اجتماع بعدها (^١). ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ من رياض الجنة، وتنكيرها للتعظيم. ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يسرون، يقال: حبره، إذا سرّه سرورا يظهر عليه أثره وتهلل له وجهه، ثم اختلفت هذه الأقاويل لاختلاف وجوه المسرة. فقيل: يكرمون. وقيل:
ينعمون. وقيل: التيجان على رؤوسهم. وعن وكيع: السماع في الجنة (^٢).
وفي الآثار: أن رجلا سأل النبي ﷺ أن في الجنة سماع؟ قال: "نعم؛ إن في الجنة أجراسا (١٧٩ /ب) من فضة، فإذا أراد ولي الله السماع هبت ريح من تحت العرش فتصوت تلك الأجراس تصويتا لو سمعه أهل الدنيا لماتوا طربا" (^٣).
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾
﴿مُحْضَرُونَ﴾ في العذاب لا يغيبون عنه، وقلما يجيء لفظ المحضر في القرآن إلا لعقوبة ﴿فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ (^٤). ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (^٥). لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد، وينجي من الوعيد فقال: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ﴾ الآيات، قيل: المراد بالتسبيح: ظاهره، وهو قوله: سبحان الله وسائر الأذكار. وقيل:
الصلاة. وسئل ابن عباس: هل تجد في القرآن الصلوات الخمس؟ فقال: نعم؛ وتلا هذه الآية: ﴿تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب والعشاء و﴿تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر (^٦).
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٨٥) ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﵁.
(٢) رواه الطبري في التفسير (١٠/ ١٧٢).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٤٧١) بهذا السياق، وذكر السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٨٦) نحو ذلك.
(٤) سورة الروم، الآية (١٦).
(٥) سورة الصافات، الآية (٥٧).
(٦) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ١٠٣)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٨٨) ونسبه -
[ ٢ / ٦٥ ]
وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ متصل بقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ،﴾ وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ اعتراض بينهما، ومعناه إن على المميزين من أهل السماوات والأرض أن يحمدوه. وروي عن الحسن أنه قال: هذه الآية مدنية؛ لأنه كان يقول: إن الصلوات الخمس فرضت بالمدينة، وكان الواجب في مكة في كل صلاة أن تصلى ركعتين.
والقول الأكثر أن الخمس فرضت بمكة (^١).
وعن عائشة - ﵂ -: "فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أقرت صلاة السفر، وزيد في الحضر" (^٢).وعن رسول الله ﷺ: "من سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى قوله:
﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته" (^٣).
وقرئ ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (^٤) والمعنى: تمسون فيه، وتصبحون فيه؛ كقوله:
﴿يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (^٥). بمعنى: فيه.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ﴾
_________________
(١) = لعبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أبي رزين ﵁ قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس ﵄ فذكره.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٤٧٢) بهذا السياق، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٥٩) عن الحسن في باب أول فرض الصلاة بنحو ذلك.
(٣) رواه البخاري رقم (١٠٩٠، ٣٥٠)، ومسلم رقم (٦٨٥)، وأبو داود رقم (١١٩٨)، وأحمد في المسند (٢٧٤، ٦/ ٢٧٢)، والنسائي (١/ ٢٢٥)، وابن حبان في صحيحه رقم (٢٧٣٦)، من حديث عائشة ﵂.
(٤) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٧)، ونسبه للثعلبي في تفسيره عن أنس، وفي سنده بشر بن الحسين وهو ساقط.
(٥) قرأ بها عكرمة، تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٦٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٧٣)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢١٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢١٦) مجمع البيان للطبرسي (٨/ ٢٩٧)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٦٣).
(٦) سورة البقرة، الآية (٤٨).
[ ٢ / ٦٦ ]
﴿أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾
﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الطائر من البيضة. ﴿الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ البيضة من الطائر وإحياء الأرض إخراج النبات فيها. وقيل: المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: ومثل (١٨٠ /أ) ذلك الإخراج تخرجون من القبور.
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ خلق أصلكم، وهو أبوكم آدم، وإذا للمفاجأة: ثم فاجأكم وقت كونكم بشرا تنتشرون في الأرض وتنبثّون فيها. ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم؛ وذلك لما يحصل عند اتحاد الجنس من الأنس والمحبة، وعند اختلاف الجنس بخلاف ذلك.
وعن الحسن: المودة كناية عن الجماع، والرحمة عن الولد (^١)؛ لقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ (^٢) ثم ذكر قصة الولد له. يقال: سكن إليه واطمأنّ إليه. وقيل: إنّ المودة والرحمة بين الزوجين من جهة الله ﷿، وأن التباغض من الشيطان؛ لكن نسبته إلى الله حقيقة، وإلى الشيطان مجاز خلافا للزمخشري (^٣).
﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾
الألسنة: اللغات أو أجناس النطق وصفاته. ومن بدائع آياته ﷾ أن جعل هذه الصفات مختلفة؛ فلا تكاد تسمع شخصين يتكلمان فيشبه صوت أحدهما صوت
_________________
(١) ذكره بدر الدين العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٣٩)، وأبو جعفر النحاس في معاني القرآن (٥/ ٢٥٣)، والزمخشري في الكشاف (٣/ ٤٧٣)، والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٢١٩).
(٢) سورة مريم، الآية (٢).
(٣) قال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٤٧٣): "وقيل: إن المودة والرحمة من قبل الله وإن الفرك من قبل الشيطان".
[ ٢ / ٦٧ ]
الآخر، أو شكله، وكذلك الصور وتخطيطها والألوان وتنويعها؛ ولاختلاف ذلك وقع التعارف؛ فإنك لو رأيت توأمين متشابهين لا يتميز عندك أحدهما عن الآخر إلا بجهد؛ فعند ذلك تعرف نعمة الله تعالى في الاختلاف، وفي ذلك آية بينة؛ حيث ولدوا من أب واحد وأم واحدة، وفرعوا من أصل فرد، وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون ومتفاوتون. ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ قرئ بفتح اللام وكسرها (^١). ويشهد للكسر قوله تعالى: ﴿وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ (^٢). ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالنهار، إلا أنه فصل بين الفريقين الأولين بالفريقين الآخرين لأنهما زمانان والزمان الواقع فيه كالشيء الواحد، ويجوز أن يراد: منامكم في الزمانين، وابتغاؤكم فيهما، والأول هو الظاهر؛ لتكرره في القرآن. قوله: ﴿يُرِيكُمُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: إضمار "أن"، أي: ومن آياته أن يريكم. والثاني: إنزال الفعل منزلة المصدر؛ كقولهم في المثل: تسمع بالمعيدي لا أن تراه (^٣). وقال الشاعر [من الوافر]:
وقالوا ما تشاء؟ فقلت ألهو إلى الإصباح آثر ذي أثير (^٤)
﴿خَوْفًا﴾ من الصاعقة أو من الإخلاف. ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيث. وقيل: خوفا للمسافر (١٨٠ /ب) وطمعا للحاضر، وهما منصوبان على المفعول له. وحق المفعول له أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل، والخوف والطمع ليسا كذلك؟ وفيه وجهان: أحدهما: أن المفعولين فاعلان في المعنى؛ لأنهم راؤون وطامعون؛ فصار التقدير: لجعلكم رائين خوفا وطمعا. والثاني: أن يكون على تقدير حذف المضاف أي: إرادة خوف وإرادة طمع؛
_________________
(١) قرأ عاصم في رواية حفص عنه لِلْعالِمِينَ بالكسر وقرأ بقية القراء "للعالمين" بالفتح. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٦٧)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٨٢)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٥٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٧٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٠٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢١٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٤).
(٢) سورة العنكبوت، الآية (٤٣).
(٣) ينظر المثل في: جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (١/ ٢١٥)، مجمع الأمثال للميداني (١/ ٨٦)، المستقصى من أمثال العرب للزمخشري (١/ ٣٧٠).
(٤) البيت لعروة بن الورد، ينظر في: تذكرة النحاة لأبي حيان (ص: ٥٣٦)، الخصائص لابن جني (٢/ ٤٣٣)، الدرر اللوامع (١/ ٧٥)، ديوان عروة بن الورد (ص: ٥٧)، شرح المفصل لابن يعيش (٢/ ٩٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٧٤)، لسان العرب (سرر)، معجم البلدان (٣/ ٢١٨).
[ ٢ / ٦٨ ]
فحذف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكونا حالين؛ أي: خائفين وطامعين ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ تقديره: قيام السماء، أي: بغير عمد.
﴿بِأَمْرِهِ﴾ بقوله: كونا قائمتين. وقوله: ﴿تَخْرُجُونَ﴾ بمنزلة قوله: ﴿يُرِيكُمُ﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد؛ التقدير: ومن آياته أن تقوم السماء ثم تخرجون إذا دعاكم الملك:
يا أهل القبور اخرجوا. والمراد سرعة وجود ذلك بلا توقف؛ كما يجاب الداعي المطاع، وعطف هذا ب (ثم) دليل على عظمة هذا الخروج. وقوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ مكان المدعو لا الداعي، هو متعلق ب ﴿دَعاكُمْ﴾ لا بقوله: ﴿دَعْوَةً﴾. وفي المثل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل (^١). و﴿إِذا﴾ الأولى للشرط والثانية للمفاجأة. وقرئ ﴿تَخْرُجُونَ﴾ بضم التاء وفتحها (^٢).
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾
﴿قانِتُونَ﴾ منقادون لوجود أفعاله فيهم. ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ عندكم؛ لأن من أعاد منكم صنعة شيء كان أهون عليه من إنشائها.
الإعادة مؤنثة، وعبر عنها ب ﴿هُوَ؛﴾ لأن لها مصدرا آخر مذكور، وهو العود، وقدم المعمول في قوله ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ (^٣)؛ لأن المراد اختصاص الله تعالى بذلك، وههنا المراد:
الإخبار بأن ذلك على الله هيّن.
قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ يعني الوصف العظيم الذي ليس لأحد مثله. وعن مجاهد:
المثل الأعلى قول: لا إله إلا الله.
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ﴾
_________________
(١) ينظر المثل في: روح المعاني للألوسي (٢١/ ٣٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٧٦).
(٢) قرأ حمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان "تخرجون"، وقرأ الباقون "تخرجون". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١٦٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٢٠).
(٣) سورة مريم، الآية (٢١).
[ ٢ / ٦٩ ]
﴿ناصِرِينَ (٢٩) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾
و﴿مِنْ﴾ الأولى للابتداء، والثانية للتبعيض، والثالثة زائدة، ومعنى الآية: هل ترضون أن مماليككم المساوين لكم في البشرية والعقل والتمييز أن يشاركوكم فيما وهبكم الله من الجاه والمال، وتخافوهم كما تخافون من غيرهم؛ كذلك كل من عبد من دون الله لا يساويكم أيها الأحرار الملاك، ولا تخافونهم كخيفتكم من أمثالكم. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أشركوا؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (^١) ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فإن العالم إذا ركب هواه ربما ردعه علمه وكفّه، وأما الجاهل فإنه يخبط عشواء (١٨١ /أ) لا يدري طريق الصواب. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ فقوّم وجهك له من غير انحراف ولا ميل، و﴿حَنِيفًا﴾ حال من المأمور أو من الدين. ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ الزموا فطرة الله، أو: عليكم فطرة الله. والفطرة:
الخلقة، والمعنى: أنه خلقهم قابلين للتوحيد والاعتقادات الصحيحة، لولا أن آباءهم لقّنوهم الضلال، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر، ومن كفر منهم فبإغواء الشياطين، وفي الحديث الصحيح أيضا: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه" (^٢).
ووحّد الخطاب في قوله: ﴿فَأَقِمْ﴾ وجمعه في قوله: ﴿مُنِيبِينَ﴾ لأن الخطاب للرسول ﷺ خطاب لأمته؛ كقوله - ﷿ -: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ (^٣). ﴿الدِّينُ﴾
_________________
(١) سورة لقمان، الآية (١٣).
(٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٣٥٨)، ومسلم رقم (٢٦٥٨)، وأبو داود رقم (٤٧١٤)، والترمذي رقم (٢١٣٨)، والنسائي (٤/ ٥٨)، وابن حبان رقم (١٢٩، ١٢٨) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) سورة الطلاق، الآية (١).
[ ٢ / ٧٠ ]
بدل من المشركين. ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ تركوا دين الإسلام، وقرئ. ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (^١). أي:
جعلوه أديانا مختلفة. ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ فرقا، كل فرقة تشايع إمامها الذي أضلها. ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ منهم فرح بمذهبه مسرور بباطله يحسبه حقا، ويجوز أن يقطع الكلام عند قوله:
﴿شِيَعًا﴾ وتبتدئ من قوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. الضر: الشدة، والرحمة:
الخلاص من الشدائد، واللام في ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ لام العاقبة ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ نظير قوله: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ (^٢) ﴿سُلْطانًا﴾ أي: كتابا. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ ويخبر بحقائق الأمور؛ كقوله: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ﴾ (^٣). يعني: فالقرآن شاهد بكذبهم و"ما" في قوله: ﴿بِما كانُوا﴾ مصدرية؛ أي:
بكونهم، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ أي: ذا سلطان، وهو ملك معه برهان بذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون.
﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾
﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أي نعمة من مطر أو سعة أو صحة. ﴿فَرِحُوا بِها﴾ فرح أشر وبطر. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ هؤلاء أن الله هو القابض والباسط والرازق، فما لهم لا يرجعون إليه ويتوبوا! حق ذي القربى: صلة الرحم، وحق المسكين وابن السبيل: نصيبهما من الصدقة المسماة لهما، وقد احتج أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية على وجوب نفقة سائر المحارم (^٤). ولما ذكر الله تعالى أفعال المتقين أتبعهم بذكر ما (١٨١ /ب) يتقرب به إليه، والنهي عن الربا
_________________
(١) قرأ حمزة والكسائي "فارقوا" وقرأ الباقون "فرقوا". تنظر في: إتحاف فضلاء البشر للبنا (ص: ٣٤٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٣٧٨)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٢٢)، مجمع البيان للطبرسي (٨/ ٣٠٤)، النشر (٢/ ٢٦٦).
(٢) سورة فصلت، الآية (٤٠).
(٣) سورة الجاثية، الآية (٢٩).
(٤) ينظر: المبسوط للسرخسي (٥٧، ١٤/ ٥٦)، شرح فتح القدير لمحمد بن عبد الواحد (٧/ ٣٨، ٣٩).
[ ٢ / ٧١ ]
وكل ما يباعد من رحمته.
﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ ذاته، أو: رحمته وجانبه، أو: يقصدون جهة التقرب إلى الله لا جهة أخرى (^١). ﴿لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ﴾ ليزيد وينمّى. ﴿فَلا يَرْبُوا﴾ فلا يزداد عند الله.
﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ذووا الإضعاف، ونظير المضعف: المقوي والموسر لذي القوة واليسار. وقيل: نزلت في ثقيف، وكانوا يربون. وقيل: المراد: أن يهب الرجل الرجل، أو يهدي إليه ليعوضه أكثر مما وهب أو أهدى.
وقوله: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ التفات حسن، وهو أنه تعالى خاطب بقوله: ﴿وَما آتَيْتُمْ﴾ ثم عدل إلى أن أخبر ملائكته بفضل درجة هؤلاء المضعفين، أي: الكاملين في الإضعاف.
﴿اللهُ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ الذين اتخذتموهم آلهة هل ﴿مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ثم نزه نفسه عن ذلك؛ فقال: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ التقدير: عما يشركون به. قوله: ﴿مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ ﴿مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من الأولى والثالثة زائدتان، وجعل الزمخشري الثانية كذلك والظاهر أنها للتبعيض (^٢).
﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)﴾
﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ بالجدب والقحط، ووقوع الموتان في الناس (^٣) وقلة الريع
_________________
(١) هذه الآية من آيات الصفات التي سبق التعليق عليها غير مرة.
(٢) قال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٤٨٣): ومن الأولى والثانية والثالثة؛ كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد؛ لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم.
(٣) قال أهل اللغة: "الموتان بفتح الميم والواو هو الموات؛ قال الأزهري في شرح ألفاظ المختصر: يقال للأرض التي ليس لها مالك ولا بها ماء ولا عمارة ولا ينتفع بها إلا أن يجري إليها ماء وتستنبط فيها عين أو تحفر فيها بئر: موات وميتة وموتان. بفتح الميم والواو وكل شيء من متاع الأرض لا روح فيه فهو -
[ ٢ / ٧٢ ]
من الزراعات وغير ذلك، وقالوا: إذا انقطع عميت دواب البحر.
وعن عكرمة: العرب تسمى المدينة بحرا (^١). وعن قتادة: كان ذلك قبل البعث؛ فلما بعث رسول الله ﷺ رجع راجعون عن الضلال والظلم (^٢). ويجوز أن يراد ظهر الفساد بكثرة المعاصي. قوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ كقوله: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ (^٣).
لما ذكر فساد البر والبحر عقّبه بأن الكفار يرون آثار المهلكين ولا يتعظون بهم.
قوله: ﴿مِنَ اللهِ﴾ يجوز أن يرجع إلى قوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ أي: يأتي من الله عقوبة ما فعلوا، ويجوز أن يتعلق ب ﴿لا مَرَدَّ﴾ أي: لا يرده أحد من الله ولا ينقذه منه.
﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يتفرقون. ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وباله مخصوص به. ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ كما يمهد للصبي موضع نومه في توطئة. و﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلق ب ﴿يَمْهَدُونَ؛﴾ تعليل له.
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾
_________________
(١) = موتان، ويقال: فلان يتبع الموتان. فأما ما كان ذا روح فهو الحيوان، وأرض ميتة: إذا يبست ويبس نباتها، فإذا سقاها الماء صارت حية بما يخرج من نباتها، ورجل موتان الفؤاد: إذا كان غير ذكي ولا فهم يعني بإسكان الواو، ووقع في المال موتان وموات يعني بضم الميم فيهما وهو الموت الذريع". ينظر: تهذيب الأسماء للنووي (٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ٤٩)، والقرطبي في تفسيره (١٤/ ٤١).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ٤٩).
(٤) سورة الشورى، الآية (٣٠).
[ ٢ / ٧٣ ]
﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾
﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ من عطائه: ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ وهي الجنوب والشمال (١٨٢ /أ) والصبا، وهي رياح الرحمة، وأما الدبور فريح العذاب، أرسل الله تعالى رياح الرحمة لأمور منها:
البشارة بالغيث، وإذاقة الرحمة، وحصول الخصب، وجريان الفلك في البحر.
قوله: ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يجوز أن يتعلق بقوله: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ لأن البشارة نوع من إذاقة الرحمة، وأن يتعلق بمحذوف، التقدير: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أرسلها.
قوله: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ رفع من شأن المؤمنين، وأن الله تعالى ضمن لهم حصول النصر في العاقبة، وتكرير ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ للدلالة على تعظيم ما منحهم به، وهذا التكرير كقوله: ﴿أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ (^١).
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ يعني: أن أصل ما بني عليه أصل نشأتكم الضعف. وقيل: من ضعف النطفة؛ كقوله: ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ (^٢). ﴿السّاعَةُ﴾ القيامة؛ سميت بذلك لأنها تقع في آخر ساعات الدنيا، أو لأنها تقع سريعا؛ لقوله: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ (^٣). وصارت الساعة علما للبعث؛ كالنجم للثريا. ﴿ما لَبِثُوا﴾ أي: في القبور، أو في الدنيا، أو ما بين النفختين. ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ في اللوح المحفوظ، أو في علم الله وقضائه ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يستعرضون، وحقيقته: أعتبته، أزلت عتبه.
_________________
(١) سورة الحشر، الآية (١٧).
(٢) سورة السجدة، الآية (٨).
(٣) سورة الأعراف، الآية (١٨٧).
[ ٢ / ٧٤ ]
قوله: ﴿فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ أي: ما هم ممن قبل عذرهم وإعتابهم. ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي:
من كل قصة غريبة الشأن كالمثل السائر. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ بنصرتك وإعلاء دينك حق لابد من حصوله. ﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ (^١) ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ ولا يحملنك على الخفة والقلق ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ بالآخرة.
***
_________________
(١) سورة الزمر، الآية (٢٠).
[ ٢ / ٧٥ ]