﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾
هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع النبي ﷺ من مكة عام الحديبية (٢٦٥ /أ) عدة له بالفتح وجيء بها بالفعل الماضي على عادته سبحانه في أخبار الآخرة؛ كقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ (^١) ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾ (^٢) ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ (^٣) وجعل فتح مكة علة للمغفرة ولما انضم إليه، وهو إتمام النعمة عليه وهدايته والنصر على الأعداء، ويجوز أن يكون فتح مكة - من جهة كونه جهادا - سببا للثواب والغفران، والفتح والظفر بالبلد عنوة أو صلحا بحرب وغير حرب. وقيل: فتح الحديبية؛ ولم يكن فيها قتال شديد، ولكن تراموا بسهام وحجارة. وعن ابن عباس: رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم (^٤). وقيل:
ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح. فإن قلت: كيف يكون صلحا وقد أحصروا حتى نحروا الهدي بالحديبية وهي من الحل؟ قلت: كان ذلك قبل الهدنة، فلما تم الصلح وثبت كان فتحا مبينا. وقيل: قال رجل عند مرجع النبي ﷺ من الحديبية: ما هذا بفتح؛ لقد أحصرنا وصدّ هدينا فقال النبي ﷺ: "ليس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح؛ قنع المشركون أن يدفعوكم بالراحات، وسألوكم القضية، ورغبوا إليكم في الأمان، ورأوا منكم ما يكرهون" (^٥).
قال الشعبي: بويع له بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهدي محله، وأطعموا نخل خيبر، ونزحت بئر الحديبية فمضمض النبي ﷺ ومج فيها فجاشت بالماء حتى أروت كل من نزل بالحديبية (^٦).
_________________
(١) سورة الزمر، الآية (٦٨).
(٢) سورة النمل، الآية (٨٧).
(٣) سورة الفجر، الآية (٢٢).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٣٢).
(٥) نسبه الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٣/ ٣٠٥) للبيهقي في دلائل النبوة.
(٦) رواه البخاري رقم (٣٣١٢)، وأحمد في المسند رقم (١٧٨٢٨).
[ ٢ / ٣٥١ ]
وقيل: إنها لم تنزح من ذلك الوقت إلى اليوم. وقيل: فتح الروم. وقيل: فتح الله له بالإسلام والنبوة والدعوة والسيف، ولا فتح أبين منه. وقيل: قضينا لك قضاء بينا، على أن تدخل مكة أنت وأصحابك من قابل؛ لتطوفوا بالبيت، من الفتاحة، وهي الحكومة.
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧) إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾
﴿ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ يريد: جميع ما فرط. وقيل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها.
وقيل: ما تقدم من حديث مارية. ﴿وَما تَأَخَّرَ﴾ من امرأة زيد (^١).
﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ فيه عز. وقيل: وصفه بصفة المنصور، أو عزيزا صاحبه.
﴿السَّكِينَةَ﴾ السكون، أي: ما جاء به النبي ﷺ من الشرائع. ﴿لِيَزْدادُوا إِيمانًا﴾ بالشرائع مقرونا بإيمانهم وهو التوحيد. وعن ابن عباس: أول ما أوجب الله التوحيد، ثم بعد ذلك أنزل الصلاة والزكاة والحج ثم الجهاد؛ فازدادوا (٢٦٥ /ب) إيمانا إلى إيمانهم (^٢).
أو أنزل فيها الوقار والعظمة لله. وقيل: أنزل فيها الرحمة ليتراحموا فيزداد إيمانهم. ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يسلط بعضها على بعض، وكان من قضايا حكمته إنزال السكينة في قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح عليهم بلادا كثيرة، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله، ويعذب الكافرين والمنافقين بما غاظهم من ذلك وكرهوا.
يقال في الأفعال الصالحة: فعل صدق. وفي الأفعال الفاسدة: فعل سوء.
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٣٣). قلت: لمجرد وقوعها في قلبه ﷺ لا أكثر. والله تعالى أعلم.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٧٢)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥١٤) لابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس - ﵄.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ يعود وبال مكرهم عليهم والسّوء والسّوء؛ كالضّعف والضّعف، والكّره والكره؛ إلا أن المفتوح استعمل فيما يراد ذمه من كل شيء، وأما المضموم فجار مجرى الشر نقيض الخير. ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ تشهد على أمتك ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ الضمير للناس. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ بالنصرة، ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ من التسبيح، والضمائر لله تعالى والمراد بتعزير الله: تعزير دينه ورسوله، ومن فرق الضمائر فقد أبعد.
وقرئ: (لتؤمنوا، وتعزروا، وتوقروا) (^١) بالتاء لله. وقيل: لرسول الله ولأمته.
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ قيل: صلاة الفجر والعصر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾
﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ لما قال: إنما يبايعون زاد ذلك المجاز توكيدا بقوله: يد الله فوق أيديهم، والمعنى: إن تقرير العهد مع رسول الله ﷺ كتقريره مع الله؛ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ (^٢). ﴿فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ لا يعود وبال نكثه إلا عليه، قال جابر: بايعنا رسول الله ﷺ على الموت، وألا نفرّ، فما نكث إلا الجدّ بين قيس، وكان منافقا؛ اختبأ تحت إبط بعيره (^٣).
_________________
(١) قرأ بذلك ابن كثير وأبو عمرو وقرأ الباقون "ليؤمنوا، ويعزروه، ويوقروه" بالياء. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٩١)، تفسير القرطبي (١٦/ ٢٦٦)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٢٩)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٧١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٦٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦٠٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٤٢)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٢١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٧٥).
(٢) سورة النساء، الآية (٨٠).
(٣) ذكره بهذا السياق الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٣٥) وما ثبت عند مسلم وغيره خلاف هذا فقد روى مسلم في صحيحه رقم (٣٤٤٩) عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ -
[ ٢ / ٣٥٣ ]
يقال وفيت وأوفيت ثلاثيا ورباعيا. ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ نزلت في الأعراب الذين تخلفوا عن السفر عام الحديبية وهم: أشجع، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأسلم؛ لأن النبي ﷺ لما توجه إلى مكة عام الحديبية استفزّ الأعراب من أهل المدينة وأهل البوادي؛ حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه، وأحرم رسول الله ﷺ وساق معه الهدي ليعلم أنه لم يأت لقتال، وإنما جاء (٢٦٦ /أ) معتمرا؛ فتأخر كثير من الأعراب، وقالوا: نذهب إلى قوم غزونا في بلادنا وظهروا علينا، وظنوا أنه لا ينقلب إلى المدينة، وأن العدو يستأصلهم، واعتلوا بالشغل بأهليهم، وأنه ليس لهم من يقوم بأشغالهم؛ فكذبهم الله في الاعتذار بالأشغال، وإنما كان سبب التخلف النفاق، وكذلك طلبهم الاستغفار ليس بصادر عن حقيقة. ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ﴾ أي: فمن يمنعكم من قضاء الله إن أراد بكم ما يضركم أو ما ينفعكم من قتل أو هزيمة أو نصر أو غنيمة، والأهلون: جمع أهل، وجاء في جمعه: أهلات؛ كأرض وأرضات، وأما أهال فاسم جمع ك "ليال". والبور: من بار؛ كالهلك من هلك، وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويجوز أن يكون جمع بائر؛ كعائذ وعوذ، والمعنى: وكنتم قوما فاسدين الأحوال والعقائد. وقيل: وكنتم هلكى في حكم الله. ونكر ﴿سَعِيرًا﴾ تعظيما لشأنها؛ كما نكر ﴿نارًا تَلَظّى﴾ (^١).
﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا (١٧)﴾
_________________
(١) = بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت ". وروي أيضا في صحيحه بعد هذا الحديث عن أبي الزبير أنه سمع جابرا يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره".
(٢) سورة الليل، الآية (١٤).
[ ٢ / ٣٥٤ ]
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ عن التوجه إلى الحديبية. ﴿إِلى مَغانِمَ﴾ أي: غنائم خيبر.
﴿أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ موعد الله لأهل الحديبية؛ لأنه قدر أن غنائم خيبر لمن شهد الحديبية خاصة. ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أن نصيب معكم من الغنائم، وكرر ﴿بَلْ﴾ لأن الأول إضراب عن أن حكم الله ألا يتبعوهم، وإثبات للحسد، والثانية إشعار بأن المؤمنين هم الذين ادعوا حرمانهم، والباعث عليه الجهل. ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ﴾ عن الحديبية: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ هم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب، وهم مرتدون؛ لأن الكفار الموصوفين بالوصف الآتي هم المرتدون، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهذا دليل على صحة إمامة أبي بكر؛ لأن الله أخبر أنهم سيدعون إلى قتال هؤلاء القوم وأخبر أنهم يدعون إلى القتال، وأخبر أن الداعي تجب إجابته، ولم يكن مثل ذلك إلا وقعة بني حنيفة. وقيل:
المراد فارس والروم، وعند أبي حنيفة: تقبل الجزية من مشركي العجم (^١). ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ معطوف على ﴿تُقاتِلُونَهُمْ﴾ وليست بمعنى: إلى أن. ﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عن التوجه إلى الحديبية.
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ﴾ الآية نفى الحرج عن هؤلاء المتخلفين من أرباب الأعذار.
﴿يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢٦٦ /ب) بهذه الآية سميت بيعة الرضوان، وذلك أن النبي ﷺ لما نزل بالحديبية بعث جواس بن أمية الخزاعي رسولا إلى أهل مكة فهموا به، فمنعه الأحابيش فلما رجع دعا بعمر ليبعثه فقال: إنّي أخافهم على نفسي، ولكن أدلك على شخص هو أكرم بها مني؛ عثمان بن عفان؛ فبعثه إليهم فأخبرهم أن رسول الله ﷺ لم يأت بحرب، وإنما جاء زائرا ومعظما لهذا البيت، فوقروه وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأطوف به قبل رسول الله ﷺ واحتبس عندهم، فأرجف
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (١١٩، ٧/ ١١٨)، بداية المبتدي للمرغيناني (١/ ١٢١)، تحفة الملوك في فقه الإمام أبي حنيفة لمحمد بن أبي بكر الرازي (١/ ١٨٨).
[ ٢ / ٣٥٥ ]
بأنهم قتلوه، فقال رسول الله ﷺ: لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة، وكانت سمرة، فقال رسول الله ﷺ: "أنتم اليوم خير أهل الأرض. وكان عدد المبايعين ألفا وأربعمائة" (^١).وقيل: ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين، وقيل: ألفا وثلاثمائة.
﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الإخلاص فيما بايعوا. ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: الطمأنينة بسبب الصلح على قلوبهم. ﴿وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو مال خيبر. وعن الحسن: هو فتح هجر، وهو أجل فتح اتسعوا بثمره (^٢). ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ هي خيبر، وكانت أرضا ذات عقار وأموال فقسمها بينهم، ثم أتاه عثمان بالصلح فلما تمّ الصلح نحر بالحديبية وحلق.
﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً﴾ وهو ما بقي على المؤمنين إلى يوم القيامة ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ أي: خيبر ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي: أهل مكة وخيبر وحلفاءهم من غطفان وأسد حين جاءوا لنصرتهم، فكف الله أيديهم عن المؤمنين. ﴿وَلِتَكُونَ﴾ هذه الكفة ﴿آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقيل: رأى رسول الله ﷺ فتح مكة في منامه، ورؤيا الأنبياء وحي، فتأخر ذلك إلى السنة القابلة، فجعل فتح خيبر علامة لفتح مكة (^٣). ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا﴾ يزيدكم بصيرة. ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ هي مغانم هوازن في غزوة حنين وقال: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ لأن هوازن كانوا قوما رماة فرموا المسلمين بالسهام فانهزموا، ثم ناداهم النبي ﷺ فتراجعوا ونصرهم الله. ﴿أَحاطَ اللهُ بِها﴾ قدر عليها (٢٦٧ /أ) ويجوز أن يكون في ﴿وَأُخْرى﴾ ضمير يفسره ﴿قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها﴾ وأما ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ فصفة ل ﴿وَأُخْرى﴾ ويجوز فيها الرفع على الابتداء؛ لكونها موصوفة، و﴿قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها﴾ خبر للمبتدأ، أو الجر بإضمار "رب" و﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ جملة معترضة، أي: وفعل ذلك لتكون آية، ويجوز أن يكون وعدكم المغانم فعجل هذه الغنيمة، وكف الأعداء، أي: لينفعكم بها، ولتكون آية للمؤمنين إذا وجدوا الإخبار بها صادقا.
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٣٨٣٩)، ومسلم رقم (٣٤٥٣).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٤٠).
(٣) نسبه الحافظ ابن حجر في فتح الباري باب: رؤيا الصالحين، للفريابي وعبد بن حميد والطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾
﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ولم يصالحوا لهزمهم الله.
﴿لِسُنَّةِ اللهِ﴾ في موضع المصدر المؤكد، أي: سن غلبة أنبيائه. ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾ أيدي أهل مكة، وروي أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة، فبعث رسول الله ﷺ من هزمه (^١). وعن ابن عباس: أظهر الله المسلمين عليهم فرموهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت (^٢). وقرئ ﴿وَالْهَدْيَ﴾ بالنصب عطفا على المفعول؛ أي: صدوكم وصدوا الهدي وبالجر (^٣) عطفا على ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ﴾ أي: محبوسا عن أن يبلغ محله. ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ يعود على الرجال والنساء؛ فغلب المذكر، و﴿أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ بدل اشتمال منهم، أو من المضمر المنصوب في "تعلموهم" والوطء: الأخذ بقوة. والمعرة: مفعلة بمعنى عرّاه، إذا وهّاه. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ متعلق ب ﴿أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ وقال رسول الله ﷺ:
"آخر وطئة وطئها الله بوج" (^٤) يعني: آخر وقعة أوقعها الله بالكفار ب "وج".
و"وج": واد بناحية الطائف (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٩٥)، ونسبه له الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٣١٢)، وكذا نسبه له السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٣٣) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٤٢).
(٣) قرأ جمهور القراء بفتح الياء "والهدي" وروي الجر عن أبي عمرو. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٩٨)، تفسير القرطبي (١٦/ ٢٨٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٦٣)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ٥٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٤٧).
(٤) رواه أحمد في المسند رقم (١٦٩٠٤).
(٥) وج: هو الطائف وأراد بالوطأة الغزاة هاهنا وكانت غزاة الطائف آخر غزوات النبي ﷺ. وقيل: سميت وجا بوج بن عبد الحق من العمالقة، وهو أخو أجإ الذي سمي به جبل طيء وهو من الأمم الخالية وقيل: من خزاعة، وكانت الطائف تسمى قبل ذلك وجا. ينظر: معجم البلدان (٤/ ٩) و(٥/ ٣٦١).
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وروي أن النبي ﷺ حرم صيده (^١). وحذف جواب ﴿وَلَوْلا رِجالٌ﴾ لدلالة الكلام عليه ويجوز أن يكون قوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ كالتكرير لقوله: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ ويكون ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ الجواب. فإن قيل: أي معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون؟ قلت:
تصيبهم الدية والكفارة وسوء قالة المشركين: أن هؤلاء أوقعوا بأهل دينهم؛ إذا جرى منهم بعض التقصير! و﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ تفرقوا.
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦) لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾
روي أن قريشا بعثت سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص إلى النبي ﷺ على أن يرجع من عامه ذلك ويعود في العام الذي يليه، ولا يكون معه شيء من آلة الحرب، وكتبوا بينهم كتابا، فقال ﵇ لعلي: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا: ما نعرف هذا؛ ولكن اكتب: باسمك اللهم، ثم قال: اكتب (٢٦٧ /ب) هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب محمد ابن عبد الله، فقال لعلي "اكتب ما يريدون؛ فإني أشهد أني رسول الله وأني محمد بن عبد الله. فهم المسلمون بأن يأبوا ذلك، فأنزل الله على رسوله السكينة وعلى قلوب المؤمنين" (^٢). ﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ بسم الله الرحمن الرحيم، ومحمد رسول الله ﴿وَكانُوا أَحَقَّ بِها﴾ لما جبلوا عليه من الخير، واشرأبت قلوبهم من تعظيم حرمات الله وطاعة رسوله. وعن الحسن: ﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ الوفاء بالعهد (^٣). روي أن رسول الله ﷺ رأى قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين محلقين ومقصرين؛ فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم يدخلونها في عامهم، وقالوا: إن رؤيا رسول الله ﷺ حق،
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (١/ ١٦٥)، وأبو داود رقم (٢٠٣٢)، ولفظه "إن صيد وج وعضاهه حرام محرم لله" وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع رقم (١٨٧٥).
(٢) رواه البخاري رقم (٣١٨٢)، ومسلم (٥/ ١٧٥ - ١٧٦)، وأحمد في المسند (٣/ ٤٨٦).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٤٤).
[ ٢ / ٣٥٨ ]
فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبي، ورفاعة بن الحارث: والله ما حلقنا وما قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام؛ فنزلت (^١). وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: متلبسا به، وذلك ما فيه من التمييز بين المؤمنين والكافرين، ويجوز أن يتعلق بالرؤيا حالا منها، ومعناه أنها لم تكن أضغاث أحلام، ويجوز أن تكون باء القسم، ويكون قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قسما، إما بالحق الذي هو نقيض الباطل، أو بالحق الذي هو من أسمائه. ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ جوابه، وعلى الأول:
هو جواب قسم محذوف. فإن قيل: ما وجه دخول المشيئة في أخباره سبحانه، وهو عالم بما كان وما يكون؟ قلنا: فيه وجوه: أن تعلقه بالمشيئة تعليما لعباده، أو هو حكاية ما قاله رسول الله ﷺ لأصحابه وقص عليهم، أو أن يريد لتدخلن جميعا. ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل. ﴿مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ أي: من دون فتح مكة. ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ فتح خيبر.
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾
﴿بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ بدين الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يريد: الأديان المختلفة. وقيل: عند نزول عيسى. وقيل: الإظهار بالحجج والآيات. ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ على ما وعد.
﴿مُحَمَّدٌ﴾ إما خبر مبتدأ محذوف، وإما مبتدأ و﴿رَسُولُ اللهِ﴾ عطف بيان، وقرئ: "رسول الله" بالنصب (^٢) على المدح. ﴿سُجَّدًا﴾ أي: من آثار ما يفعله السجود (٢٦٨ /أ) في الجبهة. ﴿ذلِكَ﴾ الوصف ﴿مَثَلُهُمْ﴾ أي: العجيب الشأن في الكتابين جميعا ﴿كَزَرْعٍ﴾ يريد مثلهم كزرع. وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ﴾ ثم ابتدأ: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي﴾
_________________
(١) نسبه الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٣١٦) للبيهقي في دلائل النبوة في باب قصة الحديبية.
(٢) تروى هذه القراءة عن ابن عامر. تنظر: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٠١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٦٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٥٠).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
﴿الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ إشارة مبهمة أوضحها بقوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ كقوله: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ﴾ الآية (^١).
﴿شَطْأَهُ﴾ فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ من المؤازرة وهي المعاونة ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ فصار من الدقة إلى الغلظ، وقرئ: "فأزره" (^٢) ﴿فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ فاستقام على قضبه. وقيل: في الإنجيل:
سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
ومن التكلف قول من زعم أن قوله: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أبو بكر ﴿فَآزَرَهُ﴾ عمر ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ عثمان ﴿عَلى سُوقِهِ﴾ علي. ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ إلى آخرها: بقية الصحابة ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾ لأنهم إذا سمعوا هذه الصفات والثناء على أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من المؤمنين شق ذلك عليهم وغاظهم (^٣). ﴿مِنْهُمْ﴾ من الجنس لا التبعيض؛ لأن المؤمنين كلهم قد آمنوا وعملوا الصالحات فكلهم موعود بالمغفرة والأجر العظيم.
***
_________________
(١) سورة الحجر، الآية (٦٦).
(٢) في الأصل بفراخه، وهو خطأ ولعله سبق قلم، والمثبت كما في الكشاف، وبقية مراجع القراءة، وقرأ جمهور القراء "فآزره" بالمد، وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة وحميد بن قيس "فأزره" بالقصر. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٠٣)، تفسير القرطبي (١٦/ ٢٩٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٣٠)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٧٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٦٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦٠٥)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٣٤٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٧٥).
(٣) روى القزويني في التدوين في أخبار قزوين (٢/ ٤٦٢) عن سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ عمر بن الخطاب رُحَماءُ بَيْنَهُمْ عثمان بن عفان تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا علي بن أبي طالب يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا طلحة والزبير سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أبو عبيدة بن الجراح كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ أبو بكر فَاسْتَغْلَظَ بعمر فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ يعني عثمان لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ علي بن أبي طالب.
[ ٢ / ٣٦٠ ]