﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣)﴾
﴿ص﴾ على الوقف، وهو المشهور، وقرئ بالكسر والفتح (^١) كأمس، وأين، ويجوز أن ينتصب بحذف حرف القسم واتصال فعله (٢٢٢ /أ) كقولهم: الله لأفعلن. وامتنع صرف ﴿ص﴾ لأن فيها سببين: العلمية والتأنيث. فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ؟﴾ قلت: إذا أريد بالحروف التي في أوائل السور أنها لبيان الإعجاز، وأن القرآن مركب من الحروف التي تنظمون منها كلامكم وعجزتم عن الإتيان بمثله، ويجوز أن يكون المراد: وحق ﴿ص﴾ إن القرآن لمعجز لا يمكن أن يقابل بالتكذيب والشقاق. ثم القرآن يجوز أن يراد به هذه السورة، ويجوز أن يراد به جميع ما نزل.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يكذبون عنادا وتكبرا، وقد أهلك الله تعالى أممّا كذبوا رسلهم كما فعل قومك، وسيحل بقومك ما حل بهم في الدنيا والآخرة؛ كما تقول: مررت بزيد والنسمة المباركة، ولا تريد غير زيد. والذكر: الشرف أو الموعظة أو الشهرة؛ من قولك: فلان مذكور، أي: مشهور، والتنكير في ﴿عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ للدلالة على عظمتها وبلوغها الغاية القصوى. وقرئ "في عرة" بالعين والراء (^٢) أي: في غفلة. ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ وعيد شديد لأهل مكة. ﴿فَنادَوْا﴾ فاستغاثوا. وقرئ (نادوا بالتوبة) (^٣) وليس الحين حين مناص، وتغير بذلك حكمها؛ حيث صارت لا تدخل إلا على الأزمنة، ولا يجوز ذكر اسمها وخبرها مع
_________________
(١) قرأ أبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم وابن أبي عبلة وأبو السمأل "صاد" بكسر الصاد، وقرأ عيسى بن عمر "صاد" بالفتح. تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٨٣)، تفسير القرطبي (١٥/ ١٤٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥١٩)، فتح القدير (٤/ ٤١٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٥٨)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٣٠)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٩٦).
(٢) قرأ بها الكسائي في رواية سورة وحماد بن الزبرقان وأبو جعفر والجحدري والعقيلي وغيرهم. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٨٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٥٩).
(٣) نسبها الزمخشري في الكشاف (٤/ ٧١) للحسن من قوله، وليست قراءة.
[ ٢ / ٢١١ ]
وخبرها مع دخول التاء عند الخليل وسيبويه (^١) وإنما يظهر أحدهما. وقيل: ﴿حِينَ مَناصٍ﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره: ولا أرى حين مناص، ويجوز رفع الحين بالابتداء، أي: ولا حين مناص كائن لهم، وأنشد أبو زبيد الطائي [من الخفيف]:
طلبوا صلحنا ولات أوان فأجبنا أن لات حين بقاء (^٢)
والكسر في (أوان) مثله في قوله [من الوافر]:
نهيتك عن طلابك أم عمرو بعافية وأنت إذ صحيح (^٣)
في أنه ظرف زمان قطع منه المضاف إليه، وعوض التنوين؛ لأن الأصل: ولات أوان صلح. وإذا وقفت على ﴿وَلاتَ﴾ فالمختار أنك تقف عليها بالتاء؛ كما تقف على قامت وخرجت. وقال الكسائي: يوقف عليها بالهاء كما تقف على التاء في عائشة وفاطمة (^٤).
وأما قول أبي عبيد: إن التاء داخلة على حين فلا وجه له (^٥). والمناص: المنجى.
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦)﴾
﴿مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ من أنفسهم. ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ﴾ (٢٢٢ /ب) ولم يقل: "وقالوا"؛ إظهارا للغضب والتعجب من تكذيبهم الرسول ﷺ الذي دلت المعجزة على صدقه، ويتعجبون من التوحيد، وهو الحق الذي لا محيد عنه.
وروي أن أكابر قريش من الكفار اجتمعوا عند أبي طالب، وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا
_________________
(١) ينظر: الكتاب لسيبويه (١/ ٢٩).
(٢) ينظر في: خزانة الأدب للبغدادي (٢/ ١٥٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٢٣)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٧١)، معاني القرآن للأخفش (١/ ٤٥٦)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٣٩٨).
(٣) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، ينظر في: خزانة الأدب للبغدادي (٦/ ٥٣٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٢٣)، شرح شواهد المغني (ص: ٢٦٠)، شرح المفصل لابن يعيش (٣/ ٣١)، لسان العرب (أذذ).
(٤) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ٧٢)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٩٨).
(٥) عبارة أبي عبيد في غريب الحديث (٤/ ٢٥٠): "وهي لغة معروفة يزيدون التاء في الآن وفي حين فيقولون: تلآن وتحين. قال: ومنه قول الله ﵎: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ قال: إنما هي ولا حين مناص.
[ ٢ / ٢١٢ ]
وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، يريدون الذين دخلوا في دين الإسلام، وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك؛ فاستحضر أبو طالب رسول الله ﷺ وقال: يا ابن أخي: هؤلاء قومك يسألونك السواء؛ فلا تمل كل الميل على قومك فقال ﷺ: ماذا يسألونني؟ قالوا:
ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك؛ فقال ﵇: أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم، أمعطيّ أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم؟ قالوا: نعم وعشرا؛ أي: نعطيكم وعشر كلمات معها. فقال: قولوا لا إله إلا الله. فقاموا، وقالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا﴾ أي: بليغ في العجب (^١).
وقرئ" عجّاب "بالتشديد (^٢) كقوله: ﴿مَكْرًا كُبّارًا﴾ (^٣). وهو أبلغ من الخفيف، وقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا﴾ مثل قوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا﴾ (^٤) في كون الجعل بمعنى التصيير.
﴿الْمَلَأُ﴾ أشراف قريش؛ يريد: وانطلق الملأ عن مجلس أبي طالب قائلين: ﴿اِمْشُوا﴾ واصبروا على عبادة آلهتكم ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ يريد الله ﷿ إحكامه وإمضاءه، وما أراد الله ﷿ كونه فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو أن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر لا مرد له، أو أن دينكم شيء يراد، أي: يطلب لتغلبوا عليه ويؤخذ منكم.
و﴿أَنِ﴾ بمعنى أي؛ لأن المنتقلين عن مجلس المقاولة لا ينفكون عن المجاوزة ببعض ما جرى غالبا.
﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣)﴾
﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ ملة النصارى؛ لأنها آخر الملل، وهم يعتقدون التثليث. ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا﴾
_________________
(١) رواه أحمد رقم (١٩٠٤)، والترمذي رقم (٣١٥٦) وقال: حسن صحيح.
(٢) قرأ بها علي بن أبي طالب والسلمي وعيسى بن عمر وابن مقسم. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٨٥)، فتح القدير (٤/ ٤٢٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣١٧)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٣٠)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٩٨).
(٣) سورة نوح، الآية (٢٢).
(٤) سورة الزخرف، الآية (١٩).
[ ٢ / ٢١٣ ]
﴿عَذابِ﴾ بعد، ولو ذاقوه لما قالوا ذلك. ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ﴾ يعني: ليس عندهم تلك الخزائن، ثم أتى بأبلغ من ذلك فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى يتصرفوا في اختيار الرسل، وفي الأمور العظيمة، أي: إذا كان كذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ إلى السماوات (٢٢٣ /أ) ويدبروا أمرها، ثم انتقصهم فقال: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ أي: ما هم إلاّ جند من جملة المتحزبين على الرسل وهم منهزمون؛ كقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (^١) أي: عما قريب فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون، و" ما "مزيدة في قوله: ﴿جُنْدٌ ما﴾ و﴿هُنالِكَ﴾ إشارة إلى المكان الذي وضعوا فيه أنفسهم من الهجوم على مثل ذلك العظيم. قوله: ﴿ذُو الْأَوْتادِ﴾ مأخوذ من ثبات الخيمة بأوتادها، قيل: ثابت الأوتاد؛ استعير ذلك لثبات الملك وقوته؛ كما قال الشاعر [من الكامل]:
في ظلّ ملك ثابت الأوتاد (^٢)
وقيل: كان يشبح المعذب بين أربعة سوار؛ كل طرف من طرفه إلى وتد، ثم يعاقبه فلا يستطيع عن نفسه دفعا، ويتركه حتى يموت مشبوحا (^٣). وقيل: يتركه بين أربعة أوتاد ويسلط عليه الحيات والعقارب. وقيل: كانت له أوتاد وحبال وملاعب يلعب بها بين يديه ﴿أُولئِكَ الْأَحْزابُ﴾ إشارة إلى الأمم الذين كذبوا أنبياءهم فهلكوا؛ فذكرهم أولا بالعموم ثم خصهم واحدا واحدا فقال: نوح وعاد وفرعون وأصحاب الأيكة وغيرهم، وذلك دليل على الاعتبار بذكر تكذيبهم وعذابهم ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾.
﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ (١٧) إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨)﴾
﴿هؤُلاءِ﴾ أهل مكة أو هو إشارة إلى جميع الملل المكذبة. ﴿ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ ما لها من
_________________
(١) سورة القمر، الآية (٤٥).
(٢) هذا عجز بيت للأسود بن يعفر وصدره: ولقد غنوا فيها بأفضل عيشة. ينظر في: غريب الحديث للخطابي (١/ ٣٠١)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٧٦)، معجم البلدان (١/ ٢٧٢).
(٣) المشبوح: البعيد ما بين المنكبين. والشبح: مدك الشيء بين أوتاد أو الرجل بين شيئين، والمضروب يشبح: إذا مد للجلد. وشبحه يشبحه: مده ليجلده، وشبحه: مده كالمصلوب. ينظر: لسان العرب (شبح).
[ ٢ / ٢١٤ ]
رجوع، وقرئ بضم الفاء (^١) أي: بمقدار حلب ناقة، ورضعتي الراضع، يعني: إذا حلّ وقتها لم يستأخر هذا القدر من الزمان؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ (^٢) وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد، من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة (^٣).
القط: القسط من الشيء؛ لأنه قطعة منه؛ تقول: قط الشيء، بمعنى: قطعه، ويقال لصحيفة الجائزة: قط؛ لأنها قطعة من القرطاس، وقد فسر ذلك قوله ﷿: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ أي: نصيبنا من العذاب الذي وعدت به؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ (^٤) ووجه مطابقة قوله تعالى: ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ لقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أنه عبد عظيم أنعم الله عليه وزل زلة وقع فيها في أمر عظيم حتى ضرب له المثل بالنعاج وسجد يبكي حتى (٢٢٣ /ب) نبت العشب من دموعه؛ أي: واذكر عبدنا داود ابتلي فصبر.
والأيد: القوة، ويقال للقوى: أيد. ﴿أَوّابٌ﴾ رجاع إلى الله تعالى؛ من آب يئوب؛ إذا رجع، ثم شرع يذكر ما أنعم به عليه فقال: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ قوة الشمس وذلك بعد ارتفاعها قيد رمحين وقيل: هي صلاة الضحى، صلاة الإشراق، يقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وصفت تشرق إشراقا.
وروت أم هانئ أخت علي بن أبي طالب:
"أن النبي ﷺ صلى في بيتها صلاة الإشراق" (^٥).
ويجوز أن يريد بأشرق أنه دخل في وقت الشروق؛ كقوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ (^٦).
وقوله ﷿: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ (^٧) وكانت العرب تقول: أشرق ثبير كيما
_________________
(١) قرأ حمزة والكسائي وخلف "فواق" وقرأ الباقون "فواق". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٨٩)، تفسير القرطبي (١٥/ ١٥٦)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٠٤)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦١٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٢٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٥٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٦٣)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦١).
(٢) سورة الأعراف، الآية (٣٤).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٣٢).
(٤) سورة الحج، الآية (٤٧).
(٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٦١) ونسبه لابن مردويه.
(٦) سورة الشعراء، الآية (٦٠).
(٧) سورة الحجر، الآية (٧٣).
[ ٢ / ٢١٥ ]
نغير (^١). و﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في معنى مسبحات؛ على الحال. والفرق بين "يسبحن" و"مسبحات" أن الفعل المضارع يدل على التكرار، والتسبيح كان يتكرر من داود من الجبال وأما اسم الفاعل في قولك: مسبحات، فلا يدل على ذلك؛ لأن التسبيح صفة ثابتة تقول في الصغير ابن سبع سنين: هذا يطول، وتقول لابن أربعين سنة: هذا طويل، ف "يسبحن" يدل على التكرار.
﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠)﴾
﴿أَوّابٌ﴾ رجاع إلى الله تعالى بالتسبيح والاستغفار، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ﴾ يجوز أن يرجع الضمير إلى داود؛ أي: كل يسبح تسبيحه. وقيل: إلى الله تعالى، أي: كل يسبح الله تعالى. ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قويناه، وكان يثبت حول محرابه أربعون ألفا عليهم الزرد (^٢).
وقيل: إنما شد ملكه لأن رجلا ادعى على رجل أنه غصبه بقرة فأنكره، فسأل داود ربه بماذا يحكم؟ فأوحى الله تعالى إليه أن اقتل المدعى عليه؛ فأخبره داود أن الله تعالى أمر بقتله فقال: إني لم أوخذ بهذا الذنب، ولكني قتلت أبا هذا المدعي، فقتله داود، فاشتد ملكه، وقال الناس: من أذنب ذنبا أعلم الله تعالى به داود؛ فعظم ملكه بذلك. ﴿الْحِكْمَةَ﴾ الزبور والشرائع. وقيل: كل كلام وافق الحق فهو حكمة. الفصل: التمييز بين الشيئين. ويقال:
الكلام البين فصل؛ بمعنى مفصول، ويجوز أن يراد بالفصل: الفاصل؛ تسمية لاسم الفاعل بالمصدر. وقيل: قولك: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" (^٣) وهو من الفصل بين الحق والباطل (٢٢٤ /أ) ويدخل فيه قول بعضهم: فصل الخطاب قوله: أما
_________________
(١) قال ابن قتيبة في غريب الحديث (١/ ٣٥٦): "قولهم أشرق ثبير: هو من شروق الشمس وشروقها طلوعها يقال شرقت الشمس شروقا إذا هي طلعت وأشرقت إذا أضاءت وإنما يريدون ادخل أيها الجبل في الشروق كما تقول أشمل القوم إذا دخلوا في ريح الشمال وأجنبوا إذا دخلوا في الجنوب وأراحوا إذا دخلوا في الريح وأربعوا إذا دخلوا في الربيع فإذا أردت شيئا من هذا أصابهم قلت: شمل القوم وجنبوا وريحوا وربعوا وشرقوا وكذلك غيثوا إذا أصابهم الغيث".
(٢) الزرد: حلق المغفر والدرع، والزردة: حلقة الدرع، والسرد ثقبها، والجمع: زرود، والزراد: صانعها. وقيل: الزاي في ذلك كله بدل من السين في السرد والسراد والزرد مثل السرد، وهو تداخل حلق الدرع بعضها في بعض. ينظر: لسان العرب (زرد).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٤٠)، عن شريح، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٥٤) لابن جرير والبيهقي عن قتادة ﵁.
[ ٢ / ٢١٦ ]
بعد (^١)؛ لأنها فصلت ما بعدها عما قبلها. ويجوز أن يراد ب ﴿وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ الذي ليس بطويل ممل، ولا قصير مخل. كان أهل زمان داود يسأل بعضهم بعضا أن ينزل عن امرأته ليتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك؛ فوقعت عين داود على امرأة رجل يقال له أوريا؛ فسأله النزول عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل ذلك؛ فتزوجها وهي أم سليمان؛ فضرب له المثل بما في الكتاب العزيز. وقيل: خطبها أوريا فأجابوه، ثم خطبها داود فاستحيا وليها فزوجها من داود ﵇؛ فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه (^٢). وقيل: إن داود كان يغلق عليه قصره ويتعبد المدد؛ فأغلق بابه عليه مرة فتسلق شخصان يريدان قتل داود ﵇ فأحس بهما، وكان شديد القوة يقدر عليهما فتمحلا كذبة، وقالا: نحن خصمان بغى بعضنا على بعض؛ فعلم أنهما تحيلا بدعوى المحاكمة؛ فأراد قتلهما، ثم قال: لا أقتلهما بالظن؛ فاستغفر ربه مما هم به من ذلك. وإذا تأملت القرآن العظيم وجدته يدل على هذا القول الأخير من وجوه كثيرة تقارب ثلاثين دليلا: أولها: قوله: ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ﴾ ولا يقال: اصبر واذكر داود الذي أحب امرأة فسعى حتى حصلت له، بل معناه: اصبر كما صبر داود على الشلحين (^٣) ولم يأمر بقتلهما، وكذلك قوله: ﴿ذَا الْأَيْدِ،﴾ أي: القوة، والقوة تعم قوة الدين، وقوة البدن، ومن عنده مسكة من دين لا يفعل مثل ذلك، ومنها قوله: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ﴾ ومثل هذا المذكور في صفاته وما وهبه الله ﷿ من الكرامات أمر عظيم لا يقرن بالذم؛ فإنك لو قلت: زيد عالم خيّر مخصوص بالكرامات العظيمة أحب امرأة فسعى في فراقها من زوجها حتى تزوجها لم يكن كلاما متناسبا.
﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا﴾
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٤٠)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٥٤ - ١٥٥) لابن أبي حاتم والديلمي عن أبي موسى الأشعري ﵁، ولسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر عن الشعبي ﵁ أنه سمع زياد بن أبي سفيان ﵁.
(٢) ذكر ذلك الزمخشري في الكشاف (٤/ ٨٠ - ٨١)
(٣) قال ابن الأعرابي: الشلح السيوف الحداد. قال الأزهري: ما أرى الشلحاء والشلح عربية صحيحة وكذلك التشليح الذي يتكلم به أهل السواد سمعتهم يقولون شلح فلان إذا خرج عليه قطاع الطريق فسلبوه ثيابه وعروه. ينظر: لسان العرب (شلح).
[ ٢ / ٢١٧ ]
﴿أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾
وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا﴾ يدل على ذلك؛ فإن الملك لا يحتاج إلى التسلق، وأيضا قوله:
﴿خَصْمانِ﴾ لا يليق بالملائكة أن يكذبوا، ويجعلوا أنفسهم خصوما، وكذلك لا يبغي بعضهم على بعض وكذلك قوله: ﴿فَقالَ أَكْفِلْنِيها﴾ والملائكة لا تكفل غنما. ﴿وَعَزَّنِي﴾ (٢٢٤ /ب) غلبني تقول العرب: من عز بز (^١) أي: من غلب سلب، والملائكة لا يغالب بعضهم بعضا، وإنما استغفر داود من همه بقتل الرجلين بغير بينة. ﴿وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ﴾ عن الساجد بالراكع؛ لأنه ينحني كالساجد، واحتج به أبو حنيفة وأصحابه على قولهم: إن الركوع في سجود التلاوة يقوم مقام السجود (^٢). ويجوز أن يكون أحرم بركعتين ليستغفر عقيبهما ما جرى، والصلاة تسمى ركوعا وسجودا. وقيل: إنه أقام ساجدا أربعين ليلة وكان لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة، أو ما لا بد منه ولا يرقأ دمعه حتى نبت العشب من دمعه إلى رأسه، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دمعه، وجهد نفسه واشتغل بالبكاء والتوبة عن مملكته حتى وثب ابن له يقال له [إيشا] (^٣) على ملكه، ودعا إلى نفسه؛ فلما غفر لداود حارب ابنه وهزمه (^٤). وروي أنه نقش خطيئته في كفه حتى لا ينساها (^٥).
﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٣٠) إِذْ﴾
_________________
(١) ينظر في: تهذيب الأسماء للنووي (٣/ ٢٠٤)، غريب الحديث للخطابي (١/ ١٤٥)، لسان العرب (بزز) والبز: السلب، ومعناه: من غلب سلب.
(٢) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٥٦).
(٣) بياض بالأصل والمثبت من الكشاف للزمخشري (٤/ ٨٨).
(٤) رواه الطبري في التفسير (٢٣/ ١٤٧ - ١٤٨)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٥٨).
(٥) رواه الطبري في التفسير (٢٣/ ١٤٨)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٦٤).
[ ٢ / ٢١٨ ]
﴿عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ (٣١)﴾
﴿خَلِيفَةً﴾ في تنفيذ أحكام الله تعالى. وقيل: خليفة عمن كان ملكا، وفيه دليل على أن حاله عادت بعد التوبة إلى ما كانت عليه لم تتغير. وعن عمر بن عبد العزيز: قيل له: إن الخليفة لا يجري عليه القلم. فقال: أيهما أعظم: الخليفة أم النبي؟ فقيل له: النبي. فتلا عليهم قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ﴾ (^١). قوله: ﴿باطِلًا﴾ أي: لا لغرض صحيح ولا حكمة ظاهرة، وهي معاقبة المسيء وإثابة المحسن، وإلا فنحن نرى رجلا صالحا من المسلمين يظلم ويؤخذ ماله ويبقى فقيرا إلى أن يموت، ويبقى الظالم غنيا بما أخذ من المال، فلو لم يكن ثم آخرة يستوفي فيها للمظلوم حقه لكان خلق السماوات والأرض باطلا مخالفا للحكمة: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (^٢) ﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: مظنوهم، وكانت الكفار معترفين بأن الله ﷻ خلق السماوات والأرض، فكيف يزعمون أنه خلقها باطلا؟ وإنما كان كذلك لأن من جحد الحكمة في خلق العالم والثواب والعقاب؛ فقد جعل التصرف باطلا، ولولا الثواب والعقاب لاستوى حال المؤمن والكافر. والصفون (^٣) لا يكاد يوجد إلا في الخيل العراب، ولا يوجد (٢٢٥ /أ) في الهجن التي ليس لها أصل في عراقة الخيل. ووصفها بالتمام إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعا في جريها. وروي أن سليمان ﵇ غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس. وروي أنه ورثها من أبيه، وأصابها أبوه من العمالقة. وقيل: خرجت من البحر ولها أجنحة فقعد يوما بعد ما صلى الأولى على سريره، واستعرضها فلم يزل يعرض عليه حتى غربت الشمس، وغفل عن العصر أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشاء وتهيبوه فلم يعلموه فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها؛ تقربا إلى الله تعالى، وبقي مائة فما في أيدي الناس من الخيل الجياد من نسلها. وقيل: لما عقرها أبدله الله ﷿ خيرا منها وهي الريح تجري بأمره (^٤).
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٨٩).
(٢) سورة الجاثية، الآية (٢٢).
(٣) يقال: صفنت الدابة تصفن صفونا: قامت على ثلاث وثنت سنبك يدها الرابع، وصفن الفرس: إذا قام على طرف الرابعة، وصفن يصفن صفونا: صف قدميه. ينظر: لسان العرب (صفن).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٣٧٣).
[ ٢ / ٢١٩ ]
﴿فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)﴾
﴿أَحْبَبْتُ﴾ معناها: أنبت، أي: أنبت فعل الخير ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أو جعلت حب الخير مجزئا أو مغنيا ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ وقيل: إن ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى لزمت. مثل بعير السوء إذ أحبّا (^١).
و﴿الْخَيْرِ﴾ المال؛ لقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (^٢) ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (^٣) والمال:
الخيل التي شغلته عن الصلاة، أو: سمي الخيل خيرا؛ كأنها نفس الخير؛ لتعلق الخير بها قال ﷺ: "الخيل معقود في نواصيها الخير" (^٤).وسأل رجل بلالا عن أناس يستبقون من السابق؟ فقال: "رسول الله ﷺ. فقال له الرجل: أردت الخيل؛ فقال بلال: وأنا أردت الخير ﷺ" (^٥).والتواري بالحجاب: مجاز في غروب الشمس، والضمير في الشمس ولم يجر لها ذكر. وقيل: الضمير للصافنات، أي: توارت بظلمة الليل، ومن بدع التفاسير أن الحجاب: جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه (^٦). ﴿فَطَفِقَ﴾ فشرع يضرب أعناقها بالسيف، ويقال: كسف عراقبيها بالسيف (^٧)، وضرب أعناقها وهي كسف بالسين المهملة، ومن رواه بالشين فقد وهم. وقيل: مسحها بيده؛ استحسانا لها وإعجابا بها.
وقرئ "بالساق" (^٨) لأمن اللبس.
_________________
(١) هذا رجز من شعر أبي محمد الفقعسي وقبله: حلت عليه بالقفيل ضربا ضرب بعير السوء إذ أحبا ينظر في: الكشاف للزمخشري (٤/ ٩٢)، لسان العرب (حبب)، والقفيل: السوط. وأحب البعير برك. وقيل: الإحباب في الإبل كالحران في الخيل، وهو أن يبرك فلا يثور.
(٢) سورة البقرة، الآية (١٨٣).
(٣) سورة العاديات، الآية (٨).
(٤) رواه البخاري رقم (٢٨٥٢)، ومسلم رقم (١٨٧٢).
(٥) أورده الزمخشري في الكشاف (٣/ ٣٧٤)، ونسبه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ١٩١) لإبراهيم الحربي في كتابه.
(٦) رواه أبو الشيخ في كتاب "العظمة" (٤/ ١٣٩٥) عن كعب رحمه الله تعالى قال: الحجاب جبل أخضر من ياقوت يحيط بالخلائق فمنه خضرة السماء التي يقال لها الخضراء وخضرة البحر من السماء فمن ثم يقال: البحر الأخضر "، وذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٩٣).
(٧) كسف الشيء يكسفه كسفا: قطعه، وخص بعضهم به الثوب والأديم والكسف والكسفة والكسيفة: القطعة مما قطعت. ينظر: لسان العرب (كسف).
(٨) قرأ بها زيد بن علي. تنظر في: البحر المحيط لأبي حبان (٧/ ٣٩٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٣٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٢٨).
[ ٢ / ٢٢٠ ]
﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ (٣٤)﴾
قيل: فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة، وملك بعد الفتنة عشرين سنة، ورزق سليمان ابنا فقالت الجن: إن عاش هذا الولد دامت السخرة علينا فنقتله أو نخبله، فعلم ذلك؛ فصار يغذوه في السحاب، فما راعه إلا وقد ألقي على كرسيه ميتا فتنبه على خطئه في أنه لم يتوكل على الله فاستغفر ربه وتاب إليه. وروي عن النبي ﷺ قال: "قال سليمان ﵇ (٢٢٥ /ب):" لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. ولم يقل: إن شاء الله تعالى. فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة فجاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لقاتلوا في سبيل الله ﷿ فرسانا أجمعون " (^١) حكي من أخذ الشيطان خاتم سليمان وجلوسه على كرسي سليمان واجتماعه بنسائه فالله أعلم بصحته (^٢).
وروي أن سليمان بلغه أن ملك صيدون، وهي من مدن جزائر البحر وأن لها ملكا عظيما لا يقدر عليه؛ لتحصنه بالبحر فخرج إليه تحمله الرياح حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وسبى بنتا له يقال لها جرادة، كانت من أحسن الناس وجها؛ فاصطفاها لنفسه، وأسلمت وأحبها، وكانت لا يرقأ دمعها؛ حزنا على أبيها فمثلوا لها صورة أبيها فكانت إذا خرج سليمان تغدو هي وجواريها فيسجدون له فأخبر آصف سليمان ﵇ بذلك، فكسر الصورة، وعاتب المرأة، ثم خرج وحده إلى فلاة ففرش له الرماد، وجلس عليه يبكي ويتضرع، وكانت له أم ولد يقال لها أمينة، وكان يضع خاتمه عندها إذا أراد جماع غيرها، أو دخول الخلاء، وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوما، وأتاها شيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم، فأخذه وجلس على كرسي سليمان، وعكفت عليه الجن والطير والوحش، وكان قد غيرت هيئته فأتى أمينة يطلب الخاتم فأنكرته وطردته؛ فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٣١٧١)، ومسلم رقم (٣١٢٤)، والترمذي رقم (١٤٥٢).
(٢) ذكر الحكاية الزمخشري في الكشاف (٤/ ٩٤) ثم قال:" ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله وقالوا: هذا من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل، وتسليط الله إياهم على عباده حتى يقعوا في تغيير الأحكام وعلى نساء الأنبياء حتى يفجروا بهن قبيح ".
[ ٢ / ٢٢١ ]
سليمان حثوا عليه التراب وسبوه، ثم عمد إلى السماكين فأعطوه في كل يوم سمكة، فمكث على ذلك أربعين صباحا عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، وسأل آصف نساء سليمان فقلن: ما يدع امرأة منا في دمها، ولا يغتسل من جنابة. وقيل: بل نفذ حكمه في كل شيء إلا في النساء، ثم طار الشيطان، وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة، ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجدا ورجع عليه ملكه وجاب صخرة لصخر فجعله فيها ومد عليه أخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص. وروي أنه لما أراد الله فتنته كان الخاتم يسقط من يده فيلبسه، ثم يعود ويسقط، فقال له آصف: إنك لمفتون بذنبك والخاتم لا يستقر في يدك فتب إلى الله تعالى. ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله، وقالوا: كيف يتصور (٢٢٦ /أ) تسليط كافر جني على نساء سليمان؟ ويتمكن من وطئهن؟ وما روي من الاستغفار من سليمان فهو من تقصيره في عدم كشف أحوال بيته حتى يعبد الشيطان فيها، وهو لا يشعر، وأما اتخاذ التماثيل في منزله فيجوز أن تختلف فيه الشرائع؛ فيجوز في شريعة دون أخرى، ومنه قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ﴾ (^١) وأما السجود لغير الله تعالى فلا نظن أن نبيا يأذن فيه، وإذا كان بغير علمه فلا لوم عليه ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ ناب عن معنى إنابة الشيطان منابه نبوا ظاهرا. قدم الاستغفار على استيهاب الملك جريا على عادة الأنبياء والصالحين في تقديمهم أمر دينهم على أمر دنياهم، ولا يتسهّلون في أمر آخرتهم.
﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (٣٥)﴾
قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من سواي، فإن قلت: أما يشبه الحسد والحرص؟ قلت: كان سليمان ناشئا في بيت النبوة والمملكة وارثا لهما؛ فأراد أن يطلب من ربه معجزة فطلب على حسب إلفه ملكا زائدا على الممالك المعتادة من كونه خارقا للعادة بالغا حد الإعجاز؛ ليكون ذلك دليلا على نبوته. وقيل: كان ملكا عظيما؛ فخاف أن يليه بعده من لا يحفظ حدوده؛ كما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ الآية (^٢). وقيل: ملكا لا أسلبه
_________________
(١) سورة سبأ، الآية (١٢).
(٢) سورة البقرة، الآية (٣٠).
[ ٢ / ٢٢٢ ]
ولا يقوم غيري مقامي فيه، ويجوز أن يكون أطلع على أن هذه المملكة اشتملت على مصالح عديدة لا يقدر عليها كل أحد. ومن جرأة الحجاج (^١) أنه قيل له: إنك لحسود.
فقال: أحسد مني من قال: ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (^٢).
﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾
﴿رُخاءً﴾ لينة طيبة لا تتزعزع. وقيل: رخاء طائعة له. حكى الأصمعي عن العرب:
_________________
(١) هو الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر، أبو محمد الثقفي، نشأ شابا لبيبا فصيحا بليغا حافظا للقرآن. قال بعض السلف: كان الحجاج يقرأ القرآن كل ليلة. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح منه ومن الحسن البصري، وكان الحسن أفصح منه. ولي الحجاز والعراق وفتح فتوحات كثيرة هائلة منتشرة حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند ففتح فيها جملة مدن وأقاليم ووصلت خيوله أيضا إلى قريب من بلاد الصين. قال ابن كثير في البداية والنهاية: وكان جبارا عنيدا مقداما على سفك الدماء بأدنى شبهة وقد روى عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر، فإن كان قد تاب منها وأقلع عنها وإلا فهو باق في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه فإن الشيعة كانوا يبغضونه جدّا، وربما حرفوا عليه بعض الكلم وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات. وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر وكان يكثر تلاوة القرآن ويتجنب المحارم، ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج وإن كان متسرعا في سفك الدماء فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وسرائرها وخفيات الصدور وضمائرها. وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على حبه القرآن وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل. وعن الأصمعي قال لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول: يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا بأنني رجل من ساكني النار أيحلفون على عمياء ويحهم ما علمهم بعظيم العفو غفار قال فأخبر بذلك الحسن فقال: بالله إن نجا لينجون بهما. وزاد بعضهم في ذلك: إن الموالي إذا شابت عبيد في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذاكر ما قد شبت في الرق فاعتقني من النار توفي الحجاج سنة ٩٥ هـ. تنظر ترجمته في: البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ١١٧)، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (١/ ١٠٦)، وفيات الأعيان (٢/ ٢٩).
(٢) ذكر ذلك الزمخشري في الكشاف (٤/ ٩٥)، والمناوي في فيض القدير (٢/ ٤١٩).
[ ٢ / ٢٢٣ ]
أصاب الصواب فأخطأ الجواب (^١). وعن رؤبة: أن رجلين من أهل اللغة قصدا له ليسألاه عن هذه الكلمة، فخرج إليهما فقال: أين تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا، ورجعا (^٢).
ويقال: أصابك الله بخير. ﴿وَالشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح. و﴿كُلَّ بَنّاءٍ﴾ بدل من" الشياطين " ﴿وَآخَرِينَ﴾ معطوف على ﴿كُلَّ بَنّاءٍ﴾ داخل في حكم البدل، وهو بدل الكل في الكل. كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية، ويغوصون له يستخرجون الدر، وهو أول من استخرج الدر من البحر الملح، وكان يقرن كل شيطانين ماردين في القيود.
والصفد: القيد. وقيل: يجمع أيديهم إلى أعناقهم في السلاسل، ومنه [من الطويل]:
ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا (^٣)
(٢٢٦ /ب)
وتقول: صفده: قيده، وأصفده: أعطاه؛ أي: هذا الذي أعطيناك أنواع من العطاء لا تحصى ولا تحصر ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ متعلق ب ﴿عَطاؤُنا﴾. ﴿فَامْنُنْ﴾ أي: فأعط من شئت. ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عمن شئت، لا تسأل عن ذلك ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ عليك في الآخرة.
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣)﴾
﴿أَيُّوبَ﴾ عطف بيان، و﴿إِذْ﴾ بدل اشتمال منه ﴿مَسَّنِيَ﴾ انتقل فيه من الغيبة إلى التكلم والنصب: قرئ بضم النون والصاد وبفتحهما وبضم النون وسكون الصاد (^٤)
_________________
(١) ينظر: التدوين في أخبار قزوين للقزويني (١/ ٥٨).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٩٦)، وأورده الخطابي في غريب الحديث (٣/ ٢٩) قال:" وأخبرني أحمد بن أبي ذر أخبرنا ابن دريد أنبأنا أبو حاتم عن الأصمعي عن يونس قال تناظرنا في قول الله تعالى رُخاءً حَيْثُ أَصابَ فقيل: ما له إلا رؤبة بن العجاج، فخرجنا نريده، فلقيناه يتوكأ على ابنه عبد الله، فقال: أين تصيبان؟ فقلنا: كفانا السؤال ".
(٣) هذا عجز بيت للمتنبي وصدره: وقيدت نفسي في ذراك محبة ينظر في: فيض القدير للمناوي (٤/ ٣٠٦)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٩٦)، الوساطة بين المتنبي وخصومه للجرجاني (ص: ١٧١)، نهاية الأرب للنويري (١٧١٣).
(٤) قرأ أبو جعفر" بنصب "وقرأ يعقوب" بنصب "وقرأ الباقون" بنصب". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٠٠)، تفسير القرطبي (١٥/ ٢٠٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٣٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٥٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٧٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦١).
[ ٢ / ٢٢٤ ]
فالنصب والنصب؛ كالرشد والرشد، والمعنى واحد، وهو التعب والمشقة والعذاب الأليم من المرض. وقيل: النصب في البدن، والعذاب: ذهاب الأهل والمال، ونسب المس بالنصب مع أنه ليس له قدرة إلا على الوسوسة؛ قال في موقف القيامة: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ﴾ الآية (^١)؛ لأن وسوسته كانت سببا في إغوائهم. وقيل:
كان الشيطان يوسوس له ويغويه بالضجر، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك. وقيل في سبب بلائه: إنه كان له غنم في سلطنة ملك كافر؛ فداهنه ولم يغزه. وقيل: إن رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه. وقيل: أعجب بكثرة ماله.
﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ يعني: اركض الأرض برجلك. ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ يعني: ماء تلك العين التي نبعت فيه منفعتان؛ الغسل فيه، والشرب منه. وقيل: نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما، فذهب ما على ظاهر جسده، وشرب من الأخرى فزال ما في باطنه منه.
﴿رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى﴾ مفعول من أجلهما؛ لأنهما رحمة عليه، وتذكير لمن عرف حاله ليصبر كما صبر.
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٤٤) وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾
﴿وَخُذْ﴾ معطوف على ﴿اُرْكُضْ﴾. والضغث: الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان، أو غير ذلك. وكان قد حلف ليضر بن امرأته مائة إذا برئ؛ فأفتاه الله تعالى بأن يضرب بالضغث امرأته؛ لأجل خدمتها لأيوب في مرضه، ورضاه عنها، وهذه الرخصة باقية في شرعنا. وعن النبي ﷺ:" أنه أتي برجل كان يعبث ببعض إمائهم، فأمر النبي ﷺ أن يأخذ عثكالا (^٢) فيه شمراخ " (^٣).وكان سبب حلف أيوب أنه بعثها في حاجة فأبطأت.
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية (٢٢).
(٢) العثكال: هو الذي يسميه الناس الكباسة، وفيه لغتان عثكال وعثكول، وأهل المدينة يسمونه العذق بكسر العين، وأما العذق بالفتحة فالنخلة نفسها. ينظر: غريب الحديث لابن سلام (١/ ٢٩١).
(٣) رواه أحمد (٥/ ٢٢٢)، وابن ماجه رقم (٢٥٧٤) وفي سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه، وبه ضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٣١٣).
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وقيل: باعت ذوائبها برغيفين، وكان أيوب إذا أراد أن يجلس تعلق بالذؤابتين، فلما أخبرته أنها باعتهما حلف. وقيل: قال لها الشيطان: اسجدي لي سجدة واحدة، وأنا أرد عليكم أموالكم (٢٢٧ /أ) فهمت أن تفعل فأدركتها العصمة، فذكرت ذلك له فحلف. وقيل:
أوهمها الشيطان أنه إذا شرب الخمر برئ، فعرضت له بذلك فحلف. وقيل: قالت له:
تقرب للشيطان بعناق (^١). ﴿وَجَدْناهُ صابِرًا﴾ علمناه صابرا، وسماه صابرا مع قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لأن هذا ليس بتسخط، ولكنه شكوى إلى الله والتجاء إليه، وذلك لا ينافي الصبر. ﴿إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ عطف بيان ل ﴿عَبْدَنا﴾. ومن قرأ " عبدنا " (^٢) جعل إبراهيم وحده عطف بيان، وعطف الباقي عليه. لما كانت الأعمال يزاول بعضها بالأيدي جعل الأعمال كلها بالأيدي؛ كقوله: ﴿خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾ الآية (^٣) وكذلك هاهنا. ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾ أي: أولي الأعمال الصالحة. ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ﴾ أي: بخصلة خالصة؛ أبهمها، ثم فسرها بقوله: ﴿ذِكْرَى الدّارِ﴾ أو أخلصناهم بسبب هذه الخصلة، أو بأنهم أهل لها دون غيرهم. ﴿الْأَخْيارِ﴾ جمع خير، أو جمع" خير "على التخفيف؛ كأموات في جمع ميت وميت. و﴿وَكُلٌّ﴾ أي: وكلهم من الأخيار. ﴿هذا ذِكْرٌ﴾ أي: هذا نوع من الذكر، وهو القرآن لما أجرى ذكر الأنبياء وأتمه وهو باب من التنزيل، ونوع من أنواعه، وأراد أن يذكر عقيبه بابا آخر وهو ذكر الجنة وأهلها - قال: ﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كما يقول الجاحظ في كتابه:" هذا باب "ثم يشرع في غيره والدليل عليه أنه لما أتم ذكر الجنة وأراد أن يشرع في ذكر أهل النار قال: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ﴾ وقيل: معناه: هذا ذكر جميل وشرف يتميزون به على سائر الملل. وقيل:
هذا ذكر من مضى من الأنبياء، ومن هو في وقت بعثتي.
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾
_________________
(١) ذكر كل ذلك الزمخشري في الكشاف (٤/ ٩٨) وروى الطبري بعضه في تفسيره (٢٣/ ١٦٧ - ١٦٩).
(٢) قرأ ابن كثير" عبدنا "وقرأ الباقون" عبادنا "تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٠١)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٠٥)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦١٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٣٧)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٥٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦١).
(٣) سورة يس، الآية (٧١).
[ ٢ / ٢٢٦ ]
﴿وَغَسّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ (٦٤)﴾
و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حال، والعامل فيها معنى الفعل في قوله: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفي "مفتحة" ضمير الجنات؛ أي: مفتحة هي، و﴿الْأَبْوابُ﴾ بدل من الضمير. وقيل: الألف واللام في "الأبواب" بدل من الإضافة، أي: مفتحة لهم أبوابها؛ كقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (^١).
الأتراب: اللاتي ولدن في زمن واحد. وقيل: هن أتراب لأزواجهن أسنانهن كأسنانهن.
والغساق: ما يغسق من صديد أهل النار. وقيل: الحميم ما يحرق بحره. والغساق: ما يحرق ببرده. وعن الحسن: أن القوم عملوا أعمال (٢٢٧ /ب) خير وأخفوها؛ فأخفى الله جزاءهم، وعمل العصاة أعمالا فأخفوها؛ فأخفى الله عنهم جزاءها (^٢).
﴿وَآخَرُ﴾ (^٣) من مثله في الشدة. ﴿أَزْواجٌ﴾ أنواع وأصناف ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ (^٤) من شكل المذوق، أو العذاب، ولو قرئ من شكلهما لكان حسنا؛ لأن المذكور قبله حميم وغساق وآخر. ﴿هذا﴾ تخاصم الأتباع والسادة، فيقول الأتباع للسادة: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ فيقولون: إنما تعذبون بضلالكم وبإضلالكم الغير، وتقول لمن تحبه وتتلقاه: مرحبا؛ أي:
صادفت منزلا رحبا واسعا، وتقول لمن تدعو عليه: لا مرحبا، أي: لم تصادف منزلا رحبا. وقيل: هذا كلام الزبانية للقادة والسادة معا. وقيل: هذا من كلام الخزنة يحتجون على أهل النار، وأما قولهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ فهذا يقوله الأتباع للسادة ثم يقول الجميع: ﴿رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النّارِ﴾.
_________________
(١) سورة مريم، الآية (٤).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ١٠٦) عن الحسن بلفظ: "أخفوا عملا في الدنيا فأثابهم الله بأعمالهم".
(٣) قرأ "أخر" بالجمع أبو عمرو البصري، وقرأ الباقون "وآخر" بالإفراد. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٤٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٥٥)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٠١).
(٤) قرأ جمهور القراء "شكله" بفتح الشين، وقرأ مجاهد "شكله" بكسر الشين. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٤١)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٠١).
[ ٢ / ٢٢٧ ]
﴿رِجالًا﴾ فقراء المؤمنين؛ كخباب وبلال وابن مسعود وغيرهم؛ كانوا إذا مروا بنا نضحك عليهم، ونقول: هؤلاء من الأشرار؛ لأنهم يزعمون أنهم أهل المنازل الرفيعة وكنا نعدهم جهلة. ﴿أَتَّخَذْناهُمْ﴾ دخلت همزة الاستفهام على ألف الوصل؛ فسقطت في الدرج، وإذا ابتدأت قلت: ﴿أَتَّخَذْناهُمْ﴾ ومثله: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ﴾ (^١) وكذلك: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ﴾ (^٢) وقوله: ﴿أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ له وجهان: أحدهما: أن المراد أهم في النار ولم نرهم؟ فيقولون: ما لنا لا نرى. والثاني: أن يكونوا معترفين بأنهم في النار، ولكن لا يعرفون مكانهم، ويجوز أن تحذف همزة الاستفهام، والتقدير: أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار؟ فتكون "أم" معادلة للهمزة المقدرة؛ كقول الشاعر [من الكامل]
كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا (^٣).
﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أي: الذي أنبأتكم به من وحدانية الله، ونبوة الرسل بالإعجاز نبأ عظيم أنتم معرضون عن التصديق به والعمل بمقتضاه. ﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: ما استفدته من كتب العلم، ولا من مشايخ العلماء، وإنما استفدته من الوحي، وما كان لي من علم بالملأ الأعلى واختصامهم. ﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ﴾ إلا الإنذار، والأصل: إلا للإنذار فحذف الجار وأوصل الفعل، أو التقدير: إن يوحى إلي إلا الإنذار.
وقيل: النبأ العظيم: القرآن. وقيل: قيام الساعة (٢٢٨ /أ) ومعنى ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وقت اختصامهم، و﴿إِذْ قالَ﴾ بدل من ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ والمراد ب ﴿بِالْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ أصحاب القصة؛ آدم والملائكة وإبليس، والمقاولة ظاهرا كانت بين يدي الله وبين المذكورين؛ كلمهم فأجابوه ولكن بواسطة ملك؛ فلذلك صحت نسبة المقاولة إلى الله وإلى الجماعة المذكورين.
_________________
(١) سورة الصافات، الآية (١٢٣).
(٢) سورة سبأ، الآية (٨).
(٣) البيت للأخطل، ينظر في: تفسير الطبري (١/ ٤٨٤)، غريب الحديث للخطابي (٢/ ٣٠٣)، لسان العرب (كذب، غلس)، معجم البلدان (٥/ ٣٤٨).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾
﴿فَقَعُوا﴾ فخروا. و﴿كُلُّهُمْ﴾ للإحاطة ﴿أَجْمَعُونَ﴾ للاجتماع. وقول الزمخشري (^١):
إن ﴿كُلُّهُمْ﴾ للإحاطة، و﴿أَجْمَعُونَ﴾ للاجتماع في وقت السجود فيه نظر، وقد أنكره المبرد، وقال: التوكيد يفيد أمرا زائدا على ما أكد به (^٢). وسجودهم لآدم على وجه الكرامة لا على وجه العبادة، وإنما استثنى إبليس ولم يكن من الملائكة؛ لأنه أمر بالسجود معهم لآدم، فصار مأمورا كأمر الملائكة ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ وصار بما جرى من الكافرين. و﴿وَكانَ﴾ تدل على اقتران مضمون الجملة بالزمن الماضي، وليس في ذلك تعرض لانقطاع ذلك المضي أو لدوامه، وقد تقدم وجه المجاز في قوله: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (^٣).
وقيل: قوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ أي: بغير واسطة، وهو بعيد وقد أجاب إبليس بأنه من العالين بقوله عن آدم: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ (^٤). ﴿فَاخْرُجْ مِنْها﴾ من الجنة أو السماوات أو من الخلقة التي أنت فيها فافتخر بخلقته؛ فغير الله خلقته فاسود بعد ما كان أبيض، وقبح وجهه بعد ما كان حسنا، وأظلم بعد ما كان نورا. والرجيم: المرجوم، وهو المطرود. وقيل:
الرجيم: المقتول. وقوله: ﴿إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يوهم أنه إذا جاء يوم الدين انقطعت اللعنة عنه، وليس كذلك؛ فإنه إذا كان يوم الدين موعده وما فيه من الأهوال والعقوبات؛ فينضاف إلى اللعنة أمور أخر كثيرة، فينقطع انفراد الجزاء باللعنة. فإن قلت: ما الوقت المعلوم الذي أضيف إليه اليوم؟ قلت: الوقت الذي تقع فيه النفخة الأولى، وذلك الوقت جزء من اليوم.
﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾
_________________
(١) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ١٠٥).
(٢) ينظر: همع الهوامع للسيوطي (٣/ ١٤٣) وقد نقل السخاوي اعتراضه هنا في كتابه المفضل شرح المفصل (٢/ ١٩٥) وجعلنا ذلك من أدلة نسبة التفسير كله له.
(٣) سورة ص، الآية (٧٥).
(٤) سورة ص، الآية (٧٦).
[ ٢ / ٢٢٩ ]
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾
وقرئ ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ﴾ بنصبهما (^١) والأول منصوب على حذف حرف القسم؛ كقول الشاعر [من الرجز]:
إن عليك الله أن تبايعا (^٢)
وجوابه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ و﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ معترض بين القسم والمقسم عليه، وبرفعهما على أن الأول مبتدأ محذوف الخبر؛ كما في: لعمرك. وبجرهما على أن الأول مقسم به محذوف منه حرف القسم؛ كقولك: الله لأفعلن، والثاني حكاية قول المقسم. وقرئ برفع الأول وجره مع نصب الثاني (^٣). ﴿مِنْكَ﴾ ومن جنسك من الشياطين ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ (٢٢٨ /ب) من ذرية آدم. فإن قلت: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد لماذا؟ قلت: يجوز أن يكون توكيدا للضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ وللكاف في ﴿مِنْكَ﴾ وما عطف عليه، أي: لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين، لا أترك منهم أحدا. ﴿عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ الضمير للقرآن والوحي.
﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ من الذين يتصنعون وينتحلون ما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعا ولا متكلفا. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿لِلْعالَمِينَ﴾.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: "علامات المتكلف ثلاث: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا يناله، ويقول ما لا يعلمه" (^٤). ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أي: في يوم القيامة، أو عند الموت، أو عند ظهور الإسلام وفشوه.
_________________
(١) قرأ العشرة إلا عاصم وحمزة وخلف "فالحقّ والحقّ أقول" بنصبهما. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤١١)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٠٧)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦١٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٤٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٥٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٨٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٦٢).
(٢) ينظر في: التصريح بمضمون التوضيح للشيخ خالد الأزهري (٢/ ١١٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٧١)، الكتاب لسيبويه (١/ ١٥٦)، المقتضب للمبرد (٢/ ٦٢) ويروى: إن عليّ الله أن تبايعا.
(٣) قرأ عاصم وحمزة وخلف "فالحقّ والحقّ أقول" برفع الأول ونصب الثاني، وقرأ الحسن وعيسى بجرهما وقرأ ابن عباس ومجاهد والأعمش برفعهما. تنظر: المراجع السابقة والدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٤٧).
(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦٠١) ونسبه للبيهقي في شعب الإيمان وابن المنذر.
[ ٢ / ٢٣٠ ]