﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)﴾
﴿وَالطُّورِ﴾ الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وهو بمدين. أقسم الله تعالى بما كتبه لموسى والرق: الصحيفة أو الكتاب الذي تكتب فيه الأعمال، وهو ما كتبه الله لموسى. وقيل:
القرآن، ونكر الكتاب تعظيما لشأنه. ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ الصراح، وهو في السماء على حيال الكعبة في الأرض، وعمرانه: كثرة غشيان الملائكة.
وفي الحديث: "يدخل كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه" (^١) وقيل: ﴿وَالْبَيْتِ﴾ الكعبة و﴿الْمَعْمُورِ﴾ بالملائكة والإنس، ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ السماء؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ (^٢). ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ المملوء. وقيل: الموقد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ (^٣). وروي: أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلها نارا توقد بها نار جهنم (^٤).
وروي: أن عليا سأل يهوديا: أين تجد موضع (٢٧٧ /ب) النار في كتابكم؟ قال: في البحر ثم ولّى؛ فقال علي: ما أراه إلا صادقا (^٥).
عن جبير بن مطعم: "أتيت النبي ﷺ أكلمه في الأسارى فسمعته يقرأ: ﴿وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ فأسلمت خوفا أن ينزل بي العذاب" (^٦).
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٣٨٨٧، ٣٢٠٧)، ومسلم رقم (٤١٥، ٤٠٩) وهو جزء من حديث الإسراء الطويل عن أنس ﵁.
(٢) سورة الأنبياء، الآية (٣٢).
(٣) سورة التكوير، الآية (٦).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٠٨).
(٥) نسبه الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (ص: ١٥٩) للطبري من رواية داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب.
(٦) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (ص: ١٦٠): "لم أجده هكذا والذي جاء في الصحيح أن ذلك في صلاة المغرب وأنه قال - لما سمع أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ: كاد قلبي يطير".
[ ٢ / ٣٩٠ ]
﴿تَمُورُ﴾ تضطرب وتذهب وتجيء، وقال ابن فارس (^١) في المجمل: غلب الخوض في الاشتغال بالباطل والكذب، ومنه: ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ﴾ (^٢) ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ (^٣). الدع: الدفع العنيف.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨)﴾
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ وذك أن خزنة جهنم يغلون أعناق المعذبين ويجمعونها إلى أيديهم، ويدفعون إلى النار دفعا، أو يقال لهم هلموا إلى النار مدعوعين؛ يقال لهم:
﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أَفَسِحْرٌ هذا﴾ أي: ما رأيتموه من التهويل لجهنم هو أيضا سحر؟ ودخلت الفاء لهذا المعنى. ﴿أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ كما كنتم في الدنيا مبعدين عن فهم هذه الأمثال، و﴿هذِهِ﴾ تهكم وتقريع.
﴿سَواءٌ﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: سواء عليكم الصبر وعدمه، وتعليله بقوله:
﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأن الصبر إنما يطلب لما يترتب عليه من الجزاء، ولا يكون كقول الشاعر [من الكامل]:
_________________
(١) هو الإمام العلامة اللغوي المحدث أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب القزويني المعروف بالرازي المالكي اللغوي نزيل همذان وصاحب كتاب المجمل كان رأسا في الأدب بصيرا بفقه مالك مناظرا متكلما على طريقة أهل الحق ومذهبه في النحو على طريقة الكوفيين جمع إتقان العلم إلى ظرف أهل الكتابة والشعر. وله مصنفات ورسائل وتخرج به أئمة وكان من رؤوس أهل السنة المجردين على مذهب أهل الحديث. ومات بالري في صفر سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ١٠٣)، وينظر قوله في: الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٠٩)، لسان العرب (خوض)، وجاء في معجم المقاييس لابن فارس (٢/ ١٧٣) مادة (خوض) قال: "الخاء والواو والضاد أصل واحد يدلّ على توسّط شيء ودخول. يقال: خضت الماء وغيره. وتخاوضوا في الحديث والأمر، أي تفاوضوا وتداخل كلامهم".
(٢) سورة المدثر، الآية (٤٢).
(٣) سورة التوبة، الآية (١٩).
[ ٢ / ٣٩١ ]
وتجلّدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع (^١)
فأما الصبر الذي لا يراد به وجه الله فلا جزاء فيه، ومنه قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (^٢)
وقرئ: (فاكهين وفكهين وفاكهون) (^٣) فمن نصبه جعله حالا، ومن رفعه جعله خبرا وجعل الظرف لغوا، وعطف قوله: ﴿وَوَقاهُمْ﴾ على قوله: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أي: استقروا ووقاهم، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، أي: فرحين بالإيتاء والوقاية.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أكلا وشربا هنيئا، وهو الذي لا تنغيص فيه، وقرئ: بعيس عين (^٤).
والعيساء: التي يعلو بياضها حمرة. ﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾ قرناهم. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي:
وقرناهم بحور عين، والمؤمنين المجالسين لهم والمرافقين؛ فيتمتعون تارة بملاعبة الحور، وتارة بمحادثة المجالسين.
﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ (^٥) جاء في الحديث: "إن الرجل ليرفع في درجة أبويه وإن لم يعمل
_________________
(١) تقدم تخريجه في سورة الرعد، الآية (٢٢).
(٢) سورة المدثر، الآية (٧).
(٣) قرأ جمهور القراء" فاكهين "، وقرأ أبو جعفر" فكهين "وقرأ خالد" فاكهون "بالرفع. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٤٨)، تفسير القرطبي (١٧/ ٦٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٩٧)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٤).
(٤) قرأ بها ابن مسعود وإبراهيم النخعي. تنظر في: الكشاف للزمخشري (٤/ ٣٤)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٩٠).
(٥) قرأ أبو عمرو" وأتبعناهم "وقرأ ابن عامر ويعقوب" وأتبعتهم ذرياتهم "وقرأ الباقون" واتبعتهم ذريتهم ". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٤٩)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٣٣)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٨٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٩٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦١٢)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٤)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٩١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٧٧).
[ ٢ / ٣٩٢ ]
مثل عملهما لتقر بذلك أعينهم، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية" (^١).ومعنى تنكير الإيمان إيمان عظيم مستقر في القلوب، ويجوز أن يراد بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لهذه الدرجة التي نالوها. ﴿وَما أَلَتْناهُمْ﴾ أي: وما نقصناهم، يعني: وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب (٢٧٨ /أ) وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء. وقيل: معناه: وما نقصناهم من ثوابهم شيئا نعطيه الأبناء؛ ليلحقوا بهم، وهو من ألت يألت، ومن ألات يليت؛ كأمات يميت، وآلتناهم من: آلت يولت؛ كآمن يؤمن، وولتناهم من: ولت يلت، وهي لغات ومعناهن واحد. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ كأن نفس المؤمن مرتهنة عند الله بالعمل الصالح؛ فإن عمل صالحا فكّها وإلا أوبقها. ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ﴾ في وقت بعد وقت. ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ يتعاطون هم وجلساؤهم ﴿كَأْسًا﴾ لا يحصل في شربها ﴿لَغْوٌ﴾ كما في خمر الدنيا، ولا إثم عليهم في شربها؛ بخلاف خمور الدنيا.
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾
﴿غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أي: في الصدف، وبقاؤه في الصدف أبقى لطراوته، قيل:
هذا شأن الخادم، فما شأن المخدوم؟! فقال: قال رسول الله ﷺ: "إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" (^٢).يجلسون ويتحدثون بما كان منهم
_________________
(١) نسبه الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف للزمخشري (ص: ١٦٠) للبزار وابن عدي وأبي نعيم في الحلية وابن مردويه، من طريق قيس بن الربيع عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا. وقال البزار: تفرد قيس برفعه وروي موقوفا.
(٢) نسبه الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف للزمخشري (ص: ١٦٠) لعبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وللثعلبي عن الحسن مرسلا.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
في الدنيا، ومنه: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (^١).
﴿السَّمُومِ﴾ الريح الحادة الحارة التي تدخل المسام؛ فسميت بها نار جهنم. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل القيامة ﴿نَدْعُوهُ﴾ أن يكشف عنا عذابها. ﴿الْبَرُّ﴾ المحسن، ﴿فَذَكِّرْ﴾ أي:
فدم على التذكير والموعظة. ﴿فَما أَنْتَ﴾ بحمد الله كاهنا ولا مجنونا. ﴿الْمَنُونِ﴾ في الأصل فعول من منّه إذا قطعه؛ لأن الموت قطوع، قالوا: ننتظر بمحمد نوائب الزمان وتقلبات الدهر كما مات الشعراء قبله. ﴿مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي. ﴿أَحْلامُهُمْ﴾ عقولهم. ﴿طاغُونَ﴾ مجاوزون الحد في العناد، وقوله: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ لأن عقولهم أدتهم إلى طاعة الشيطان وعصيان الرحمن. ﴿تَقَوَّلَهُ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه، وقرئ:
"بحديث مثله" (^٢) بالإضافة، والضمير عائد على النبي ﷺ ﴿أَمْ خُلِقُوا﴾ أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم ﴿مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ من غير مقدر.
﴿أَمْ﴾ هم ﴿خَلَقُوا﴾ أنفسهم؛ حيث لا يعبدون الخالق. ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ التي هي أكبر من خلق الناس، وهم معترفون أن الله خالقها، وهم شاكون فيما يقولون. ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب؟ ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ حتى يعطوا النبوة (٢٧٨ /ب) من شاءوا، أو عندهم خزائن الأرزاق فيوسعوا على من شاءوا. ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ الأرباب الغالبون حتى يكرهوا الناس على ما يريدون.
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٣) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾
_________________
(١) سورة الصافات، الآية (٥١).
(٢) قرأ بها الجحدري وأبو السّمّال. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٥٢)، تفسير القرطبي (١٧/ ٧٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٠١)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٣٦)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٩٢).
[ ٢ / ٣٩٤ ]
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ منصوب فيصعدون فيه حتى يأتوا بأخبار السماوات.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ بحجة تدل على صدقه. ﴿مَغْرَمٍ﴾ يطلب منهم ما يثقل عليهم. ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أي: اللوح المحفوظ ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ما فيه؛ حتى يقولوا: لا نبعث، ويطلعون على الغيب فيخبرون الناس به. ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ كما قال: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (^١).
الكسف: القطعة، وهو جواب قولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ (^٢) يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطت السماء عليهم كسفا لقالوا: سحاب متراكم بعضه فوق بعض يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب. ﴿يُصْعَقُونَ﴾ يموتون، وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ﴾ أي: قبل ذلك، وهو قتال من قتل منهم يوم بدر والجوع والقحط سبع سنين وعذاب القبر. ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ بمرأى منا، وإنما قال: ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ بصيغة الجمع؛ لأن الضمير بلفظ الجمع، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ (^٣) ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من أي مقام قمت. وقيل: من منامك.
﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ إذا أدبرت من آخر الليل، وقرئ: "وأدبار النجوم" (^٤) أي: في أعقاب النجوم إذا غربت. ﴿وَسَبِّحْ﴾ المراد به: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وقيل: المراد بالتسبيح: الصلاة.
***
_________________
(١) سورة القلم، الآية (٤٥).
(٢) سورة الإسراء، الآية (٩٢).
(٣) سورة طه، الآية (٣٩).
(٤) قرأ بها سالم بن أبي الجعد ومحمد بن السميقع والمنهال بن عمرو. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٥٣)، تفسير القرطبي (١٧/ ٨٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٠٢)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤١٥)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٩٢).
[ ٢ / ٣٩٥ ]