﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾
قوله تعالى: ﴿التَّوْبِ﴾ هو الرجوع عن المعصية؛ يقال: آب وتاب وثاب، بمعنى رجع قوله تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ الطول: الإفضال والزيادة؛ يقال: طال فلان على فلان: إذا تفضل عليه. فإن قلت: لم فرقت هذه الصفات؛ فجعل بعضها نكرة وبعضها معرفة؟ قلت: أما ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ و﴿وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ فهما معرفتان؛ لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين؛ بل هي صفة دائمة؛ كقولك: سيد العبيد وأما قوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ فمشكل لأنه في معنى حدوث الفعل، وقد جعله الزجاج (^١) بدلا. والحكم عليه بالبدلية دون ما سواه من الصفات المقترنة تحكّم. والوجه أن يقال: إذا ثبت أن هذا بدل فدل على أن الكل محكوم عليه بالبدلية؛ ولأن عذاب الله وشدة عقابه موصوف بالعظم؛ فيكون الجميع وصفا (^٢).
﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ (٦) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾
سجل - ﷾ - على المجادلين في آيات الله بأنهم كفار والمراد بالجدل: الجدال بالباطل والطعن فيها، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ فأما الجدال فيها بحل مشكلها وتفصيل مجملها ففيه ثواب عظيم لا يقدر قدره، ومن حق المؤمن ألا يغتر بكثرة إمهال الفاسق ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (^٣)
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٣٦٦).
(٢) هذا قول الزمخشري في الكشاف (٤/ ١٤٩).
(٣) سورة آل عمران، الآية (١٧٨).
[ ٢ / ٢٤٩ ]
﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاّ﴾ (^١) ثم ذكر من تقدم من الرسل وتكذيب أممهم إياهم، وعقوبته سبحانه لهم بالتدمير عليهم وإهلاكهم (٢٣٤ /ب) قوله: ﴿وَالْأَحْزابُ﴾ هم الذين تحزبوا على الرسل وعاندوهم وعادوهم، وهم عاد وثمود وفرعون وغيرهم. قوله تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾ أي: من هذه الأمم ﴿بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ ليأسروه، والأخيذ: الأسير. قوله تعالى:
﴿وَكَذلِكَ﴾ في محل رفع بالابتداء، وتقديره: ومثل ذلك ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾.
روي في صفات حملة العرش آثار تدل على عظم خلقهم؛ في بعض الروايات: "ما خلق الله خلقا أعظم من إسرافيل، وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يكون كالوصع، وهو العصفور الصغير" (^٢).
وقوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يدل على أن أحدا لا يدرك حقيقة ذات الله ﷿، بل يؤمنون بها ويصدقون، وهؤلاء حملة العرش أشرف الملائكة، وهم يؤمنون بالله، ولم يقل:
يشاهدونه. يسألون الله تعالى المغفرة لبني آدم، وفي ذلك تشريف لصفة الإيمان، وأنها من أعظم صفات الصالحين.
قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه دليل على أن صفة الإيمان إذا جمعت بين شخصين يجب أن تكون داعية للنصيحة، وأن يستغفر له بظهر الغيب. وإن تباعدت أماكنهم وتفاوتت أجناسهم؛ فإنه لا اشتراك بين سماوي وأرضي، ولا بين ملك وبشر، ومع ذلك لما جمعتهم صفة الإيمان استغفر أهل السماوات العلى لأهل الأرضين السفلى.
فإن قلت: السعة من صفات الأجسام والله متعال عن ذلك، وقد وصف نفسه بقوله: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً؟﴾ قلت: الأصل: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء. فالواسع هي الرحمة والعلم، وقد اتسع فيه؛ فجعلت الصفة لهذين الوصفين، وجعل كأنها وسعا. فإن قلت: لما ذكر الرحمة والعلم كان القياس أن يقول: فاغفر للذين تابوا وارحمهم؟ قلت: المغفرة من جملة أنواع الرحمة؛ وكذلك وقاية السيئات رحمة أيضا.
﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ﴾
_________________
(١) سورة الفجر، الآية (١٥ - ١٧).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة فاطر.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
﴿وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾
قوله: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أي: العقوبات. قوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ يقال: صلح فهو صالح وصلح بضم اللام فهو صليح، والفتح أفصح. قوله: ﴿لَمَقْتُ اللهِ﴾ مبتدأ، خبره ﴿أَكْبَرُ﴾ وقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ ظرف والعامل فيه المقت الأول، والمعنى أنه يقال لهم يوم القيامة: كان الله يمقت أنفسكم حين تدعون إلى الإيمان فتكفرون مقتا هو أكبر من مقتكم أنفسكم الآن. وقيل: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم؛ فنودوا؛ لمقت الله إياكم الآن (٢٣٥ /أ) أكبر من مقتكم. و﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ تعليل. والمقت: أشد البغض؛ فوضع في موضع أبلغ الإنكار وأشده. قوله: ﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أي: أوجدتنا أمواتا، ثم أحييتنا في الدنيا، ثم أمتنا فيها، ثم أحييتنا في الآخرة. وقد حكي عن ابن عباس وأبي ذر أنهما قالا:
الإماتتين والإحياءين قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (^١). فإن قلت: كيف صح أن يسميهم وهم في العدم أمواتا؟ قلت: هو كقولك: سبحان من صغر جسم البعوضة، وكبر جسم الفيل، وتقول لمن يحفر لك بئرا: وسع أسفله وضيق أعلاه، وليس المراد التنقل من صغر إلى كبر، ومن كبر إلى صغر، ولا من ضيق إلى سعة ولا عكسه؛ بل المراد: أوجدها على هذه الصفة وكذلك النطف خلقها الله تعالى ولا روح فيها. ومن جعل الإماتتين التي بعد الحياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه إثبات ثلاثة إحياءات، وهو خلاف ما قاله في القرآن، هكذا قاله الزمخشري (^٢) وفيه نظر؛ لأنه لا يتصور أن يكون العدد إحياءين وإماتتين؛ فإنك إن لم تعد النطف، وعددت إخراجهم من ظهر آدم كالذر صار معك ثلاثة إحياءات: إحياء من ظهر آدم، وإحياء في الدنيا، وإحياء في القبور المساءلة، وإن لم تعد ذلك، وعددت الإحياء في الدنيا واحدا والإحياء في القبر ثانيا، والإحياء للبعث ثالثا صارت ثلاثة إحياءات على جميع التقادير، وإن أسقطت واحدا من الإحياءات حتى تصير اثنتين نقصت من الإماتات واحدة؛ فأعمل فكرك فيها. قوله:
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٨)، والأثر ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٤١٨).
(٢) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ١٥٥).
[ ٢ / ٢٥١ ]
﴿فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ إنما اعترفوا بها؛ لأنهم رأوا الإحياء والإماتة قد تكررت عليهم، وهي فعل الله تعالى؛ فأقروا بما كانوا يكذبون به من نفي الشريك.
قوله: ﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: فهل إلى نوع من الخروج من سبيل؟ أم اليأس واقع دون ذلك؟
﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾
قوله: ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: ذلكم الذي وصفناه من كفركم واعترافكم بما أنكرتموه بسبب أن الله إذا ذكر وحده بالوحدانية أنكرتم ذلك ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد. وقيل: إن الحرورية الخوارج قالوا: لا حكم إلا لله من قوله:
﴿فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (^١).
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وَما يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾
_________________
(١) الحرورية إحدى فرق الخوارج، قيل: سموا حرورية نزولهم بحروراء في أول أمرهم. قال الإمام ابن الجوزي في تلبيس إبليس (١/ ٢٨): "وانقسمت الحرورية اثنتي عشرة فرقة فأولهم الأزرقية قالوا: لا نعلم أحدا مؤمنا، وكفروا أهل القبلة إلا من دان بقولهم. والأباضية قالوا: من أخذ بقولنا فهو مؤمن ومن أعرض عنه فهو منافق. والثعلبية قالوا: إن الله لم يقض ولم يقدر. والحازمية قالوا: ما ندري ما الإيمان والخلق كلهم معذورون. والخلفية زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى فقد كفر. والمكرمية قالوا: ليس لأحد أن يمس أحدا لأنه لا يعرف الطاهر من النجس ولا أن يؤاكله حتى يتوب ويغتسل. والكنزية قالوا: لا ينبغي لأحد أن يعطي ماله أحدا لأنه ربما لم يكن مستحقا بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل الحق. والشمراخية قالوا: لا بأس بمس النساء الأجانب لأنهن رياحين. والأخنسية قالوا: لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر. والمحكمية قالوا: إن من حاكم إلى مخلوق فهو كافر. والمعتزلة من الحرورية قالوا: اشتبه علينا أمر علي ومعاوية فنحن نتبرأ من الفريقين. والميمونية قالوا: لا إمام إلا برضا أهل محبتنا. وقال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين (١/ ١٢٧):" ومن ألقابهم المارقة ومن ألقابهم المحكمة وهم يرضون بهذه الألقاب كلها إلا بالمارقة فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقة من الدين كما يمرق السهم من الرمية والسبب الذى له سموا خوارج خروجهم على علي بن أبي طالب، والذي له سموا محكمة إنكارهم الحكمين وقولهم لا حكم إلا لله، والذي له سموا حرورية نزولهم بحروراء في أول أمرهم، والذي له سموا شراة قولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله. أي بعناها بالجنة.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
﴿مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨)﴾
﴿يُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ من السحب والرياح وغيرها. والرزق: المطر ﴿وَما يَتَذَكَّرُ﴾ وما يتعظ إلا من يرجع إلى الله ﴿فَادْعُوا اللهَ﴾ أيها المنيبون إليه (٢٣٥ /ب) ﴿مُخْلِصِينَ﴾ من الشرك، وإن غاظ ذلك من ليس على مثل حالتكم.
﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾ ثلاثة أخبار لمبتدأ محذوف أي: هو، أو مبتدآت خبرها محذوف، وهي مختلفة تعريفا وتنكيرا.
قال ابن جبير: سماء فوق سماء، والعرش فوقهن (^١). ويجوز أن تكون عبارة عن رفيع شأنه وعظيم سلطانه. وقيل: هي درجات المتقين التي ينزلونها في الجنة.
قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ التي يراد بها الحياة؛ لأنها من عالم أمر الله، أو النور الذي يلقيه الله في قلب المتقين. قوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ أي: الله ﷾، أو الملقى عليه وهو الرسول، أو إلى الروح. و﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يوم القيامة؛ لأن الخلائق تلتقي فيه وقيل: يلتقي أهل السماء وأهل الأرض. وقيل: المعبود والعابد.
﴿بارِزُونَ﴾ منكشفون لا يحجب عن أبصارهم شيء؛ لأن الأرض قاع صفصف، والمبعوثون عراة ﴿لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ﴾ أي: من أحوالهم وأعمالهم، والله تعالى ذكره لا يخفى عليه شيء سواء برزوا أو لم يبرزوا؛ لأنهم كانوا يتوهمون أنهم يستترون ويحتجبون عن نظر العيون؛ قال الله تعالى: ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ﴾ الآية (^٢) ينادي يوم القيامة مناد: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيجيبه أهل المحشر: ﴿اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ وقيل: يجمع الله الناس يوم القيامة على أرض بيضاء كسبيكة الفضة لم يعص الله عليها فينادي المنادي بذلك، فيجيب الله نفسه: ﴿اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾.
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ١٥٦).
(٢) سورة فصلت، الآية (٢٢).
[ ٢ / ٢٥٣ ]
لما ذكر انفراده بالملك ذكر ما يترتب عليه من الجزاء؛ فقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزى﴾ وذكر أن الحساب لا يبطئ؛ فإن الله سريع الحساب؛ لأنه لا يشغله شأن عن شأن، وهو أسرع الحاسبين. وقيل: إذا أخذ في حسابهم لم يقل من القيلولة أهل الجنة وأهل النار إلا في منازلهم. ﴿الْآزِفَةِ﴾ القيامة، سميت بذلك لقربها، و(الزلفى) القربى، ويجوز أن يريد أنهم إذا أمروا بدخول النار التصقت قلوبهم بحناجرهم فلا يموتون ولا يحيون ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ (^١) ﴿كاظِمِينَ﴾ حال من القلوب أو من أصحاب القلوب، وجمع الكاظمين جمع السلامة؛ لأنهم وصفهم بوصف العقلاء، وهو كونهم كاظمين. ويجوز أن تكون حالا مقدرة من قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ مقدرين الكظم.
﴿حَمِيمٍ﴾ المحب المشفق، والمطاع: مجاز في قبول الشفاعة، ويجوز أن يراد نفي الشفاعة والقبول معا (٢٣٦ /أ) وهو أظهر؛ لأن الذين طلبت منهم الشفاعة ملائكة، وأولياء، فلا ترد شفاعتهم، فيمن هو أهل وإنما أتى بلفظة ﴿يُطاعُ﴾ لأنه قد يتوهم متوهم أن ثم شفاعة وطاعة فأيأس منهما، ويقول من عتب على ترك الجهاد: كيف أقاتل ولا فرس لي؛ أي:
ما يأتي لي القتال بغير فرس، ولا فرس هناك؛ فلا قتال.
﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ (٢٤) فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٢٥)﴾
الخائنة: صفة للنظرة، أو: مصدر على فاعلة؛ كالعاقبة والعافية، والخائنة: الكاذبة، والمراد: استراق النظر إلى ما لا يحل. فإن قلت: بم يتعلق قوله ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾؟
قلت: هو من جملة أخبار ﴿هُوَ﴾ في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ وإن طال الفصل.
_________________
(١) سورة طه، الآية (٧٤).
[ ٢ / ٢٥٤ ]
﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي: ومن هذه أحواله وصفاته لا يقضي إلا بالعدل والحق، وآلهتكم لا يقضون بشيء، وهذا تهكم بهم؛ لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقضي.
"هم" في قوله: ﴿كانُوا هُمْ أَشَدَّ﴾ فصل، وإنما دخلت بين معرفة ونكرة؛ لأن أفعل التفضيل إذا جاءت بصيغة ﴿مِنْ﴾ تشبه المعرفة في امتناع دخول لام التعريف عليه؛ فألحق بالمعارف. ﴿وَآثارًا فِي الْأَرْضِ﴾ قيل: أكثر آثارا. وقيل: أظهر وأمكن. كان فرعون يقتل الأولاد الذكور من بني إسرائيل ويبقي النساء؛ لأن الكهنة أخبرته أنه يولد في تلك السنة مولود يكون هلاكه وزوال ملكه على يده؛ فلم يغنه حذره، وسخر فرعون حتى ربى موسى في حجره، وهو الذي كان يحذره، ثم لما نبئ موسى وظهرت الآيات على يديه والمعجزات، قال فرعون: أعيدوا قتل الذكور من بني إسرائيل واستحيوا النساء خدما، وهو معنى قوله: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية.
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧) وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ (٢٨) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩)﴾
﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ كان فرعون إذا هم بقتله كفوه، وقالوا: ما هو بالذي نخافه، وكان فرعون قد امتلأ من ذلك غيظا، وكان يحس من موسى أنه يصير له شأن عظيم؛ فيقول لأصحابه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ وقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ دليل على أن فرعون كان شديد الجزع من موسى وتفاقم أمره، وهل رأى قط ساحرا أحدا عليما واستولى عليه بسحره حتى يقول: ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾
لما سمع موسى قول فرعون ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ الآية، وكانوا يعبدون (٢٣٦ /ب) فرعون ويعبدون أصنامه؛ بدليل قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ (^١) وقال: ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ لأن من لم يؤمن بالجزاء لا يخاف العقاب.
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية (١٣٧).
[ ٢ / ٢٥٥ ]
قرئ: "رجل" (^١) بسكون عين الفعل؛ كعضد وعضد، وكان ابن عم لموسى قبطيا آمن بموسى سرا. وقيل: كان إسرائيليا. و﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة ل ﴿رَجُلٌ﴾ أو معمول ل (يكتم) أي: يكتم إيمانه ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾.
ثم احتج المؤمن على قومه بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ فتلطف من وجهين: أحدهما: أنه بدأ بقسم الكاذب مع علمه بصدق موسى. والثاني: قوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وهو إذا كان صادقا أصابهم كل الذي وعدهم. وروي أن الذي تولاه أبو بكر من أمر رسول الله ﷺ كان أشد؛ فمما روي أن أكابر مشركي قريش قالوا لرسول الله ﷺ: أنت الذي تنهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا وخنقوه فالتزمه من ورائه، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ولم يزل يدافع عنه حتى أرسلوه (^٢). وقيل: قاله أبو بكر جهرا، وقاله مؤمن آل فرعون سرا (^٣). ﴿ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر؛ فلا تتعرضوا لبأس الله وعذابه وقال: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنا﴾ ولم يقل: فمن ينصركم؟ تلطفا في النصيحة، ولأنه منهم فينبغي أن يحفظوه كما يحفظون أنفسهم. ﴿ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى﴾ يعني: ما أشير عليكم إلا بقتله ولا أستصوب إلا هو، ولقد كذب فيما قال؛ فإن قلبه كان مملوءا رعبا من موسى، ولكنه كان يتجلد، ولولا تجلده ما استشار أحدا.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾
_________________
(١) قرأ بها الأعمش وعبد الوارث. وتروى عن أبي عمرو. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٦٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٣٧)، السبعة (ص: ٥٧٠)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٤٨٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٢٣).
(٢) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢٨٥) لابن أبي شيبة والحكيم الترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن العاص ﵁.
(٣) نسبه الزمخشري في الكشاف (٤/ ١٦٣) لجعفر الصادق.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
﴿جَبّارٍ (٣٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ (٣٧)﴾
قوله: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ﴾ الذين تحزبوا على الأنبياء فأهلكهم الله. ﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ لابد من تقدير محذوف فيه؛ أي: مثل جزاء دأبهم، و"مثل" الثاني منصوب بكونه عطف بيان للأول. ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ فيعاقبهم بغير ذنب.
﴿التَّنادِ﴾ قوله: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ﴾ (^١). ويجوز أن يكون تصايحهم بالويل والثبور.
﴿مُدْبِرِينَ﴾ منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. قوله: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ﴾ هو يوسف بن يعقوب. وقيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يعقوب، أقام فيهم نبيا عشرين سنة وقيل: هو يوسف آخر، وقولهم: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ (٢٣٧ /أ) مقدمة جميلة تدل على تكذيب الرسل إذا جاءوا.
قوله: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ بدل من ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ وفي قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ﴾ زيادة تعظيم لما فعلوه من الكفر، ووصف القلب بالجبروت والتكبر؛ لأنه منبعهما؛ كما تقول: رأت العين وسمعت الأذن، وكذلك قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (^٢). والآثم هو الجملة ويجوز أن يكون على حذف مضاف؛ أي: على ذي قلب متكبر.
الصرح: البناء الشاهق الذي لا يخفى وإن بعد، و﴿أَسْبابَ السَّماواتِ﴾ طرقها.
وقوله: ﴿الْأَسْبابَ﴾ ثم أبدل منه ﴿أَسْبابَ السَّماواتِ﴾ لأن الشيء إذا أبهم ثم فسر كان أبلغ، والذي زين هو الشيطان ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ (^٣) أو الله ﷾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ (^٤). التباب: الخسران. افتتح مؤمن آل فرعون بتحقير أمر الدنيا وأنها شيء يستمتع به زمنا ثم يضمحل، وثنى بتعظيم الآخرة، وذكر
_________________
(١) سورة الأعراف، الآيات (٤٨، ٥٠، ٤٤).
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٨٣).
(٣) سورة النمل، الآية (٢٤).
(٤) سورة النمل، الآية (٤).
[ ٢ / ٢٥٧ ]
الأعمال وجزائها، ثم فرق بين دعوته إلى الله، ودعوة المشركين إلى الأصنام، فوقى الله المؤمن عقوبات الذين كفروا وحماه وعصمه، وحل ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ﴾.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ (٤٢) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥)﴾
وقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ يدل على الكثرة، وأنه ليس مما يحصره العدد، وإنما كرر نداء قومه، وأتى بالواو في الثالث دون الثاني؛ فأما تكرير النداء ففيه زيادة إيقاظ، وأما دخول الواو في الثالث؛ فلأنها جملة أجنبية من الأول؛ بخلاف الثانية مع الأول. تقول: دعوته لكذا، أو دعوته إلى كذا؛ كقولك: هداه الطريق وهداه إلى الطريق. ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: بربوبيته، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم. ﴿لا جَرَمَ﴾ لا نفي لما سبق، و﴿جَرَمَ﴾ فعل ماض، أي: حق؛ هذا مذهب البصريين (^١). أي: حق ووجب بطلان دعوته أو بمعنى كسبت؛ كقوله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ (^٢). ويجوز أن يراد بقوله: ﴿لا جَرَمَ﴾ أي:
لا بد من الجرم وهو القطع؛ أي: لا ينقطع استحقاقهم للعذاب؛ بل هو مستمر. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ أي: دعوة تجاب، ومن حق المعبود بحق أن يدعو الناس إلى عبادته. وقوله: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ لأنه في الدنيا جماد، وفي الآخرة ليس أهلا للشفاعة التي كانوا يرجونها منه، أو
_________________
(١) قال أبو البقاء العكبري: لا جرم: فيه أربعة أقوال: أحدها: أن "لا" رد لكلام ماض أي: ليس الأمر كما زعموا، و"جرم" فعل وفاعله مضمر فيه. والقول الثاني: أن "لا جرم" كلمتان ركبتا وصارتا بمعنى حقا. والثالث: أن المعنى لا محالة. والرابع: أن المعنى لا منع. ينظر تفصيل تلك الأقوال في: التبيان في إعراب القرآن للعكبري (٢/ ٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٨٨)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٦٩)، المحرر الوجيز لابن عطية (٣/ ١٦١)، معاني القرآن للزجاج (٣/ ٤٥)، مغني اللبيب لابن هشام (١/ ٣١٤).
(٢) سورة المائدة، الآية (٢).
[ ٢ / ٢٥٨ ]
جعل الدعوة العارية عن الإجابة كلا دعوة؛ قال الله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ (^١).
﴿الْمُسْرِفِينَ﴾ المجاوزين الحد. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ أي: يذكر بعضكم (٢٣٧ /ب) بعضا. ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ﴾ كانوا قد تهددوه فالتجأ إلى الله في وقاية شرهم.
﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ (٤٩)﴾
﴿النّارُ﴾ بدل من ﴿سُوءُ الْعَذابِ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ وعرضهم على النار: إحراقهم بها، يقال: عرض الأمير الأسارى على السيف أي: قتلهم به.
قوله: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ في هذين الوقتين يعذبون بالنار، وفيما سوى ذلك الله أعلم بحالهم؛ فإما أن يعذبوا بجنس آخر أو ينفّس عنهم. ويجوز أن يراد بالغدو والعشي الدوام.
هذا مدة بقاء الدنيا فإذا جاءت القيامة قيل لهم: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ فإن قيل: فسرتم قوله تعالى: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ﴾ بالنار، وهم لم يعذبوا بالنار فلم يحق بهم سيئات ما مكروا؟ قلنا: يقال: إن من أضمر لشخص أن يحرقه بالنار فغرقه [لسمي ذلك حيقا] (^٢) لحصول عقوبة ذنبه، وإن لم يكن من جنس ما عذب به. وقد استدل بهذه الآية على عذاب القبر.
واذكر محاجة الرؤساء والأتباع، و﴿تَبَعًا﴾ جمع تابع؛ كخادم وخدم، أو ذوي تبع، أو: وصفا بالمصدر، وقرئ: "كلا" (^٣) على التأكيد لاسم "إن" فإن قلت: أيجوز؟
_________________
(١) سورة الرعد، الآية (١٤).
(٢) بياض بالأصل والمثبت مما فهمناه من السياق وفي الكشاف للزمخشري (٤/ ١٧٠) نحو ذلك.
(٣) قرأ بها عيسى بن عمر وابن السميقع. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٦٩)، تفسير القرطبي (١٥/ ٣٢١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٤٦)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٤٩٥)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٧١).
[ ٢ / ٢٥٩ ]
قلت: لا؛ لأن الجار والمجرور لا يعمل في الحال متقدما (^١) تقول: كل يوم لك ثوب، ولا تقول: قائما في الدار زيد. ﴿قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ﴾ بحصول الجزاء؛ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. قوله: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ ولم يقل: لخزنتها؛ لأن اسمها فيه تهويل لا يحصل في الضمائر، ويحتمل أن يكون ﴿جَهَنَّمَ﴾ اسما لمكان مخصوص، يقال: بئر جهنم، أي:
بعيدة القعر، وقولهم في النابغة: إنه جهنام (^٢)؛ أي: بعيد الغور في الشعر (^٣). وفيها أعتى العصاة وأطغاهم، ولعل العصاة اعتقدوا أن الخزنة أقرب إلى إجابة الدعوة؛ ولهذا تعمدوهم بالسؤال، وامتنع الخزنة من الدعاء، وعللوه بأن الرسل كانت تأتيكم ومعهم المعجزات فكذبتموهم، ونحن لا نشفع إلا لمن ارتضاه الله.
﴿قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٥٠) إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥)﴾
_________________
(١) هذا قول الزمخشري في الكشاف. ورد عليه أبو حيان فقال: "وهذا الذي منعه أجازه الأخفش إذا توسطت الحال نحو: زيد قائما في الدار، وزيد قائما عندك، والتمثيل الذي ذكره ليس مطابقا في الآية؛ لأن الآية تقدم فيها المسند إليه الحكم وهو اسم" إن "وتوسطت الحال إذا قلنا إنها حال وتأخر العامل فيها. وأما تمثيله بقوله: ولا تقول:" قائما في الدار زيد "فتأخر فيه المسند والمسند إليه. واختار أبو حيان أن" كلا "على هذه القراءة بدل من اسم" إن ". وقال السمين الحلبي: وفيه نظر. واختار ابن مالك نصب" كلا "على الحال من الضمير المرفوع في" فيها "و" فيها "هو العامل، وتبع الأخفش في ذلك. ينظر تفصيل ذلك في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٤٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٤٦)،، شرح الكافية الشافية لابن مالك (١/ ٣٣٤)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٧١)، همع الهوامع للسيوطي (٣/ ١٣٨).
(٢) قال النووي في شرح صحيح مسلم (٢/ ١٢١):" جهنم: اسم لنار الآخرة عافانا الله منها ومن كل بلاء. قال يونس: وأكثر النحويين هي عجمية لا تنصرف للعجمة والتعريف. وقال آخرون: هي عربية لم تصرف للتأنيث والعلمية، وسميت بذلك لبعد قعرها؛ قال رؤبة: يقال بئر جهنام أي بعيدة القعر. وقيل: هي مشتقة من الجهومة وهي الغلظ يقال: جهم الوجه، أي: غليظة فسميت جهنم لغلظ أمرها والله أعلم ".
(٣) ذكر ذلك الزمخشري في الكشاف (٤/ ١٧١).
[ ٢ / ٢٦٠ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾
قوله: ﴿قالُوا فَادْعُوا﴾ ليس دلالة على مصلحة؛ لأنهم علموا أن الشفاعة مردودة، ولا تفيد شيئا، وإنما الخزنة أيأسوهم بقولهم: ﴿فَادْعُوا﴾.
﴿هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ بالحجة والبرهان، وقد كتب الله أن حزب المؤمنين هم المنصورون، وإن انتصر الكفار في (٢٣٨ /أ) وقت؛ فأعداؤهم مقضي عليهم بالهلاك والدمار، وأما في الآخرة فظاهر، و" يوم "الثاني بدل من الأول. ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ يحتمل أنهم يعتذرون فلا يقبل منهم، أو: لا يتمكنون من الاعتذار؛ لقوله:
﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (^١) ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ أي: سوء دار الآخرة. ﴿آتَيْنا مُوسَى الْهُدى﴾ جميع ما آتاه الله من التوراة والعلم والشرائع والمعجزات الخارقة للعادات.
﴿وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ﴾ يعني التوراة، ﴿هُدىً وَذِكْرى﴾ إرشادا وموعظة، وانتصابهما على المفعول له، أو على الحال، و﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ المؤمنون العاملون به.
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ فاصبر على أذى المشركين، ودم على ما أنت عليه من الصبر؛ فإن العاقبة للمتقين. ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ قيل: هما صلاتا العصر والفجر ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ﴾ أي: تكبر أو إرادة دفع الآيات بالجدال. ﴿ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ أي: ما هم ببالغي موجب الكبر. وقيل: المجادلون هم اليهود؛ كانوا يقولون: يخرج صاحبنا المسيخ الدجال ويبلغ سلطانه البر والبحر؛ فسمى الله تمنيهم ذلك كبرا. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ يسمع ما يقولون، ويبصر ما يفعلون فهو يجازيهم على ذلك. وأما كيفية اتصال ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ﴾ بما قبله؛ فلأن جدالهم كان في إنكار البعث؛ فأورد عليهم سبحانه قدرته على خلق السماوات والأرض؛ كما قال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ (^٢) ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ لا ينظرون ولا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم.
﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما﴾
_________________
(١) سورة المرسلات، الآية (٣٦).
(٢) سورة النازعات، الآية (٢٧).
[ ٢ / ٢٦١ ]
﴿تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠)﴾
ضرب الأعمى والبصير مثلا للمحسن والمسيء. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يصدقون بالساعة.
﴿اُدْعُونِي﴾ اعبدوني، والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ ولم يقل: عن دعائي. والاستجابة: الإجابة. وقيل: معناه:
اعبدوني أثبكم. وعن الحسن: أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: اعملوا وأبشروا فإن حقا على الله أن يستجيب للذين آمنوا (^١). وقيل للثوري: أندعو الله؟ فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء (^٢). وفي الحديث: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (^٣).وروي أن النبي ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة" وتلا هذه الآية (^٤). ويجوز أن يراد ظاهر اللفظ، وأن الدعاء نوع من العبادة (٢٣٨ /ب) وعن كعب "أعطى الله هذه الأمة ثلاثا لم يعطهن إلا الأنبياء: قال للنبي: أنت شاهدي على خلقي، وقال لهذه الأمة:
﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ (^٥) وكان يقول للنبي ﷺ: ما عليك من حرج، وقال لهذه الأمة: ﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (^٦) وكان يقول للنبي ﷺ: ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٧).
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ١٦١)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٠٢) لسعيد بن منصور وابن المنذر عن الحسن ﵁.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٧٩) عن سفيان ﵀.
(٣) رواه الترمذي رقم (٢٩٢٦) وقال: حسن غريب. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (١٣٣٥).
(٤) رواه أحمد في المسند (٤/ ٢٦٧)، وأبو داود رقم (١٤٧٩)، والترمذي رقم (٢٩٦٩)، وابن ماجه رقم (٣٨٢٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٧٩١)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي رقم (٢٣٧٠).
(٥) سورة البقرة، الآية (١٤٣).
(٦) سورة المائدة، الآية (٦).
(٧) الآية (٦٠) من سورة غافر، والأثر ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ١٧٥) عن كعب، ورواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٢٣٠٨) عن مجاهد.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
﴿داخِرِينَ﴾ صاغرين ذليلين.
﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾
﴿وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أي: يبصر فيه، وحقيقة الإبصار لأهل النهار لا للنهار. فإن قلت: قد جعل في صفة الليل: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ مفعولا من أجله، وفي ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ على الحال، وهلا جاء القرينان على حالة واحدة؟
قلت: هما متفقان من حيث المعنى، ولو أنه قال: والنهار لتبصروا فيه فاتت الفصاحة المأخوذة من المجاز، ولو قال: والليل سكنا لم يأت بالمقصود، والليل يوصف بالسكون حقيقة؛ يقال: ليل ساج. وقوله: ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ ولم يقل: لمتفضل ولا لمفضل؛ لأن الغرض تفضيل فضل الله على فضل كل ذي فضل، ولا يحصل ذلك المقصود إلا بالإضافة، كرر ذكر الناس بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾ لأن ذكر الاسم الظاهر أبلغ من الكناية. ﴿ذلِكُمُ﴾ الموصوف: بما سبق هو ﴿اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخبار متوالية، ثم ذكر أن من جحد بآيات الله وجادل فيها فقد أفك كما أفكوا، ثم ذكر حجة أخرى وهي جعل الأرض مستقرا، والسماء كالقبة المضروبة؛ لأنها ترى على هذا الشكل. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ لم يخلق حيوانا أحسن من الإنسان؛ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (^١) ﴿فَادْعُوهُ﴾ فاعبدوه، و﴿الَّذِينَ﴾ الطاعة،
_________________
(١) سورة التين، الآية (٤).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
قائلين: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وعن الحسن:" من قال لا إله إلا الله، فليقل على إثرها:
الحمد لله رب العالمين " (^١) ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ متعلق بفعل محذوف؛ أي يبقيكم لتبلغوا، وأما قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ فمعناه: وفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى هو قيام الساعة. ﴿فَإِذا قَضى أَمْرًا﴾ فإن فعله يقع من غير تأخر عن وقته الذي قدر فيه؛ لأن جميع المخلوقات مطيعة لأمره داخلة تحت حكمه. ﴿بِالْكِتابِ﴾ بالقرآن ﴿وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ من الكتب والصحف. وقوله: (٢٣٩ /أ) ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ شبيه بقولك: أريد أن أكرم زيدا أمس، لكن الأحوال الآتية عند الله كالكائنة الآن، ومنه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ (^٢) ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ (^٣) ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ (^٤) ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ (^٥) وأمثلته كثيرة.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾
وقرئ" إذ الأغلال فى أعناقهم والسّلسل "بالجر (^٦) لأنك لو قلت: عنقه في الغل، أو الغل في عنقه كان المعنى مفهوما؛ فلك أن تعبر بأي العبارتين شئت، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٨١)، ونسبه الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٢٢١) للحاكم ونقل عنه قوله: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٢) سورة النمل، الآية (٨٧).
(٣) سورة الزمر، الآية (٦٨).
(٤) سورة النحل، الآية (١).
(٥) سورة الأعراف، الآية (٤٤).
(٦) قرأ بها ابن عباس وزيد بن علي وغيرهما. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٨٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٥٠)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٤٩٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٤٣٠).
[ ٢ / ٢٦٤ ]
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها (^١)
كأنه قيل: ليسوا بمصلحين. ﴿يُسْجَرُونَ﴾ يوقدون؛ تقول: سجرت التنور: إذا أوقدته، وقال تعالى: ﴿نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ (^٢). ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ يعني الآلهة فلا نراهم.
فإن قيل: قالوا في قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (^٣): إن العابدين والمعبودين في النار، فكيف قالوا: ﴿ضَلُّوا عَنّا؟﴾ قلنا: يجوز أن يضلوا عنهم وقت التبكيت، ويجوز أن يكونوا معهم في كل وقت لكن لما لم ينفعوهم بالشفاعة كأن وجودهم كالعدم؛ ويدل عليه قوله: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي: ما كنا نعبد شيئا يعتد به. ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ﴾ أي: مثل ضلال آلهتهم عنهم نضلهم عن الآلهة. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وهو الشرك وعبادة الأوثان. ﴿اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السبعة المقسومة لكم ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ مثواكم وهو جهنم.
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ﴾
_________________
(١) البيت للأحوص الرياحي. ينظر في: الإنصاف لابن الأنباري (١/ ١٨٠)، الحيوان للجاحظ (٣/ ٤٣١)، خزانة الأدب (١٦٠، ٤/ ١٥٨)، شرح المفصل (٢/ ٥٢)، لسان العرب (شأم) وينسب للفرزدق في الكتاب (٣/ ٢٩)، وبلا نسبة في: أسرار العربية لابن الأنباري (ص: ١٥٥)، الأشباه والنظائر للسيوطي (٢/ ٣٤٧)، الخزانة (٨/ ٢٩٥)، الخصائص لابن جني (٢/ ٣٥٤)، شرح الأشموني (٢/ ٤٣٥) والشاهد فيه: جر" ناعب "بجار محذوف. وهو معطوف على" مصلحين "وهو منصوب؛ لكونه خبر (ليس)؛ وذلك لتوهم زيادة الباء في هذا الخبر؛ لكثرة زيادتها فيه. وهذا ما يعرف في غير القرآن بالعطف على المعنى أو" على التوهم ". ومشائيم: جمع مشئوم، وهو الإنسان الذي يجر الشؤم على قومه. وناعب: صائح، ومصوّت. والغراب: الطائر المعروف، يضرب به المثل في الشؤم. ويروى: ولا ناعبا.
(٢) سورة الهمزة، الآية (٦).
(٣) سورة الأنبياء، الآية (٩٨).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
﴿مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣)﴾
﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ﴾ ﴿وَما﴾ مزيدة لتأكيد الشرط. قوله: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ إما أن يكون معطوفا على الشرط، فيبقى قوله: ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ﴾ جزاؤه: ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ وقوله:
﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ لا يدل على هذا الشرط، وإن جعل الجزاء عن قوله: ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ﴾ وحده بقي المعطوف عليه بلا جزاء، فتقول: ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ متعلق ب" نتوفينك " وجزاء" نتوفينك "محذوف تقديره: ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب. وهو القتل يوم بدر فذاك، أو ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل بدر ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا﴾ (٢٣٩ /ب) قبل بعث الله ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس. وعن علي:" بعث الله نبيّا أسود فهو ممن لم يقص علينا خبره " (^١) وهذا تسلية لرسول الله ﷺ فإن الله بعث من قبله رسلا كثيرين فكذبوهم؛ فدمر الله على المكذبين. ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ مقترحة ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ وعيد ورد عقيب اقتراح الآيات. ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ المعاندون الذين كذبوا بالآيات وسموها سحرا. ﴿الْأَنْعامَ﴾ الإبل خاصة. فإن قيل: هلا قال: لتركبوا عليها؟ قلنا: لأن في الركوب عليها يحصل أجر إذا سافر للغزو أو للحج أو لزيارة رجل صالح، وأما الأكل فإنه من باب المباح لا يرجى فيه ثواب، والمعنى ب" من "وب " على "صحيح؛ فلذلك جازت العبارة بأيهما شئت. ﴿فَأَيَّ آياتِ اللهِ﴾ جاءت على اللغة المشهورة، تقول: بأية أرض نزلت، وبأي أرض نزلت، وقد جاء بأية آية، ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾ (^٢) ﴿وَآثارًا﴾ قصورهم ومصانعهم. وقيل: كانت الأرض تتأثر بوطئهم بأرجلهم لعظم أجسامهم وثقلها.
﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ " ما "نافية أو استفهامية ومحلها النصب، و" ما "الثانية موصولة، أو مصدرية، ومحلها الرفع، التقدير: أي شيء أغنى عنهم كسبهم أو مكسوبهم.
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٦٢)، وأحمد في المسند (٣/ ٤١٣)، وابن ماجه رقم (٣٩٧٢).
(٢) سورة لقمان، الآية (٣٤).
[ ٢ / ٢٦٦ ]
﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ قيل هو استهزاء، ولا علم عندهم، وعلمهم الذي تلاشى: زعمهم أن لا بعث وأن الأصنام تشفع لهم. وقيل: المراد علم الفلسفة، بعلم جدهم يونان. وعن سقراط: أنه سمع بموسى ﵇ فقيل له: هاجر بنا إليه، فقال:
نحن قوم مهذبون لا حاجة بنا إلى من يهذبنا (^١). وقيل: فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح استهزاء، وتنقبض لما علمه الرسل من العلم، ويدل عليه قوله: ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ وقيل: فرح الأنبياء: ما عندهم من العلم بهلاك المكذبين وحاق بالكافرين جزاء جهلهم.
﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)﴾
و﴿الْبَأْسَ﴾ العذاب الشديد؛ ومنه ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ (^٢). فإن قيل: لو قيل: فلم ينفعهم إيمانهم. هل كان يقوم مقام قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ﴾؟
قلنا: هو مثل ﴿كانَ *﴾ في قوله: ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ (^٣). والتقدير: فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم. فإن قلت: كيف ترادفت هذه الفاءات؟
قلت: أما قوله: ﴿فَما أَغْنى﴾ فهو نتيجة قوله: ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ وأما قوله (٢٤٠ /أ) ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ فجار مجرى البيان لقوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ كقولك:
رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ تابع لقوله:
﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ﴾ كأنه قال: كفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا. ﴿سُنَّتَ اللهِ﴾ مصدر مؤكد؛ ك ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ (^٤) و﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ (^٥) و﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ (^٦) و﴿هُنالِكَ﴾ اسم مكان مستعار للزمان؛ أي: خسروا في ذلك الزمان، وهو وقت قيام الساعة، وكذلك قوله: ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ﴾ بعد قوله: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أي: خسروا وقت مجيء أمر الله، أو:
وقت القضاء بالحق.
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ١٨٢).
(٢) سورة الأعراف، الآية (١٦٥).
(٣) سورة مريم، الآية (٣٥).
(٤) سورة الروم، الآية (٦).
(٥) سورة البقرة، الآية (١٣٨).
(٦) سورة الروم، الآية (٣٠).
[ ٢ / ٢٦٧ ]