﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾
أفرد النبي بالنداء ثم جمع الضمير في قوله: ﴿إِذا طَلَّقْتُمُ﴾ و﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ لأن الخطاب مع النبي خطاب مع أمته إظهارا لتقدمه.
﴿إِذا طَلَّقْتُمُ﴾ إذا أردتم طلاقهن؛ كقوله - ﵇ -:" من قتل قتيلا فله سلبه " (^١).
والقتيل لا يقتل؛ ومن ثم كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي (^٢).
قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: مستقبلات الاعتداد. وقرئ:" في قبل عدتهن " (^٣) وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للحيض الأول فقد طلقت مستقبلة للعدة؛ فإن الأقراء عند أبي حنيفة الحيض؛ لقوله ﷺ:" دعي الصلاة أيام أقرائك " (^٤).أي: أيام حيضك، وطلاق السنة: أن يطلق الرجل المرأة في زمن طهر لم يجامعها فيه.
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ واضبطوها. ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ من مساكنهن التي وقعت فيها العدة، سواء كان المنزل مملوكا للزوج أو مستأجرا أو مستعارا، لا تخرجوهن من بيوتهن مكرهات ﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ طالعات. ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قيل: هي الزنى، يعني: إذا زنت
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٤٣٢١)، ومسلم رقم (١٧٥١).
(٢) روى البخاري رقم (٢١١٩، ٦٤٧)، ومسلم رقم (٦٤٩) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة "وهو جزء من حديث طويل.
(٣) قال السمين الحلبي في الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٣٢٩) قراءة رسول الله ﷺ.
(٤) رواه أبو داود رقم (٢٩٧)، والترمذي رقم (١٢٦)، وابن ماجه رقم (٦٢٥)، عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده. وفي سنده أبو اليقظان واسمه عثمان بن عمير وهو ضعيف جدا، وبه ضعفه أبو داود، وفيه كذلك جهالة جد عدي بن ثابت.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
المعتدة جاز إخراجها من المنزل؛ لإقامة الحد عليها. وقيل: هو البذاءة على أحمائها، وروي:
أن النبي ﷺ أخرج فاطمة بنت قيس من منزلها لبذاءة كانت فيها على أحمائها (^١). وقوله:
﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ﴾ " أن "مع الفعل (٣٠٤ /أ) كالمصدر فيسكبه مصدرا ثم يقدر قبله زمانا أو حالا فيصير التقدير إلا زمان إتيان فاحشة مبينة.
قوله: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا﴾ أي: رجعة وطيب قلوب من البغض إلى الحب.
﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن، والأجل يطلق على آخر المدة، ويطلق على المدة بجملتها فتقول: آخر الأجل وضع الحمل، وتقول: مدة الأجل مدة الحمل، وهو أن لا يكون لهم غرض في الشهادة إلا إقامة الحد لا مراعاة أحد في الشهادة له أو الكتمان. قوله: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ أي: من مضايق الفرقة فإنه يصحبها قالة واختلاف قول فيفرّج عنه ذلك كله.
﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣) وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦)﴾
﴿بالِغُ أَمْرِهِ﴾ أي: يبلغ ما يريد ولا يفوته مراد، ولا يعجزه مطلوب. وقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في الدم الذي يجيء بعد الإياس فقدر الإياس بستين سنة أو بخمس وخمسين؛ فهذا حكمهن.
﴿وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ عدتهن ثلاثة أشهر، فحذف لدلالة الكلام عليه. وعن ابن عباس:" من شاء لاعنته أن سورة النساء القصرى وهي سورة الطلاق نزلت بعد التي في البقرة " (^٢).
وروي: أن سبيعة الأسلمية وضعت حملها بعد وفاة زوجها بليال فقال ﷺ:" قد حللت
_________________
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٧٤).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٨/ ١٤٢)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٢٠٣) لعبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبي داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن مسعود ﵁ وليس عن ابن عباس ﵁ كم ذكر المصنف هنا، فلعله وهم أو سبق قلم من الناسخ.
[ ٢ / ٤٨١ ]
فانكحي " (^١).وقال بعض العلماء: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أقصى الأجلين: مدة الحمل أو أربعة أشهر وعشرا؛ أيهما كان أقصى اعتدت به (^٢)." من "في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ هي للتبعيض ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ تقدير لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ والوجد: الوسع والطاقة، والنفقة عند أبي حنيفة واجبة للمطلقات كلهن، وعند الشافعي ومالك: ليس لهن إلا السكنى بلا نفقة (^٣).
﴿وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ بأن يزاحمها في المسكن، أو يمنعها من الحقوق الواجبة عليه أو يضاجرها لتفتدي من صداقها. فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ والنفقة واجبة عند أبي حنيفة سواء كانت حاملا أو حائلا. قلت: فائدته أن مدة الحمل إذا طالت قد يظن أنها تسقط فنفى ذلك الوهم بقوله: ﴿حَتّى يَضَعْنَ﴾. فإن قلت:
فالحامل المرضع إذا توفي عنها زوجها هل لها نفقة؟ قلت: قد اختلف فيه الصحابة ﵃؛ فإن أرضع هؤلاء المطلقات ولد المطلق أعطين (٣٠٤ /ب) أجرهن، وكان حكمهن حكم الأجانب، أما ما دامت الزوجية باقية فلا يجوز إجارتها للزوج عند أبي حنيفة ويجوز عند الشافعي (^٤).
﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: ليشر بعضكم على بعض بالمصلحة. ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ اختلفتم.
﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ فسييسر الله - تعالى - لهذا الولد من يرضعه.
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ﴾
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٥٣١٨)، ومسلم رقم (١٤٨٤).
(٢) ينظر: المغني لابن قدامة (٨/ ٩٣)، الفواكه الدواني للنفراوي المالكي (٢/ ٥٧)، حاشية العدوي (٢/ ١٥٦)، الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٤٨٠).
(٣) ينظر: الهداية شرح البداية (٤٥، ٢/ ٤٤)، الأم للإمام الشافعي (٥/ ٣٥ - ٤٠)، التمهيد لابن عبد البر (١٥/ ٤٣).
(٤) ينظر: الهداية شرح البداية (٤٥، ٢/ ٤٤)، أحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٠٤)، المهذب للشيرازي (٢/ ١٦٨)، مغني المحتاج للشربيني (٢/ ٣٤٥).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾
وقرئ: "لينفق" (^١) أي: شرعنا ذلك لكي ينفق. قوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وعد بسعة الرزق على فقراء ذلك الزمان أو على الفقراء من المتزوجين إن أنفقوا ما قدروا عليه ولم يقصروا. قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ أي: عتا أهلها.
وكذلك ﴿فَحاسَبْناها﴾ و﴿عَذَّبْناها﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا﴾ فتبين المضمر المتقدم. ﴿حِسابًا شَدِيدًا﴾ بالمناقشة والاستقصاء، والمراد: حساب الآخرة وعذابها؛ لأن المنتظر من وعد الله ووعيده كائن لا محالة، وقوله: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ﴾ تفسير للوعيد السابق، ويجوز أن يراد: أحصينا أعمالهم وكتبناها في كتب الحفظة.
﴿وَرُسُلِهِ﴾ جبريل، وإعرابه أنه بدل من قوله: ﴿ذِكْرًا﴾ وجاز بدل جبريل من الذكر؛ لأنه النازل بالوحي مقترنا به، أو جعل جبريل ذكرا لكثرة ذكره الله وعبادته؛ فكأنه هو الذكر.
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ مبتدأ وخبره. وقيل: ليس في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية (^٢). وقيل: بين كل سماءين خمسمائة عام (^٣).
﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي: يجري حكم الله وقضاؤه بينهن. وعن قتادة: في كل سماء من سماواته وأرض من أرضه بينهن كذلك (^٤).
***
_________________
(١) قرأ بها معاذ القارئ: تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٣٣١)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٦٠).
(٢) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٦١).
(٣) ذكره العجلوني في كشف الخفاء والإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس (١/ ١٢٤) ونسبه للحافظ ابن رجب في كتاب التخويف من النار بسنده عن عبد الله بن عمرو - ﵄.
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢٨/ ١٥٤).
[ ٢ / ٤٨٣ ]