﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥)﴾
إن جعلت ﴿حم﴾ اسما للسورة كانت مبتدأ، و﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبره، وإن جعلتها تعديدا للحروف كان" تنزيل "خبرا لمبتدأ محذوف. ﴿كِتابٌ﴾ بدل من" تنزيل "أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، وجوز الزجاج (^١) أن يكون ﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ و﴿كِتابٌ﴾ خبره ووجهه أن" تنزيلا "تخصص بالصفة فجاز الابتداء به؛ كقوله ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ (^٢) ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ ميزت وجعلت فصولا وأنواعا مختلفة من وعد ووعيد وأحكام ومواعظ وقصص وأمثال وغير ذلك. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نصب على الاختصاص والمدح، أي: أريد بهذا الكتاب المفصل قرآنا من صفته كيت وكيت. وقيل: هو نصب على الحال، أي: فصلت في حال كونه عربيا. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ عربيا نزل بلغتهم، وتعلق قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ إما ب" فصلت "أو ب" تنزيل "والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده. وقرئ" بشير ونذير "بالرفع (^٣) صفة للكتاب أو خبر مبتدأ محذوف.
﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا يفهمون. تقول: شفعت عند فلان فلم يسمع قولي وقد سمعه لكنه لم يقبله. ﴿أَكِنَّةٍ﴾ جمع كنان وهو الغطاء، والوقر: بالفتح الثقل في الأذن، والوقر بكسر الواو: الحمل (^٤) ﴿فَالْحامِلاتِ وِقْرًا﴾ (^٥) وبعده تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن فهمه
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٣٧٩).
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٢١).
(٣) قرأ بها زيد بن علي. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٨٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٥٦)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٨٥).
(٤) قرأ طلحة بن مصرف" وقرا "بالكسر وقراءة العامة" وقرا "بالفتح. الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٥٦)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٨٥).
(٥) سورة الذاريات، الآية (٢).
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وتدبره كأن بينهم وبين رسول الله ﷺ حجابا منيعا أو حاجزا من جبل أو نحوه. ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ أمر تهديد وليس إذنا في العمل، أو: فاعمل على إبطال أمرنا؛ إنا عاملون على إبطال أمرك. و" من "في قوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ فيها فائدة وهي أن الحجاب قد سد ما بينهما، ولو فقدت (٢٤٠ /ب) " من "لكان الحجاب قد ابتدأ من أول البينونة، ولا يلزم استيعابه لما بينهما.
فإن قلت: هلا قيل: على قلوبنا أكنة؛ كما قيل: وفي آذاننا وقر فيكونان على نمط واحد؟
قلت: المعنى واحد، وإن اختلف اللفظ؛ لقوله: ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ والملاحظة إنما تراعى في المعاني دون الألفاظ.
﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١)﴾
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ﴾ جواب لقولهم: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ من حيث إنه قال:
لست ملكا؛ إنما أنا بشر.
﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ أي: أجيبوا إلى الطاعة واسلكوا سبيلا سويا ليس فيه ميل عن الحق، وتوبوا إليه مما سبق منكم من الشرك، وقرئ" قل إنما أنا بشرا " (^١).وإنما خص منع الزكاة بالتهديد وقرنه بالكفر بالآخرة؛ لأن المال شقيق الروح؛ فإن بذله في طاعة الله فقد جاهد نفسه جهادا كبيرا، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بعرض يسير من الدنيا، وأصحاب مسيلمة الكذاب تظاهروا بمنع الزكاة فكفروا وقاتلهم المسلمون. ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
_________________
(١) قرأ بها الأعمش والمطوعي ويحيى بن وثاب. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٨٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٥٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٤٣).
[ ٢ / ٢٦٩ ]
غير مقطوع. وقيل: غير ممنون به. ﴿ذلِكَ﴾ الذي قدر على خلق الأرض وما فيها في يومين هو ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾.
﴿رَواسِيَ﴾ جبالا ثابتة، ولو كانت الجبال تحتها كالعمد أو مركوزة فيها كالمسامير لمنعت الأرض الميد والحركة، وإنما اختار جعلها فوق الأرض؛ لتكون المنافع التي في الجبال حاضرة لمن يطلبها، والجبال أثقال على أثقال وكلها ممسوكة بقدرة الله.
﴿وَبارَكَ فِيها﴾ وأكثر خيرها وأنماه ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ﴾ كوامل لا نقص فيهن. قيل: خلق الله الأرض في يوم الأحد ويوم الاثنين، وخلق ما فيها في يوم الثلاثاء والأربعاء، وقال الزجاج: في تتمة أربعة أيام (^١). قوله ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ جواب لسائل قال: ما المدة التي خلقت فيها السماوات والأرض؟ وقوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ﴾ يفيد فائدة وهي أن أكثر الأربعة قد يطلق عليه الأربعة، فإذا قال: ﴿أَرْبَعَةِ أَيّامٍ﴾. امتنع النقص والزيادة فيها.
﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾ ثم قصد إلى خلقها من غير أن يخلق فيما بينها وبين الأرض شيئا آخر ونحوه قوله: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ أي: اقصدوا عبادته من غير اعوجاج، ومعنى أمر السماوات والأرض بالإتيان تكونهما على ما أراد، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع، والغرض سرعة امتثال ما أراد من غير تأخر ولا اعتذار؛ فقال لهما:
﴿اِئْتِيا طَوْعًا﴾ وإلا أتيت بكما كرها.
﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ وليس هناك خطاب ولا قول؛ قال في المثل: قال الجدار للوتد: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني (^٢) (٢٤١ /أ) ويحتمل: وافقا أمري ومشيئتي، ولا تمتنعا
قوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ انتصابهما على الحال؛ طائعتين أو مكرهتين، وإنما قال:
﴿طائِعِينَ﴾ ولم يقل: طائعات أو طائعتين؛ لأنه أخبر عنهما بالطوع وهو صفة من يعقل
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤)﴾
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٣٨٣).
(٢) ينظر في: الكشاف للزمخشري (٤/ ١٨٩).
[ ٢ / ٢٧٠ ]
﴿فَقَضاهُنَّ﴾ يجوز أن يكون ضميرا مبهما يفسره ما بعده. ﴿أَمْرَها﴾ ما فيها من مخلوقات الكواكب والملائكة. ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: وحفظناها أن تقع على الأرض أو حفظناها من استراق ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ (^١).
ويجوز أن يكون مفعولا له؛ أي: للحفظ.
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ بعد ما سمعوا من الحجج على وحدانيته فحذرهم أن تصيبهم صاعقة؛ أي: عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة. ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أتوهم من كل جانب وأعملوا في أمرهم كل حيلة فلم يروا منهم إلا الإعراض؛ كما حكى عن الشيطان: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ (^٢) وقيل: أنذروهم بهلاك من هلك من الأمم وبيوم القيامة. "أن" في قوله: ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا﴾ مخففة من الثقيلة أو بمعنى (أي) ومفعول ﴿شاءَ﴾ محذوف، أي: لو شاء ربنا إنزال ملائكة لفعل.
وقوله: ﴿بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ ليس إقرارا بالرسالة، وإنما هو على زعمكم؛ كقول فرعون:
﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (^٣).
روي أن أبا جهل قال: التبس علينا أمر محمد، فلو وجدنا من يكشف عن أمره؟ فانطلق إليه عتبة بن ربيعة فقال للنبي ﷺ: أنت تسفه أحلامنا وتسب آلهتنا، فإن كان بك الفقر جمعنا لك مالا تستغني به، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة من خيار قريش.
فقال النبي ﷺ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى انتهى إلى قوله: ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ فوضع عتبة يده على فم النبي ﷺ ثم ناشده الله والرحم ألا يفعل، ثم رجع عتبة إلى منزله ولم يأتهم؛ فظنوا أنه قد صبأ وأسلم؛ فجاءوا إليه وعنفوه؛ فحلف بالله لا يكلم محمدا أبدا، وقال: لقد علمتم صدق محمد، فلما هددنا بصاعقة عاد وثمود خفت أن ينزل بكم العذاب (^٤).
_________________
(١) سورة الصافات، الآية (٧).
(٢) سورة الأعراف، الآية (١٧).
(٣) سورة الشعراء، الآية (٢٧).
(٤) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٢٧٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣١٠) للبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله ﵂.
[ ٢ / ٢٧١ ]
﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾
﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ تعظموا فيها واستكبروا بما لا يوجب الكبر من كبر الأجساد وكثرة الأولاد فأهلكهم الله.
﴿مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ كانت عاد ذوي قوة، كان الرجل منهم يقتلع الصخرة العظيمة فيأتي بها إلى منزله، ومعنى كونه تعالى قويّا أنه يفعل ما يعجز أرباب القوى عنه. (٢٤١ /ب) والقوة في الآدميين صحة البنية والتمكن من المقدورات. ﴿يَجْحَدُونَ﴾ كانوا يعرفونها وينكرونها وكانوا فجرة فسقة. الصرصر: الريح التي تصوت في هبوبها.
وقيل: الباردة التي تحرق بشدة بردها تكريرا للصر وهو البرد. الأصل في ﴿نَحِساتٍ﴾ نحسات: بكسر الحاء فخفف سكونها أو وصف بالمصدر كرجل عدل وفطر وصوم.
وقرئ "لنذيقهم" (^١) الريح أو العذاب أو الأيام النحسات. ﴿عَذابَ الْخِزْيِ﴾ إضافة الشيء إلى صفته؛ كأنه قال: العذاب المخزي، كما تقول: فعل السوء، أي: الفعل السيء. قوله: ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى﴾ إسناد مجازي، ووصف العذاب بالخزي أبلغ من وصفهم به؛ كما تقول: فلان له شعر، وله شعر شاعر.
﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ فاختاروا الضلالة. فإن قيل: معنى هديته أي: حصلت له الهدى، فكيف يجتمع ذلك مع قوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى؟﴾ قلت: نزل السبب منزلة المسبب؛ فجعل الإيضاح والبيان بمنزلة الرشاد نفسه. ﴿صاعِقَةُ الْعَذابِ﴾ داهية العذاب، و﴿الْهُونِ﴾ الهوان، وهو إما وصف بالمصدر أو بدل منه.
_________________
(١) تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٩١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٦٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٤٩).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾
﴿أَعْداءُ اللهِ﴾ الكفار من الأولين والآخرين. ﴿يُوزَعُونَ﴾ يحبس أولهم ليلحق آخرهم به.
و"ما" في قوله: ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها﴾ زائدة، أي: تكون الشهادة عليهم وقت مجيئهم النار، شهادة الأيدي شهادة بالملامسة المحرمة وكل معصية تتعلق باليد من نقل محرم أو وضع اليد على ما لا يسوغ شرعا. وقيل: أراد بالجلود الفروج. وقيل: الجلود: الأعضاء كلها.
﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ عام مخصوص، تخصص بالحيوان، وبما تصح منه الحياة والمعنى أن نطقنا ليس بعجب؛ كما أن نطق سائر المخلوقات كذلك.
﴿ظَنُّكُمُ﴾ و﴿أَرْداكُمْ﴾ خبران لا ﴿وَذلِكُمْ﴾. ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ لم ينفعهم الصبر ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ وإن يطلبوا العتبى وهو العود إلى ما كانوا عليه من الخير فما يجابون إلى ذلك ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾ أي: سهلنا لهم قرناء؛ كقوله: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (^١) ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ من أمر العاقبة. و﴿الْقَوْلُ﴾ كلمة العذاب.
﴿فِي أُمَمٍ﴾ في جملة قوم آخرين، وقوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أي: حق عليهم القول كائنين في جملة أمم.
_________________
(١) سورة الزخرف، الآية (٣٨).
[ ٢ / ٢٧٣ ]
﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ اللغو: الساقط من الكلام، أي: لا تسمعوا له عند قراءته، وتشاغلوا عنه برفع الأصوات بالخرافات (٢٤٢ /أ) حتى تخلطوا على القارئ قراءته فلا يتمكن من تفهيمها، وكان يوصي بعضهم بعضا بذلك. ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: الذين تواصوا باللغو في القراءة، ويجوز أن يريد جميع الكفار. وقيل: ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ يوم بدر ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآخرة. ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الأسوأ، ويجب أن يكون التقدير: أسوأ جزاء الذي كانوا يعملون، حتى تستقيم هذه الإشارة، و﴿النّارُ﴾ عطف بيان للجزاء، أو خبر مبتدأ محذوف. ومعنى قوله: ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ﴾ أن النار في نفسها دار الخلد؛ كقوله:
﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (^١).
﴿بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ يلغون فيها.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾
﴿الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ لأن الشياطين إنسي وجني؛ قال الله تعالى: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (^٢) وقيل: هما إبليس وقابيل، فسن إبليس المعاصي، وسن قابيل القتل بغير حق. وقرئ: "أرنا" بسكون الراء (^٣)؛ كقولهم في كتف وكبد وفخذ: كتف وكبد وفخذ.
"ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ لتفاوت رتب الاستقامة، ومثله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ (^٤) والمعنى: ثم ثبتوا.
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية (٢١).
(٢) سورة الأنعام، الآية (١١٢).
(٣) قرأ ابن كثير وابن عامر وشعبة ويعقوب والسوسي "أرنا" وقرأ بقية العشرة "أرنا". تنظر في: الحجة لابن خالويه (ص: ٣١٧)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٦٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٧٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٥٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٢٢).
(٤) سورة الحجرات، الآية (١٥).
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وعن أبي بكر الصديق ﵁: ثم استقاموا فعلا كما استقاموا قولا. وعنه: أنه سألهم عنها، فقالوا: لم يذنبوا فقال: حملتم الأمر على أشده؛ فقالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان " (^١).وعن عمر قال: استقاموا على الطريقة ولم يروغوا روغان الثعالب (^٢). وعن عثمان: أخلصوا العمل (^٣). وعن علي: أدوا الفرائض (^٤).
وروي أن سائلا قال: يا رسول الله، مرني بعمل أعتصم به؛ فقال:" قل آمنت بالله ثم استقم، قال: فقلت: ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: فأخذ رسول الله ﷺ بلسان نفسه فقال: هذا " (^٥). ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عند الموت بالبشرى. وقيل: للبشرى في ثلاث مواطن: عند الموت، وفي القبر، وإذا قاموا من قبورهم. أن مخففة من الثقيلة، أو بمعنى أي، والخوف: غم يلحق لتوقع المكروه، والحزن: غم يلحق على أمر قد فات.
وقيل: لا تخافوا على ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم. ﴿تُوعَدُونَ﴾ يتمنون، والنزل: رزق النزيل، وهو الضيف، وانتصابه على الحال.
﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ١١٥)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٢٢) لابن راهويه وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن أبي بكر الصديق ﵁.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ١١٥)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٢٢) لابن المبارك وسعيد ابن منصور وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر عن عمر بن الخطاب ﵁.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ١٩٩) عن عثمان ﵁.
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ١٩٩) عن علي ﵁ بهذا اللفظ. ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٢٢) لابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵂ بنحو هذا.
(٥) السائل هو الصحابي: سفيان بن عبد الله الثقفي، والحديث رواه مسلم في صحيحه رقم (٥٥)، والترمذي رقم (٢٣٣٤)، وأحمد في المسند رقم (١٤٨٦٩)، وابن ماجه رقم (٣٩٦٢).
[ ٢ / ٢٧٥ ]
﴿آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾
﴿مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ﴾ هو رسول الله ﷺ دعا الناس إلى دين الحق. وقيل: هم أصحاب رسول الله ﷺ. وقيل: هي عامة في كل من جمع هذه الأوصاف الثلاثة. ﴿وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢٤٢ /ب) يعني: اعتقد ذلك.
يعني أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما؛ فإذا وجدت حسنتين إحداهما أعظم أثرا فاختر ما هو أعظم أثرا، ومثاله: رجل أساء إليك فالحسن أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته، وأحسن منه ألا تترك وجها من وجوه الإحسان إلا تفعله معه فإذا فعلت انقلب العدو المبين صديقا، ثم قال: وما يلقى هذه الخصلة ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على جهاد النفس وإلا رجل له حظ عظيم من الخير. وقيل: ﴿وَلا﴾ مزيدة والمعنى: ولا تستوي الحسنة والسيئة. وقيل: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عن الإساءة. وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وكان عدوا للنبي ﷺ فصار صديقا موافيا (^١).
النزغ والنسغ: هما متساويان بمعنى النخس، والشيطان يبعث على المعصية كما تبعث الدابة بالنخس، وجعل النزغ نازغا؛ كقوله: جدّ جدّه، جعل الجدّ جادّا، والمعنى: إن صرفك الشيطان عن مقابلة السيئة بالحسنة فاستعذ بالله من شره. والضمير في ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ لليل والنهار والشمس والقمر وموضع السجدة عند الشافعي: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ لأن الكلام تم عندها. وقال قوم: موضع السجدة عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ لأنها الآية التي فيها السجود، واحتج عليه الشافعي بآية النحل، وهو قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (^٢) وبقوله في النمل: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (^٣) السجود عند تمام الكلام في هذه المواضع (^٤). وكان قوم من الكفار يسجدون للشمس والقمر ويعتقدون
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٠٠).
(٢) سورة النحل الآية (٥٠).
(٣) الآية (٢٦).
(٤) ينظر: الأم للشافعي (١/ ٢٤٢)، البحر الرائق لزين بن إبراهيم (٢/ ١٣٠)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٠٤)، مغني المحتاج للشربيني (١/ ٢١٥).
[ ٢ / ٢٧٦ ]
إلهيتهما، وكان قوم آخرون يزعمون أنهم موحدون لكن هذه الكواكب سبب في اشتراك الرزق ودفع الشدائد وواسطة بين الله وبين خلقه. فقيل لهم: اقطعوا هذه الوسائط ﴿وَاسْجُدُوا لِلّهِ﴾ خالقها.
﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾
﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ لم يعبأ الله بهم؛ فإن عنده من الملائكة ما لا يحصى عددهم، وكلهم يسبحون الله؛ فهو غنيّ عن تسبيح هؤلاء. استعير الخشوع للأرض اليابسة التي لم تمطر؛ كما وصفها بالربو والاهتزاز إذا أخصبت. يقال: ألحد الحافر ولحد: إذا مال في حفره؛ فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن.
واتصل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ (٢٤٣ /أ) بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ لأن كليهما تهديد، وهو بدل منه، و﴿بِالذِّكْرِ﴾ القرآن. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ محمي بحماية الله ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (^١) ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ﴾ لا يتطرق إليه الباطل ولا يجد إليه سبيلا، وهو مثل. فإن قلت: قد طعن فيه الطاعنون وتأول فيه المتأولون؟ قلت: لكن الله تعالى قيض طائفة من العلماء انتصبوا للذب عنه، وأجابوا عن أسئلتهم عليه، حتى ظهر ضعفها وانزاح باطلها. ما نقول للكفار قومك من الطعن والأذى إلا مثل ما قيل للرسل من قبلك، تسلية للنبي ﷺ عما كان يلقى من الكفار.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ لأنبيائه ﴿وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ لأعدائهم، ويجوز أن يراد: ما ينزل عليك جبريل من الوحي إلا مثل ما كان ينزل على الأنبياء، والمقول هو قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته.
_________________
(١) سورة الحجر، الآية (٩).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
كان الكفار يتعنتون ويقولون: هلا أنزل القرآن بلغة العجم؟ فقيل: لو كان الأمر كما زعمتم لم تتركوا الطعن ولقلتم: لولا أنزل مفصلا، أي: نزل بلسان العرب ليتفقهوه.
﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾
﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ إنكار أن ينزل قرآن أعجمي بلغة العرب؛ أي: لأنكروا وقالوا: أقرآن أعجميّ ورسول عربيّ؟! والأعجميّ: الذي لا يفصح، والمعنى: إن هؤلاء القوم لا يقطعون التّعنّت. ﴿فَاخْتُلِفَ﴾ فقال قوم: هو حقّ، وقال آخرون: هو باطل، والكلمة السابقة هي العدة بيوم القيامة. ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه مهّد؛ قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (^١) ﴿وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ أي: فعليها جنى.
﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إذا سئل عنها قيل: ﴿إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾.
الكمّ بكسر الكاف: وعاء الطلعة ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ يشير بذلك إلى علمه بالجزئيات والكليات؛ كقوله: ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ (^٢) ﴿وَظَنُّوا﴾ وأيقنوا. والمحيص: المهرب. والقنوط: الذي يظهر عليه أثر اليأس، وهذه صفة الكافر؛
_________________
(١) سورة الروم، الآية (٤٤).
(٢) سورة الأنعام، الآية (٥٩).
[ ٢ / ٢٧٨ ]
بدليل قوله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ (^١). ﴿هذا لِي﴾ أي: حقي وصل إليّ. وقيل: للكافر أمنيتان يقول في الدنيا: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ ويقول في الآخرة: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ (^٢) ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ استعير العرض أيضا للكبر؛ كما في قوله: ﴿عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ (^٣) وقرئ "ناء" (^٤) على القلب من نأى.
قوله: (٢٤٣ /ب) ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يراد بالجانب ذاته ونفسه كما جاء: ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (^٥). وفي المكاتبات بخدم الحضرة أو المجلس والمراد الذات. والوجه الثاني: أن يراد ازوراره وميله؛ كما قالوا: ثنى عطفه وتولى بركنه.
وقوله: ﴿فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ قائم مقام قوله: منكم.
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ هو ما فتح الله وسيفتح على المسلمين وخلفائهم من الأقطار المتباعدة والأقاليم المختلفة من بلاد المشرق والمغرب عموما وفي بلاد العرب خصوصا التي لم يتيسر أمثالها لأحد من الخلفاء قبلهم من استيلائهم على ملوك فارس والروم وغيرهم من الملوك.
قوله: ﴿بِرَبِّكَ﴾ فاعل ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ﴾. وهو يطلع على حقائق الأمور فيأتي بها على ما يريد. ﴿مُحِيطٌ﴾ أي: عالم بجمل الأشياء وتفصيلها، وهو مجازيهم في لقاء ربهم.
***
_________________
(١) سورة يوسف، الآية (٨٧).
(٢) سورة النبأ، الآية (٤٠).
(٣) سورة هود، الآية (٥٨).
(٤) قرأ أبو جعفر وابن ذكوان "وناء" وقرأ الباقون "ونأى". تنظر القراءات في: الحجة لابن خالويه (ص: ٢٢٠)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٣٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٧٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٥٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٤٣ - ٤٤).
(٥) سورة الزمر، الآية (٥٦).
[ ٢ / ٢٧٩ ]