﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّيَ﴾
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على (^١) ما وصل إلى الحامد، وعلى ما لم يصل إليه. والشكر: على ما وصل.
وقيل: هما سواء؛ لقوله: الحمد لله شكرا (^٢)
_________________
(١) في الأصل: «إلى» والصواب ما أثبتناه؛ لأن الحمد ومشتقاته يتعدى إلى مفعولين، أولهما بنفسه، وثانيهما بواسطة حرف الجر «على» دون غيره.
(٢) هذا صدر بيت ذكره الحافظ العراقي في تاريخ بغداد (١٤/ ٣٢٢) ط. دار الفكر - بيروت - بدون تاريخ، لأبي نصر يوسف بن عمر بن محمد القاضي في أبيات له ومنها: يا محنة الله كفي إن لم تكفي فخفي ما آن أن ترحمينا من طول هذا التشفي ذهبت أطلب بختي فقيل لي: قد توفي كم من عالم في الثريا وعالم متخفي الحمد لله شكرا على نقاوة حرفي واختلف العلماء في «الحمد والشكر» هل هما من المترادف أو من المتباين على قولين: الأول - قول من يقول: هما بمعنى واحد مستدلين بقولهم: فشكرا الحمد لله شكرا نائب عن المصدر «الحمد» في باب المفعول المطلق، والتقدير: الحمد لله حمدا، وهو قول ابن جرير ونصره القرطبي. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٢٣): «وهذا الذي ادّعاه ابن جرير فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية ويكون بالجنان واللسان والأركان». الثاني - قول من يقول: هما متباينان. واختلفوا في الفرق بينهما على أقوال: الأول - الحمد يكون باللسان وحده، بينما الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح ومنه قوله - تعالى: اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا [سبأ: ١٣] وقول الشاعر [من الطويل]: وما كان كري ش وافيا بنوالكم ولكنني حاولت في الجهد مذهبا -
[ ١ / ٤٩ ]
(الرب): السيد أو المالك أو المصلح؛ يقال: رب الأديم: إذا أصلحه أو من التربية.
﴿الْعالَمِينَ﴾: قيل إنه من كل موجود سوى الله تعالى (^١).
_________________
(١) = أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحبجا فيكون بين الحمد والشكر عموم وخصوص؛ إذ الشكر أعم من الحمد متعلقا؛ لتعلق الشكر باللسان والجنان والأركان، في حين يتعلق الحمد باللسان فقط، ويكون الشكر أخص من الحمد سببا؛ لأن سبب الشكر نعمة مسداة إلى الشاكر لا إلى غيره، بينما سبب الحمد نعمة مسداة إلى الحامد أو إلى غيره. وهذا هو العموم والخصوص الوجهي. وقيل: إن الحمد: هو الثناء على الجميل الاختياري بقصد التعظيم سواء أسدي الجميل إلى الحامد أو إلى غيره. أما الشكر: فلا يكون إلاّ على جميل مسدى إلى الشاكر. الثاني: قيل: بينهما عموم وخصوص مطلق؛ فالحمد هو الثناء على الله - تعالى - بالفضيلة. وقالوا: المدح أعم من الحمد وهو - أي الحمد - أعم من الشكر؛ إذ المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره وبغير اختياره، فقد يمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه، كما يمدح ببذله ماله وشجاعته وعلمه. أما الحمد فيكون فيما يكون من الإنسان باختياره سواء وصلت النعمة إلى الحامد أو إلى غيره. والشكر يكون في مقابلة نعمة وصلت إلى الشاكر لا إلى غيره، فكلّ شكر حمد، وليس كلّ حمد شكرا، وكلّ حمد مدح وليس كلّ مدح حمدا. وهذا هو العموم والخصوص المطلق. وقيل: الحمد مقلوب من المدح، وينقل هذا عن ثعلب، وليس بسديد؛ فقد أورد عليه أن المقلوب أقل استعمالا من المقلوب منه. وهذان مستويان في الاستعمال، فليس ادعاء قلب أحدهما من الآخر أولى من العكس فكانا مادتين مستقلتين بينهما عموم وخصوص مطلق، كما سبق بيانه. وأيضا فإنه يمتنع إطلاق المدح حيث يجوز إطلاق الحمد، فلا يقال: مدحت الله، ويقال: حمدت الله. فلو كان مقلوبا منه لما امتنع ذلك. الثالث: قيل: بين الحمد والشكر مباينة، فالحمد هو الثناء على الله - تعالى - بأوصافه بما لا اختيار فيه. والشكر: هو الثناء على الله - تعالى - بأوصافه. وينظر في ذلك: تفسير ابن جرير الطبري (١/ ٦٠) ط، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥ هـ، تفسير ابن كثير (٢٣، ١/ ٢٢) ط، مكتبة مصر الفجالة، القاهرة، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٦٣) ط دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٤ م، تحقيق: على محمد معوض وآخرون.
(٢) عاقلا أو غير عاقل، فيصح أن يكون «عالمون» جمع عالم جمع سلامة؛ لأن العالم يطلق على ما سوى الله - تعالى - سواء كان عاقلا أو غير عاقل، فيكون الجمع قد جرى على مفرده، وهذا ظاهر كلام الراغب، وصححه السمين الحلبي. ينظر: الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٦٨)، معجم ألفاظ القرآن الكريم للراغب الأصفهاني (ص: ٣٥٧) ط. دار المعرفة، بيروت، تحقيق: محمد سيد كيلاني.
[ ١ / ٥٠ ]
وقيل: من يعقل خاصة وهم الجن والإنس والملائكة (^١).
والخلاف: أنه مأخوذ من العلم أو من العلامة؛ لأنه دليل على خالقه وموجده.
(الملك): من اتسع ملكه. و(المالك): ينطبق على من ملك قليلا أو كثيرا (^٢).
و﴿الدِّينِ﴾: الجزاء (٢ /أ).
و(العبادة): غاية الذلة والخضوع، ويخص استعمالها بالخضوع لله - تعالى - فيقال:
ذللت لزيد وخضعت له، ولا يقال: عبدته.
﴿الصِّراطَ﴾: الطريق. والمنعم عليهم: الأنبياء. وقيل: النبيون والصديقون والشهداء والصالحون.
﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: اليهود.
و﴿الضّالِّينَ﴾: النصارى.
_________________
(١) فيكون «عالمون» على هذا القول اسم جمع، لا واحد له من لفظه، إنما واحده من معناه كالناس، ولا يجوز أن يكون جمعا ل «عالم»؛ لأن الصحيح في «عالم» أنه يطلق على كل موجود سوى الباري - ﷾ - لاشتقاقه من العلامة، بمعني أنه دال على صانعه. و«عالمون» بصيغة الجمع لا يطلق إلا على العقلاء دون غيرهم، على هذا القول، فاستحال أن يكون «عالمون» جمع عالم؛ لأن الجمع لا يكون أخص من المفرد، وهذا نظير ما فعله سيبويه في أن أعرابا ليس جمعا ل «عرب»؛ لأن «عربا» يطلق على البدوي والقروي، و«أعرابا» لا يطلق على البدوي دون القروي. ينظر: الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٦٨).
(٢) قرأ «ملك» أبو عمرو، ونافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، وأبو جعفر، من العشرة، وقرأ باقي العشرة: عاصم والكسائي ويعقوب وخلف «مالك». وقرأ «ملك» بلفظ الفعل الماضي ونصب «يوم» علي ﵁ وأبو حيوة وأبو حنيفة وجبير بن مطعم وأبو عاصم عبيد بن عمير الليثي، والحسن وعاصم الجدري ويحيى بن يعمر. وتنظر القراءات في: إعراب القرآن للنحاس (١/ ١٧٢) ط. عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية، بيروت، تحقيق: الدكتور زهير غازي زاهد ط ١٩٨٥، ٢ م، إملاء العكبري (١/ ٤) ط. مكتبة الدعوة، القاهرة، البحر المحيط (١/ ٢٠) ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٣ م تحقيق: علي معوض وآخرون، وط. دار الفكر، بيروت ١٩٨٣ م، الحجة لابن خالويه (ص: ٦٢) ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٩٩٠ م، تحقيق: عبد العال سالم مكرم، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ٧١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ١٠٤) ط. دار المعارف، القاهرة، تحقيق: شوقي ضيف، ١٩٨٨ م، الكشاف للزمخشري (١/ ٥٧) ط. دار الكتاب العربي، بيروت، ١٩٤٧ م. وط. دار المعرفة، بيروت، المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٦٨) ط. مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ١٩٩٢ م.
[ ١ / ٥١ ]