﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩)﴾
﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ أي: كانت الكائنة، وسميت الواقعة؛ لوقوعها فإنها كائنة بلا شك، يقال: وقع ما كنت أتوقعه؛ أي: نزل ما كنت أرتقب نزوله، وانتصبت ﴿إِذا﴾ بقوله:
﴿لَيْسَ﴾ أي: إذا وقعت كان كيت وكيت، أو بإضمار اذكر؛ أي: إذا وقعت ليس نفس تكذب، واللام مثلها في ﴿قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ (^١) أو: ليس لها نفس تكذبها أو هي من قولهم:
كذبت فلانا نفسه في الخطب العظيم. وقيل: كاذبة مصدر كالعافية والعاقبة؛ بمعنى التكذيب؛ من قولك: حمل على قرنه فما كذب، أي: فما جبن، وتحقيقه أنه ما كذّب نفسه، فيما كانت تمنّيه أنه يقدر على الخلاص منه.
﴿خافِضَةٌ﴾ أي: هي خافضة ﴿رافِعَةٌ﴾ ترفع أقواما وتضع آخرين، وإما لأن الأشقياء يخفضون إلى الدركات، والسعداء يرفعون إلى الدرجات، وإما لأنها تزلزل الأشياء من مقرها فتخفض بعضا وترفع بعضا حيث تسقط السماء كسفا، وتنتثر الكواكب، وتسير الجبال، وتمر في الجو مر السحاب. ﴿رُجَّتِ﴾ حركت تحركا شديدا، حتى لا يبقى شيء على وجهها.
﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ﴾ أي: فتّت. وقيل: هو من بس الغنم إذا ساقها.
﴿مُنْبَثًّا﴾ متفرقا، وقوله: ﴿إِذا رُجَّتِ﴾ بدل من ﴿إِذا وَقَعَتِ﴾ ويجوز أن يكون المراد أن ينتصب ب ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أي: ترفع وتخفض وقت رج الأرض وسير الجبال. ﴿أَزْواجًا﴾ أصنافا؛ يقال للأصناف التي اجتمع بعضها مع بعض أزواج.
﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم ﴿أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ الذين يؤتونها بشمائلهم، أو: أصحاب المنزلة السنية (٢٨٧ /أ) وأصحاب المنزلة الدنية، وذلك لتيمنهم
_________________
(١) سورة الفجر، الآية (٢٤).
[ ٢ / ٤٢٢ ]
بالميامن، وتشاؤمهم بالشمائل، ولذلك اليمنى من اليمن، وسميت الشمال الشؤمي وقيل:
يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال.
﴿وَالسّابِقُونَ﴾ المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه. وقيل: الناس ثلاثة: رجل ابتكر الخير من حداثة سنه فلم يزل عليه حتى مات فهذا السابق، ورجل ابتكر الذنب في حداثة سنه ثم تراجع في آخر عمره بالتوبة فهذا صاحب اليمين، ورجل ابتكر الذنب في حداثة سنه، ثم لم يزل عليه حتى مات فهذا صاحب الشمال.
﴿ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ و﴿ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ تعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة
﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾
يريد: والسابقون من عرفت حالهم، وقد جعل ﴿السّابِقُونَ﴾ الثانية توكيدا، و﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ خبرا، وليس بذاك، ووقف بعضهم على ﴿السّابِقُونَ﴾ وابتدأ ﴿السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (^١).
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا (٢٦) وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾
والثلة: الجماعة؛ قال الشاعر [من الطويل]:
وجاءت إليهم ثلة خندفية تجيش كتيار من السيل مزبد (^٢)
﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ كفى به دليلا على الكثرة، وهي من الثل وهو الكسر، والأمة من الأم وهو الشج، والمعنى: إن السابقين كسر من الأولين، وهم الأمم من لدن آدم إلى النبي ﷺ.
_________________
(١) قاله الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٥٨).
(٢) ينظر البيت في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٥٥)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٥٨) وفي الدر: من البحر مزيد.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ وهم أمة محمد ﷺ. وقيل: ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ من متقدمي هذه الأمة، ﴿مِنَ الْآخِرِينَ﴾ من متأخريها.
وروي مرفوعا:" الثلتان جميعا من أمتي " (^١).وروي أنها لما نزلت شق على الصحابة فلم يزل النبي ﷺ يسأل حتى نزلت ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (^٢) وأنكر صاحب الكشاف ذلك؛ لأن المذكور في الآية خبر، والأخبار لا تنسخ؛ ولأن هذه الآية واردة في السابقين الأولين وهذه في أصحاب اليمين (^٣). وقيل: سابقو الأمم أكثر من سابقي أمتنا، وتابعو الأمم مثل تابعي هذه الأمة (^٤). و﴿ثُلَّةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم ثلة. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ موصولة بالذهب، مشبكة بالدر والياقوت؛ قد دخل بعضها في بعض، كحلق الدرع. وقيل:
متواصلة، أدني بعضها من بعض. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من المجرور، أي: استقروا عليها ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ لا يرى بعضهم قفا بعض. ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ باقون على صفة الولدانية.
(٢٨٧ /ب) لا يشيبون ولا يهرمون. وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها. وفي الحديث:" أولاد الكفار خدام أهل الجنة " (^٥)
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٧/ ١٩١) وصححه، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ١٩) لابن المنذر وابن مردويه والطبراني ومسدد في مسنده، وقال السيوطي: بإسناد حسن.
(٢) روى الطبري في تفسيره (٢٧/ ١٩١) عن عمران بن حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا ليلة عند رسول الله ﷺ حتى أكرينا أو أكثرنا. ثم ذكر نحوه إلا أنه قال: فإذا الظراب ظراب مكة مسدودة بوجوه الرجال. وقال أيضا: فإني رأيت عنده أناسا يتهاوشون كثيرا. قال: فقلنا: من هؤلاء السبعون ألفا فاتفق رأينا على أنهم قوم ولدوا في الإسلام ويموتون عليه. قال: فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: لا ولكنهم قوم لا يكتوون وقال أيضا: ثم قال رسول الله ﷺ: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبر أصحابه ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة. فكبر أصحابه ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة. ثم قرأ: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠).
(٣) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٥٩).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٥٩) عن الحسن.
(٥) ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٠٤) وقال: " روي من حديث سمرة ومن حديث أنس؛ فحديث سمرة رواه البزار في مسنده والطبراني في معجمه الكبير والوسط والبخاري في تاريخه الوسط كلهم من حديث عيسى بن شعيب ثنا عباد بن منصور عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب قال: سألنا رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين فقال: "هم خدم أهل الجنة". -
[ ٢ / ٤٢٤ ]
﴿بِأَكْوابٍ﴾ أواني بلا عرى. والإبريق: ما له عروة. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أي: بسببها، وحقيقته: لا يفرّقون عنها، ولا يصدر صداع عنها. ﴿يَتَخَيَّرُونَ﴾ يأخذون خيره وأفضله.
و﴿يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَشْتَهُونَ﴾ يتمنون، وقرئ ﴿وَحُورٌ﴾ بالرفع (^١) على: فيها حور، أو للعطف على ﴿وِلْدانٌ﴾. ﴿جَزاءً﴾ أي: يفعل بهم ذلك جزاء. ﴿سَلامًا سَلامًا﴾ إما بدل من ﴿قِيلًا﴾ بدليل قوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلاّ سَلامًا﴾ (^٢). السدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك فيه. وقيل: المراد: الموقر الذي تنثني أغصانه من كثرة حمله،
﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا (٣٧)﴾
والطلح: شجر الموز، وقيل: هو شجرة أم غيلان (^٣) وهي في الآخرة طيبة الريح. وقيل:
هو شجر يشبه أم غيلان، ولكن له ثمر أحلى من العسل، وقرأ علي ﴿وَطَلْحٍ﴾ وقال: "ما لي وللطلح" (^٤).
_________________
(١) = وقال البزار: لا نعلمه يرويه عن النبي إلا سمرة ولا رواه عنه إلا أبو رجاء العطاردي. وقال الطبراني في معجمه الأوسط ولا رواه عن أبي رجاء إلا عباد بن منصور. وقال البخاري: عيسى بن شعيب بصري صدوق. وأما حديث أنس فرواه البزار في مسنده ثنا الفضل بن سهل ثنا الحجاج ابن نصير ثنا مبارك بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "أطفال المشركين خدم أهل الجنة". وسكت عنه وهذا مناقض لقوله: لا نعلمه يرويه عن النبي إلا سمرة. وله طريق آخر؛ رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ثنا الربيع بن صبيح عن يزيد بن أبان الرقاشي قال: قلنا لأنس بن مالك: يا أبا حمزة ما تقول في أطفال المشركين؟ فقال: قال رسول الله ﷺ: "لم يكن لهم سيئات فيعذبوا بها ولم يكن لهم حسنات فيكونوا بها من أهل الجنة هم خدم أهل الجنة". وبهذا السند رواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة الربيع بن صبيح عن الطبراني بسنده إلى الربيع ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع عن الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس.
(٢) هذه قراءة جمهور القراء، وقرأ حمزة والكسائي "وحور عين" بالجر. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٢٠٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٥٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦٢٢).
(٣) سورة مريم، الآية (٦٢).
(٤) قال ياقوت الحموي في معجم البلدان (٤/ ٣٨): "طلح بالفتح ثم السكون والحاء مهملة وهو شجر أم غيلان له شوك معوج وهو من أعظم العضاه شوكا وأصلبه عودا وأجوده صمغا". وفي لسان العرب (غيل): أم غيلان: شجر السمر.
(٥) تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٢٠١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٥٩).
[ ٢ / ٤٢٥ ]
وقرأ قوله: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ (^١) فقيل له: آي القرآن تحول؟ فقال: آي القرآن لا تهاج ولا تحول. والمنضود: نضد من أسفله إلى أعلاه بالثمر؛ فليس يبين من ساق شجر الجنة شيء. ﴿مَسْكُوبٍ﴾ يسكب لهم أين شاءوا كيف شاءوا. وقيل: دائم الجري لا ينقطع.
وقيل: دائم يجري على الأرض من غير أخدود. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ بل هي دائمة. وقيل: لا مقطوعة بالزمان. ﴿وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ بالأثمان، وقرئ: "وفاكهة" (^٢) على: وهناك فاكهة ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ نضد بعضها فوق بعض أو مرفوعة على الأسرة. وقيل: النساء؛ لأن المرأة يكنى عنها بالفراش ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ على الأرائك؛ قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ (^٣).
﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً﴾ ابتدأنا خلقهن ابتداء جديدا من غير ولادة؛ فإما أن يراد اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، أو: كنّ من الحور العين أو اللاتي أعيد إنشاؤهن إن كن من الإنسيات كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، وروي أن عجوزا قالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: "إن الجنة لا يدخلها العجائز؛ فولت وهي تبكي؛ فقال النبي ﷺ: (٢٨٨ /أ) أخبروها أنها ليست يومئذ بعجوز وقرأ الآية" (^٤). ﴿عُرُبًا﴾ متحببات لأزواجهن ﴿أَتْرابًا﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين وأزواجهن كذلك؛ قال النبي ﷺ: "يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين" (^٥).
﴿لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى﴾
_________________
(١) سورة ق، الآية (١٠).
(٢) قرأ "وفاكهة" بالرفع زيد بن علي وأبو عبد الرحمن. تنظر في "الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٥٧).
(٣) سورة يس، الآية (٥٦).
(٤) حسنه الشيخ الألباني في مختصر الشمائل (ص: ١٢٨).
(٥) رواه أحمد في المسند (٧٥٩٢) واللفظ له، والترمذي رقم (٢٤٦٨) وحسنه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٨٠٧٢)، وجردا: لا شعر على أجسادهم. ومردا: لا شعر في أذقانهم، وجعادا: قصيري شعر الرأس. ويقصد بذلك حسنهم وجمالهم.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
﴿مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾
واللام في ﴿لِأَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ من صلة" إنشاء "و" جعلنا ". ﴿فِي سَمُومٍ﴾ في حر نار تتقد في المسام. ﴿وَحَمِيمٍ﴾ ماء حار متناهي الحرارة.
﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ من دخان أسود بهيم. ﴿لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ نفي لصفتي الظل عنه؛ سماه ظلا ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه. وفيه تسميع أن الكفار ظلهم ﴿لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ وإنما يستحق هذا الوصف المؤمنون والسابقون وأصحاب اليمين.
و﴿الْحِنْثِ﴾ الذنب العظيم، ومنه قولهم: بلغ الغلام الحنث؛ أي: بلغ أن يؤخذ بالمآثم.
﴿أَوَآباؤُنَا﴾ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف. [فإن قلت:] كيف حسن العطف على الضمير في ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ من غير توكيد ب ﴿نَحْنُ؟﴾ قلت: حسن للفاصل الذي هو الهمزة. ﴿إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم، والإضافة بمعنى من، ومنه مواقيت الإحرام. ﴿أَيُّهَا الضّالُّونَ﴾ عن الهدى ﴿الْمُكَذِّبُونَ﴾ بالبعث، وهم أهل مكة من ﴿شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الجنس ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ الهيام: داء يأخذ الإبل فتشرب ولا تروى. وقيل: الهيم: الرمال. فإن قلت: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة وصفتان متفقتان، وهو عطف الشيء على نفسه؟ قلت: لأن الشرب الأول مما يتعجب منه؛ لأن الماء الذي انتهى حره و﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (^١) كيف يقدرون على شربه مع تلك الحالة، وأعجب منها أنهم يشربونه شرب الهيم!! فلما عظمت كل صفة منها صار ذلك كالتعجب فعطف على ما قبله؛ لاختلاف المعنيين. النزل: الرزق الذي يعد للنازل تكرمة، وفيه تهكم بهم؛ كقوله:
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٢) ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ فهلا تصدقون.
﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ﴾
_________________
(١) سورة الحج، الآية (٢٠).
(٢) سورة الانشقاق، الآية (٢٤).
[ ٢ / ٤٢٧ ]
﴿بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾
﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ما تصبون في الأرحام من المني. ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ بشرا عالما قويا. ﴿أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ﴾ لذات الإنسان وصفاته.
﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ وقهرنا العباد به ﴿وَما نَحْنُ﴾ بمغلوبين ﴿عَلى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ في الأرض خلقا (٢٨٨ /ب) أطوع لله منكم ويخلقكم خلقا على غير الصفة التي أنتم عليها الآن.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ أن من قدر على عمل فعل فهو على إعادة مثله أقدر، وهم كانوا يعتقدون أن الله خالقهم؛ فلما لم يعملوا بهذا الاعتقاد كانوا كالمكذبين؛ فلهذا قال: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ﴾ أي: توجدونه وتصورونه. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ﴾ المعايش، وقدرنا بينكم الموت على تفاوت في طول العمر وقصره.
﴿عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ﴾ قوما يخالفونكم في الخلقة والصفات والاعتقادات، وفي هذه الآية دليل على صحة القياس، حيث أنكر عليهم [أنهم] لم يقيسوا النشأة الثانية على الأولى (^١)
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٢٩٧):" قال ابن بطال: وأول من أنكر القياس إبراهيم النظام وتبعه بعض المعتزلة وممن ينسب إلى الفقه داود بن علي، وما اتفق عليه الجماعة هو الحجة فقد قاس الصحابة فمن بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار وبالله التوفيق. وتعقب بعضهم الأولية التي ادعاها ابن بطال بأن إنكار القياس ثبت عن ابن مسعود من الصحابة، ومن التابعين عن عامر الشعبي من فقهاء الكوفة وعن محمد بن سيرين من فقهاء البصرة. وقال الكرماني: عقد هذا الباب وما فيه يدل على صحة القياس وأنه ليس مذموما لكن لو قال من شبه أمرا معلوما لوافق اصطلاح أهل القياس قال: وأما الباب الماضي المشعر بذم القياس وكراهته فطريق الجمع بينهما: أن القياس على نوعين صحيح وهو المشتمل على جميع الشرائط، وفاسد وهو بخلاف ذلك فالمذموم هو الفاسد وأما الصحيح فلا مذمة فيه، بل هو مأمور به. وقد ذكر الشافعي شرط من له أن يقيس فقال: يشترط أن يكون عالما بالأحكام من كتاب الله تعالى ويناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه ويستدل على ما احتمل التأويل بالسنة وبالإجماع فإن لم يكن فبالقياس على ما في الكتاب فإن لم يكن فبالقياس على ما في السنة فإن لم يكن فبالقياس على ما اتفق عليه السلف وإجماع الناس ولم يعرف له مخالف، قال: ولا يجوز القول في شيء من العلم إلا من هذه الأوجه ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلاف العلماء ولسان العرب ويكون صحيح العقل ليفرق بين المشتبهات، ولا يعجل -
[ ٢ / ٤٢٨ ]
﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ لزراعة الحب؛ معنى ﴿تَحْرُثُونَ﴾ تبذرون حبه ﴿أَأَنْتُمْ﴾ تنبتونه وتجعلون له مادة من الشرب إلى أن ينتهي إلى غايته.
﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾
وعن رسول الله ﷺ: "لا يقولن أحدكم زرعت؛ فإن الله هو الزارع، ولكن يقول:
حرثت" قال أبو هريرة: انظر إن شئت: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ (^١). ﴿حُطامًا﴾ كالفتات والجذاذ، أسماء لما انهشم وتفتت.
﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون. ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: عدمنا وغرمنا النفقات على هذا الزرع وحرمنا بركته. وقيل: المحروم: من زرع زرعا فلم ينجب أو أنشأ بستانا فلم ينجب؛ قال الله تعالى في قصة البستان: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنّا لَضالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (^٢) أي: لسنا من أصحاب الحظ، ولو كنا منهم لأنجب زرعنا. وقيل: الغرام: الهلاك، ومنه قوله: ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ (^٣)
﴿الْمُزْنِ﴾ السحاب، واحدته مزنة. وقيل: هو السحاب الأبيض، الأجاج: الشديد الملوحة؛ لا يقدر على شربه، وإنما دخلت اللام في قصة الزرع ولم تدخل في قصة المزن؛ لأن الجملة الثانية دخلت على جملتين إحداهما مرتبطة بالأخرى؛ فأشبهت الشرط فجعلت اللام في جواب "لو" علما على شبه الشرطية؛ فإذا استمر استعمالها صارت اللام المحذوفة كالثابتة؛ قال الشاعر [من الرجز]:
_________________
(١) = ويستمع ممن خالفه؛ ليتنبه بذلك على غفلة إن كانت وأن يبلغ غاية جهده، وينصف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما قال ". انتهى، من فتح الباري.
(٢) رواه ابن حبان في صحيحه رقم (٥٧٢٣)، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (٥٢١٧) وضعفه، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٢٣) للبزار وابن جرير وابن مردويه وأبي نعيم، عن أبي هريرة.
(٣) سورة القلم، الآية (٦٧).
(٤) سورة الفرقان، الآية (٦٥).
[ ٢ / ٤٢٩ ]
حتى إذا الكلاب قال لها كاليوم مطلوبا ولا طالبا (^١)
أي: لم أر كاليوم، وأيضا فإن ثبات اللام في أحد الموضعين دليل على إثباته في الآخر (٢٨٩ /أ) ﴿تُورُونَ﴾ تقتدحون نارها، والعرب تأخذ عودين فتحك أحدهما بالآخر فتقدح نارا، وترى مع المسافرين منهم عودين برسم ذلك تقتدح بهما النار.
﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ المسافر النازل في القواء، وهي الأرض الخالية. ﴿نَحْنُ جَعَلْناها﴾ يعني النار المقتدحة بعيدان الشجر. ﴿تَذْكِرَةً﴾ تذكر بنار جهنم، وفعلنا ذلك ليتذكر العصاة بهذه النار ما يعذبون به في الدار الآخرة. وفي الحديث:" ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: فإنها تفضل عليها بتسعة وستين جزءا " (^٢).وقيل: المقوي: هو الذي خلت أوعية زاده فلم يبق له زاد.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي: فأحدث التسبيح باسم ربك، أو أراد: تذكر اسم ربك ربّك ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة للمضاف أو للمضاف إليه؛ أي: اذكر الإله الذي خلق من المني بشرا، ومن الحب زرعا، ومن السحاب مطرا، ومن الشجر الأخضر نارا. ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ معناه: فلأنا أقسم و" لا "زائدة؛ كقوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (^٣) وكقوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ (^٤) والتقدير: فلأنا أقسم، ولا يجوز أن تكون اللام جواب القسم؛ لأن جواب القسم بالمضارع يلزمه النون؛ تقول: حلفت لأفعلن، وحذفها قبيح في الكلام، ولأن جواب القسم يراد به الاستقبال، وهاهنا المراد به الحال. ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ بمساقطها إذا رجم بها الشياطين، ويجوز أن تكون الملائكة، ولأولياء الله في هذه الأوقات عبادات مخصوصة؛ ولأنه وقت الاستغفار بالأسحار ونزول رحمة الرب سبحانه إلى سماء الدنيا قائلا:" هل من داع
_________________
(١) ينظر البيت في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٦٥)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٨٨).
(٢) رواه مسلم رقم (٥٠٧٧)، والترمذي رقم (٢٥١٤)، وابن ماجه رقم (٤٣٠٩).
(٣) سورة القيامة، الآية (١).
(٤) سورة الحديد، الآية (٢٩).
[ ٢ / ٤٣٠ ]
فأستجيب له، أو مستغفر فأغفر له، أو من تائب فأتوب عليه " (^١).واستعظم القسم بها بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. واعلم أن في هذه الآية جملة معترضة متعلقة بجملة أخرى معترضة؛ فالجملة الأولى:" وإنه لقسم عظيم "والجملة الثانية: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ فإنه لو قال: وإنه لقسم لاستقام. وقيل: المراد بالنجوم: نزول القرآن على رسول الله ﷺ منجما ﴿كَرِيمٌ﴾ حسن مرضي في جنسه من الكتب، أو كثير النفع أو كريم على الله. المكنون:
الكتابة في اللوح المحفوظ، مصون من غير المقربين من الملائكة. ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ من جميع الذنوب، ومن النقائص والمعايب، وهم المطهرون (٢٨٩ /ب) في قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ إن جعلت الجملة الثانية صفة للكتاب، وإن جعلتها صفة للقرآن فالمعنى أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، ومن الناس من حمله على القراءة أيضا.
وعن ابن عمر أنه قال: أحب إلي ألا يقرأ إلا وهو طاهر (^٢). وعن ابن عباس أنه أباح قراءة القرآن للجنب (^٣). ومنه قول رسول الله ﷺ:" المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يسلمه " (^٤) أي: ينبغي أن يكون كذلك.
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ أحمد في المسند رقم (١٧٢٢٨)، ورواه البخاري في صحيحه رقم (١٠٧٧)، ومسلم رقم (١٢٦١) بلفظ" ينزل ربنا - ﵎ - كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له ". وهذا لفظ البخاري. وهذا الحديث معروف بحديث النزول وهو من صفات الله تعالى التي أخبر عنها النبي ﷺ في هذا الحديث الثابت، وقد أشرنا من قبل إلى أن مثل هذه الصفات الثابتة لله - تعالى - يجب إثباتها كما أتت من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تأويل ولا تعطيل، وهذه هي عقيدة السلف الصالح - ﵃ - ومن تبعهم بإحسان.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٦٩).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٦٩) قال العيني في عمدة القاري (٣/ ٢٧٤):" ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسا، هذا الأثر وصله ابن المنذر بلفظ أن ابن عباس كان يقرأ ورده وهو جنب وقال ابن أبي شيبة حدثنا الثقفي عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا أن يقرأ الجنب الآية والآيتين، وكان أحمد يرخص للجنب أن يقرأ الآية ونحوها، وبه قال مالك، وقد حكي عنه أنه قال: تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب؛ لأن الحائض إذا لم تقرأ نسيت القرآن؛ لأن أيام الحائض تتطاول ومدة الجنابة لا تطول، وأراد البخاري بإيراد هذا وبما ذكره في هذا الباب الاستدلال على جواز قراءة الجنب والحائض لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره وبه قال الطبري وابن المنذر وداود ".
(٤) رواه البخاري رقم (٢٢٦٢)، ومسلم رقم (٤٦٧٧).
[ ٢ / ٤٣١ ]
﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾
﴿تَنْزِيلٌ﴾ صفة رابعة للقرآن؛ أي: منزل من رب العالمين، أو وصف بالمصدر؛ لأنه منجم من بين سائر الكتب؛ فكأنه في نفسه تنزيل؛ ولهذا قالوا: نطق به التنزيل، وجاء به التنزيل. ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ أي: متهاونون بالقرآن لا تعظمونه وواجب تعظيمه.
﴿وَتَجْعَلُونَ﴾ حظكم منه التكذيب، التقدير: وتجعلون بدل شكركم النعمة التكذيب بها.
﴿فَلَوْلا﴾ فهلا، والمعنى: فهلا ترجعونها إن كنتم صادقين، وفصل بين ﴿فَلَوْلا﴾ وما تعلقت به بالشرط. ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: غير مجزيين، كما تدين تدان؛ أي: كما تفعل تجزى.
***
[ ٢ / ٤٣٢ ]