﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١)﴾
روي: أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة أتت رسول الله ﷺ بالمدينة وهو يتجهز للفتح فقال لها: أمسلمة جئت؟ قالت: لا، قال: أفمهاجرة جئت؟ قالت: لا قال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والموالي والعشيرة، وقد ذهب الموالي؛ تعني: قتلوا يوم بدر، فاحتجت حاجة شديدة؛ فحث عليها بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودوها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة فأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا واستحملها كتابا إلى أهل مكة نسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: اعلموا أن رسول الله ﷺ يريدكم؛ فخذوا حذركم، فخرجت سارة، ونزل جبريل بالخبر؛ فبعث رسول الله ﷺ عليا وعمارا وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد، وكانوا فرسانا، وقال:
انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة فخذوه منها وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها، فأدركوها، فجحدت وحلفت وهموا بالرجوع؛ فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله ﷺ وسل سيفه، وقال: أخرجي الكتاب، أو فضعي رأسك؛ فأخرجته من عقاص شعرها (^١).
وروي أن رسول الله ﷺ أمن يوم الفتح جميع الناس إلا أربعة هي أحدهم، فاحتضر رسول الله ﷺ حاطبا، وقال: "ما حملك على ذلك؟ فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت، وما غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم مذ فارقتهم، ولكني كنت امرءا ملحقا في قريش، ورأوني غريبا، وعرفت أن كتابي لا يغني عنهم من الله شيئا؛ فصدقه وقبل عذره؛ فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: ما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ففاضت عينا عمر، وقال:
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٢٧٨٥)، ومسلم رقم (٤٥٥٠).
[ ٢ / ٤٥٨ ]
الله ورسوله أعلم، فنزلت (^١). والعدوّ: من عدا؛ كالعفو من عفا، ولكونه على زنة المصدر؛ عومل معاملته وأوقع على الجمع إيقاعه على الواحد.
ويتعلق ﴿تُلْقُونَ﴾ بالضمير في ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ وكان القياس (٢٩٨ /أ) حيث رجع الضمير إلى غير من هو له أن يقال: [تلقون إليهم أنتم] (^٢)، وذلك إنما اشترط في الأسماء دون الأفعال، ولو قلت: ملقين إليهم بالمودة. لما كان بد من الضمير البارز، وقوله:
﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ أصله: تلقون إليهم المودة، والباء زائدة؛ كما في قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ (^٣) على أن مفعول ﴿تُلْقُونَ﴾ محذوف، والتقدير: تلقون إليهم أخبار النبي ﷺ بسبب المودة التي كانت بينكم؛ وكذلك قوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. وقوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ متعلق إما ب ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ أو بقوله: ﴿تُلْقُونَ﴾. وقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ كالتفسير لكفرهم وعتوهم، أو حال من" كفروا "و﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ تعليل ل ﴿يُخْرِجُونَ﴾ أي: يخرجونكم لإيمانكم، وقوله:
﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا﴾ تعليل لقوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ وهو شرط وجوابه محذوف دل عليه ما سبق. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ﴾ ومن يفعل هذا الإسرار فقد أخطأ طريق الحق والصواب. وقرأ الجحدري ﴿بِما جاءَكُمْ﴾ مخففا (^٤) أي: كفروا لأجل ما جاءكم؛ بمعنى: أن ما كان ينبغي أن يكون سبب إيمانهم جعلوه سببا لكفرهم.
﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)﴾
﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ إن يظفروا بكم، لا تحصل الصداقة ولا تفيد المودة القديمة، وجاء
﴿يَثْقَفُوكُمْ﴾ بالفعل المضارع، وجاء بعده ﴿وَوَدُّوا﴾ ماضيا؛ لأن الماضي إذا وقع في الشرط صار مستقبلا؛ كأنه قال: وودوا قبل كل شيء كفركم.
﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٣٦٨٤)، ومسلم رقم (٤٥٥٠).
(٢) غير واضح بالأصل والمثبت من الكشاف للزمخشري (٤/ ٥١٢) وهو مناسب للسياق.
(٣) سورة البقرة، الآية (١٩٥).
(٤) هذه قراءة الجحدري. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٣٠٢)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٥١٢).
[ ٢ / ٤٥٩ ]
﴿وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾
خطأ رأيهم في موالاة الكفار بما يرجع إلى حال من والوه أولا، ثم ما يرجع إلى حال من اقتضى تلك الموالاة ثانيا؛ ليريهم أن ما أقدموا عليه من أي جهة نظرت إليه وجدته باطلا أي: كان فيهم مذهب حسن مرضي يتأسى به، ويتبع أثره، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا؛ حيث كاشفوهم العداوة، وأظهروا البغضاء والمقت؛ حيث صرحوا بأنه ما كان من العداوة والبغضاء ليس إلا لكفرهم، ومتى دام هذا السبب دامت العداوة، حتى إذا آمنوا بالله وحده انقلبت العداوة مودة والبغضاء محبة، ولما نزلت هذه الآية تشدد المؤمنون في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقاربهم من الكفار، وعلم الله منهم الجد والصبر على تلك المشقة؛ فوعدهم بتيسر أمر المحبة وزوال العداوة بقوله: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ الآية.
فلما فتح الله مكة أسلم خلق كثير من أهلها، وزالت الحقود وتحابوا.
وقيل: هو تزويج رسول الله ﷺ (٢٩٨ /ب) أم حبيبة بنت أبي سفيان فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان، وكانت أم حبيبة قد أسلمت، وهاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصر وأرادها على النصرانية فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي فخطبها وساق عنه إليها أربعمائة دينار، وبلغ ذلك أباها أبا سفيان، فقال: ذلك الفحل لا يقدع أنفه (^١).
﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾
_________________
(١) قال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٤٥٤): غريب بهذا اللفظ. وروى أبو داود والنسائي من حديث عروة بن الزبير عن أم حبيبة: "أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي ﷺ، وأمهرها عنه أربعة ألاف درهم، وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شرحبيل بن حسنة". قلت: رواه أبو داود رقم (١٨٠٢)، والنسائي رقم (٣٢٩٨). ولا يقدع أي: لا يرتدع، وفحل لا يقدع أي: لا يضرب أنفه، وذلك إذا كان كريما. قال ابن الأثير: يقال: قدعت الفحل، وهو أن يكون غير كريم فإذا أراد ركوب الناقة الكريمة ضرب أنفه بالرمح أو غيره حتى يرتدع وينكف ". ينظر: لسان العرب (قدع)، النهاية لابن الأثير (٤/ ٢٤).
[ ٢ / ٤٦٠ ]
﴿إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾
و﴿عَسَى﴾ وعد من الله على عادات الملوك؛ حيث يقولون في بعض الحوائج: عسى، ولعل، فلا يبقى عند المحتاج شبهة في ذلك، أو قصد به إطماع المؤمنين. ﴿وَاللهُ قَدِيرٌ﴾ على تقليب القلوب وتغيير الأحوال. ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ و﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بدل مما قبلهما.
﴿إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ﴾ سماهن مؤمنات لتصديقهن في الظاهر. ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وكان النبي ﷺ يقول للممتحنة:" بالله الذي لا إله إلا هو، ما خرجت من بغض زوج؟ بالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض؟ بالله ما خرجت التماس دنيا؟ بالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله " (^١). ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ فإن خبرتم أحوالهن فلا تردوهن إلى الكفار؛ فإنه لا يحل للمرأة أن تبقى على نكاح كافر، ولا لكافر مشرك أن يبقي مسلمة في عصمته، وأراد ب " علمتموهن "الخبرة بقدر الطاقة. ﴿وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا﴾ وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور، وذلك أن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم، ومن أتاهم منكم لم يرد إليكم، وكتبوا بذلك كتابا وختموه؛ فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة، والنبي ﷺ بالحديبية، فأقبل زوجها مسافر المخزومي. وقيل: صيفي بن الراهب؛ فقال: يا محمد، اردد إليّ امرأتي؛ فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف؛ فنزلت بيانا؛ لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء. وقيل: كان الشرط بين النبي ﷺ وبين المشركين عهد ألا يأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا؛ فإن دخلت في دينك ولها زوج أن تردّ على زوجها الذي أنفق عليها، والنبي ﷺ ينزل عليه من السماء مثل ذلك. وقيل: نسخ هذا الحكم، واستحلفها رسول الله ﷺ (٢٩٩ /أ)
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٣٢٣٠)، والطبري في تفسيره (٢٨/ ٦٧)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ١٣٧) لابن أبي أسامة والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند حسن عن ابن عباس ﵄. قال الترمذي: غريب. وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي رقم (٣٣٠٨).
[ ٢ / ٤٦١ ]
بإعطاء زوجها ما أنفق، وتزوجها عمر (^١). وأراد بالعلم في ﴿عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ غلبة الظن بالقرائن والاختبار التام، ثم نفى الحرج في تزويج المهاجرات إذا آتوهن أجورهن بقوله: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ هذا مذهب الشافعي، وأنه لا بد أن تعتد المرأة المهاجرة، وعند أبي حنيفة: أنه لا يجوز إخلاء النكاح عن الصداق، ولا عدة على مهاجرة (^٢). ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾ العصمة: ما يعتصم به من عقد وسبب. وعن مجاهد: أمرهن بطلاق من بقي في دار الحرب منهن (^٣) ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ﴾ من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار.
﴿وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا﴾ من مهور نسائهم المهاجرات. ﴿ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ﴾ يعني ما ذكره في الآية. ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ بكلام مستأنف، أو حال من ﴿حُكْمُ اللهِ﴾ على حكم الضمير، أي: يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكما على المبالغة.
﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾
وروي: أنه لما نزلت أدى المؤمنون ما أمروا به من أداء مهور المهاجرات المؤمنات إلى أزواجهن المشركين، وأبي المشركون أن يؤدوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين؛ فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ﴾ أي: وإن سبقكم شيء وانفلت منكم زوج من أزواجكم، عبر عنه بالشيء، وعدل عن ﴿أَحَدٍ *﴾ لأن مراده أن يترك شيء من هذا الجنس، وهي الزوجة المرتدة. ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ من العقبة، وهي النوبة. ﴿فَآتُوا﴾ فأعطوا من ذهبت امرأته
_________________
(١) ذكر ذلك كله الزمخشري في الكشاف (٤/ ٥٠٨)، وأما زواجها من عمر ﵁ ففيه نظر؛ فقد روى البخاري في صحيحه رقم (٣٦٩١)، ومسلم رقم (٢٧٢٨) " أن سبيعة بنت الحارث كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي وكان ممن شهد بدرا فتوفي عنها في حجة الوداع ".
(٢) ينظر: الأم للإمام الشافعي (١٩٤، ٤/ ١٩٣)، أحكام القرآن للإمام الشافعي (٦٩، ٢/ ٦٨)، بداية المبتدي للمرغيناني (١/ ٦٦)، شرح فتح القدير لمحمد بن عبد الواحد (٣٣٤، ٤/ ٣٣٣).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٨/ ٧٢)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ١٣٣) للفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
مثل ما ساق إليها من المهر. قيل: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين ست؛ فأعطى رسول الله ﷺ لأزواجهن مهورهن من الغنائم.
﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ يريد وأد البنات ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك فذلك هو البهتان؛ لأن بطنها الذي يحل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد به بين رجليها.
﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ في الذي تأمر به من المحسنات وتنهي عنه من المقبحات، وقيل:
كل ما وافق طاعة الله فهو معروف وإنما قال: ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ ومعلوم أنه ﷺ لا يأمر بالمنكر؛ ليدل على أنه لا طاعة للآمر بالعصيان، وروي أن رسول الله ﷺ لما فرغ (٢٩٩ /ب) من مبايعة الرجال جلس على الصفا يبايع النساء، وعمر أسفل منه يبلغهن ما يقول رسول الله ﷺ فقال:" أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئا، فقالت هند - وكانت واقفة متنكرة؛ لأنها مثلت بعم رسول الله ﷺ حمزة يوم أحد -: ما قمنا في هذا المقام وفي أنفسنا أن نشرك بالله شيئا. فقال: ولا تسرقن، فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما آخذ منه سرا، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، فقال: ولا تزنين، فقالت: أو تزني الحرة؟! فقال: ولا تقتلن أولادكن، فقالت: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا، وكان حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، وكانت هند قد آلت على نفسها لتمثلن بحمزة؛ فإنه قتل ولدها حنظلة فشقت عن قلبه، وأخرجت كبده فمضغتها، وأرادت أن تبتلعها فلم تقدر؛ فلفظتها، وإنما قالت: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا؛ لعلمها أن رسول الله ﷺ متألم لما جرى على عمه من المثلة؛ فذكرته ﷺ بالسبب الذي حملها على ذلك، فسري عنه بعض التسرية، وتبسم واستغرب عمر في الضحك " (^١).
وقالت عائشة:" بايع النساء بلفظه، والله ما مست يده يد امرأة غير أزواجه قط " (^٢).
وقيل: غسل يديه ووجهه في قعب (^٣) مملوء ماء، وكل من بايعت غمست يدها في ذلك
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٥٣٥٩، ٢٤٦٠، ٢٢١١)، ومسلم رقم (١٧١٤).
(٢) رواه البخاري رقم (٤٨٩١)، ومسلم رقم (١٨٦٦).
(٣) القعب: القدح الضخم الغليظ الجافي. وقيل: قدح من خشب مقعر. وقيل: هو قدح إلى الصغر يشبه به الحافر وهو يروي الرجل، والجمع القليل أقعب. ينظر: لسان العرب (قعب).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الماء (^١). وقيل: كان عمر يصافحهن عنه (^٢).
روي أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من بعض ثمارهم فقيل لهم: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أن يكون لهم حظ في الآخرة ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ﴾ من أن يبعثوا أحياء. وقيل: ﴿مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ بيان للكفار، والتقدير: كما يئس الكفار الذين هم في القبور أن ينالهم خير.
***
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٥٢١)، وأورده الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٦٣٧) ونسبه لابن إسحاق في المغازي من رواية يونس بن بكير عنه عن أبان بن صالح.
(٢) ذكر ذلك الزمخشري في الكشاف (٤/ ٥٢١) قال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٤٦٤): " رواه ابن حبان في صحيحه عن إسماعيل بن عبد الرحمن ابن عطية عن جدته أم عطية قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أمر نساء الأنصار فجمعن في بيت، ثم أرسل إليهن عمر، فجاء عمر فسلم علينا، فقال: أنا رسول رسول الله إليكن. فقلن: مرحبا برسول رسول الله ﷺ. فقال: أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن إلى آخر الآية. ثم مد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت، فقال: اللهم اشهد. فبايعناه. انتهى. وكذلك رواه الطبراني في معجمه والبزار في مسنده والطبري في تفسيره وابن مردويه وأبو يعلى الموصلي في مسنده والنسائي في كتاب الكنى ". ثم قال: وفي الصحيح ما يدفع هذه الروايات عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا. قالت: وما مست يده يد امرأة قط إلا امرأة يملكها". قلت: رواه البخاري رقم (٦٦٧٤)، ومسلم رقم (٣٤٧٠).
[ ٢ / ٤٦٤ ]