﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾
﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ﴾ قالت عائشة ﵂: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول الله ﷺ في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع، وسمع قولها" (^١).
والمرأة خولة بنت ثعلبة، امرأة أوس بن الصامت، رآها وهي تصلي، وكانت حسنة الجسم، فلما سلّمت راودها عن نفسها فأبت فغضب، وكان به خفة فظاهر منها؛ وأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما أفنى شبابي ونثرت أفلاذ كبدي جعلني عليه كأمه. وروي أنها قالت: إن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا؛ فقال ﷺ: "ما عندي في أمرك شيء" (^٢).
وروي أنه قال لها: حرمت عليه فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، كلما قال رسول الله ﷺ: حرمت عليه شكت. فنزلت: ﴿فِي زَوْجِها﴾ في شأنه (^٣). يسمع كل مسمع ويبصر كل مبصر. ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ في ﴿مِنْكُمْ﴾ توبيخ للعرب، وتهجين لعادتهم في الظهار.
﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ أي: ليسوا بأمهات لهم وقد جعلها المظاهر أمّا؛ فكأن هذا القول ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ منكرا تنكره الحقيقة، وتنكره الأحكام الشرعية، ﴿وَزُورًا﴾ كذبا باطلا، ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ لما سلف إذا تيب عنه
﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾
_________________
(١) رواه أحمد رقم (٢٣٠٦٤)، والنسائي رقم (٣٤٠٦)، وابن ماجه رقم (١٨٨) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه رقم (١٥٥).
(٢) ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٤٢٣) وقال: رواه البيهقي والدارقطني في سننيهما بروايات مختلفة وفي سنن أبي داود منه شيء يسير وكذلك الطبراني في معجمه.
(٣) ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٤٢٣).
[ ٢ / ٤٤٢ ]
﴿فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ كانوا يظاهرون في الجاهلية؛ فلما جاء الإسلام تركوا ذلك، ثم عادوا بعد ذلك فظاهروا. وإذا ظاهر من امرأته لم يحل له وطؤها حتى يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ والمعنى: أن تدارك هذا القول بالكفارة وإحسان الصحبة بعد ذلك، والمماسة: الجماع، وما يقرب منه من الاستمتاع، والظهار أن يشبه امرأته بأمه، أو بعضو من أعضائها، أو بأخته، أو غيرها من المحارم، أو يشبهها بعضو من أعضاء الأم غير الظهر، إلا أن أبا حنيفة يقول: إن شبهها بعضو يسمى به الجسد كله؛ كالرأس والرقبة، وعنده أيضا: إذا لم يكفر المظاهر فللمرأة مطالبته بالتكفير لتحل، وعند الشافعي: إذا امتنع لا ترافعه المرأة ولا تستحق عليه الوطء (^١). ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ التي لا يجوز تعديها. ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ (٢٩٣ /أ) الذي لم يقوموا بما يوجبه الظهار ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿يُحَادُّونَ﴾ يعادون ﴿كُبِتُوا﴾ أخزوا. ﴿كَما كُبِتَ﴾ من عادى الرسل قبلهم. قيل: أراد كبتهم يوم الخندق. ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ تدل على صحة الرسول وصحة ما جاء به ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ بهذه الآيات ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ منصوب ب "الكافرين" أو ب "مهين" أو بإضمار اذكر؛ تعظيما لليوم ﴿جَمِيعًا﴾ مجتمعين؛ أي: كلهم، والمراد: اجتماعهم في مكان واحد في ذلك الوقت.
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ تخجيلا لهم وتوبيخا، يتمنون عنده المسارعة إلى النار لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد ﴿أَحْصاهُ اللهُ﴾ أحاط به عددا. ﴿وَنَسُوهُ﴾ أنهم تهاونوا به.
﴿ما يَكُونُ﴾ أي: ما يوجد، وهي كان التامة، والنجوى تأنيثها غير حقيقي، وهي
_________________
(١) ينظر: بداية المبتدي للمرغيناني (٨٢، ١/ ٨١)، المبسوط للسرخسي (٦/ ٢٣٠).
[ ٢ / ٤٤٣ ]
التناجي. ﴿مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ بإضافة ﴿نَجْوى﴾ إلى ﴿ثُلُثَهُ﴾ أو جعلهم نفس النجوى مبالغة، وقرأ ابن أبي عبلة: "ثلاثة" و"خمسة" بالنصب (^١) على الحال، أو بإضمار "يتناجون" روي أن اليهود والمنافقين كانوا إذا رأوا المؤمنين تغامزوا وتضاحكوا وتناجوا فنهاهم رسول الله ﷺ ففعلوا ثم عادوا، فنزلت ﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ﴾ (^٢) أي: يقولون: السام عليك، والسام: الموت. والتناجي بالبر والتقوى: أن تقولوا يا أيها النبي، يا أيها الرسول، ولا تقولوا: السام عليك. ﴿لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ كانوا يقولون: إن كان محمد نبيّا؛ فلم لا يعذبنا الله بما نقول؟ فقال الله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عذابا.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب للمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم، ويجوز أن يكون للمؤمنين وللمنافقين، يعني: إذا تناجيتم فلا تتشبهوا بأولئك ﴿وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾
روي أن النبي ﷺ قال: "لا يتناج اثنان دون ثالث؛ فإن ذلك يحزنه" (^٣).
﴿إِنَّمَا النَّجْوى﴾ اللام في "النجوى" إشارة إلى التناجي بالإثم والعدوان؛ بدليل قوله:
﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وليس الحزن بضار الذين آمنوا ﴿شَيْئًا إِلاّ بِإِذْنِ،﴾ ﴿تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ﴾ (^٤) أي: توسعوا فيه، والمراد: مجلس رسول الله ﷺ كانوا يتضامّون فيه؛ تنافسا على القرب منه وسماع كلامه ﷺ. وقيل: هي مجالس القتال؛ كما سميت مقاعد في قوله:
_________________
(١) تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٨٧)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٨٩).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٨/ ١٤).
(٣) رواه البخاري رقم (٥٨١٤)، ومسلم رقم (٤٠٥٢).
(٤) قرأ "في المجلس" بالإفراد جمهور القراء، وقرأ "في المجالس" عاصم وحده. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٢٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٨٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦٢٨)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٩٢).
[ ٢ / ٤٤٤ ]
مقعد للقتال (^١) (٢٩٣ /ب) ﴿يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ مطلق في كل ما يراد التوسع فيه، وهو المجلس والقلب والرزق وغير ذلك. ﴿اُنْشُزُوا﴾ ارتفعوا لتوسعوا على المقبلين، أو ارتفعوا عن مجلس رسول الله ﷺ إذا أمرتم بالنهوض عنه، أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير إذا استنهضتم ولا تفرطوا. ﴿يَرْفَعِ اللهُ﴾ المؤمنين بامتثال أوامر رسوله والعلماء منهم خاصة. ﴿دَرَجاتٍ﴾ بما تعلمون. عن ابن مسعود أنه كان إذا قرأها قال: يا أيها الناس:
افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم (^٢).
وعن النبي ﷺ: "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" (^٣).وعنه: "يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء" (^٤).فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله ﷺ وفي كلام بعض الحكماء: ليت شعري، أي شيء فات من أدرك العلم، ليت شعري؛ أي شيء أدرك من فاته العلم؟
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾
﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ استعارة ممن له يدان، والمعنى: قبل نجواكم. ﴿ذلِكُمْ﴾ التقديم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ لأن الصدقة طهرة. روي أن الناس أكثروا مناجاة رسول الله ﷺ حتى أملوه فأريد أن يكفوا عن ذلك فأمروا بأن من أراد أن يناجيه قدم قبل مناجاته صدقة، قال علي: فدعاني رسول الله ﷺ لما نزلت؛ فقال: ما تقول في دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال:
كم؟ قلت: حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد. فلما رأوا ذلك اشتد عليهم وكفوا؛ أما الفقير فلعسرته، وأما الغني فلشحّه (^٥). قيل: كان ذلك عشر ليال فنسخ وقيل: ما كان إلا ساعة
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (١٢١).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٩٢) وذكر السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٨٣) ونسبه لابن المنذر عن ابن مسعود قال: "ما خص الله العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية فضل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم".
(٣) رواه أحمد رقم (٢٠٧٣٣)، وأبو داود رقم (٣١٥٧)، والترمذي رقم (٢٦٠٦)، وابن ماجه رقم (٢١٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٦٢٩٧).
(٤) رواه ابن ماجه رقم (٤٣٠٤) وقال الألباني في ضعيف الجامع رقم (٢١٤٨) موضوع.
(٥) رواه الترمذي رقم (٣٢٢٢) وقال: حسن غريب، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (٦٥٢).
[ ٢ / ٤٤٥ ]
من نهار (^١).
وعن علي: "إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي، ولا عمل بها أحد بعدي كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم" (^٢).وعن ابن عمر: "كانت لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزوجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى" (^٣).وقال ابن عباس: "هي منسوخة بالآية التي بعدها.
وقيل: هي منسوخة بالزكاة" (^٤).
﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨)﴾
﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الخوف من الفقر؟ وأن الشيطان يعدكم الفقر. ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أمرتم به ﴿وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٢٩٤ /أ) وعذركم ورخص لكم في ألا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.
كان المنافقون يقولون: اليهود هم الذين غضب الله عليهم في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (^٥) ونقل المنافقون إلى اليهود أخبار المؤمنين. ﴿ما هُمْ مِنْكُمْ﴾ يا مسلمين ﴿وَلا مِنْهُمْ﴾
_________________
(١) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٨٣) لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي ﵁.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٨/ ٢٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٢٤) وصححه، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٨٤) لسعيد بن منصور وابن راهويه وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم عن علي ﵁.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٩٥).
(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٨٤) ونسبه لأبي داود في ناسخه وابن المنذر من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس.
(٥) سورة المائدة، الآية (٦٠).
[ ٢ / ٤٤٦ ]
أي: من اليهود؛ كقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ الآية (^١) ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾ أي: يقولون:
والله إنا لمسلمون ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن المحلوف عليه كذب. وكان ابن نبتل يكثر مجالسة النبي ﷺ وينقل أخباره إلى اليهود، فقال رسول الله ﷺ: "يدخل عليكم إنسان وجهه وجه إنسان وقلبه قلب جبار، وينظر نظر شيطان، فدخل ابن نبتل؛ فقال له النبي ﷺ: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله العظيم أنه لم يكن ذلك، فنزلت ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ نوعا من العذاب شديدا؛ نكره تعظيما له. ﴿ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بمعنى:
أنهم كانوا في الزمن الماضي على هذه الحال، أو هي حكاية ما يقال في الآخرة. ﴿أَيْمانَهُمْ﴾ وقرئ بكسر الهمزة (^٣). جنّة أي: وقاية. ﴿فَصَدُّوا﴾ فأعرضوا أي: صدوا الناس عن الدخول في الإيمان. ﴿مِنَ اللهِ﴾ من عذاب الله. ﴿شَيْئًا﴾ قليلا من الإغناء، روي أن رجلا منهم قال:
لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا. ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أي: لله سبحانه على أنهم مسلمون. ﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ في الدنيا. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ من النفع، وليس العجب من حلفهم في الدنيا؛ فإنها محل المغالبة والإنكار، والحلف الكاذب والانتفاع بالكذب، ولكن العجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ هو حكاية عن استمرارهم على الضلالة، حتى اتصل ذلك بالآخرة.
﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾
_________________
(١) سورة النساء، الآية (١٤٣).
(٢) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٥٢٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(٣) قرأ بها الحسن. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٩٠).
[ ٢ / ٤٤٧ ]
﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾
كما قال: ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ استولى عليهم واحتوى؛ من حاذ الحمار العانة (^١) إذا جمعها، أي: ملكهم الشيطان حتى جعلهم رعيته وحزبه. ﴿فَأَنْساهُمْ﴾ أن يذكروا الله لا بقلوبهم ولا بألسنتهم. قال أبو عبيدة: حزب الشيطان جنده (^٢).
﴿فِي الْأَذَلِّينَ﴾ في جملة من هو أذل خلق الله لا ترى أحدا أذل منهم (٢٩٤ /ب) ﴿كَتَبَ اللهُ﴾ في اللوح المحفوظ ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ بالحجة والسيف، أو بأحدهما. ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ من باب التخييل؛ أي: نبه أن من الممتنع أن تجد قوما مؤمنين يوالون المشركين والغرض أن ذلك لا ينبغي أن يقع؛ ولأن العهد بذلك لا يستقيم، وزاد ذلك توكيدا بقوله:
﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ﴾ وجعلهم حزب الشيطان، وقابله بقوله: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ﴾ فلا شيء أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه. ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ﴾ أثبت فيها. ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ بنور قذفه في قلوبهم، ويجوز أن يكون الضمير للإيمان.
﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي: من الإيمان؛ على أن الإيمان نفسه روح؛ إذ به تحيا القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح. قيل: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان.
وعن النبي ﷺ أنه كان يقول:" اللهم لا تجعل لفاسق ولا لفاجر عندي نعمة؛ فإني وجدت فيما أوحيت إلي: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ (^٣). وروي أنها نزلت في أبي بكر وذلك أن أباه أبا قحافة سب رسول الله ﷺ فصكه صكة سقط منها؛ فقال له رسول الله ﷺ: "أو فعلته؟ فقال: نعم. قال: فلا تعد؛ فقال: والله لو كان السيف قريبا مني لقتلته" (^٤).
_________________
(١) العانة: القطيع من حمر الوحش. ينظر: لسان العرب (عون).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٩٦).
(٣) ذكره الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب (١/ ٤٩٣) عن معاذ بن جبل، بلفظ: "اللهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة أكافئه بها في الدنيا والآخرة".،وذكره بهذا اللفظ الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٩٧) ونسبه الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٤٣٢) لابن مردويه في تفسيره.
(٤) ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٤٣٣) وقال: غريب. ونقله الثعلبي عن ابن جريج قال: حدثت أن أبا قحافة إلى آخره. وزاد: فأنزل الله: لا تَجِدُ قَوْمًا الآية. وكذلك ذكره الواحدي في أسباب النزول نحوه سواء. وذكره أبو جعفر الطبري في الرياض النضرة (٢/ ١٠٢) ونسبه للواحدي وأبي الفرج.
[ ٢ / ٤٤٨ ]