﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾
أقسم بالكتاب المبين وهو القرآن، وجعل قوله: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ جوابا للقسم وهو من الأيمان البديعة؛ لتناسب القسم والمقسم عليه، وهو كقول أبي تمام [من الخفيف]:
وثناياك إنها إغريض (^١)
﴿جَعَلْناهُ﴾ وصفناه؛ كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ﴾ (^٢) ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (^٣)
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال. و(لعل) مستعارة لمعاملتهم معاملة من يريد منهم الإيمان.
﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢)﴾
والمراد ب ﴿أُمِّ الْكِتابِ﴾ اللوح المحفوظ، سمي أم الكتاب؛ لأنه الأصل الذي كتب منه كل شيء. ﴿حَكِيمٌ﴾ ذو حكم بالغة، والفاء عطفت على محذوف تقديره: أنمهلكم
_________________
(١) هذا صدر بيت وعجزه: ولآل قوم وفرق وميس. ينظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٩٠)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٣٦) قال ابن منظور في لسان العرب (غرض): "الإغريض: كل أبيض مثل اللبن وما ينشق عنه الطلع". والميس: التبختر والتمايل والتثني في المشي. اللسان (ميس).
(٢) سورة الزخرف، الآية (١٩).
(٣) سورة الحجر، الآية (٩١).
[ ٢ / ٢٩٦ ]
فنضرب عنكم الذكر؟ و﴿صَفْحًا﴾ على وجهين؛ إما مصدر من: صفح عنه؛ إذا أعرض، منتصب على أنه مفعول له، على معنى: أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضا عنكم؟ وإما بمعنى الجانب كقولك: نظر إليه بصفح وجهه؛ بمعنى: أفننحيه جانبا؟ فينتصب على الظرف. ﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ لأن كنتم. فإن قلت: كيف استقام قراءة من قرأ: "إن كنتم" على الشرط (^١) وقد كانوا مسرفين حقا؟ قلت: هو من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن الحال؛ تقول: إن كنت قد عملت لك اليوم فأعطني حقي وهو عالم أنه قد عمل، ولكنه تحيل في كلامه أن هذا المطل يقتضي أنك شاك في أنني قد عملت لك.
﴿وَما يَأْتِيهِمْ﴾ حكاية حال ماضية مستمرة، وهذه تسلية لرسول الله ﷺ عن استهزاء قومه. الضمير في قوله: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ للمسرفين ﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: قد سبق ذكر المهلكين وتكذيبهم وعقوبتهم.
فإن قلت: قوله ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ وما سرد (٢٤٩ /أ) من الأوصاف عقيبه إن كان من قولهم؛ فما تصنع بقوله: ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ؟﴾ وإن كان من قول الله؛ فما وجهه؟ قلت: هو من قول الله تعالى لا من قولهم، ومعنى قوله:
﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه، وليسندنه إليه
﴿بِقَدَرٍ﴾ بمقدار يسلم معه العباد والبلاد ولم يكن طوفانا. والأزواج: الأصناف.
قوله: ﴿تَرْكَبُونَ﴾ يقال ركبت الدابة وركبت عليها، وغلب هاهنا المتعدى بنفسه؛ لأنه أقوى، ومعنى ذكر نعمة الله ذكرها بالتعظيم والثناء على معطيها بالقلب ويقرن ذلك بالعمل شكرا لله.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾
روي "أن النبي ﷺ كان إذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فإذا استوى على
_________________
(١) قرأ" إن "بالكسر على الشرط نافع وحمزة والكسائي وقرأ الباقون" أن "بالفتح. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٩٢)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٨٤)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٣٧).
[ ٢ / ٢٩٧ ]
الدابة قال: الحمد لله على كل حال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا﴾ إلى قوله ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ وكبر ثلاثا وهلل ثلاثا (^١). قالوا: إذا ركب في السفينة قال: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢) وهذا مشكل؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل أنه سافر في بحر. وروي أن الحسين بن علي رأى رجلا ركب دابة، فقال الرجل: سبحان الذي سخر لنا هذا؛ فقال الحسين:
أبهذا أمرتم؟ قال: فبماذا أمرنا؟ قال: أن تذكروا نعمة ربكم؛ كان قد أغفل التحميد فنبهه عليه (^٣). ﴿مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين؛ يقال: أقرن الشيء؛ إذا أطاقه ومنه قوله [من الطويل]:
وأقرنت ما حمّلتني ولقلما يطاق احتمال الصّدّ يا دعد والهجر (^٤)
فإن قلت: كيف اتصل هذا بقوله: ﴿وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ؟﴾ قلت: لما كان ركوب الخيل والبحر أمرا مخطرا ذكّر الله الإنسان أن يجدد ذكر ذلك لنفسه، وألا يكون كما حكي أنّ مترفا ركب في مركب إلى مكان مسيرة شهر فلم يزل هو وأصحابه يشربون حتى استقر في منزله ولم يشعر بسفره ولا قدومه، فكم بين هؤلاء وهؤلاء؟
قوله: ﴿مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا﴾ متصل بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: إذا سئلوا عنها اعترفوا بأن الله خالقها، وهم قد جعلوا له مع ذلك من عباده جزءا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله؛ فجعلوهم جزءا له وبعضا كسائر الأولاد. ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث وزعمهم أن هذه لغة العرب؛ يخصون الأنثى باسم الجزء وأنشدوا [من البسيط]:
إن أجزأت حرّة يوما فلا عجب قد تجزئ الحرّة المذكار أحيانا (^٥)
(٢٤٩ /ب)
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (١١٥، ١/ ٩٧)، وأبو داود رقم (٢٦٠٢)، والترمذي رقم (٣٤٤٦)، وابن حيان في صحيحه رقم (٢٦٩٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٩٨)، وابن السني في عمل اليوم والليلة رقم (٤٩٨)، وصححه الترمذي والحاكم والشيخ الألباني في صحيح الترمذي رقم (٢٧٤٢).
(٢) أورده ابن السني في عمل اليوم والليلة رقم (٥٠٢) وفي سنده جبارة بن المغلس وهو ضعيف، وفيه كذلك يحيى بن العلاء ومروان بن سالم وهما متهمان بالوضع.
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧١٧) ونسبه لابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) البيت لابن هرمة، ينظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٩٣)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٤٠).
(٥) ينظر البيت في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٩٣)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٤١)، لسان العرب (جزأ).
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وأنشدوا [من البسيط]:
زوّجتها من بنات الأوس مجزئة (^١)
وما هو إلا افتراء على العرب. ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر جحوده النعم.
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾
﴿أَمِ اتَّخَذَ﴾ بل اتخذ، الهمزة للإنكار؛ تعجيبا من حالهم؛ كيف يتخذ من خلقه؟! فجعلوا لله الإناث وهو أنقص القسمين. ﴿وَأَصْفاكُمْ﴾ خصكم بالذكور وهم القسم الأفضل.
﴿بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا﴾ أي: بالجنس الذي جعلوه جزءا، ولقد بلغ من بغضهم للبنات أن وأدوهن، وهم ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى﴾ أربدّ وجهه وسخط. وعن بعض العرب أن امرأته ولدت بنتا فهجر منزل امرأته، فقالت لتسمعه [من الرجز]:
مال أبي حمزة لا يأتينا يظلّ في البيت الذي يلينا غضبان ألا نلد البنينا
ليس لنا من أمرنا ما شينا وإنّما نأخذ ما أعطينا (^٢)
والظلول بمعنى الصيرورة؛ كما تستعمل أكثر الأفعال الناقصة بمعناها.
وقرئ:" مسود "و﴿مُسْوَدًّا﴾ بالرفع (^٣) على أن في ﴿ظَلَّ﴾ ضمير المبشر، و﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ جملة سدت مسد الخبر. أو يجعل من تربى في النعمة ولم يكن متقدما في الفصاحة ولا غالبا في المحاكمات والخصومات، أتجعل مثل هذا ولدا لمالك الملك الذي بيده ملكوت كل شيء. نقل قلّما تكلمت امرأة في خصومة إلا نطقت بما هو حجة عليها، وهو معنى
_________________
(١) هذا صدر بيت نسبه ابن منظور لأبي حنيفة وعجزه: للعوسج اللدن في أبياتها زجل. ينظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٩٣)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٤١)، لسان العرب (جزأ) والمعنى: امرأة غزّالة بمغازل سويت من شجر العوسج.
(٢) ينظر الشعر والقصة في: روح المعاني للألوسي (٢٥/ ٧٠)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٤٣).
(٣) تنظر القراءة في: تفسير القرطبي (١٦/ ٧٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٩٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٨٢)، مفاتيح الغيب للرازي (٢٧/ ٢٠٢).
[ ٢ / ٢٩٩ ]
قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ وفيه أنه جعل النشأة في النعمة والزينة من المعايب والمذام وأنه من صفات ربات الحجال؛ فعلى الرجل أن يتبرأ من هذه الصفة وتمثيل قول عمر:
"اخشوشنوا" (^١) أي: كونوا في عيش خشن؛ في المأكل والملبس. جمعوا بين ثلاثة أمور منكرة: أن جعلوا لله ولدا، وجعلوه من أخس الفريقين وهم الإناث، وسبوا الملائكة فجعلوهم إناثا.
﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾
ومعنى ﴿جَعَلُوا﴾ سموا، ولم يصيّر لله بنات؛ كقوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (^٢) وقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ تهكم لأن العلم إنما يكون بالصيرورات أو بالنظريات، وهذا ليس بواحد منهما فلم يبق إلا أن يكون مشاهدا، فتهكم بهم بقوله: ﴿أَشَهِدُوا﴾.
﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ بما ذكر من غير مستند، وقد أضافوا إلى ما سبق عبادتهم الملائكة (٢٥٠ /أ) ودعواهم أن ذلك وقع بمشيئة الله، ولا يقع شيء في الوجود إلا بمشيئة الله؛ ولكن لا يجوز الاحتجاج على الله بمشيئة؛ فالغلط وقع بالاحتجاج بالمشيئة لا بنفس المشيئة.
﴿يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن شهد بصحة ما قالوه.
ثم ذكر استناد عقائدهم إلى عقائد آبائهم بقوله: ﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ أي على دين انفردوا به. و﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ و﴿مُهْتَدُونَ﴾ خبران، أو الظرف صلة لا "مهتدون". ﴿مُتْرَفُوها﴾ الذين أبطرتهم النعمة فلا يحبون إلا الشهوات. أي: أتتبعون
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ١٧٨).
(٢) سورة الحجر، الآية (٩١).
[ ٢ / ٣٠٠ ]
آباءكم ولو جئتكم بأقوى وأرشد مما عليه آباؤكم؟ قالوا: نحن لا ننفك عن دين آبائنا.
﴿بَراءٌ﴾ يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع والإفراد.
قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ يجوز أن يكون استثناء منقطعا منتصبا بذلك، وأن يكون مجرورا بدلا من (مّن)، وكانوا يعبدون الله مع أوثانهم، وأن تكون ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى غير كقوله: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ﴾ (^١) بمعنى غير الله. قال في موضع: ﴿يَهْدِينِ﴾ (^٢) وقال هاهنا ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والجمع بينهما بأن يكون إبراهيم معترفا بأن الله هداه وبأنه سيهديه من المستقبل. وجعل إبراهيم هذا الكلام من التوحيد ﴿كَلِمَةً﴾ أي: جملة مفيدة ﴿باقِيَةً﴾ في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله؛ كقوله: ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ (^٣). وقيل: وجعلها لله.
﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾
﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ﴾ متعتهم بالمال والغنى فلم يقوموا بما قرره إبراهيم من التوحيد فكذبوا الرسول به. ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ القريتان: مكة والطائف. وقيل:
﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ هما: الوليد بن المغيرة، وحبيب بن عمير الثقفي. وعن ابن عباس ومجاهد: هما عتبة بن ربيعة وكنانة ابن عبد ياليل (^٤) وكان عتبة يقول: لو كان ما يقول محمد حقا لكنت أنا أحق بالنبوة منه، أو ابن مسعود الثقفي. وعظموا الرجلين لمالهما وجاههما، ولم يعلموا أن العظيم من عظمه الله، وتحكموا في تعيين أحد هذين الرجلين
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية (٢٢).
(٢) وهو قوله - تعالى -: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ سورة الشعراء، الآية (٧٨).
(٣) سورة البقرة، الآية (١٣٢).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢٥/ ٦٥)، قال الطبري في تفسيره (٢٥/ ٦٦): "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال جل ثناؤه مخبرا عن هؤلاء المشركين وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ إذ كان جائزا أن يكون بعض هؤلاء ولم يضع الله ﵎ لنا الدلالة على الذين عنوا منهم في كتابه ولا على لسان رسوله ﷺ والاختلاف فيه موجود على ما بينت".
[ ٢ / ٣٠١ ]
للنبوة. ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ﴾ الهمزة للإنكار؛ أي: وإذا كانت الأرزاق والمعايش قد تولينا قسمتها ولم نفوضها إلى أحد؛ فما ظنك بالنبوة التي (٢٥٠ /ب) هي سفارة بين الله وبين خلقه؛ فالله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس؟
ليسخّر الغني من الفقير، ويسخّر الغنيّ الفقير بفضل ذات يده. ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ في الآخرة ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ في الدنيا. وقيل: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ في الدنيا بالهداية ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل اشتمال بإعادة العامل، ويجوز اللامان؛ كما في قولك:
وهبت له ثوبا لقميصه.
﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾
والمعارج: جمع معرج، أو اسم جمع، وهي المصاعد؛ أي: العلالي. ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ يعلون؛ قال الله: ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ (^١) ﴿لَمّا مَتاعُ﴾ اللام هي الفارقة بين النافية والمخففة من الثقيلة. وقرئ بكسر اللام (^٢) أي: الذي هو متاع الحياة الدنيا؛ كقوله: ﴿ما بَعُوضَةً﴾ (^٣) بزيادة "ما".
﴿وَلَوْلا﴾ كراهة ﴿أَنْ يَكُونَ النّاسُ﴾ كلهم على ملة واحدة، وهي الكفر، لو سعنا على الكفرة أكثر مما وسعنا؛ لحقارة أمر الدنيا عنده. ﴿وَزُخْرُفًا﴾ أي: زينة، والزخرف:
الذهب، ويريد: وسقفا من فضة وذهب، وخفض عطفا على محل ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾. وفي
_________________
(١) سورة الكهف، الآية (٩٧).
(٢) قرأ بها رجاء بن حيوة. وقرأ عاصم وحمزة وهشام بخلف عنه وابن جماز "لما". وقرأ بقية العشرة "لما " بفتح اللام. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٢١)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٤٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٩٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٨٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٨٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٩١).
(٣) سورة البقرة، الآية (٢٦).
[ ٢ / ٣٠٢ ]
الحديث: "لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء" (^١).
تقول: عشي فلان: إذا أصاب بصره آفة، فأما إذا نظر نظرة العشى من غير آفة قيل:
عشى يعشو، ونظيره عرج؛ إذا أصابته آفة، وعرج - بفتح الراء -: إذا مشى مشي الأعرج، وقال حاتم الطائي [من الكامل]:
أعشو إذا ما جارتي برزت حتّى يواري جارتي الخدر (^٢)
وقرئ: "يعش" بفتح الشين و﴿يَعْشُ﴾ بضمها (^٣) على أن ﴿مَنْ﴾ موصولة، ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ وهو القرآن. وأما قراءة الضم فمعناها: ومن يتعام عن ذكره. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ نيسره. وقرئ "جاءانا" (^٤) على أن الفعل له وللشيطان. ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يريد: المشرق والمغرب؛ فغلب كالعمرين والقمرين، والأصل بعد المشرق من المغرب، وأراد: بعد ما بينهما. ﴿أَنَّكُمْ﴾ في محل رفع على الفاعلية؛ أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب فالمعذب، إذا وجد آخر مثله يتسلى به ويستأنس. وقد حرم الله على أهل النار لذة التأسي، وقد قالت الخنساء (٢٥١ /أ) [من الوافر]:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أعزّي النّفس عنه بالتّأسّي (^٥)
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٢٣٢٠)، وابن ماجة رقم (٤١١٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٠٦)، وصححه الترمذي، والشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٦٨٦).
(٢) ينظر البيت في: الاستذكار لابن عبد البر (٨/ ٣٦٧)، البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٤)، تاريخ مدينة دمشق لأبي القاسم بن هبة الله الشافعي (١١/ ٣٧٤) الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٩٨)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٥١) ويروى بدل "أعشو" في الاستذكار: أعمى، وفي تاريخ دمشق: أغضي. ورواية الكشاف "أعشو" كما هنا.
(٣) قرأ جمهور القراء "يعش" وقرأ ابن عباس وعكرمة "يعش". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٦)، تفسير القرطبي (١٦/ ٨٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٩٨)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٥٠)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٣٢).
(٤) قرأ بها نافع وابن كثير وابن عامر وشعبة وأبو جعفر، وقرأ بقية العشرة "جاءنا". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٦)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٢١)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٥٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٩٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٨٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٨٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦٩).
(٥) تنظر الأبيات في: الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر (٧/ ٦١٦) في ترجمة الخنساء، البحر -
[ ٢ / ٣٠٣ ]
ولك أن تجعل الفاعل التمني؛ أي: ولن ينفعكم اليوم التمني، وهو قوله: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾.
﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾
وقوله: ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ تعليل لامتناع الانتفاع بالتمني. ومعنى قوله: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ إذا صح ظلمكم، و﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿الْيَوْمَ،﴾ ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة (^١)
أي: تبين أني ولد كريمة.
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ أي: لا يقدر على إسماعهم إلا الله وحده. (ما) في قوله:
﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ بمنزلة لام القسم في أنها إذا دخلت دخلت النون المؤكدة معها، فإما بقبضك إلينا قبل أن ترى فيهم ما يسرك؛ فنحن نتولى عقوبتهم في الآخرة، وإن عوقبوا في الدنيا، وعلمت بذلك سرّي عنك بعض الغم.
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ﴾ أي: لشرف. ﴿وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ عن القيام بحقه. ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا﴾ قيل:
انظر في أديانهم وما جاء فيها من الاعتقادات، هل فيها شيء من أغاليطهم.
وقيل: إن رسول الله ﷺ جمع له الأنبياء ليلة المعراج، فأمهم. وقيل له: اسأل، فقال:
"إني لم أشك، فلم يسأل" (^٢).وقيل: اسأل أمم من أرسلنا. ﴿إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ يسخرون ويستهزئون.
_________________
(١) = المحيط لأبي حيان (٨/ ١٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٩٩)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٥٣).
(٢) صدر بيت لزائد بن صعصعة، وعجزه: ولم تجدي من أن تقري به بدا. ينظر في: تفسير الطبري (١/ ٣٢٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٠٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٠)، معاني القرآن للفراء (١/ ٦١)، المغني لابن هشام (١/ ٢٥).
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧٢٦) ونسبه لابن المنذر.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
فإن قلت: كيف يجوز أن يجاب "لما" ب "إذا"؟
قلت: إذا للمفاجأة، والمعنى أنهم بادروا بالاستهزاء قبل التثبت.
﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾
ومعنى ﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها﴾ أي: إلا وهي أكبر مما يقرن بها، فلا يعارض قوله: هي أكبر من أختها التي فضلت عليها؛ لأن المقصود وصفها بالكبر والعظم، فلا تعارض إذن. وربما اختلفت آراء الناس في التفضيل؛ فبعضهم يرجح هذا وبعضهم يرجح ذاك، ولهذا فاضلت الأنمارية بين أولادها لما سئلت عن أفضلهم، فقالت:
هم كالحلقة، لا يدرى أين طرفاها (^١).
لفظ ﴿السّاحِرُ﴾ حمل على ظاهره، وكانوا كاذبين في قولهم: ﴿إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ناوين للخلف؛ لقوله: ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. وقيل: إن الساحر كان اسما للعالم الفاضل، وكان السحر أبهة؛ فعظموه في زعمهم بقولهم: ﴿يا أَيُّهَا السّاحِرُ﴾. ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بما أعلمك أن دعوتك مستجابة، أو بعهده عندك وهو النبوة، أو عهد عندك فوفيت، أو: هو الإيمان وشرائعه، أو: ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أن من تاب (٢٥١ /ب) عن المعصية فقد اهتدى.
﴿وَنادى فِرْعَوْنُ﴾ أمر بالنداء في مجالسهم ومجتمعهم، ويجوز أن يكون عنده عظماء القبط فرفع فرعون صوته بهذا النداء يشبه النداء. قيل: كانت تجري تحت قصره أو تحت سريره، أو: تجري بأمره حيث يأمر بكسرها، ويجوز أن تكون الواو عاطفة الأنهار على ﴿مُلْكُ مِصْرَ﴾ و﴿تَجْرِي﴾ نصب على الحال منها، وأن تكون الواو للحال واسم الإشارة مبتدأ، و(الأنهار) صفة لاسم الإشارة، و﴿تَجْرِي﴾ خبر للمبتدأ.
"أم" في قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ للاستفهام؛ لأن المعنى: أتبصرون أم لا تبصرون؟ فقد
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٥٦)، والمباركفوري في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (٨، ١٣٩)، والمناوي في فيض القدير (٢/ ١٨٥) والمعنى: الكمال، فلا يفضل طرف على آخر.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
أقام بصرهم مقامه أن فيه الخير موجودا عنده، ويجوز أن تكون منقطعة والهمزة للتقرير ﴿مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ يشير إلى موسى ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ لا يفصح عما يريد العبارة عنه للعقدة التي كانت في لسانه، واختلف العلماء فيها؛ فقال قوم: إنها زالت لقوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (^١) ثم قال: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ (^٢) وقال قوم: إنها ذهب أكثرها وبقي باقيها؛ ولهذا قال موسى: ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ (^٣) فلم يصف نفسه باللكنة، بل وصف أخاه بالفصاحة.
﴿أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (^٤) أي: هلا سلمت المملكة إليه، أو: هلا جاء معه الملائكة مقترنين به عند قدومه.
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾
_________________
(١) سورة طه، الآية (٢٨، ٢٧).
(٢) سورة طه، الآية (٣٦).
(٣) هذه قراءة عامة القراء "أساورة" بالجمع إلا حفص عن عاصم فقرأ "أسورة" بالإفراد. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٢٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٠٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٨٧)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٥٨) قال الطبري في تفسيره: (٢٥/ ٨٢ - ٨٣): "وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي ما عليه قراءة الأمصار وإن كانت الأخرى صحيحة المعنى. واختلف أهل العربية في واحد الأساورة والأسورة؛ فقال بعض نحويي البصرة: الأسورة: جمع إسوار، والأساورة: جمع الأسورة، وقالوا: من قرأ ذلك أساورة فإنه أراد أساوير، والله أعلم، فجعل الهاء عوضا من الياء مثل الزنادقة صارت الهاء فيها عوضا من الياء التي في زناديق. وقال بعض نحويي الكوفة: من قرأ أساورة جعل واحدها إسوار، ومن قرأ أسورة جعل واحدها سوار، وقالوا: قد تكون الأساورة جمع أسورة كما يقال في جمع الأسقية الأساقي، وفي جمع الأكرع الأكارع. وقال آخر منهم: قد قيل في سوار اليد يجوز فيه أسوار وإسوار، قال: فيجوز على هذه اللغة أن يكون أساورة جمعه. وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: واحد الأساورة إسوار، قال: وتصديقه في قراءة أبي بن كعب:" فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب "فإن كان ما حكي من الرواية من أنه يجوز أن يقال في سوار اليد إسوار فلا مؤونة في جمعه أساورة. ولست أعلم ذلك صحيحا عن العرب برواية عنها وذلك أن المعروف في كلامهم من معنى الإسوار الرجل الرامي الحاذق بالرمي من رجال العجم، وأما الذي يلبس في اليد فإن المعروف من أسمائه عندهم سوارا، فإذا كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بالأساورة أن يكون جمع أسورة على ما قاله الذي ذكرنا قوله في ذلك".
(٤) سورة القصص، الآية (٣٤).
[ ٢ / ٣٠٦ ]
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والطيش. ﴿آسَفُونا﴾ أغضبونا.
﴿سَلَفًا﴾ يحدث بحديثهم بعدهم ويهدد بأنه من عصى الله حقيق بأن يقع به مثل العذاب. ولما نزل ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (^١) قال ابن الزبعري: اليوم أخصم محمدا إن خصمته يوما من الدهر، فجاء إلى النبي ﷺ ومعه جماعة؛ فقال: إنك تزعم أنه أنزل عليك ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أليس قد عبد المسيح عيسى ابن مريم؟ أليس قد عبد العزيز، وعبدت الملائكة؟ فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن تكون آلهتنا معهم! فسكت النبي ﷺ وصفق المشركون وفرحوا، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ (^٢) أو من هؤلاء المعبودين ﴿أُولئِكَ عَنْها﴾ عن النار ﴿مُبْعَدُونَ﴾
﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾
والمعنى: ولما ضرب عبد الله بن الزبعري عيسى بن مريم مثلا جادل رسول الله ﷺ بعبادة النصارى إياه ﴿إِذا قَوْمُكَ﴾ قريش ﴿مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ يرفعون أصواتهم، ومنه ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (^٣) (٢٥٢ /أ) ومن قرأ "يصدون" (^٤) فهو من الصدود. ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ﴾ مثلا ﴿إِلاّ جَدَلًا﴾ مغالبة للحق بالباطل لا تمييزه.
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية (٩٨).
(٢) سورة الأنبياء، الآية (١٠١) والحديث رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٥٣) ونسبه له الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧٢)، وذكره الهيثمي أيضا في مجمع الزوائد (٧/ ١٠٧) ونسبه لأحمد والطبراني، وقال: وفيه عاصم بن بهدلة؛ وثقه أحمد وغيره وهو سيئ الحفظ وبقية رجاله رجال الصحيح. ورواه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣١٤) رقم (٦١٦) و(ص: ٣٩١) رقم (٧٤٠) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٦٠٧) ونسبه للفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبي داود في ناسخه والحاكم.
(٣) سورة الأنفال، الآية (٣٥).
(٤) قرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو جعفر وخلف "يصدون" وقرأ بقية العشرة "يصدون". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٢٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٢٢)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٥٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٠٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٨٧)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٦٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦٩).
[ ٢ / ٣٠٧ ]
﴿خَصِمُونَ﴾ شداد الخصومة؛ كقوله: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (^١)
لما رأى ابن الزبعرى لفظا محتملا للعموم مع علمه بأن المراد الأصنام، والظاهر أن لفظة (ما) لغير العقلاء؛ فتدخل فيه الأصنام.
وقيل: إنهم لما قالوا لما نزل قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (^٢) قالوا: نحن خير من النصارى؛ إنهم عبدوا آدميا، ونحن عبدنا الملائكة؛ فنزلت (^٣).
وقوله: ﴿أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ﴾ هذا تفضيل لآلهتهم على عيسى، ويجوز أن يكون "جدلا" حال؛ أي: جدلين. وقيل: قالت قريش: إن محمدا يريد أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى وهو بشر. وقوله: ﴿أَمْ هُوَ﴾ يعنون محمدا ﷺ ومقارنة النبي بآلهتهم تنقيص من جانب النبي ﷺ.
﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾
﴿إِنْ هُوَ﴾ عيسى ﴿إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة وخلقناه من غير أب، وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر، ولو نشاء لفعلنا كل عجيب. ﴿مَلائِكَةً﴾ يخلفونكم في الأرض؛ كما تخلفكم الأولاد.
﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: هو شرط من أشراط الساعة، وعلامة من علاماتها، وسمي الشرط علما لحصول العلم به، وقرأ ابن عباس بفتح اللام (^٤) أي:
_________________
(١) سورة مريم، الآية (٩٧).
(٢) سورة آل عمران، الآية (٥٩).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٦٠).
(٤) وقرأ بها أيضا أبو هريرة وأبو مالك الغفاري وقتادة ومالك بن دينار والضحاك وزيد بن علي. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٢٦)، تفسير القرطبي (١٦/ ١٠٥)، الدر المصون -
[ ٢ / ٣٠٨ ]
علامة. وفي الحديث: "ينزل عيسى على عقبة من الشام يقال لها: أفيق. وبيده حربة يقتل بها الدجال، ويقتل الخنزير، وتهلك في أيامه الملل، ولا يبقى إلا الإسلام" (^١).
وقيل: ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن القرآن لعلم للساعة يعرف بها. ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ﴾ فلا تشكن ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ أي: هداي أو شرعي أو رسولي. وقيل: هذا أمر لرسول الله ﷺ أن يقوله.
﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ بالمعجزات، أو بآيات الإنجيل. ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ بالإنجيل والشرائع. فإن قيل: لم اقتصر على تبيين بعض الذين اختلفوا فيه؟ قلنا: يريد به أمر الديانات، ولا يتعرض لما لا ضرورة إليه من أمور الدنيا. ﴿الْأَحْزابُ﴾ الفرق المتحزبة بعد عيسى.
وقيل: اليهود والنصارى. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وعيد للأحزاب، والضمير في ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ يرجع إلى الذين خاطبهم عيسى في قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾. ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ بدل من ﴿السّاعَةَ﴾.
وقوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ يعطي أمرا زائدا على قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ لأن قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ يظهر في معايشهم وجدالهم في الدنيا، و﴿بَغْتَةً﴾ بغير موعد، ويجوز أن تأتيهم بغتة وهم فطنون ليسوا في (٢٥٢ /ب) خصام.
﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾
_________________
(١) = للسمين الحلبي (٦/ ١٠٦)، فتح القدير (٤/ ٥٦٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٩٤)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٣٧)، مفاتيح الغيب للرازي (٢٧/ ٢٢٢).
(٢) رواه البخاري رقم (٢٤٧٦، ٢٢٢٢)، ومسلم رقم (١٥٥)، وأحمد في المسند (٢٧٢، ٢/ ٢٤٠)، والترمذي رقم (٢٢٣٣)، وابن ماجه رقم (٤٠٧٨)، وابن حبان رقم (٦٨١٨).
[ ٢ / ٣٠٩ ]
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ منصوب ب "عدو" فتنقطع في ذلك اليوم كل خلة لا يراد بها وجه الله، وأما الخلة في الله فهي باقية يظهر أثر خيرها في الآخرة. وقيل: ﴿إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين اجتنبوا أخلاء السوء. وقيل: نزلت في أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط (^١).
وينادي المتقون المتحابون في الله: ﴿يا عِبادِ﴾. و﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ محله نصب؛ صفة ل ﴿عِبادِيَ﴾ فإنهم صدقوا بالآيات وكانوا مخلصين. وقيل: إذا نادى المنادي: ﴿يا عِبادِ﴾ طمع فيها كل أحد؛ فإذا قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يئس منها الكفار.
﴿تُحْبَرُونَ﴾ تسرون سرورا يظهر أثره على وجوهكم؛ كقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (^٢) وقال الزجاج (^٣): ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تكرمون إكراما يبالغ فيه، والحبرة: المبالغة في كل ما وصف بجميل.
والكوب: الكوز لا عروة له، وفيها الضمير للجنة. ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ، و﴿الْجَنَّةُ﴾ خبر، ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ صفة للجنة، أو ﴿الْجَنَّةُ﴾ صفة لقوله: ﴿وَتِلْكَ﴾ و﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ خبر. والباء في قوله: ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ إما تعليل لإيراث الجنة أو يتعلق بمحذوف؛ كالظروف التي تقع أخبارا، وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على أهله.
﴿مِنْها تَأْكُلُونَ﴾ للتبعيض، أي: لا يأكلون إلا بعضها. ﴿لا يُفَتَّرُ﴾ لا يخفف؛ والمبلس:
البائس الساكت سكوت يأس. وقيل: يجعل الكافر في تابوت من نار، ويملأ نارا ويردم عليه، فلا يرى ولا يرى. ﴿وَهُمْ﴾ فصل أو عماد. وقيل لابن عباس: إن ابن مسعود يقرأ:
يا مال؛ فقال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم (^٤). ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا﴾ من قضى عليه إذا مات، والمعنى سل ربك أن يميتنا. والآخرة فيها مواقف؛ فتارة يبلسون ويسألون، وتارة ينادون مالكا؛ فلا تعارض. ﴿أَمْ﴾ أبرم مشركو مكة ﴿أَمْرًا﴾ يكيدونك به؛ كما جرى في دار الندوة. ﴿فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ كيدنا كما أبرموا كيدهم. ﴿وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ﴾ يعني الحفظة. وعن يحيى ابن معاذ (^٥): "من أخفى عن الناس ذنوبه وأبداها لمن لا تخفى عليه خافية فقد جعله الله
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٦٣).
(٢) سورة المطففين، الآية (٢٤).
(٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٤١٩).
(٤) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٥٥) وقال: غريب.
(٥) هو يحيى بن معاذ الرازي من الزهاد المتهجدين والعباد الصالحين، له كلام جيد ومواعظ مشهورة -
[ ٢ / ٣١٠ ]
أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق" (^١).
﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾
﴿إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ﴾ إن ثبت ذلك ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ أول من يعظم ذلك الولد؛ وهذا كلام أورد على سبيل الفرض والتمثيل، والغرض المبالغة في نفي الولد، وأنه علق عبادة الولد بكونه ثابت الولادة، وذلك الثبوت محال؛ فالمعلق عليه محال مثله. وقيل: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ الجاحدين لبنوة ذلك الولد. وقيل: ﴿إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ﴾ الآنفين من نسبة الولد إليه (٢٥٣ /أ). وقيل ﴿إِنْ﴾ نافية، أي: ما كان للرحمن ولد، ثم نزه ذاته الموصوفة بربوبية السماوات والأرض ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ من اتخاذ الولد.
﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ في باطلهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم، وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ ليس إذنا في الخوض واللعب؛ بل هو إنكار بليغ، وفي قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ هو كقوله: هو حاتم في طيئ؛ أي: هو المشهور بذلك. ﴿وَلا يَمْلِكُ﴾ آلهتهم التي يدعون أنها تشفع فيهم في الآخرة؛ كقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ (^٢) ولكن ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ وهو التوحيد وهو يعلم ما يشهد به عن بصيرة بصحة ما شهد به، وهو استثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا؛ لأن في جملة الذين يدعون من دون الله الملائكة.
﴿وَقِيلِهِ﴾ قرئت بالحركات الثلاث (^٣) فالنصب:
_________________
(١) = وكان حكيم زمانه، روت عنه كتب التراجم الكثير من الحكم والمواعظ. توفي سنة ٢٥٨ هـ وله من الكتب كتاب المريدين. تنظر ترجمته في: حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٥١)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٥)، الفهرست لابن النديم (١/ ٢٦٠)، وفيات الأعيان (٦/ ١٦٥).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٦٥).
(٣) سورة الأنبياء، الآية (٢٨).
(٤) قرأ بالرفع "وقيله" الأعرج وأبو قلابة والحسن ومجاهد. وقرأ بالنصب "وقيله" نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والكسائي. وقرأ بالخفض "وقيله" عاصم وحمزة. تنظر القراءات في: الإملاء -
[ ٢ / ٣١١ ]
قال الأخفش (^١): هو معطوف على ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾. وعنه: هو مصدر؛ أي:
وقال قيله. وحمله الزجاج (^٢) على موضع "الساعة" أي: يعلم الساعة، ويعلم قيله؛ كما تقول: عجبت من ضرب زيد وعمرا، وحمل الجر على لفظ "الساعة" بتقدير حذف المضاف والذي قالوه ليس بقوى في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا، وأجود من هذا كله أن يكون النصب والجر على إضمار حرف القسم وحذفه، والرفع على قولهم أيمن الله. وقوله: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ جواب القسم.
﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ فأعرض عنهم وايأس من إيمانهم، وقل لهم (سلم) أي: نسلم منكم ومتاركة. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيد من الله وتسلية لرسول الله ﷺ والهاء في "وقيله" ترجع إلى النبي ﷺ أي: يعلم قول رسول الله ﷺ في شكيته منهم.
***
_________________
(١) = للعكبري (٢/ ٢٢٩)، البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٣٠)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٢٣)، الحجة لأبي علي (٦/ ١٥٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٠٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٨٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٩٨)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٣٨).
(٢) ذكره عنه الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٦٨) وعبارته: وذكر في النصب عن الأخفش أنه حمله على "أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله".
(٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٤٢١).
[ ٢ / ٣١٢ ]