﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا (١) فَالزّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فَالتّالِياتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤)﴾
أقسم سبحانه بطوائف الملائكة أو بنفوسهم ﴿وَالصَّافّاتِ﴾ أقدامها في الصلاة؛ من قوله:
﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ (^١) أو أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله. ﴿فَالزّاجِراتِ﴾ السحاب سوقا. ﴿فَالتّالِياتِ﴾ لكتب الله المنزلة وغيرها. وقيل: ﴿وَالصَّافّاتِ﴾ الطير؛ لقوله: ﴿وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ﴾ (^٢) والزاجرات: كل شيء نهى عن معصية الله. والتاليات: كل من تلا كتاب الله، ويجوز أن يراد طوائف العلماء الصافات أقدامهم في قيام الليل وأفعال الخير، وسائر الصلوات وصفوف الجماعات؛ فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله والدارسات شرائعه، أو بنفوس قواد الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر، لا يشغلها عنه شغل. والفاء الواقعة بين أنواع المقسم به إما للترتيب في الوجود؛ كقول الشاعر [من السريع]:
يا ويح زيّابة للحارث الصالح فالغانم فالآيب (^٣)
فإن هذه الأمور جاءت على ترتيب الوجود، وإما لترتيبها في الفضيلة؛ كقولك:
اصحب الأفضل فالأفضل، وافعل الأجمل فالأجمل. وإما على ترتيب موصوفاتها في ذلك؛ كقوله: "رحم الله المحلقين فالمقصرين" (^٤).رتب التقصير على الحلق؛ فإن الحلق أفضل؛ فإذا وحدت الصفات كانت على ترتيب الصفات، وإن ثنيت أو جمعت كانت على ترتيب الموصوفات.
_________________
(١) سورة الصافات، الآية (١٦٥).
(٢) سورة النور، الآية (٤١).
(٣) البيت لابن زيابة، ينظر في: خزانة الأدب (٥/ ١٠٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٩٤)، الدرر اللوامع (٦/ ١٦)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص: ١٤٧)، شرح شواهد المغني (ص: ٤٦٥)، الكشاف للزمخشري (١/ ٤١)، معجم الشعراء (ص: ٢٠٨)، مغني اللبيب (ص: ١٦٣).
(٤) أورده بهذا اللفظ الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٤)، وابن هشام في مغني اللبيب عن كتب الأعاريب (١/ ١٦٣)، والمرادي في الجنى الداني (ص: ٦٥). وأصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ بلفظ: "اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين، قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين، وفي الثالثة قال: والمقصرين". [رواه البخاري رقم (١٧٢٧)، ومسلم رقم (١٣٠١)].
[ ٢ / ١٨٩ ]
إذا أجريت الصافات على الملائكة وجعلتهم جامعين - أفادت الفاء ترتيبها في الفضل؛ فيكون الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة، وإما على العكس (٢١٥ /ب) وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة. وإن أردت بالصافات الملائكة وأعدت الثانية والثالثة على طوائف أخر، فقد أفادت ترتيب الموصوفات في الفضل؛ أعني أن الصافات ذا فضل، والزاجرات ذات فضل، والتاليات، أو على العكس، وكذلك إن أردت بالصافات:
الطير، وبالزاجرات: كل ما يزجر عن معصية الله، وبالتاليات: كل نفس تتلو الذكر؛ فإن الموصوفات مختلفة.
﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦)﴾
﴿رَبُّ السَّماواتِ﴾ خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. والمشارق: ثلاثمائة وستون مشرقا، والمغارب مثل عددها، تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب حتى تنتهي إلى آخر المشارق والمغارب.
فإن قلت: ثنى المشارق والمغارب في سورة الرحمن؛ قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ (^١). وجمع هاهنا فقال: ﴿الْمَشارِقِ؟﴾ قلت: أراد مشرق الصيف والشتاء ومغربهما. ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أي: القريبة منكم، والزينة مصدر؛ كالمشية، أو اسم لما يزان به الشيء؛ كالليقة (^٢) اسم لما تلاق به الدواة؛ تقول: ألق دواتك، أي: أصلحها، وهما محتملان هاهنا؛ فإن كان مصدرا فمضاف إلى الفاعل، أي: بأن زانتها الكواكب، والمراد: زانتها الكواكب وحسنتها. وإن جعلتها اسما غير مصدر - وذلك بأن تتبع الكواكب - بيانا للزينة؛ لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها، وأن يراد مما زيّنت به الكواكب، وروي بالإضافة، وخفض الكواكب؛ أي: وضوء الكواكب، ويجوز أن يراد أشكالها المختلفة؛ كالثريا وبنات نعش، ومسايرها، وقرئ: ﴿بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ بتنوين "زينة" وجر "الكواكب" على الإبدال (^٣).
_________________
(١) الآية (١٧).
(٢) ليقة الدواة: هي ما اجتمع في وقبتها من سوادها بمائها، ودواة ملوقة أي: مليقة إذا أصلحت مدادها. ينظر: لسان العرب (ليق).
(٣) قرأ عاصم في رواية شعبة عنه "بزينة الكواكب" وقرأ في رواية حفص عنه وكذلك قرأ حمزة "بزينة الكواكب" وقرأ الباقون "بزينة الكواكب". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان -
[ ٢ / ١٩٠ ]
﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)﴾
﴿وَحِفْظًا﴾ محمول على المعنى، أي: إنا زينا السماء الدنيا، وحفظناها. والمارد:
الخارج من الطاعة، والضمير في ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ لجميع الشياطين؛ لأنه في معنى شيطان، يقال: تسمع فسمع، وتسمع فلم يسمع. وعن ابن عباس: "إنهم يتسمعون ولا يسمعون" (^١).وقوله: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ ليس بصفة؛ لأن نفي السمع من شيطان لا يسمع لا فائدة فيه، و﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ مستأنف، التقدير: أن سائلا قال: فما شأنهم عند التسمع؟ قلت: لا يسمعون، وهم مطرودون عن التسمع. ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ﴾ خطفة فاسترق فعندها (٢١٦ /أ) تعاجله الهلكة باتباع الشهاب الثاقب.
فإن قيل: هل يجوز أن يكون أصله: لئلا يسمعوا؛ فحذفت اللام كما حذفت في قولك:
جئتك أن تكرمني، فبقي أن يسمعوا، فحذفت أن وأقر عملها؟ قلنا: الحذف في هذين الحرفين معا منكر، أما حذف أحدهما فجائز، ولا يحمل الكتاب العزيز على الشذوذ المنكر؛ تقول: سمعت الحديث بمعنى: أدركته، وسمعت إلى الحديث بمعنى: أصغيت وأدركت. و﴿الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ الملائكة؛ لأنهم سكنوا السماوات، والملأ الأسفل هم الجن والإنس؛ لأنهم سكنوا الأرض. وقيل: هم الحفظة من كل جانب من السماء من أي جهة صعدوا للاستراق. الدحور: الطرد، أي: يرمون بالشهب طردا، أو ﴿دُحُورًا﴾ حال والواصب: الدائم؛ بمعنى أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب مع أنهم أعد لهم نوع من العذاب دائم لا ينقطع.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾
الهمزة تنقل الكلام من الاستفهام إلى التقرير، ولذلك قيل: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ والضمير
_________________
(١) = (٧/ ٣٥٢)، تفسير القرطبي (١٥/ ٦٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٠٠)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٠٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٩٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٤٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٦).
(٢) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٧٩) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﵂.
[ ٢ / ١٩١ ]
لمشركي مكة. وقيل: نزلت في أبي الأشد بن كلدة (^١) وكان قويا. ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾ يريد ما ذكر من خلائقه من السماوات والملائكة والأرض والمشارق والمغارب والكواكب والشهب والشياطين، وغلب العقلاء على غيرهم فقال: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾.
﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ إما شهادة عليهم بالضعف؛ لأن ما يصنع من الطين لا يوصف بالقوة وقيل: أمن خلقنا من الأمم السالفة والقرون الخالية وهو بعيد.
﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ (بل عجبت) من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة، وهم ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ يستهزئون بأمر البعث. وقرئ "عجبت" (^٢) بضم التاء، أي: عجبت من كثرة مخلوقاتي ومن إنكار هؤلاء البعث، وجاء العجب في صفات الله تعالى، وهي الروعة التي تحدث للإنسان عند رؤية ما يستغربه، والله تعالى منزه عن ذلك، ومعناه: أنهم حلوا محل من يتعجب منه ويسخر، وفي الحديث: "عجب ربكم من إلّكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم إياكم" (^٣).وكان شريح يقرأ بالفتح ويقول: "إن الله لا يعجب من شيء" (^٤).
_________________
(١) ذكر ذلك الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٧) وهو أبو الأشد بن كلدة بن أسد بن خلف الجمحي قتل كافرا كنيته أبو الأعور. ينظر: نزهة الألباب في الألقاب للحافظ ابن حجر العسقلاني (٢/ ٢٥١).
(٢) قرأ بها حمزة والكسائي وخلف، وقرا الباقون "عجبت" بالفتح. تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٥٤)، تفسير القرطبي (١٥/ ٦٩)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٠١) الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٠٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٩٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٤٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٣٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٦).
(٣) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ١٧٥) وقال: غريب. قال أبو عبيد في غريب الحديث (٢/ ٧٢)، الإل: أن يرفع الرجل صوته بالدعاء، وبعض المحدثين يرويه: "من أزلكم" والأزل: الشدة، ثم قال: وأراه المحفوظ.
(٤) مذهب أهل الحق من السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان من الخلف في مثل هذه الصفات التي أخبر الله - تعالى - بها عن نفسه، أو أخبر عنها رسوله ﷺ: إمرار هذه الصفات كما أتت من غير تكييف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، فهو - سبحانه - ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقد ورد في أكثر من حديث في صحاح كتب السنة إثبات صفة العجب لله - تعالى - ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه رقم (٢٨٤٨)، وأبو داود رقم (٢٦٧٧) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل". وروى أحمد في المسند (٤/ ١٥٨)، وأبو داود رقم (١٢٠٣)، وابن حبان رقم (١٦٦٠) عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "يعجب ربك من راعي غنم في رأس الشظية للجبل، يؤذن للصلاة ويصلي فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة". كما روى أحمد أيضا في مسنده (١/ ٤١٦)، وأبو داود رقم (٢٥٣٦)، وابن حبان رقم (٢٥٥٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١١٢) عن ابن مسعود ﵁ -
[ ٢ / ١٩٢ ]
وهم قوم إذا وعظوا لا يتذكرون.
﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾
﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً﴾ كانشقاق القمر وغيره يستدعون السخرية من غيرهم و﴿أَوَآباؤُنَا﴾ معطوف على محل "إن" واسمها، أو على الضمير في ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ والذي جوز العطف على المضمر المرفوع بغير (٢١٦ /ب) تأكيد - الفصل بهمزة الاستفهام وقرئ بسكون الواو (^١) والمعنى: نعم تبعثون. ﴿وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ صاغرون، وفي الكلام محذوف تقديره:
فإذا كان ذلك فما هي إلا نفخة واحدة يميت الله بها كل حي، ثم نفخة أخرى يحيي بها كل ميت. الزجرة: الصيحة؛ من قولك: زجر الراعي الغنم. إذا صاح عليها؛ قال الشاعر [من المنسرح]:
زجر أبي عروة السباع إذا أشفق أن يختلطن بالغنم (^٢)
﴿فَإِذا هُمْ﴾ أحياء ﴿يَنْظُرُونَ﴾.
﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾
_________________
(١) = عن النبي ﷺ قال: "عجب ربنا من رجلين؛ رجل ثار من وطأته ولحافه من بين حبه وأهله إلى الصلاة، فيقول الله - جل وعلا -: انظروا إلى عبدي ثار من فراشه ووطأته من بين حبه وأهله إلى صلاته؛ رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم الناس وعلم ما عليه في الانهزام، وماله في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه". وهناك أحاديث كثيرة في هذا الباب، والصواب - وهو مذهب السلف الصالح وما عليه جمهور المسلمين -: الإيمان بهذه الصفات وإثباتها لله تعالى على مراد الله تعالى، ونسأل الله تعالى أن يهدينا والمسلمين إلى الفهم الصحيح والعقيدة النقية الصافية.
(٢) قرأ قالون وأبو جعفر وابن عامر "أو آباؤنا" وقرأ الباقون "أو آباؤنا". تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٥٥)، تفسير القرطبي (١٥/ ٧١)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٠٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٩٧)، مجمع البيان للطبرسي (٨/ ٤٣٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٧).
(٣) البيت للنابغة الجعدي، ينظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٥٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٩٤)، ديوان النابغة الجعدي (ص: ١٥٨)، القاموس المحيط لأبي حيان (عرا)، الكامل للمبرد (٢/ ١٦٥)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٣٨)، لسان العرب (عرا)، القاموس المحيط لأبي حيان (عرا).
[ ٢ / ١٩٣ ]
﴿(٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾
ومن قوله: ﴿يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى قوله: ﴿اُحْشُرُوا﴾ من كلام الله للملائكة.
﴿وَأَزْواجَهُمْ﴾ أصنافهم: ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أصنامهم ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ فعرفوهم طريق النار، وأمر الله الملائكة أن يقفوهم ويبكتوهم، فخاطب الملائكة بقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ ثم خاطبهم بقوله: ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضا.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (^١) بل قد استسلموا لأن يعذبوا. لما كانت اليمين أشرف العضوين فبها يتحالفون ويتعاقدون؛ سموها اليمنى، ومقابلتها الشؤمي؛ فقيل: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي: عن الجهة المحمودة فتنهوننا عن النفقة في سبيل الله وما أشبهها من جهات الخير.
﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: أعرضتم من قبل أنفسكم. ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ﴾ تسلط (بل كنتم مختارين للطغيان) ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ﴾ العذاب ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ﴾ فحببنا إليكم الغي على الفساد. ﴿إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ لتكونوا أمثالنا في الغي. ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ الأتباع والمتبوعين ﴿فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا﴾ سمعوا بكلمة التوحيد اشمأزوا. ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ كقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (^٢).
﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾
_________________
(١) سورة يس، الآية (٧٤).
(٢) سورة آل عمران، الآية (٣).
[ ٢ / ١٩٤ ]
﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ﴾ لكن عباد الله، وفسر الرزق المعلوم بالفواكه، والفاكهة: كل ما يتلذذ به يريد: مستغنون عن الأقوات بما أوتوا من التركيب المحكم، ويجوز أن يراد بالرزق المعلوم أنه منعوت بأوصاف عظيمة من طعم ولون ورائحة (٢١٧ /أ). وقيل: معلوم الوقت؛ كقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (^١).
﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ أي: يقال لهم: إنكم حقيقون بالفاكهة السنية، ودخول الملائكة عليهم بالتحية. التقابل أتم للسرور والأنس. وقيل: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
يقال للزجاجة فيها الخمر: كأس، وتقول: شربت خمرها. وقيل: كل كأس في القرآن فالمراد بها الخمر. ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ من كأس مشروبها معين. ﴿بَيْضاءَ﴾ صفة للكأس.
﴿لَذَّةٍ﴾ إما مبالغة، وكأنها عين اللذة أو مضافا محذوفا؛ كأنه قال: ذات لذة.
الغول: من غاله يغوله، إذا أهلكه، ومنه الغول الذي في أكاذيب العرب (^٢).
و﴿يُنْزَفُونَ﴾ على البناء للمفعول من نزف الشارب إذا ذهب عقله، ونزحت الركية حتى نزفتها، أي: لم أترك فيها ماء، وقرئ "ينزفون" بضم الياء وكسر الزاي (^٣) يقال:
أنزف الشارب: إذا ذهب عقله. ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قصرت أبصارهن على أزواجهن ﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء، أي: واسعات العيون؛ شبههن ببيض النعام المكنونة في الأداحي (^٤) وبها تشبه العرب النساء، وتسميهن بيضات الخدور.
_________________
(١) سورة مريم، الآية (٦٢).
(٢) قال ابن الأثير في النهاية في غريب الأثر (٣/ ٣٩٦): "الغول: أحد الغيلان وهي جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولا، أي: تتلون تلونا في صور شتى وتغولهم: أي: تضلهم عن الطريق وتهلكهم فنفاه النبي ﷺ وأبطله بقوله:" لا غول ولا صفر ". وقيل: قوله:" لا غول "ليس نفيا لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة واغتياله، فيكون المعنى بقوله:" لا غول "أنها لا تستطيع أن تضل أحدا".
(٣) قرأ حمزة والكسائي وخلف "ينزفون" بكسر الزاي، وقرأ الباقون "ينزفون" بالفتح. تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٦٠)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٠٢) الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٠٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٠١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٤٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٤٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٧).
(٤) الأدحي والإدحي والأدحية والإدحية والأدحوة: مبيض النعام في الرمل؛ لأن النعامة تدحوه برجلها ثم تبيض فيه وليس للنعام عش. ومدحى النعام: موضع بيضها. ينظر: لسان العرب (دحا).
[ ٢ / ١٩٥ ]
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١) أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ (٦٣)﴾
وإنما عطف بالفاء في قوله: ﴿فَأَقْبَلَ﴾ في هذه الآية؛ لأنه لما وصفهم بأنهم مكرمون في جنات النعيم أتبع ذلك حالة المتحدثين على الشراب؛ يتحدثون بما يسر جلساءهم.
قرئ "لمن المصدّقين" بالتشديد، أي: يتصدقون على المحتاجين، وبالتخفيف في الصاد من التصديق (^١). وقيل: نزلت في رجلين تصدق أحدهما بجميع ماله فافتقر؛ فسأل صاحبه أن يعينه بشيء، فقال له: وأين مالك؟ فقال: تصدقت به كله؛ أرجو به ثواب الله؛ فقال: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ الآية، والله لا أعطيك شيئا (^٢).
﴿لَمَدِينُونَ﴾ لمجزيون، من الدين وهو الجزاء، قال ذلك القائل وهو في الجنة لأصحابه الذين معه: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ معي، فينظرون ﴿فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ أي: في وسط الجحيم، فقال له: تالله لقد كدت أن ترديني وتهلكني. وقيل: القائل الله سبحانه.
﴿إِنْ﴾ هي المخففة من الثقيلة، وهي تدخل على نواسخ الابتداء، واللام هي الفارقة بين النافية والمثبتة. ﴿وَلَوْلا﴾ عصمة ربي (٢١٧ /ب) ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ في العذاب ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ كما زعمت ﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ يعني: إن هذا التخلص مما عذب به الكفار، ومن تبكيت المؤمن للكافر - لهو الفوز العظيم.
﴿خَيْرٌ نُزُلًا﴾ خير حاصلا، وحاصل الرزق المعلوم التلذذ والسرور، و﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ الحزن والغم. ويجوز أن يكون حالا؛ كقولك: هذا رطبا خير منه بسرا. والنزل: ما يقام من الطعام والشراب وغيرهما. وقوله: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ تبكيت على اختيارهم الباطل.
_________________
(١) قرأ بها حمزة في رواية علي بن كيسة عن سليم عنه. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٦٠)، تفسير القرطبي (١٥/ ٨٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٠٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٤١)، معاني القرآن للأخفش (٢/ ٤٥١).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٤)، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٩٠).
[ ٢ / ١٩٦ ]
﴿فِتْنَةً﴾ محنة؛ وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة، ودأب النار أن تحرق الشجر فكذبوا؟! وقيل: إن منبتها في أصل الجحيم، وفروعها تأتي على جميع دركاتها، وشبه الطلع برؤوس الشياطين، ولم يرها؛ لأن المركوز في النفوس أن الشياطين في غاية القبح؛ وهو من تشبيه المحسوس بالمعقول.
وقيل: الشيطان حية عرفاء لها عرف.
﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣)﴾
﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ بطونهم؛ لما غلبهم من الجوع أو يكرهون على أكلها، وهو نوع من العذاب. يشربون عليها من ماء شديد الحرارة، إذا صب عليهم أذاب شحم بطونهم، وجاء ب "ثم" ليدل على أن بشاعة الشراب أشد من بشاعة الطعام، ثم إن مصيرهم ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ لأنهم قلدوا في عقائدهم الفاسدة آباءهم.
﴿أَلْفَوْا﴾ وجدوا آباءهم ﴿ضالِّينَ﴾ ﴿يُهْرَعُونَ﴾ أي: يذهب بهم ذهابا شديدا. ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ﴾ قبل قومك ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهم أمم الرسل ﴿مُنْذِرِينَ﴾ أنبياء بعثوا إلى قومهم؛ فكذبوا فأهلكوا. لما ذكر سبحانه ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ وهم الكفار المكذبون، شرع في قصة نوح ومن بعده من الرسل كإبراهيم وإسحاق وإدريس ولوط ويونس فقال: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ أي: استغاث بنا ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ نحن ﴿وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ﴾ من الغرق. ﴿هُمُ الْباقِينَ﴾ يعني أنه لم يبق ممن حمله نوح في السفينة ممن له نسل. روي أنه لم يبق ممن جعل في السفينة مع نوح أحد من المؤمنين به (^١).
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٨)، والسيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٢٤) بنحو هذا.
[ ٢ / ١٩٧ ]
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ ثناء حسنا، وفي المأثور من رقية العقرب أن يقال في آخرها: سلم ﴿عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ (^١)، وقوله في العالمين: يعني أن هذا الثناء عليه والتسليم تتعلمه أمم الأنبياء كلهم؛ فعلل ما أكرمه، وكونه موصوفا بهذه الأوصاف بقوله: ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ (٢١٨ /أ) يعني: من سوى نوح وأولاده ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ﴾ نوح، أي: شايعه في أصول الدين أو فروعه، أو شايعه على التصلب في دين الله. وقيل: ما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة.
﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾
فإن قلت: وبم يتعلق الظرف في قوله: ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ؟﴾ قلت: بما في الشيعة من معنى المتابعة، أو بمحذوف تقديره: اذكر مجيئه ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي: سليم من آفات القلوب.
وقيل: من الشرك، ولا معنى للتخصيص؛ لأن الأفعال المذمومة ليس بعضها أولى من بعض بالنهي، ومعنى المجيء بقلبه أنه أخلص قلبه للطاعة فكأنه جاء بها.
﴿أَإِفْكًا﴾ مفعول له، أي: أتريدون آلهة غير الله، وإنما قدم المفعول على الفعل للاعتناء وقدم المفعول له على المفعول به؛ لأنه كان الأهم عنده أن يواجههم بأنهم على ضلال وإفك، ويجوز أن يكون ﴿أَإِفْكًا﴾ مفعولا به تقديره: أتريدون أفكا، ثم فسر الإفك بقوله: ﴿آلِهَةً دُونَ اللهِ﴾ ويجوز أن يكون حالا، أي: تريدون آلهة دون الله آفكين.
﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ بمن هو الحقيق بالعبادة؛ لأن من كان ربا للعالمين استحق أن يعبد ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ أي: بأي سبب من الأسباب ادعيتم مشاركته في الإلهية، وأي ظن ذهب بكم إلى ذلك. ويجوز أن يكون المعنى: فما ظنكم برب العالمين أنه يفعل بكم: أيعاقبكم أشد العقوبة أم لا؟ ﴿فِي النُّجُومِ﴾ أي: في علومها أو في أحكامها.
سئل بعض الملوك عن مشتهاه؟ فقال: حبيب أنظر إليه، ومحتاج أنظر له، وكتاب أنظر فيه. كان القوم نجّامين فأوهمهم أنه استدل بشيء من أحكام النجوم على أنه سقيم.
_________________
(١) ذكر ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٢٤١) عن سعيد بن المسيب قال: "وبلغني أنه من قال حين يمسي: (سلام على نوح في العالمين) لم تلدغه عقرب".
[ ٢ / ١٩٨ ]
﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مشارف للسقم، والسقم: الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى؛ فهربوا عنه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد ففعل بالأصنام ما فعل، وإنما أخبر بأنه سقيم، ولم يكن كذلك. قالوا: إن الكذب جائز في إصلاح ذات البين، وإرضاء الزوج، وفي المكيدة في الحرب (^١).
وعند المعتزلة: الكذب حرام ويخلص منه بالتعريض، وقد عرض بما يخالف الكذب؛ لأن من في عنقه الموت فهو سقيم (^٢). وفي المثل (٢١٨ /ب) كفى السلامة داء (^٣). وروي أن رجلا مات فجأة فكثر الناس عنده، فقال قائل: مات وهو صحيح، فقال له أعرابي:
أصحيح من الموت في عنقه (^٤). وقيل: أراد: إني سقيم النفس لكفركم.
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾
﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ فذهب إليها في خفية، من روغان الثعلب، ﴿إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ إلى أصنامهم بزعمهم؛ كقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ (^٥). ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ فأقبل عليهم مستخفيا، أو فراغ عليهم يضربهم، أو جعل ﴿ضَرْبًا﴾ بمعنى ضاربا، على الحال. ﴿بِالْيَمِينِ﴾ يريد ضربا قويا؛ لأن اليمين أقوى الجارحتين. وقيل: بالقوة. وقيل: بسبب الحلف، وهو قوله ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾.
﴿يَزِفُّونَ﴾ يسرعون، ويجوز أن يقال: أزفوا، أي: دخلوا في الزفيف، أو حملوا على الزف وهو الإسراع. فإن قلت: ذكر القصة هاهنا يدل على أنهم أبصروه حالة الزف،
_________________
(١) روى الترمذي رقم (١٨٦٢) عن النبي ﷺ قال: "لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس". وحسنه الترمذي. وروى البخاري - رقم (٢٤٩٥)، ومسلم رقم (٤٧١٧) - عن النبي ﷺ قال: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرا أو يقول خيرا".
(٢) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٩).
(٣) روي هذا من كلام النبي ﷺ؛ رواه القضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٣٠٢) رقم (١٤٠٩)، والديلمي في مسند الفردوس (٣/ ٢٩٠) رقم (٤٨٧١) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كفى بالسلامة داء". وضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٠٩٠).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٩).
(٥) سورة النحل، الآية (٢٧).
[ ٢ / ١٩٩ ]
والذي في سورة الأنبياء: أنهم تشوفوا إلى أن علموا؛ فقالوا: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ (^١).
فجوابه: أن الذين طلبوا معرفة كاسرها كانوا فرقة قليلة، وبعضهم رأى وشاهد فلم ينم عليه؛ بل عرضوا بقولهم: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ وقيل: جوابه: أنه كان يكسرها ويذهب ولا يشعر به أحد، ويكون إقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم وسؤالهم عن الكاسر، وقولهم: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾.
﴿قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ أي: خلقكم وخلق ما تعملونه من الأصنام؛ كقوله: ﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ (^٢) أي: فطر الأصنام. فإن قلت: كيف يكون الشيء مخلوقا لله معمولا لهم؛ حيث أوقع خلقه وعملهم عليها جميعا؟!
قلت: الأصنام جواهر، فأوقع خلق الجواهر لنفسه - سبحانه - وأوقع الصنعة والتشكيل والتخطيط على الصنعة؛ كما تقول: صنع الصانع السوار، وصنع النجار الباب.
فإن قلت: فهلا جعلت "ما" في قوله ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾ مصدرية، أي: وعملكم؛ كما تقول المجبرة؟ قلت: أقرب ما يبطل به المذهب أنه يصير التقدير: والله خلقكم وخلق أعمالكم، فكيف ينكر عليهم شيئا صنعه الله؟ (^٣)
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية (٦٠).
(٢) سورة الأنبياء، الآية (٥٦).
(٣) المجبرة أو الجبرية هم الذين يقولون: إن للعبد قدرة غير أنه لا أثر لها البتة وأفعاله مخلوقة لله وحده ولم يثبتوا كسبا للعبد ولا مقدورا بين قادرين. وهذه مسألة يكثر فيها الخوض ويتحير فيها العقل ويتخبط فيها الفهم وتحتاج إلى كلام كثير، وقد اختلفت أقوال الطوائف في مثل هذا، فمذهب أهل الحق: أن الرب - سبحانه - منفرد بخلق المخلوقات ولا خالق سواه ولا مبدع غيره وكل حادث فإنه محدثه. وقالت المعتزلة: إن جميع أفعال العباد من حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأعمالهم لم يخلقها الله، ثم اختلفوا فقالت طائفة: خلقها الذين فعلوها دون الله. وقال آخرون: ليست مخلوقة ولكنها أفعال موجودة لا خالق لها. وقال آخرون: هي فعل الطبيعة. وقال الذين زعموا أن العباد خلقوها: إن وقوع الأفعال من العبد على وفق قصده وداعيته إقداما وإحجاما دليل على أنه موجدها ومخترعها، قالوا: ولولا ذلك لكانت التكاليف كلها واقعة على خلاف الاستطاعة وتكليفها بالمحال وكان لا يحسن مدح ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب وهو خلاف مقتضى العقل والشرع والعرف. ونقل عن الإمامية: هل أفعال العباد خلق لهم أو خلق لله على قولين. ونقل الأشعري عن الزيدية: أنهم فرقتان، فرقة تزعم أن أفعال العباد مخلوقة لله خلقها وأبدعها، وفرقة تزعم أنها مخلوقة لله وأنها كسب للعباد أحدثوها واخترعوها -
[ ٢ / ٢٠٠ ]
فإن قلت: هلا زعمت أن "ما" في قوله: ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾ موصولة ويكون المعنى:
وخلق العمل الذي تعملونه؟ قلت: يأبى ذلك أن الأولى موصولة قولا واحدا؛ فوجب جعل الثانية كذلك (٢١٩ /أ) حتى لا يتفاوت المراد.
﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ (١٠٠)﴾
(الجحيم) النار الشديدة الوقود. وقيل: كل نار على نار، وجمر على جمر فهي جحيم.
أرادوا أن يغلبوه بالحجة؛ فلقنه الله جوابهم، ثم أرادوا أن يقهروه ويحرقوه فنجاه الله من النار. أراد بذهابه إلى ربه هجرته، أراد: مهاجرته إلى أرض الشام. ﴿سَيَهْدِينِ﴾ سيرشدني في ديني؛ كما قال موسى: ﴿كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (^١) وجزم بحصول الهداية بقوله:
﴿سَيَهْدِينِ﴾ وموسى رجا الهداية بقوله: ﴿عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (^٢).
﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يريد الولد؛ لأن لفظ الهبة غلب في الولد، وقد جاء في الأخ؛ كقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ (^٣) وهناء علي بن أبي طالب لابن عباس حين هنأه بولده علي أبي الأملاك (^٤): شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب (^٥).
_________________
(١) = وفعلوها. ومذهب الجمهور أن جميع أنواع الطاعات والمعاصي والكفر والفسوق واقعة بقضاء الله وقدره ثم اختلفوا فقالت طائفة: إن العبد لا قدرة له البتة وهم الجبرية ومنهم من بالغ فزعم أن حركة العبد بمنزلة حركة الأشجار مع الرياح. وقالت طائفة: العبد غير مجبور على أفعاله بل هو قادر عليها ". وينظر في ذلك: إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد لمحمد بن إبراهيم بن الوزير (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨) ط. دار الكتب العلمية - بيروت - ١٩٨٧ م، الكشاف للزمخشري (٤/ ٥١ - ٥٢).
(٢) سورة الشعراء، الآية (٦٢).
(٣) سورة القصص، الآية (٢٢).
(٤) سورة مريم، الآية (٥٣).
(٥) هكذا في الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٣) ولعلها الإملاك وهو التزويج، ويقال للرجل إذا تزوج: قد ملك فلان، وشهدنا إملاك فلان وملاكه وملاكه، أي: عقده مع امرأته. ينظر: لسان العرب (ملك).
(٦) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٥٣) بهذا السياق، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب العيال (١/ ٣٦٥) بسنده عن علي بن الجعد أخبرني الهيثم بن جماز قال: قال رجل عند الحسن لآخر: ليهنك الفارس، فقال الحسن: لعله لا يكون فارسا، لعله يكون بقالا أو جمالا، ولكن قل: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، بلغ أشده ورزقت بره" والهيثم بن جماز ضعيف؛ كما في الكامل لابن عدي (٧/ ١٠١)، وميزان الاعتدال للذهبي (٧/ ١٠٥).
[ ٢ / ٢٠١ ]
﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤)﴾
وتضمنت بشراه ثلاثة أمور: أحدها: أن بشر بولد ذكر، وأن الولد يعيش إلى أن يبلغ معه السعي، وأنه يكون حليما، وأي حلم أعظم من الصبر على الذبح؛ حيث قال:
﴿يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (^١). وقيل: ما أثني على نبي بالحلم كما أثني على إبراهيم؛ لأن الحلم في الناس قليل. ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ في الأشغال والحوائج.
وقوله: ﴿مَعَهُ﴾ لا يجوز أن يتعلق ب "بلغ"؛ لأنه يقتضي بلوغهما معا، ولا بالسعي؛ لأنه من صلة المصدر، وصلة المصدر لا تتقدم عليه؛ فبقي أن يكون معمولا لفعل دل عليه المذكور؛ كأن قائلا يقول: فما السعي الذي بلغه معه؟ فقيل: أن يسعى في مهماته ومقاصد أبيه. وقيل: كان عمر الذبيح وقت الأمر بذبحه ثلاث عشرة سنة، وقد حصل منه هذا الحلم العظيم الذي تأباه الطفولية.
أتي في المنام فقيل له: اذبح ابنك، ورؤيا الأنبياء وحي، ولهذا قال الذبيح: ﴿قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ فجعل ما رآه في المنام أمرا، فأصبح إبراهيم يتروى في هذه الرؤيا أهي حق، أم أضغاث أحلام؟ فسمي يوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية وقيل: سمي يوم التروية؛ لأن الناس يتروون من الماء، ويذهبون إلى عرفات، ولا ماء في عرفات، فلما أصبح إبراهيم في اليوم الثاني رأى ما عرف به أن المنام صحيح فسمي ذلك اليوم يوم عرفة، ثم رأى في الليلة الثالثة مثل ذلك فهم بنحره (٢١٩ /ب) فسمي يوم النحر.
وقيل: إن الملائكة بشرته بغلام، فقال: هو إذن ذبيح لله، فلما وضعته امرأته قالت له الملائكة: أوف بنذرك.
فإن قلت: لم شاور إبراهيم ولده في الذبح وهو أمر حتم من الله؟ قلت: لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، وإنما شاوره؛ لينظر ما عنده من القلق أو التثبت. ﴿فَلَمّا أَسْلَما﴾ أسلم هذا ابنه، وأسلم هذا نفسه. ﴿وَتَلَّهُ﴾ ألقاه بقوة على الأرض. وروي أن ذلك عند الصخرة التي بمنى. وقيل: في الموضع المشرف على مسجد منى. وقيل: في المنحر الذي
_________________
(١) سورة الصافات، الآية (١٠٢).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ينحر فيه اليوم. وجواب ﴿فَلَمّا﴾ محذوف تقديره: فلما أسلما وتله وناديناه جرى ما لا يحيط به الوصف من [الخطب] وحيازة ما لا يقدر قدره من الأجر. ﴿(الْبَلاءُ الْمُبِينُ)﴾ الاختبار الذي يضيق فيه العطن، ويقل فيه الصبر، أو المحنة الصعبة التي لا شيء أصعب منها. الذّبح: اسم لما يذبح. وعن ابن عباس: "هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به الذبيح" (^١).وعن الحسن: فدي بوعل أهبط عليه من ثبير (^٢). فإن قلت: من الذبيح؟ قلت: فيه قولان: أحدهما: أنه إسماعيل وبه قال ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وجماعة من التابعين محتجين بأن الكبش والذبيح كانا بمكة، ولم ينقل أن إسحاق وصل إلى مكة، بل إسماعيل، وبنى هو وأبوه البيت.
والقول الثاني: أنه إسحاق، وبه قال علي بن أبي طالب وابن مسعود والعباس وعطاء وعكرمة، وأن المذبوح هو المبشر به؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ (^٣) وقد قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ (^٤) وقد ثبت أن المذبوح هو المبشر به، ولأن الله تعالى ما ذكر نبيا في هذه السورة إلا سلم عليه، أو بارك، وقد بارك على إسحاق بقوله: ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما﴾ الآية، ولأن الله بشر إبراهيم بولد، وبأن ذلك الولد يعيش إلى أن يولد له ولد، فلو كان الذبيح إسماعيل لكان يقول: إن الله وعدني أن يعيش هذا حتى يرزق ولدا، ولم يرزق بعد ولدا وأكثر العلماء على أن الذبيح إسحاق (^٥). فإن قلت: الله سبحانه أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يذبحه؟ قلنا: قد بذل وسعه، وما وصلت قدرته إليه، إلا أن الله سبحانه أباح له الفداء، وسمي من فعل ذلك مطيعا، ولا يسمى عاصيا. فإن قلت: فالله تعالى هو الفادي، وإبراهيم فاد أيضا! قلت: الله تعالى أوجب الذبح، ووهب الكبش (٢٢٠ /أ) فيطلق على الله أنه فاد، وعلى إبراهيم.
﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٨٦)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١١٣) لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٥٥)، والوعل: تيس الجبل، وثبير: جبل معروف بمكة.
(٣) سورة الصافات، الآية (١١٢).
(٤) سورة هود، الآية (٧١).
(٥) تقدم الكلام على ذلك في تفسيره سورة هود، الآية (٧١).
[ ٢ / ٢٠٣ ]
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾
قال الله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وقال: ﴿وَفَدَيْناهُ﴾ فإن قلت: إبراهيم قد قضى ما كلف به، فما وجه الفداء؟ قلت: أن يوجد الصورة المأمور بها، وهي الذبح، وقال في ذكر الأنبياء: ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي قصة إبراهيم كذلك، والمعنى أنه قد سبق ذكر ﴿إِنّا كَذلِكَ﴾ فأغنى ذكره عن إعادته.
﴿نَبِيًّا﴾ حال مقدرة؛ كقوله: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ (^١) فإن قلت: المبشر به هاهنا مفقود لم يوجد بعد، وقوله: ﴿فَادْخُلُوها﴾ المأمور بدخوله موجود؛ فيبعد تقدير ذكر الحال؛ لأن الحال حلية، وصاحب الحلية غير موجود؟
فجوابه: أنه لابد من تقدير مضاف محذوف، والتقدير: وبشرناه بوجود إسحاق مقدرا له النبوة؛ فيصير مثل قوله: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ حال ثانية، وهو على سبيل الثناء؛ لأن كل نبي يكون من الصالحين.
﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ﴾ يعني: شملتهما نعمنا في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾
﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ من الغرق أو من فرعون وظلمه لبني إسرائيل. ﴿الْمُسْتَبِينَ﴾ المستنير، قال الله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ﴾ (^٢) ومن جوز أن يكون لفظ التوراة عربيّا يقول: إنها مشتقة من وري الزند: إذا اقتدح نارا.
_________________
(١) سورة الزمر، الآية (٧٣).
(٢) سورة المائدة، الآية (٤٤).
[ ٢ / ٢٠٤ ]
﴿إِلْياسَ﴾ قيل: هو إدريس النبي، وفي قراءة ابن مسعود (وإن إدريس) (^١). وقيل: هو إلياس بن ياسين، من ولد هارون أخي موسى.
﴿بَعْلًا﴾ صنم كان لهم، يعني: أتدعونه إلها؟ وقيل: كان صنم ففتنوا به وعظموه حتى جعلوا له أربعمائة سادن، وجعلوا الأربعمائة أنبياء فكان الشيطان يدخل في جوفه ويتكلم بالضلال، والسدنة يحفظونه ويعلمونه الناس، وهم أهل بعلبك.
وقيل: البعل: الرب.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ (١٣٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾
وقرئ "الياسين" (^٢) ولعل الياء والنون معنى في لغة السريان، أو لعله جمع إلياس؛ كما قال: الخبيبيّون وهو ولد عبد الله بن الزبير، والمهلبيّون في جمع المهلب؛ وليس ذلك بجمع إلياس؛ لأنه لو كانت الألف واللام للجمع لعرف بالألف واللام، ولم يعرف. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يعني: أسلبتم العقول فلا تعقلون؟
﴿إِذْ أَبَقَ﴾ سمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا على المجاز. والمساهمة: القرعة، والمدحض: المغلوب. روي أن يونس لما ركب السفينة فقال البحار: إن الله أجرى العادة
_________________
(١) وقرأ بها أيضا الأعمش ويحيى بن وثاب وقتادة. تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٧٢)، تفسير القرطبي (١٥/ ١١٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥١١)، فتح القدير (٤/ ٣٠٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٥٢)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٢٣).
(٢) قرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر وخلف "إلياسين"، وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب "آل ياسين". تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٧٣)، تفسير القرطبي (١٥/ ١١٨)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٠٣) الحجة لأبي زرعة (ص: ٦١٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥١٢)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٤٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦٠).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
أنه إذا كان في هذا المركب عبد آبق لا تسير؛ فقال يونس: أنا العبد الآبق، وزج نفسه في الماء.
﴿مُلِيمٌ﴾ وهو داخل في الملامة (٢٢٠ /ب) ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ من الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح. وقيل: قوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (^١).
وعن ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن فهو صلاة" (^٢) وهذا دليل على أن الله طلب من العبد أن يكثر من ذكره في وقت المهلة، ويتخذ ذلك عدة للشدائد. ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ الظاهر لبثه فيه حيا إلى يوم القيامة. وقال قتادة: ولولا ذلك لكان قبرا (^٣). وروي أن الله تعالى أوحى إلى الحوت حين ابتلعه: إني جعلت بطنك له سجنا، ولم أجعله لك طعاما (^٤).
قيل في مدة لبثه: أربعون يوما. وقيل: عشرون. وقيل: سبعة أيام. وعن الحسن: لم يلبث إلا قليلا ثم أخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقمه فيه. وروي أنه لبث يسيرا والحوت يلاحق السفينة، ويونس يسبح حتى وصل إلى قريب البر فألقاه سالما لم ينخدش منه شيء (^٥). وروي أن الحوت قذفه من الموصل يقال لها: نينوى (^٦).
﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)﴾
والعراء: المكان الخالي من الشجر. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ عليل مما حل به. وروي أن بدنه صار كبدن الصغير حين يولد. واليقطين: كل ما سرح على وجه الأرض وليس له ساق.
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية (٨٧).
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٤٣) ونسبه لعبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن جرير وأحمد في الزهد. وذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ١٨٠) وزاد نسبته لابن مردويه.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٠١) ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٢٧) لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﵁.
(٤) ذكر السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٢٧) ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير عن شهر بن حوشب ﵁ قال: "انطلق يونس ﵇ مغضبا فركب مع قوم في سفينة فوقفت السفينة لم تسر فساهمهم فتدلى في البحر فجاء الحوت يبصبص بذنبه فنودي الحوت: إنا لم نجعل يونس لك رزقا، إنما جعلناك له حرزا ومسجدا".
(٥) ذكر السيوطي هذه الأقوال في الدر المنثور (٧/ ١٢٧ - ١٢٨).
(٦) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ٦٢).
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وقيل: هو الدباء (^١). وقيل: فائدة الدباء أن الذباب لا يجتمع عليه.
وقيل: التين. وقيل: الموز، تغطى بورقه وأكل ثمره. وروي أنه مر [زمان] (^٢) على الشجرة فيبست. قيل: فقيل له: بكيت على شجرة ولم تبك على مائة ألف في يد الكافر (^٣). ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: أنبتناها عالية عليه حتى يستظل بها. ﴿وَأَرْسَلْناهُ﴾ ليس المعنى أنا جددنا له نبوة ورسالة، بل هذا تتمة رسالته الأولى. وقيل: هو إرسال ثان إلى قومه الأولين وإلى غيرهم. وقيل: أسلموا فسألوه أن يرجع إليهم فأبى؛ لأن الأنبياء إذا هاجروا من أرض لبعدهم من المعاصي لا يرجعون إليها. ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ المراد به وصفهم بالكثرة، أي: ومتى وقع نظر ناظر إليهم قال: هم مائة ألف أو يزيدون.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ معطوف على مثله في أول السورة، أمر الله رسوله ﷺ باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا، ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض، ثم أمره بسؤال عن القسمة الضيزى (^٤) وهي جعلهم الملائكة بنات الله، وآيات القرآن مترادفة على إنكار جعل الملائكة إناثا، وإنما خص علم المشاهدة بقوله: (٢٢١ /أ) لأنه تهكم بهم، وقد قال تعالى:
﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ والولد يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ﴾ أي:
حجة، وهذه الآيات دليل على إنكار بليغ وغضب شديد لما ذكروه، وعن الملائكة وجعلهم بنات الله، وقد نوع الكلام أنواعا وبالغ فيه بالوعيد الشديد؛ فعليك أن تشمر عن ساق للاجتهاد، وتوقر جلال الله وعظمته عما لا يليق به.
_________________
(١) الدباء: القرع. ينظر: لسان العرب (دبى).
(٢) بياض في الأصل والمثبت من الكشاف للزمخشري (٤/ ٦٢).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٣٣٨) رقم (٣١٨٦٦)، وذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٦٢).
(٤) قسمة ضيزى: جائرة غير مستوية ناقصة غير تامة، والعرب تقول: ضزته حقه - بكسر الضاد - وضزته بضمها فأنا أضيزه وأضوزه. وذلك إذا نقصته حقه ومنعته. وضاز في الحكم أي: جار وضازه حقه يضيزه ضيزا: نقصه وبخسه ومنعه. ينظر: لسان العرب (ضيز).
[ ٢ / ٢٠٧ ]
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وأراد بالجنة الملائكة، والملائكة يسمون جنا؛ لاستتارهم عن العيون، وإنما جاء هاهنا بلفظ الجن؛ لأنه أنقص أسمائهم رتبة، والمراد في هذا المقام تنقيص قدرهم من أن يبلغوا رتبة ما ادعته قريش من نسبتهم إلى الولادة وأن يخطر ذلك ببال. ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ يعني الشياطين منهم ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع من المحضرين، والمعنى: لكن المخلصون ناجون ويجوز أن يقع الاستثناء من الضمير في قوله: ﴿يَصِفُونَ﴾ أي: سبحان الله عما وصفه الملحدون به؛ لكن ما وصفه به عباد الله المخلصون فإنه حق.
الضمير في قوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ لله - تعالى - والتقدير: فإنكم ومعبوديكم ﴿ما أَنْتُمْ﴾ جميعا ﴿بِفاتِنِينَ﴾ على الله، إلا أصحاب النار ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ﴾ مثلكم، أو هو كما قال الشاعر [من الوافر]:
فإنّك والكتاب إلى عليّ كدابغة وقد حلم الأديم (^١)
وقرئ ﴿صالِ الْجَحِيمِ﴾ (^٢) وفيه وجهان: أن يكون مرفوعا وسقطت الواو؛ لالتقاء الساكنين، وأن يكون أصله صايل، فقلبت إلى صال؛ كقولهم: شاك السلاح، أي:
شايك.
﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)﴾
_________________
(١) البيت للوليد بن عقبة بن أبي عقبة قاله ضمن أبيات يحرض فيها معاوية بن أبي سفيان ﵄ على قتال علي بن أبي طالب ﵁. ينظر في: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٦/ ٦١٧)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٦٥)، لسان العرب (حلم) قال ابن منظور: "والحلم بالتحريك: أن يفسد الإهاب، ويقع فيه دود فيثقب، تقول منه: حلم بالكسر. والحلمة: دودة تكون بين جلد الشاة الأعلى وجلدها الأسفل. وقيل: الحلمة دودة تقع في الجلد فتأكله فإذا دبغ وهى موضع الأكل فبقي رقيقا" وقال في معنى البيت: "يقول له: أنت تسعى في إصلاح أمر قد تم فساده كهذه المرأة التي تدبغ الأديم الحلم الذي وقعت فيه الحلمة فنقبته وأفسدته فلا ينتفع به".
(٢) قرأ جمهور القراء "صال" وصلا ووقفا، وقرأ يعقوب وقفا "صالي"، وقرأ الحسن وابن أبي عبلة "صال" بالضم. تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٧٩)، تفسير القرطبي (١٥/ ١٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥١٦)، فتح القدير (٤/ ٤١٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٥٦)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٢٨)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٩٤).
[ ٢ / ٢٠٨ ]
﴿مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ في العبادة والانتهاء إلى أمر الله؛ كما قيل في صفتهم: منهم راكع لا يقيم صلبه، وساجد لا يرفع رأسه. ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ نصف أقدامنا في الهواء وأجنحتنا في السماء والأرض ننتظر ما نؤمر به. وقيل: إن المسلمين إنما اصطفوا في الصلاة من حين نزلت هذه الآية، وليس أحد من الملل يصطفون في الصلاة إلا المسلمون والمسبحون: المنزهون أو المصلون. ﴿كانُوا﴾ (^١) مشركو قريش يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٢١ /ب)، أي:
كتابا من كتب الأولين لأخلصنا العبادة لله، ونظيره: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ (^٢). ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة تكذيبهم، و﴿وَإِنَّ﴾ من الثقيلة، واللام هي الفارقة. وفيه دليل على توكيد الأمر، وأنهم لا ينفكون عن طاعة الرسول إذا جاءهم. ﴿كَلِمَتُنا﴾ هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾. وسماها كلمة وهي كلمات؛ لأنها في نصرة بعضها بعضا كالشيء الواحد ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ في العاقبة وغالب الأمر.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)﴾
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأعرض وأغمض على أذاهم. ﴿حَتّى حِينٍ﴾ وهي مدة الكف عن القتال.
وقيل إلى الموت. وقيل: إلى يوم بدر. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ وستشاهد ما يحل بهم من النكال وعقوبة الآخرة. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ما يقضى لك من النصرة، والمراد بالأمر بالإبصار كأنه يشاهد الأمر على صورته وأنه كائن لا محالة. ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ سمي صباحا؛ لأنها أكثر ما تكون في وقت الصبح. وقيل: لما جاء النبي ﷺ إلى خيبر وخرجت اليهود بمساحيهم (^٣) ومكاتلهم (^٤) فرأوا رسول الله ﷺ وأجناده فقالوا: محمد والخميس معه،
_________________
(١) هكذا في المخطوط وهي لغة مشهورة في تعرف بلغة "يتعاقبون فيكم ملائكة" وقد مرت أول سورة الأنبياء.
(٢) سورة فاطر، الآية (٤٢).
(٣) المساحي: جمع مسحاة وهي المجرفة من الحديد والميم زائدة لأنه من السحو: الكشف والإزالة. ينظر: لسان العرب (سحا).
(٤) المكاتل: جمع مكتل بكسر الميم وهو الزبيل الكبير، قيل: إنه يسع خمسة عشر صاعا كأن فيه كتلا من التمر، أي: قطعا مجتمعة. ينظر: النهاية في غريب الأثر لابن الأثير (٤/ ١٥٠).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
ورجعوا إلى حصونهم، فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر: خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" (^١).وقيل: أريد بأحد الإبصارين عقوبة الدنيا، وبالآخرة عقوبة الآخرة. أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها. وقيل: المراد أنه المتصرف في العزة، وهو مالكها يؤتيها من يشاء؛ لقوله: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (^٢) وقوله: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ خبر، والمراد: تعليم العباد كيف يسبحون الله وينزهونه. وعن علي بن أبي طالب: "من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى فليكن آخر كلامه إذا قام من المجلس: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ إلى آخرها" (^٣).
***
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٢٩٤٤، ٩٤٧، ٦١٠)، ومسلم رقم (١٣٦٥)، وأحمد في المسند (٣/ ٢٠٦)، وابن حبان في صحيحه رقم (٤٧٤٥) عن أنس ﵁.
(٢) سورة فاطر، الآية (١٠).
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٥٤) ونسبه لحميد بن زنجويه في ترغيبه وابن أبي حاتم، وزاد نسبته الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ١٨٢) لعبد الرزاق والثعلبي.
[ ٢ / ٢١٠ ]