﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾
﴿حم﴾ ﴿عسق كَذلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الوحي أو مثل ذلك الكتاب ﴿يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله فيما سبق في غيرها من السور، وأوحاه من قبلك إلى رسوله، على معنى أن الله ﷿ كرر هذه المعاني في القرآن وفي جميع الكتب السماوية؛ لما فيها من التنبيه البليغ واللطف العظيم بعباده من الأولين والآخرين. ولم يقل: أوحى إليك، ولكن على لفظ المضارع؛ ليدل على أن إيحاء مثل عادته. وقرئ "يوحى إليك" (^١) على البناء للمفعول.
فإن قلت: فما رافع اسم الله ﷿ على هذه القراءة؟ قلت: ما دل عليه "يوحى" كأن قائلا قال: من الموحي؟ قال: ﴿اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ؛﴾ كقراءة السلمي: "وكذلك زيّن لكثير مّن المشركين قتل أولدهم شركآؤهم" (^٢) كأن قائلا قال: من زينه؟
قال: شركاؤهم. فإن قلت: ومن قرأ: "نوحي" بالنون (^٣). قلت: يرتفع بالابتداء.
و﴿الْعَزِيزُ﴾ وما بعده أخبار، و﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان، والظرف خبر.
_________________
(١) قرأ بها ابن كثير، وقرأ بقية العشرة "يوحي". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٥٠٨)، تفسير القرطبي (١٦/ ٣)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣١٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٧٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٨٠)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ٥٢٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٥٩)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٢١)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦٧).
(٢) سورة الأنعام، الآية (١٣٧) وهذه قراءة ابن عامر أيضا، وقراءة الباقين: (زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم). تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٢٣١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٣/ ١٨٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٢٧٠)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٠٨).
(٣) قرأ بها أبو حيوة والأعمش وأبان. تنظر: المراجع السابقة.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وقرئ ﴿تَكادُ﴾ بالتاء والياء (^١) و﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ و(تنفطرن) (^٢) فجمع بين علامتي تأنيث؛ تاء المضارعة، ونون ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ ومثله: الإبل تتشممن، ومعناه: يكدن يتفطرن من علوّ شأن الله تعالى وعظمته، يدل عليه مجيئه بعد ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ وقيل: من دعائهم له ولدا؛ كقوله: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ (^٣) فإن قلت لم قال: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ؟﴾
قلت: لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال (٢٤٤ /أ) والعظمة فوق السماوات وهي العرش والكرسي وصفوف الملائكة المرتجّة بالتسبيح والتقديس حول العرش وما لا يعلم كنهه إلا الله ﷿ من آثار ملكوته العظمى، فلذلك قال: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ أي:
يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية، أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذين تحت السماوات فكان القياس أن يقال: من تحتهن؛ من الجهة التي منها جاءت الكلمة، ولكنه بولغ في ذلك، فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهنّ دع الجهة التي تحتهنّ، ونظيره في المبالغة قوله ﷿: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ﴾ (^٤) فجعل الحميم مؤثرا في أجزائهم الباطنة.
وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ من فوق الأرضين. فإن قلت: كيف صحّ أن يستغفروا لمن في الأرض، وفيهم الكفار وأعداء الله؟ وقد قال الله - تعالى -: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ﴾ (^٥) فكيف يكونون لاعنين مستغفرين؟ قلت: قوله: ﴿لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يدل
_________________
(١) قرأ نافع والكسائي "يكاد"، وقرأ بقية العشرة "تكاد". تنظر القراءات في: تفسير القرطبي (١٦/ ٤)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣١٨)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٤٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٥٢٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٨٠)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٠٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٩).
(٢) قرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم "ينفطرن" وقرأ الباقون "يتفطرن" ورويت قراءة "تنفطرن" عن يونس عن أبي عمرو. قال السمين في الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٧٤) وقال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي تأنيث. وفي الآية (٩٠) من سورة مريم تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة "ينفطرن"، وقرأ الباقون "يتفطرن". ينظر: الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٥٢٨)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٠٨).
(٣) سورة مريم، الآية (٩٠).
(٤) سورة الحج، الآية (٢٠، ١٩).
(٥) سورة البقرة، الآية (١٦١).
[ ٢ / ٢٨١ ]
على جنس أهل الأرض، وهذه الجنسية قائمة في كلهم وفي بعضهم؛ فيجوز أن يراد به هذا وهذا، وقد دلّ الدليل على أن الملائكة لا يستغفرون إلا لأولياء الله وهم المؤمنون، فما أراد الله إلا إياهم؛ ألا ترى إلى قوله في سورة المؤمن: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وحكايته عنهم: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ (^١) ويجوز أن يراد بالاستغفار للعصاة طلب الحلم عنهم وألا يعجل عقوبتهم، بل يؤخرها إلى يوم القيامة، وقد مضى في تفسير قوله:
﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ وجهان: أحدهما: يتفطرون من إجلال الله وعظمته؛ فعلى هذا يكون الانفطار من إجلال الله وعظمته كذلك، والملائكة المعظمون جلال الله الحافون حول العرش عندهم من الخوف من الله فوق ما يظن.
والثاني: يتفطرن لدعواهم لله ولدا، فعلى هذا يكون المراد: تكاد السماوات يتفطرن من إقدامهم على دعوى الشريك والولد لله مع أن الملائكة الحافين حول العرش دائمون على التسبيح الموظف عليهم، وعلى الاستغفار لأهل الأرض الذين تبرءوا من هذه الكلمة.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ جعلوا له شركاء وأندادا. ﴿اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ رقيب عليهم. قوله ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: وما عليك إلا البلاغ، ولست بمسؤول عن هؤلاء، ولا فوض إليك أن تكرههم على اتباع الحق. ومثل ذلك ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال من (٢٤٤ /ب) المفعول به وهو قوله: ﴿قُرْآنًا﴾. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ أهل أم القرى ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ عذاب يوم الجمع يجتمع فيه الخلق وأهل السماوات وأهل الأرض.
وقيل: يجتمع الظالم والمظلوم. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراض لا محل له وقرئ ﴿فَرِيقٌ﴾ و"فريقا"
_________________
(١) سورة غافر الآية (٧).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
بالرفع والنصب (^١) فمن قرأ ﴿فَرِيقٌ﴾ بالرفع فهو مبتدأ والخبر في المجرور، ومن قرأ بالنصب نصبه على الحال، وقد وصفهم في الآية بالاجتماع بقوله: ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ ووصفهم بالتفرق عند استقرارهم في داري السعادة والشقاوة.
﴿لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: لو شاء مشيئة اختيار، ولكنه شاء ضلالهم، قال: ﴿مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٢) ومعنى الاستفهام في قوله: ﴿أَمِ﴾ الإنكار.
﴿فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ وهو وحده قادر على إحياء الموتى خلاف ما دعوه من الأصنام إلها. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ﴾ ممكن ﴿قَدِيرٌ،﴾ ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ﴾ أنتم والكفار في شيء من أمور الديانات فعلمه مفوض إلى الله وحده. وقيل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فتحاكموا فيه إلى رسول الله ﷺ ولا تحكموا فيه غيره. وقيل: وما اختلفتم فيه من معاني القرآن فاعرضوه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فما وافق ذلك فهو الحق. وقيل: وما اختلفتم فيه من علم لا يطلع عليه العباد فقولوا: الله أعلم، وذلك كمعرفة الروح. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية (^٣). ولا يجوز حمله على الخلاف في الفقهيات؛ لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول ﷺ.
﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾
﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من جنسكم ﴿أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ﴾ أي: من أنفسها ﴿أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ﴾ ينثركم ﴿فِيهِ﴾ في هذا التدبير. ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ له مفاتيح خزائنها، وهو من باب التمثيل؛ شبه بمن سلمت له مفاتيح ملك فهو يتصرف فيه. ﴿وَيَقْدِرُ﴾
_________________
(١) قرأ جمهور القراء "فريق" وقرأ زيد بن علي "فريقا". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٥٠٩)، تفسير القرطبي (١٦/ ٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٧٥)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٥٢٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٦١).
(٢) سورة الأنعام، الآية (٣٩).
(٣) سورة الإسراء، الآية (٨٥).
[ ٢ / ٢٨٣ ]
ويضيق ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عالم غير مخصوص لا يشذ شيء عن علم الله. ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا﴾ هي أصول الشرائع والاعتقادات؛ بخلاف الفقهيات؛ فإنها مختلفة باختلاف الشرائع ﴿وَما وَصَّيْنا﴾ يعني: والذي وصينا.
هؤلاء الأنبياء الخمسة هم مشايخ الأنبياء حتى قيل: إن أولي العزم من الرسل هم (٢٤٥ /أ) هؤلاء الخمسة، وأخرجوا آدم منهم؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (^١) وكذلك أخرجوا يونس؛ لقوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ (^٢) وقد ذكر الله هؤلاء الأنبياء الخمسة مرة أخرى في سورة الأحزاب، قال الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (^٣) ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ أي: أقيموا؛ لأن في معنى ﴿شَرَعَ﴾ معنى القول، وهو من قولهم: قام بالأمر: إذا أتى به على أكمل الوجوه. ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا﴾ ولا تختلفوا. ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من الوحدانية.
﴿اللهُ يَجْتَبِي﴾ يصطفي ويختار ﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ من يرجع إليه بالتوبة والعبادة.
﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾
_________________
(١) سورة طه، الآية (١١٥).
(٢) سورة القلم، الآية (٤٨).
(٣) الآية (٧).
[ ٢ / ٢٨٤ ]
﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بصحة نبوة محمد ﷺ ﴿بَغْيًا﴾ مفعول من أجله، وكانوا يظنون أن النبي المبعوث في آخر الزمان من أولاد إسحاق؛ فيكون من بني إسرائيل، فلما جاء من ولد إسماعيل حسدوا العرب لكونه منهم. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب إلى يوم القيامة لعاجلهم بالهلاك. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ﴾ موقع في الريب والقلق وليس الريب الشك؛ لقوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ فجعل الريب موجبا للشك ﴿فَلِذلِكَ﴾ أي: فلهذا الدين الحق ﴿فَادْعُ﴾ أي: الناس إلى اتباعه ﴿وَاسْتَقِمْ﴾ أي: دم على الاستقامة ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ من الكتاب والصحف؛ لقوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (^١) ولقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ (^٢) ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ قيل: اللام بمعنى ﴿وَإِنَّ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٣) ﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (^٤) والمشهور أن "كي" مقدرة قبل ﴿إِنَّ﴾ والتقدير: لأن أعدل. قوله: ﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ قال بعض من غلط: إن هذه الآية منسوخة لأنها تفهم المتاركة، وقد كلّف الرسول والمؤمنون بقتال الكفار، وهذا غلط؛ لأن عمل رسول الله ﷺ له وعملهم لهم، ولم يتغير هذا الحكم ولم ينسخ. قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ (٢٤٥ /ب) أي: من بعد ما أطاعه الناس وأجابوا. الدحض: الزلق ومزلة الإقدام، سماها حجة وهي باطلة ليست بحجة لأنهم أجروها مجرى الحجة. قوله: ﴿وَالْمِيزانَ﴾ قيل: أنزل الميزان من السماء.
وقيل: نزلت الآية من السماء. ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ أي: ذات قرب، وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٥) مثل ذلك. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: يجادلون فيها بالباطل. قوله: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ يرشدهم إلى ما يصلحهم.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٨٥).
(٢) سورة النساء، الآية (١٥٠).
(٣) سورة الزمر، الآية (١٢).
(٤) سورة المائدة، الآية (٦).
(٥) سورة الأعراف، الآية (٥٥).
[ ٢ / ٢٨٥ ]
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ ما نشاء لمن نريد؛ حمل المطلق على المقيد.
ومعنى الهمزة في ﴿أَمْ﴾ التقرير، وشركاؤهم: شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث. وقيل: شركاؤهم: أوثانهم، وأضيفت إليهم؛ لأنهم اتخذوهم شركاء لله؛ فكانت سببا لضلالتهم؛ كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ (^١) أي:
كانوا سببا للضلال. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ أي: بتأخير العذاب إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين المؤمنين والكافرين، أو بين الأصنام وعبدتها. ﴿تَرَى الظّالِمِينَ﴾ في الآخرة:
﴿مُشْفِقِينَ﴾ من جزاء ما كسبوا.
قوله: ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أي: وباله واقع بهم. الروضة: أطيب بقاع الجنة وأنزهها.
﴿ذلِكَ﴾ الثواب ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ﴾ به، فحذف الجار لدلالة الكلام عليه، ثم حذف الراجع كقوله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا﴾ (^٢) أي: بعثه الله. قوله: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ يجوز أن يكون متصلا، والتقدير: إلا أن تودوني لقرابتي منكم، ولم يكن هذا أجرا في الحقيقة، ويجوز أن يكون منقطعا، أي: لا أسألكم عليه أجرا قط، ولكني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم، ومعنى دخول ﴿فِي﴾ في قوله: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ أنهم يجعلون القرابة محلا للمودة؛ كقولك: لي في فلان مودة، وليست "في" صلة؛ إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به، والقربى: مصدر بمعنى القرابة وروي أنها لما نزلت قالت الصحابة للنبي ﷺ: من ذوو قرابتك الذين أمرنا بمودتهم؟ فقال: "عليّ
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية (٣٦).
(٢) سورة الفرقان، الآية (٤١).
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وفاطمة وابناهما" (^١).وقيل: لم يكن (٢٤٦ /أ) بطن من قريش إلا ولرسول الله ﷺ مدخل فيه، والمعنى: أن تودوني في قرابتي، أي: لأجلها؛ كقولك: الحب في الله والبغض في الله، وإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حقّ القربى ولا تميلوا كل الميل وقيل: جاءت الأنصار إلى رسول الله ﷺ بمال جمعوه، وقالوا: يا رسول الله قد هدانا الله بك، وأنت ابن أخينا وتعروك نوائب وليس لك مال تصرفه فيها؛ فاستعن بهذا المال على ما ينوبك، فنزلت ورده (^٢). وقيل: ﴿الْقُرْبى﴾ التقرب إلى الله؛ أي: لا تحبوا إلا الله ورسوله.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾
﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ هي مودة آل رسول الله ﷺ والظاهر شمول كل حسنة، لكنها لما جاءت عقيب المودة في القربى صار كأن الآية نزلت فيهم خاصة.
والشكور في صفة الله مجاز، ومعناه الاعتداد بالطاعة وتوفية الثواب. ﴿أَمْ﴾ منقطعة للتوبيخ، والمعنى: أتضيفون إلى النبي الافتراء على الله؟ وإنما يقع ذلك ممن ختم على قلبه، والنبي ﷺ قد سطعت أنوار هدايته كما تقول لمن استخان شخصا، وزعم أنه أكل ماله والشخص بريء فيقول: إن كان الله ختم على قلبي أو منعت النظر إلى الصواب واعتماد فعله، وإنما يريد استبعاد أن يخون مثله. ومن عادة الله محو الباطل؛ يعني: لو كان كما يزعمون لغلب الحق على باطله فدمغه فهلك، ويجوز أن يكون ذلك وعدا بنصرة رسول الله ﷺ ومتابعيه وخذلان الكفرة وإخزائهم.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما في صدرك وصدورهم؛ فهو يجري الأمر على ما تقتضيه حكمته. وقال
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٤٧)، ونسبه له الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٠٣) من رواية حرب ابن الحسن الطحان عن حسين الأشقر عن قيس بن الربيع، وقال الهيثمي: وقد وثقّوا كلهم وضعفهم جماعة وبقية رجاله ثقات. ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٤٨) لابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقال: بسند ضعيف.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٥/ ٢٥)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٤٧) لابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق مقسم عن ابن عباس ﵂.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
قتادة: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ ينسيك القرآن ويقطع عنك الوحي (^١)، أي: لو افترى على الله الكذب لفعل به ذلك. وقيل: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ يربط عليه بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم. ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ مرفوع غير مجزوم. تقول: قبلت عن فلان كذا بمعنى: جعلته أول قبول، وتقول قبلته عن فلان؛ أي: جعلته واصلا إليّ من جهته، و﴿التَّوْبَةَ﴾ الندم على ما مضى من التقصير والعزم على الإصلاح في المستقبل وأن يقلع في الحال عن المعصية وإن كان في المعصية حقّ لآدمي فلا بدّ من إيفائه أو من الإبراء منه. وروي أن عليا قال لبعض العرب وقد استغفر الله: إن سرعتك بالتوبة بلسانك توبة الكذابين، وتوبتك هذه تحتاج إلى توبة، فقال: وما التوبة؟ فقال: معنى يشمل أمورا ستة (٢٤٦ /ب) على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته (^٢).
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦) وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يستجيب لهم، فحذف اللام كقوله ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ (^٣) أي كالوا لهم ووزنوا لهم.
وقيل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فاعل، والذين آمنوا هم المستجيبون لداعي الله ومناديهم المنادي بالإيمان. ﴿لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ لظلم بعضهم بعضا، وكفى بحال قارون عبرة، وقال ﵇: "أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها" (^٤).أو من البغي وهو البذخ
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٥/ ٢٧)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٥٠) لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٢٢).
(٣) سورة المطففين، الآية (٣).
(٤) رواه البخاري رقم (٦٤٢٧)، ومسلم رقم (١٠٥٢)، وأحمد في المسند (٣/ ٩١)، والنسائي (٥/ ٩٠)، وابن حبان رقم (٣٢٢٥) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
والكبر، أي: لتكبروا فيها. وقيل: نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الدنيا والغنى (^١). وقال خباب بن الأرت: فينا أنزلت؛ نظرنا إلى أموال الكفار وسعتها وتقلباتهم فيها فتمنيناها فنزلت (^٢).
﴿بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدار معين، ولو أغنى الناس كلهم لبغوا ولو أفقرهم لهلكوا وهو أعلم بمصالحهم. فإن قلت: قد نرى الظالم مستمرّا على ظلمه إلى الموت، ونرى المظلوم مستمرّا على الاستضعاف؟ قلنا: لا شبهة في أن البغي مع الغنى أكثر، فلو أغنى الكل لكثر البطر، وغلب الفساد. ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ وهي آثار المطر من الخصب وسعة الأرزاق.
وعن عمر: أنه قيل له: قحط الناس وقنطوا، فقال: الآن تمطرون، وتلا هذه الآية (^٣).
ويجوز أن يشير بالرحمة إلى جميع أنواعها.
﴿الْوَلِيُّ﴾ يتولى عباده ﴿الْحَمِيدُ﴾ في السماوات والأرض. ﴿وَما بَثَّ﴾ يجوز أن يكون مرفوعا ومجرورا. فإن قلت: ﴿وَما بَثَّ فِيهِما﴾ يوجب أن يكون في السماء دواب وليس كذلك؟ قلت: يجوز نسبة الشيء إلى الشيء وهو لبعضه، ومنه قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (^٤) وإنما يخرجان من الملح دون العذب، ويجوز أن تكون الملائكة تمشي مع الطيران؛ فوصفوا بالدبيب.
﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾
﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ فما يؤاخذ به. وعن علي ﵁: "من عفا الله عنه في الدنيا عفا الله عنه في الآخرة" ورواه مرفوعا بعضهم (^٥). وعنه: "هذه أرجى آية في القرآن" (^٦).
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٥/ ٣٠)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٤٨٣) عن علي بن أبي طالب ﵁. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٢٣).
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧٠٥) ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير الطبري وابن المنذر.
(٤) سورة الرحمن، الآية (٢٢).
(٥) رواه الترمذي رقم (٣٢٥٢)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧٠٥) لأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي رقم (٦٤٠).
(٦) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧٠٦).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين ما قضى عليكم. ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ متول لأمركم. ﴿الْجَوارِ﴾ السفن وقولهم: الجوار بضم الراء كقولهم: الباز الأشهب. ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ كالجبال؛ قالت الخنساء (٢٤٧ /أمن البسيط):
كأنه علم في رأسه نار (^١)
﴿رَواكِدَ﴾ ثوابت لا تجري. ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ أي: على ظهر البحر. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ على البلاء ﴿شَكُورٍ﴾ على النعماء. ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ تركد المراكب على ظهر البحر ويرسل الريح عاصفة فيغرقهن، فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿يُوبِقْهُنَّ؟﴾
قلت: على. ﴿يُسْكِنِ﴾ والمعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها. وإن قلت: فلم جزم ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ؟﴾ قلت: لأن المعنى: إن يشأ يسكن أو يوبق. وإن قلت: فما موجب الحركات الثلاث في ﴿وَيَعْلَمَ؟﴾ قلت: أما الجزم فعلى ظاهر العطف، وأما الرفع فعلى الاستئناف، وأما النصب (^٢) فللعطف على منصوب محذوف، والتقدير: لينتقم منهم، ويعلم الذين يجادلون.
وأما قول الزجاج (^٣): النصب على إضمار "أن" لأن قبلها جزاء، تقول: ما تصنع أن أصنع مثله وأكرمك، وإن شئت: أكرمك؛ على: وأنا أكرمك، وإن شئت: وأكرمك جزما ففيه نظر ما أورده سيبويه في كتابه (^٤): واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك، وأعطيك ضعيف، وهو نحو قوله [من الوافر]:
سأترك منزلي ببني تميم وألحق بالحجاز فأستريحا (^٥)
_________________
(١) هذا عجز بيت للخنساء في مدح أخيها صخر، وصدره: أغر أبلج تأتم الهداة به ينظر في: تاريخ مدينة دمشق لأبي القاسم بن هبة الله الشافعي (٥٣/ ٤٤١)، تفسير ابن جرير الطبري (٢٥/ ٣٣)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٢٦)، معجم البلدان لياقوت الحموي (٥/ ٤٣٢).
(٢) قرأ نافع وابن عامر بالرفع، وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي بالنصب وقرئ بالجزم. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٥٢١)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣١٨)، الحجة لأبي علي الفارسي (٦/ ١٢٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٨٣)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٨١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٧٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦٧).
(٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٣٩٩).
(٤) ينظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ٣٩).
(٥) البيت للمغيرة بن حبناء، ينظر في: خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي (٨/ ٥٥٢)، الدرر اللوامع -
[ ٢ / ٢٩٠ ]
فهذا ليس بحد الكلام ولا وجهه، إلا أنه بالجزاء صار أقوى قليلا؛ لأنه ليس بواجب أن يفعل إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه؛ كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه، ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد في الكلام، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة، فإن قلت: كيف وجه المعنى إذا جزمت ﴿وَيَعْلَمَ؟﴾ قلت: كأنه قال: أو إن يشأ يجمع بين أمور ثلاثة؛ هلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين.
﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ من مخلص ولا ملجأ.
﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾
﴿فَما أُوتِيتُمْ﴾ ضمنت "ما" معنى الشرط؛ فدخلت الفاء لذلك.
روي أنه اجتمع لأبي بكر الصديق مال فتصدق به كله في سبيل الله فلامه طائفة من المسلمين وخطأه الكافرون؛ فنزلت (^١). ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وكذلك ما بعده. ومعنى ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ الكبائر من هذا الجنس.
وقيل: ﴿الْإِثْمِ﴾ الشرك. و﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ هم الأخصاء بالمغفرة عند الغضب، ومثله قوله: (٢٤٧ /ب) ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (^٢). ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أجابوا دعاء داعيه ونزلت في الأنصار، وكانوا قبل هجرة الرسول ﷺ إذا حزبهم أمر اجتمعوا وتشاوروا؛ فأثنى الله عليهم بذلك (^٣).
_________________
(١) = (١/ ٢٤٠)، شرح شواهد المغني للأزهري (ص: ٤٩٧)، شرح المفصل لابن يعيش (٧/ ٥٥)، الكتاب لسيبويه (٣/ ٣٩)، الكشاف للزمخشري (١/ ٥٥٧)، مغني اللبيب لابن هشام (١/ ١٧٥)، المقاصد النحوية (٤/ ٣٩٠)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٢٥١).
(٢) نسبه الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٢٨) لعلي ﵁ عن أبي بكر الصديق ﵁.
(٣) في الآية (٣٩) من هذه السورة.
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢٥/ ٣٧) عن يونس قال: أخبرنا بن وهب قال: قال بن زيد وقرأ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ قال فبدأ: بهم وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ -
[ ٢ / ٢٩١ ]
والشورى: مصدر بمعنى التشاور؛ كما أن الفتيا مصدر. فإن قلت: أيحمدون على الانتصار؟ قلت: نعم؛ فإن من أخذ حقه ولم يزد عليه ممدوح عند الله بأنه لم يتعد حدوده.
﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾
﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ كلاهما بمعنى ما يسوء الإنسان؛ لأن من انتقم منه بالحق ساءه ذلك ولم يهن عليه. ﴿فَمَنْ عَفا﴾ عمن ظلمه، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ ما بينه وبينه ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ عدة مبهمة عظيمة المقدار. في الحديث: "ينادي مناد يوم القيامة: من كان له على الله حق فليقم، فيقوم العافون وهم قليل" (^١).
وقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ فيه تلويح؛ أن من انتصر لنفسه لا يخلو من تحيف وخصوصا في حال الحرب فربما كان المجازى من الظالمين، وهو لا يشعر.
﴿بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول. ﴿فَأُولئِكَ﴾ إشارة إلى معنى ﴿مِنْ﴾ دون لفظها. ﴿ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ لمن يذمهم: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ على الظلم والأذى ﴿وَغَفَرَ﴾ ولم ينتصر ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ﴾ أي: لمنه؛ فحذف الراجع والمراد: إنه من جملة الأمور المعزوم عليها.
وروي أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن، فكظم المسبوب نفسه عن الجواب وعرق، ثم قام وهو يتلو هذه الآية، فقال الحسن: عقلها والله (^٢). والغفر مندوب إليه، وقد ينعكس
_________________
(١) = الأنصار وَأَقامُوا الصَّلاةَ وليس فيهم رسول الله ﷺ وَأَمْرُهُمْ شُورى ليس فيهم رسول الله ﷺ أيضا ".
(٢) ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٤٣) وقال:" رواه الطبراني في كتاب مكارم الأخلاق والبيهقي في شعب الإيمان في الباب السابع والخمسين وأبو نعيم في الحلية من حديث الحسن عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا وقف العباد للحساب ينادي مناد لهم من كان أجره على الله فليدخل الجنة. فيقال: ومن ذا الذي أجره على الله؟ فيقول: العافون عن الناس، فقام كذا وكذا فدخلوها بغير حساب"، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧٠٩) لابن مردويه عن ابن عباس ﵂.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٢٣٠).
[ ٢ / ٢٩٢ ]
الحال فيصير الانتصار مندوبا إليه، وذلك إذا أريد به قطع مادة الفتنة.
روي أن زينب أسمعت عائشة كلاما يؤلمها فقالت: وكان النبي ﷺ ينظر إليّ ثم أشار إلى عائشة أن دونك فانتصري؛ ففعلت (^١).
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨) لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾
﴿خاشِعِينَ﴾ ذليلين، وقد تعلق ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ ب "خاشعين" ويوقف على " خاشعين".
﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي: يبتدئ نظرهم بحركة أجفانهم حركة خفيفة؛ كما ترى المصبور (^٢) ينظر إلى (^٣) السيف. وقيل: يحشرون عميا فلا ينظرون إلا بقلوبهم وهو بعيد
﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ إما أن يتعلق ب ﴿خَسِرُوا﴾ ويكون ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ واقعا في الدنيا.
﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ لا يرده الله بعد ما حكم به، أو من صلة ﴿يَأْتِيَ﴾ أي: يأتي من الله ما لا مرد له بعد حكمه به. والنكير: (٢٤٨ /أ) الإنكار، أي: ما لكم من مخلص، ولا تقدرون أن تنكروا شيئا مما اقترفتموه ودوّن في صحائف أعمالكم.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٦/ ٩٣)، وابن ماجه رقم (١٩٨١) عن عائشة ﵂.
(٢) المصبور: يقال: صبره عن الشيء يصبره صبرا حبسه، والصبر: نصب الإنسان للقتل فهو مصبور. ينظر: لسان العرب (صبر).
(٣) في الأصل: من، والمثبت كما في الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٣١) وهو الأنسب للمعنى.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
والمراد بالإنسان في قوله: ﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ الجنس؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ (^١) ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (^٢). والرحمة: النعمة؛ من الصحة والغنى وغيرهما، و﴿سَيِّئَةٌ﴾ البلاء؛ من المرض والفقر وغيرهما، والكفور: مبالغة في الكافر؛ أي: جاحد النعم ينسى النعم. لما ذكر إصابة النعمة والشدة أتبع ذلك بقدرته على أنه يهب لقوم الذكور من الأولاد ولآخرين الإناث. ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا﴾ لا يولد له فإن قيل:
لم قدم الإناث على الذكور؟ ولم عرف الذكور بعد ما نكر الإناث؟ قلنا: أما البداية بالإناث؛ فلأنه سبق أنه يفيض على قوم نعما وعلى قوم خلافها، فسياق الكلام يرشد إلى أنه يفعل ما يشاء، لا ما يشاءون، فقدم الإناث؛ لأن العرب كانت تعدهن بلاء ثم عاد إلى تقديم الذكور؛ جريا على الأصل، وتنبيها على أن تقديمهن لم يكن لشرفهن، إنما كان لمقتض آخر، ونوه بذكر ﴿الذُّكُورَ﴾ بالتعريف؛ لأنهم الأشهر؛ كما قال: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (^٣) ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ (^٤).
وقيل: المراد: الأنبياء؛ حين وهب لشعيب وللوط الإناث ولإبراهيم الذكور، ولمحمد ﷺ ذكورا وإناثا وجعل يحيى وعيسى عقيمين.
﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾
﴿وَما كانَ﴾ وما صح ﴿لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ﴾ على أوجه؛ إما على طريق الوحي وهو الإلهام والقذف في القلوب، أو المنام؛ كما أوحى إلى إبراهيم في أمر الذبيح، وكما أوحى إلى أم موسى، وإما أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام؛ كما خلق كلامه في الشجرة؛ كما قال تعالى: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ (^٥) وقوله: ﴿مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية (١٣٤).
(٢) سورة العاديات، الآية (٦).
(٣) سورة النجم، الآية (٤٥).
(٤) سورة الحجرات، الآية (١٣).
(٥) سورة القصص، الآية (٣٠).
[ ٢ / ٢٩٤ ]
تمثيل؛ كما يكلم الملك بعض خواصه من وراء الحجب؛ بحيث يسمع كلامه ولا يرى شخصه، والله تعالى متعال عن الحجاب؛ لأن الحجاب يستدعي جسما ومكانا وهما مستحيلان على الله، وإما أن يرسل إليه رسولا من الملائكة فيوحي الملك إليه. وقوله:
﴿وَحْيًا﴾ و﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ مصدران واقعان موقع الحال. ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ ظرف واقع موقع الحال. والتقدير: وما صح أن يكلم أحدا إلا موحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا؛ تقول: قلت لفلان كذا. وإنما قاله من سواك.
﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ سمي الوحي روحا؛ لأن القلوب تحيا به كما تحيا الأبدان بالأرواح (٢٤٨ /ب) فإن قلت: قد علم أن رسول الله ﷺ ما كان يدري ما القرآن والشرائع قبل أن يبعث، فما معنى قوله: ﴿وَلا الْإِيمانُ﴾ ولا يجوز أن يكون النبي مخلا بالإيمان لا قبل النبوة ولا بعدها؟ قلت: أصول العقائد على قسمين: منها ما يدرك بالعقل وحده؛ كوجود الله وتوحيده وعلمه وقدرته. ومنها ما لا يدرك إلا بالسمع؛ كقيام الساعة وصفة الجنة والنار؛ فأراد بقوله: ﴿وَلا الْإِيمانُ﴾ ما لا يطلع عليه إلا بالوحي ألا تراه قد وصف الصلاة بالإيمان بقوله: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ (^١) أي: الصلاة لبيت المقدس.
***
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (١٤٣).
[ ٢ / ٢٩٥ ]