﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)﴾
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ روي أن أنس بن مالك قال: "إن أهل مكة (٢٨٢ /أ) سألوا رسول الله ﷺ آية، فأراهم القمر قد انشق نصفين، وحراء بينهما" (^١).
وقيل: إن الماضي يعني المضارع؛ أي: ينشق يوم القيامة، وفي قراءة حذيفة: (وقد انشق القمر) (^٢) كما تقول: أقبل الأمير؛ إذا جاء المبشر بقدومه، وعن حذيفة: أنه خطب بالمدائن، فقال: "ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم ﷺ" (^٣).
﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يرده، وكفى به رادا، ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ أي: دائم، وكل من دامت طريقته مستمر. لما رأوا تواتر المعجزات قالوا: هذا سحر مستمر وقيل:
﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ قوي؛ من قولهم: استمر مريره؛ أي: تضاعفت قوته. وقيل: هو من قولهم استمر الشيء: إذا اشتدت مرارته، أي: هو مر في حلوقنا لا نستطيع أن نسيغه؛ كما لا يساغ المر الشديد المرارة، أي: مستبشع عندنا، مر لهواتنا.
﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ بدفع الحق بعد ظهوره. ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي: كل الأمر لا بد أن يصير إلى غاية أو ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ﴾ من أمرهم فله قرار مستقر عندهم. ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ﴾
_________________
(١) حديث انشقاق القمر رواه البخاري رقم (٣٨٦٩، ٣٦٣٦)، ومسلم رقم (٢٨٠٠).
(٢) تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٧٣)، تفسير القرطبي (١٧/ ١٢٥)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ١٢٠)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٣)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٩٧).
(٣) نسبه الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (ص: ١٦١ - ١٦٢) للحاكم والطبراني وأبي نعيم من رواية ابن علية عن عطاء بن السائب عن ابن عبد الرحمن، ونسبه لعبد الرزاق من وجه آخر عن عطاء، ولأحمد من رواية شعبة عن عطاء.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
﴿هِيَ دارُ الْقَرارِ﴾ (^١) أو: كل أمر ذو مستقر، أو: موضع استقرار، أو زمان استقرار.
﴿مِنَ الْأَنْباءِ﴾ من القرآن، وأنباء الآخرة. ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ ازدجار، أو: موضع ازدجار.
﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ نفي أو إنكار، أي: فأي غنى تغني النذر. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ لعلمك أن الإنذار لا ينفع فيهم؛ لأنهم مطبوع على قلوبهم. نصب ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ ب "يخرجون" أو بإضمار اذكر، والداعي: إسرافيل أو جبريل. ﴿نُكُرٍ﴾ أي: منكر تنكره النفوس لأنها لم تعهد مثله.
﴿خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾
﴿خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ﴾ حال من "يخرجون" وخشوع الأبصار عبارة عن الذلة؛ لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهران في عيونهما. ﴿مِنَ الْأَجْداثِ﴾ من القبور ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ مثل في الكثرة والتموج، يقال: جاء الجيش كالجراد منتشر في كل مكان. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين مادي أعناقهم. وقيل: ناظرين إليه لا يميلون بأبصارهم عنه، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
تعبّدني نمر بن سعد وقد أرى ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع (^٢)
﴿قَبْلَهُمْ﴾ قبل أهل مكة ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ أي: نوحا. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ بعد قوله: ﴿كَذَّبَتْ؟﴾ قلت: معناه: كذبوا فكذبوا عبدنا، أي: كذبوه تكذيبا عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو: كذبت قوم نوح المرسلين فكذبوا عبدنا، ولما كانوا مكذبين للرسل جاحدين (٢٨٢ /ب) للنبوة رأسا كذبوا نوحا؛ لأنه من جملة الرسل. ﴿وَازْدُجِرَ﴾ وانتهر بالشتم والضرب.
وقيل: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ زجرته الجن واختطفت فهمه وعقله، أي: فانتصر لي، وإنما دعا بذلك
_________________
(١) سورة غافر، الآية (٣٩).
(٢) ينظر البيت في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٧٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٢٥)، العين للخليل (١/ ١٠١)، لسان العرب (نمر) و(هطع)، والمعنى: كان ذليلا لي فصار فوقي.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
حين استمر عنادهم، فلا يلدوا إلا فاجرا كفارا؛ لأنه كان يلقاه الرجل منهم فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه، فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. ﴿مُنْهَمِرٍ﴾ منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما. ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ أي: وجعلناها كلها كأنها عيون ﴿فَالْتَقَى الْماءُ﴾ يعني: مياه السماء والأرض ﴿عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ على حال قدرها الله كيف شاء.
وقيل: ﴿عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: كان قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض ﴿عَلى ذاتِ أَلْواحٍ﴾ على سفينة، وهي من الصفة القائمة مقام الموصوف، لا يفصل بينها وبينها. والدسر: الدفع، والدسار: ما يدفع به من مسمار ونحوه.
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣)﴾
﴿جَزاءً﴾ مفعوله. والذي كفر هو نوح؛ لأن النبي ﷺ نعمة من الله؛ قال الله: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (^١).
وقرئ: "جزآء لّمن كان كفر" بفتح الكاف والفاء (^٢).
﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ الضمير للسفينة أو للفعلة، وبقيت على جبل الجودي. وقيل: بأرض الجزيرة حتى أدرك السفينة أوائل هذه الأمة. والمدكر: المعتبر، أي: فهل من معتبر، والنذر:
جمع نذير، وهو الإنذار. ﴿يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ﴾ سهلناه للادكار والاتعاظ، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد. وقيل: سهلناه للحفظ فهل من راغب في حفظه، ويجوز أن يكون يسره بمعنى هيأه؛ قال الشاعر [من الطويل]:
فقمت إليه باللجام ميسّرا كذلك يجزيني الذي كنت أصنع (^٣)
لأن التوراة والإنجيل وسائر الصحف لا تحفظ عن ظاهر القلب وإنما ينظر فيها وتقرأ.
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية (١٠٧).
(٢) قرأ بها يزيد بن رومان وعيسى وقتادة. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٢٧).
(٣) البيت للأعرج ينظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٧٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٢٨).
[ ٢ / ٤٠٨ ]
﴿وَنُذُرِ﴾ وإنذاري بإنذار الرسل. وقيل: بإنذاراتي في تعذيبهم لمن بعدهم.
﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ أي: يوم شؤم ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ دائم إلى أن فرغ من هلاكهم، كانوا يفرون من الريح فيدخلون في الشعاب والحفر العميقة في الأرض فتخرجهم الريح وتدق رقابهم.
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ كأنهم أصول نخل ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ منتزع من أصله، وكانوا أقواما طوالا؛ فإذا سقطوا على الأرض كانوا كالنخلة السحوق إذا سقطت. وقيل: شبهوا بالنخل المنقعر؛ لأن الريح كانت تقتلع رؤوسهم فيبقون كأنهم نخل بغير رأس، وذكر صفة النخل بقوله: ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ وأنثها في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ (^١)؛ حملا على اللفظ (٢٨٣ /أ) والمعنى.
﴿فَقالُوا أَبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾
﴿أَبَشَرًا مِنّا﴾ نصب بفعل مضمر يفسره ﴿نَتَّبِعُهُ﴾
وقرئ: "أبشر" بالرفع (^٢) على الابتداء، و﴿نَتَّبِعُهُ﴾ الخبر. كان صالح يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال. وسعر: جمع سعير، وهي النار المتقدة، فعكسوا عليه، وقالوا: إن اتبعناك كان الأمر كما تقول. وقيل: السعر: الجنون؛ يقال: ناقة مسعورة.
وقال [من الطويل]:
كأنّ بها سعرا إذا الريح هزّها ذميل وإرخاء من السير متعب (^٣)
_________________
(١) سورة الحاقة، الآية (٧).
(٢) قرأ بها أبو السمأل. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٢٩)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٣٧).
(٣) ينظر البيت في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٨٠)، تفسير القرطبي (١٧/ ٩٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٢٩)، غريب الحديث للخطابي (٢/ ٣٢) وفيه: تخال بها سعرا إذا العيس هزها ذميل وتوضيع من السير متعب والذميل: ضرب من سير الإبل. وقيل: هو السير اللين ما كان. وقيل: هو فوق العنق، قال أبو عبيد: إذا ارتفع السير عن العنق قليلا فهو التزيد فإذا ارتفع عن ذلك فهو الذميل ثم الرسيم ". من لسان العرب (ذمل).
[ ٢ / ٤٠٩ ]
وأنكروا أن يكون الرسول بشرا، وكونه منهم أيضا؛ لأن البشرية جنس جامع له ولهم، وكونه واحدا فقالوا: كيف تتبع هذه الأمة كلها رجلا واحدا؟ ﴿أَشِرٌ﴾ بطر طالب للرياسة علينا. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ عند نزول العذاب، أو يوم القيامة. ﴿مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ أصالح أم من كذبه؟ وقرئ:" ستعلمون "بالتاء (^١) على حكاية ما سألوا. ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ وامتحانا.
﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ فانتظرهم، وما هم عليه. ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على أذاهم، ولا تعجل حتى يأتيك أمري. ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ مقسوم ﴿لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (^٢) وذكر ﴿بَيْنَهُمْ﴾ تغليبا للعقلاء.
﴿مُحْتَضَرٌ﴾ أي: محضور لهم وللناقة. ﴿صاحِبَهُمْ﴾ قدار بن سالف، وقيل: الناقة أو السيف.
﴿صَيْحَةً واحِدَةً﴾ صيحة جبريل. والهشيم: الشجر اليابس المتهشم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. ﴿حاصِبًا﴾ ريحا تحصبهم بالحجارة.
﴿بِسَحَرٍ﴾ بقطع من الليل، وهو السدس الأخير منه. وقيل: هما سحران، والسحر الأعلى قبل انصداع الفجر، والآخر عند انصداعه، وصرف لأنه نكرة، ويقال: لقيته سحر؛ أي: بسحر يومك.
﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾
﴿نِعْمَةً﴾ أنعمناها؛ مفعول له: ﴿مَنْ شَكَرَ﴾ نعمة الله بالإيمان والطاعة ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ﴾ لوط ﵇ ﴿بَطْشَتَنا﴾ أخذتنا بالعذاب ﴿فَتَمارَوْا﴾ وكذبوا ﴿بِالنُّذُرِ﴾. ﴿فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾ فمسحناها وجعلناها كسائر الوجوه لا يظهر فيها شق. روي أنهم عالجوا باب لوط ليدخلوا؛ فقال لهم: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ (^٣) فقالوا له: إن ركنك لشديد ﴿إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا﴾
_________________
(١) قرأ بها ابن عامر وحمزة وهبيرة عن حفص عن عاصم، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم" سيعلمون " بالغيبة. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٨٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٣٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦١٨).
(٢) سورة الشعراء، الآية (١٥٥).
(٣) سورة هود، الآية (٨٠).
[ ٢ / ٤١٠ ]
﴿إِلَيْكَ﴾ (^١) فمسح جبريل بجناحه وجوههم فصار موضع العين لحما مساويا لجميع الوجه، فلم يهتدوا للباب حتى أخرجهم لوط. ﴿بُكْرَةً﴾ إن نكرته فالمراد (٢٨٣ /ب) بكرة من جملة البكر، وإن عرفته ولم تصرفه أردت بكرة يومك. فإن قلت: ما فائدة تكرير قوله: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟﴾ قلت: فائدته أن تبقى هذه المواعظ نصب أعينهم ويستحضروها بقلوبهم ولا يغفلوا عنها، ونظيره تكرير: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ في سورة الرحمن (^٢). وفي المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (^٣). النذر: موسى وهارون وغيرهما؛ لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون، أو: جمع نذير، وهو الإنذار.
﴿بِآياتِنا كُلِّها﴾ بالآيات التسع. ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ لا يغالب ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض. ﴿أَكُفّارُكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ﴾ الكفار المعدودين وهم قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وآل فرعون، يعني: أكفاركم خير من أولئكم في القوة والعدة والمال والبسطة، أو أقل عنادا؟ بل قومك أكثر عنادا وأبعد عن الانقياد.
﴿أَمْ﴾ أنزلت عليكم ﴿بَراءَةٌ فِي﴾ الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمنا من عذاب الله فأمنتم بها؟! ﴿نَحْنُ﴾ جماعة أمرنا مجتمع ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ ينصر بعضنا بعضا. وروي أن أبا جهل قال يوم بدر: اليوم ننتصر من محمد وأصحابه فنزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (^٤). روي:
أن رسول الله ﷺ خرج يوم بدر وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (^٥) أي: الأدبار؛ كما قال [من الوافر]:
كلوا في بعض بطنكم تعفّوا (^٦)
_________________
(١) سورة هود، الآية (٨١).
(٢) الآيات (٥١، ٤٩، ٤٧، ٤٥، ٤٢، ٤٠، ٣٨، ٣٦، ٣٤، ٣٢، ٣٠، ٢٨، ٢٥، ٢٣، ٢١، ١٨، ١٦، ١٣، ٧٧، ٧٥، ٧٣، ٧١، ٦٩، ٦٧، ٦٥، ٦٣، ٦١، ٥٩، ٥٧، ٥٥، ٥٣).
(٣) الآيات (٤٩، ٤٧، ٤٥، ٤٠، ٣٧، ٣٤، ٢٨، ٢٤، ١٩، ١٥).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٤٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦٨٠) ونسبه لابن أبي شيبة وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس - ﵄ - بنحو هذا.
(٥) رواه البخاري رقم (٢٦٩٩)، وأحمد في المسند رقم (٢٨٨٥).
(٦) هذا صدر بيت وعجزه: فإن زمانكم زمن خميص. ينظر في: البرهان في علوم القرآن للزركشي (٢/ ٤٢٨)، تفسير أبي السعود (١/ ١٩١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٣٨)، الكشاف للزمخشري (١/ ٤٧٩).
[ ٢ / ٤١١ ]
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾
﴿أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ والداهية: الأمر المنكر الذي لا يهتدى لدواهيه. ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ سقر اسم علم لجهنم. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر، والقدر: التقدير.
﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ﴾ إلا كلمة واحدة سريعة التكوين ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ يريد قوله:
(كنّ). ﴿أَشْياعَكُمْ﴾ أشباهكم من الأمم. ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ في دواوين الحفظة.
﴿مُسْتَطَرٌ﴾ أي: في اللوح ﴿وَنَهَرٍ﴾ أي: وأنهار؛ اكتفى باسم الجنس. وقيل: هي السعة والضياء من النهار؛ وأنهر الدم: أخرجه بكثرة. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ في مكان مرضي. ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ أي: مقربون عند ملك عظيم القدرة والمملكة؛ فلا منزلة أتم من تلك المنزلة، ولا مقعد أكمل منه، ولا مقتدر أعظم منه.
***
[ ٢ / ٤١٢ ]