﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾
﴿فاطِرِ السَّماواتِ﴾ مبتديها ومبتدعها، وعن ابن عباس: ما كنت أدري معنى الفاطر حتى اختصم رجلان في بئر؛ فقال أحدهما: هي بئري وأنا فطرتها، أي: ابتدأتها (^١).
﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ صفة للأجنحة، وإنما لم ينصرف لتكرر العدل فيها، والتقدير: أولي أجنحة اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة. وزعم الزمخشري (^٢) أنه لا يفترق الحال في مثنى وثلاث بين المكررة، وغير المكررة وفيه نظر؛ لأن غير المكررة حقيقة بأن تنصرف؛ لأن مثنى وثلاث المكرر إنما نقل إلى هذا الوزن ليدل على التكرر؛ فالتكرر هو موجب منع صرفها؛ فلا تستوي المكررة وغيرها.
﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ قيل: في عدد الأجنحة. وقيل: في الجناح الثالث والرابع تقوية واستظهار، والجناحان الأولان هما الأصل.
فإن قلت: قياس قسمة الأجنحة أن يكون في كل شق نصفها، فأين موضع الثالث إذا كانت ثلاثة؟ قلت: يجوز أن يكون الجناح الثاني في الوسط يعطي الجناحين قوة، ويجوز أن يكون الجناح الثاني لغير الطيران، قال الزمخشري:" رأيت في بعض الكتب أن بعض الملائكة لهم ستة أجنحة: جناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما، وجناحان مرخيان على وجوههم؛ حياء من الله " (^٣).وروي أن رسول الله ﷺ رأى جبريل وله ستمائة جناح (^٤). وروي أن رسول الله ﷺ رأى جبريل مرة أخرى فغشي عليه،
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٥٨) ونسبه لأبي عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان.
(٢) ينظر: الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٩٥).
(٣) ينظر: الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٩٥).
(٤) رواه البخاري رقم (٢٩٩٣)، ومسلم رقم (٢٥٣)، والترمذي رقم (٣١٩٩).
[ ٢ / ١٥٥ ]
ثم أفاق وجبريل يسنده، فقال النبي ﷺ:" سبحان الله، ما كنت أظن أن خلقا يكون كذا، فقال له جبريل: لو رأيت إسرافيل!! فإن أحد جناحيه بالمشرق والآخر بالمغرب والعرش على كاهله وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كالوصع؛ وهو العصفور الصغير " (^١).
وقيل في قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ إنه الصوت الحسن والوجه الحسن والشعر الحسن. وقيل: الخط الحسن، والآية أعمّ؛ فإنها تتناول كل زيادة من اعتدال وطول وتمام أعضاء وقوة بطش وحصانة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان ولباقة المتكلم.
﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يا أَيُّهَا النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾
وحسن بأن استعير الفتح للإطلاق والإرسال، والمعنى: فلا فاتح له، أي: ما يفتح الله من رحمة (٢٠٦ /ب) أي: من نعمة أو رزق أو مطر أو غير ذلك من أصناف أنعامه لا يقدر على حصرها إلا هو، وتنكير ﴿رَحْمَةٍ﴾ للإشاعة والإبهام؛ كأنه قال: من أي رحمة كانت من سماوية أو أرضية فلا يقدر أحد على حبسها، وأي شيء يمسك الله فلا أحد يقدر على إطلاقه. فإن قلت: فلم أنّث الضمير أولا فقال: ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ وذكّره ثانيا فقال:
﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ؟﴾ قلت: هما لغتان: الحمل على لفظ" ما "لأنه مذكر، والحمل على معناها؛ لأنه بمعنى الرحمة. وقيل: لما فسر الرحمة كان الرجوع إلى معناها أقرب من لفظها، ولما لم يسمها في الثانية ناسب أن يحمل على لفظها.
_________________
(١) رواه عبد الله بن المبارك في الزهد (١/ ٧٤ رقم ٢٢١)، ونسبه له السيوطي في الدر المنثور (٢٢٨/ ١) وقال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٣/ ١٤٦): وهو مرسل جيد. قال ابن الأثير في النهاية في غريب الأثر (٥/ ١٩٠): الوصع: يروى بفتح الصاد وسكونها وهو طائر أصغر من العصفور، والجمع وصعان.
[ ٢ / ١٥٦ ]
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد إمساكه. ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، لكن باللسان وبالقلب، وحفظها من الكفران، وشكرها: الاعتراف بإنعام مهديها. والخطاب عام في الأمر بالتذكر، وعن ابن عباس:" يريد: يا أهل مكة اذكروا نعمة الله عليكم؛ حيث أسكنكم حرمه، ومنعكم من جميع العالم والناس يتخطفون من حولكم ". وعنه: نعمة الله: العافية (^١). ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ يجوز أن يكون لا موضع له من الإعراب؛ لأنه ابتداء كلام، وأن يكون له موضع إذا كان صفة لخالق. فإن قلت: هل فيه أن (الخالق) لا يطلق على غير الله ﷿؟ قلت: نعم إذا جعلت ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ كلاما مستأنفا، و﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ جملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، ولو وصلتها ب " يرزقكم "لم يصح؛ لأنه يصير التقدير: لا خالق يرزق إلا الله فمفهومه: أن من كان خالقا ولم يكن رازقا يمكن وجوده وليس كذلك. ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ تقلبون من الحق إلى الباطل، ومنه تسمية المؤتفكات قرى لوط؛ لأن الأرض خسفت بهم فقلبت؛ وسمي الباطل إفكا لأنه يقلب الحق عن صورته. وقوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ تسلية لرسول الله ﷺ ونعي على قريش سوء اعتمادهم مع الأنبياء؛ كانوا رسلا عددهم كثير وعقولهم تامة فصبروا على ما كذبوا وأوذوا فتأسّ بهم.
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨) وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١١)﴾
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ كمن لم يزين له ذلك، وهو كقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ (^٢). أي: كمن لم يشرح؟ فإن قلت: لم جاء قوله: ﴿فَتُثِيرُ﴾ فعلا مضارعا دون ما قبله وما بعده؟
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٩٧).
(٢) سورة الزمر، الآية (٢٢).
[ ٢ / ١٥٧ ]
قلت: ليحكي الحال في إثارة الريح السحاب، ويستحضر تلك الحالة العجيبة الدالة على القدرة الربانية، ومنه قول تأبط شرا (٢٠٧ /أ) [من الوافر]:
بأنّي قد لقيت الغول تسعى بسهب كالصّحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرّت صريعا لليدين وللجران (^١)
كأنه يريهم إياها ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب من جرأته على كل هول، وثباته عند كل شدة، وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها لما كان من الدلائل على القدرة الباهرة، قيل: ﴿فَسُقْناهُ﴾ و﴿فَأَحْيَيْنا﴾ معدولا بهما عن لفظة الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه. والكاف في" كذلك "في محل الرفع أي: مثل ذلك إحياء الموتى ونشورهم. وروي:" أن رجلا سأل النبي ﷺ: كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: هل مررت بواد أهلك محيلا، ثم مررت به يهتز خضرا؟ فقال: نعم. فقال: كذلك يحيي الله ﷿ الموتى " (^٢).وقيل: يحييهم الله ﷿ بماء ينزله من تحت العرش كمني الرجال حتى تنبت منه أجسادهم وتنشق الأرض عن نفوسهم.
كان الكافرون يتعززون بالأصنام ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ (^٣).
والمنافقون يتعززون بالمشركين ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ (^٤). فلم يجعل لأحد نصيبا في العزة؛ فوضع قوله: ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ موضع قوله: فليطلبها منه. كما تقول: من أراد النصيحة فهي عند الأبرار، والمراد:
_________________
(١) ينظر البيتان في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٠٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٦٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٦٠١) ويروى البيت الثاني: فأضربها فأقتلها والسهب: الفضاء المستوي بعيد الأطراف. والصحيفة: الكتاب. والصحصحان: المستوي من الأرض. والجران: مقدم عظم العنق. والمعنى: يا من تنكر وجود الغول إني أخبر إخبارا يقينيا بأني قد لقيتها في مكان متسع مستو، فجعلت أضربها بلا خوف فسقطت مطروحة على يديها وعنقها.
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٦١) ونسبه لأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات.
(٣) سورة مريم، الآية (٨١).
(٤) سورة النساء، الآية (١٣٦).
[ ٢ / ١٥٨ ]
فليطلبها منهم. ثم عرف أن طريق طالب العزة إنما هو الإيمان والعمل الصالح بقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ والكلم الطيب: لا إله إلا الله؛ فإذا اقترنت بالأعمال الصالحة كان أجدر لقبولها. وقيل: الرافع الكلم والمرفوع العمل؛ فإنه لا يقبل عمل إلا مع التوحيد لله ﷿. وقيل: الرافع الله، والمرفوع العمل. وقيل: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ كل ذكر من تسبيح وتهليل وتكبير وقراءة قرآن ودعاء واستغفار وغير ذلك. وعن النبي ﷺ:" هو قولك: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن ﷿ " (^١). (٢٠٧ /ب) وعن ابن المقفع (^٢):" قول بلا عمل كزبد بلا دسم وسحاب بلا مطر وقوس بلا وتر ". وقرئ ﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^٣) والرافع الله أو الكلم.
و﴿وَمَكْرُ﴾ لا يتعدى وإنما نصب ﴿السَّيِّئاتِ﴾ لأنه نعت مصدر محذوف، أي: مكروا المكرات السيئات؛ لقوله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ (^٤) وعنى بالمكر مكر قريش بالنبي ﷺ في دار الندوة. ﴿وَمَكْرُ أُولئِكَ﴾ الماكرين في دار الندوة حقيق بالدمار والهلاك.
قال ابن الزبعري (^٥) لما أسلم [من الخفيف]:
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٦٢) ونسبه لابن جرير الطبري وعبد بن حميد والطبراني والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن مسعود.
(٢) هو عبد الله بن المقفع أحد البلغاء والفصحاء ورأس الكتّاب وأولي الإنشاء، وكان من مجوس فارس فأسلم على يد الأمير عيسى عم السفاح وكتب له واختص به. وكان ابن المقفع مع سعة فضله وفرط ذكائه فيه طيش، وروي عن المهدي قال: ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع. قال الأصمعي: صنف ابن المقفع الدرة اليتيمة التي ما صنّف مثلها. مات سنة خمس وأربعين ومائة. تنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي (٦/ ٢٠٨) وينظر قوله في الكشاف (٣/ ٦٠٣).
(٣) قرأ" والعمل "بالنصب ابن أبي عبلة وعيسى بن عمر، وقراءة الجمهور" والعمل "بالرفع. تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٠٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٦١)، فتح القدير (٤/ ٣٤١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٧٠).
(٤) سورة فاطر، الآية (٤٣).
(٥) هو عبد الله بن الزبعري بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي الشاعر، كان من أشد الناس على رسول ﷺ وعلى أصحابه بلسانه ونفسه، وكان من أشعر الناس وأبلغهم، يقولون: إنه أشعر قريش قاطبة. قال محمد بن سلام: كان بمكة شعراء، فأبدعهم شعرا عبد الله بن الزبعري. قال الزبير: كذلك يقول رواة قريش: إنه كان أشعرهم في الجاهلية. قال أبو عمر بن عبد البر - ﵀ -: كان -
[ ٢ / ١٥٩ ]
يا رسول المليك إنّ لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور (^١)
﴿أَزْواجًا﴾ أصنافا، أو ذكرانا وإناثا. ﴿بِعِلْمِهِ﴾ في موضع الحال، أي: لا معلومة له.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ؟﴾ قلت: معناه: وما يعمر من أحد، سماه معمّرا بما هو صائر إليه. فإن قلت: الإنسان إما يعمر طويل العمر أو منقوص العمر، أي:
قصيره، فأما أن يتعاقب عليه التعمير وخلافه فمحال، فما معنى الآية؟
قلت: هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة بصحة فهم السامعين، وعليه كلام الناس: أطال الله بقاءك، ومدّ في عمرك. وقيل: الستون حد المعمر؛ فمن بلغها فمعمر ومن لم يبلغها فمنقوص العمر. والكتاب: اللوح، ويجوز أن يراد بكتاب الله تعالى علمه أو صحيفة الإنسان. ضرب البحرين الحلو والملح مثلين للمؤمن والكافر، ثم استطرد بذكر ما أنعم به في أحدهما أو فيهما من أكل السمك واستخراج اللؤلؤ والمرجان.
_________________
(١) = يهاجي حسان بن ثابت وكعب بن مالك، ثم أسلم عبد الله الزبعري عام الفتح بعد أن هرب يوم الفتح إلى نجران، فرماه حسان بن ثابت ببيت واحد فما زاده عليه: لا تعد من رجلا أحلك بغضه نجران فى عيش أجد أثيم، فلما بلغ ذلك ابن الزبعري قدم على رسول الله ﷺ فأسلم وحسن إسلامه واعتذر إلى رسول الله ﷺ، فقبل عذره، ثم شهد ما بعد الفتح من المشاهد، ومن قوله بعد إسلامه للنبي ﵇ معتذرا: يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أجاري الشيطان في سنن الغي أنا في ذاك خاسر مثبور يشهد السمع والفؤاد بما قلت ونفسي الشهيد وهي الخبير إن ما جئتنا به حقّ صدق ساطع نوره مضيء منير جئتنا باليقين والصدق والبر وفي الصدق واليقين السرور أذهب الله ضلة الجهل عنا وأتانا الرخاء والميسور في أبيات له، والبور: الضال الهالك وهو لفظ للواحد والجمع، توفي سنة (١٥ هـ). تنظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ٩٠١ - ٩٠٣).
(٢) ينظر البيت في: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ٩٠٢)، تفسير ابن جرير الطبري (١٣/ ٢١٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٦١)، غريب الحديث للخطابي (١/ ٢٠٠).
[ ٢ / ١٦٠ ]
﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ شواق الماء بجريها؛ يقال: مخرت السفينة الماء. ويقال للسحاب: بنات مخر؛ لأنها تمخر الهواء، والسفن الذي اشتقت منه السفينة من المخر؛ لأنها تسفن الماء كأنها تقشره. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ الضمير عائد إلى الله تعالى ولم يسبق له ذكر، وإنما أعاد الضمير لما دل عليه الكلام من سياقه. وحرف الرجاء مستعار، أي: عاملنا معاملة الراجي. و﴿فُراتٌ﴾ الذي يكسر العطش. والسائغ: السريع الانحدار إلى المعدة (٢٠٨ /أ) لحلاوته. و﴿مِلْحٌ﴾ على فعل، والأجاج: الذي يحرق بملوحته، هذه طريقة الاستطراد وذكر البحرين، وجر ذكرهما ما فيهما من المنافع، وتحتمل وجها غير الاستطراد: وهو أن الله ضرب البحر الملح للكافر ثم فضل البحر على الكافر بما يستخرج من البحر من اللؤلؤ والسمك، والكافر خلو من المنفعة بالكلية؛ فهو كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾ (^١). ضرب مثلا للقلوب بالحجارة ثم فضل الحجارة على القلوب بما خلق الله فيها من المياه والمنافع؛ فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾ إلى آخر الكلام. ﴿ذلِكُمُ﴾ مبتدأ ﴿اللهُ﴾ خبر ﴿رَبُّكُمْ﴾ خبر بعد خبر.
﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ خبر آخر، ويجوز أن يكون اسم الله ﷿ عطف بيان ل "ذلكم" ويجوز أن يكون صفة ل "ذلكم". والقطمير: لفافة النواة وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها. إن تدعوا الأوثان ﴿لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ على سبيل الفرض والتمثيل؛ لأنهم لا يدعون ما يثبتون لهم من الإلهية.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٧٤).
[ ٢ / ١٦١ ]
﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: بإشراككم إياهم؛ يقولون: ﴿ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ (^١) ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ولا يخبرك بالأمر مخبر وهو مثل خبير، يريد أن الخبير بالأمر وحده هو الذي ينبئك بالحقيقة دون سائر المخبرين به، والمعنى أن هذا الذي أحدثكم به من حديث الأوثان هو الحق؛ لأني خبير بما أحدث به. وإنما جاء باسم ﴿الْحَمِيدُ﴾ مع أن لفظ ﴿الْغَنِيُّ﴾ كاف في مقابلة ﴿أَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ لأن الحميد يدل على أنه فعل ما يحمد عليه وإنما يفعل ذلك من تم غناه فلم يفتقر إلى أحد غيره وهو الله ﷿. ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ بممتنع. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يطيعونه ولا يعصونه.
الوزر والوقر أخوان، أي: لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى. ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ بالحمل ﴿إِلى حِمْلِها﴾ تخفيف ﴿حِمْلِها﴾ أو حمل بعضه ﴿لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ﴾ المدعو ذا قرابة للداعي. فإن قلت: كيف نوفق بين هذا، وبين قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ (^٢)؟ قلت: آية العنكبوت جاءت في الضالين المضلين؛ يحملون أوزار ضلالهم وأوزار إضلالهم، والضالون يحملون أوزار ضلالهم خاصة؛ لأنهم لم يضلوا أحدا.
(٢٠٨ /ب) ألا ترى كيف كذّب الله المضلين فقال: ﴿لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ﴾ الآيتين (^٣)؟ فقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي: ولا تزر حاملة، أخص من المثقلة بالحمل فهو أبلغ، والمثقلة أخص من الحاملة؛ لأن الحاملة تكون مثقلة وغير مثقلة. إنما ينفع إنذارك ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾. ﴿وَمَنْ تَزَكّى﴾ بفعل الطاعات وترك المعاصي. وقوله: ﴿فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ يؤكد قوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ لأن خشية الله تعالى باعثة على الطاعة واجتناب المعصية فإن قلت: كيف اتصل قوله ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ بما قبله؟ قلت: لما غضب عليهم بقوله: ﴿يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أتبع ذلك بالإنذار بيوم القيامة وذكر أهوالها، ثم قال: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ كان رسول الله ﷺ قد كرر الإنذار فلم يؤثّر فيهم؛ فنزل ﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ (^٤).
_________________
(١) سورة يونس، الآية (٢٨).
(٢) سورة العنكبوت، الآية (١٣).
(٣) سورة العنكبوت، الآية (١٢).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٩٠٧).
[ ٢ / ١٦٢ ]
﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾
﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ مثل الكافر والمؤمن كما ضرب البحرين مثلا لهما، والنور والظلمة والظل والحرور مثلان للحق والباطل وما يترتب عليهما من الثواب والعقاب، والأحياء والأموات مثل للذين دخلوا في الإسلام، وللذين لم يدخلوا فيه وأصروا على الكفر.
و﴿الْحَرُورُ﴾ السموم، إلا أن السموم يكون بالنهار، والحرور يكون بالليل والنهار.
وقيل: بالليل. فإن قلت: ما هذه الواوات؟ [قلت] (^١): بعضها ضمت وترا إلى وتر، وبعضها ضمت شفعا إلى شفع؟ ﴿إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ﴾ يعني: أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل. قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ حال من أحد الضميرين يعني محقا أو محقين، أو صفة للمصدر؛ أي: إرسالا مصحوبا بالحق، أو: صلة ل ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: بشيرا بالوعد الحق، ونذيرا بالوعيد الحق. والأمة: الجماعة الكبيرة. فإن قلت: كم بين عيسى ومحمد - صلى الله عليهما - من أمة ولم يخل فيها نذير؟ قلت: إنما بقاء دين النبي يعمل به بعده بمنزلة بقائه، وجميع من اتبعه أمة واحدة. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ بالشواهد على صحة النبوة وهي المعجزات.
﴿وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ التوراة والإنجيل.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾
_________________
(١) زيادة من الكشاف يقتضيها السياق، وليست بالأصل.
[ ٢ / ١٦٣ ]
﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها﴾ كالمشمش والتفاح وغيرهما، وقيل: ﴿أَلْوانُها﴾ الصفرة والحمرة والخضرة وغيرها. والجدد: الخطط والطرائق، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه (٢٠٩ /أ).
﴿وَغَرابِيبُ﴾ قيل: هي الجبال الطوال السود. فإن قلت: يقال: أخضر ناضر، وأصفر فاقع، وأسود حالك وغربيب، وأحمر قاني، فنرى التابع المؤكد متأخرا، وهاهنا وجد المؤكد متقدما؟ قلت: الوجه أن تجعل المؤكد متأخرا وتضمر قبل المؤكد ذكر اللون، ولا بد من تقدير مضاف تقديره: ومن الجبال ذوو جدد من بيض وحمر وسود؛ حتى يطابق قوله:
﴿ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها﴾ أي: بعض مختلف ألوانه.
والمراد ﴿الْعُلَماءُ﴾ الذين يعلمون صفاته، وما يجب له وما يستحيل عليه، وفي الحديث:
"أعلمكم بالله أشدكم له خشية" (^١).
وفي زيادة العلم بالله سبحانه زيادة الخوف من انتقامه. وقد أثّرت فيه الخشية حتى عرفت فيه. فإن قلت: هل يختلف المعنى بين تقديم المفعول على الفاعل وبين تأخيره؟
قلت: نعم، فإنك إذا قدّمت اسم الله وأخرت العلماء؛ كان المعنى: أن الذين يخشون الله من عباده هم العلماء دون غيرهم، وإذا عملت على العكس انقلب المعنى وصار تقديره: إنما يخاف الله العلماء. ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله أنه لما سبق قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ فذكر ما يستدل به على عظيم قدرته أتبع ذلك قوله: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ وعن النبي ﷺ: "إني أرجو أن أكون أتقاكم لله وأشدكم له خشية" (^٢). ﴿يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ﴾ يداومون على تلاوته. وقيل: يتبعون ما فيه ويعملون به. وقيل: هم أصحاب رسول الله ﷺ ﴿يَرْجُونَ﴾ خبر "إن". والتجارة: طلب الثواب بالطاعة. وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ متعلق ب ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ وتقديره: تجارة تبقى وتنمى ليوفيهم بها، وإن شئت جعلت ﴿يَرْجُونَ﴾ في موضع الحال، أي: راجين أن يوفيهم وخبر "إن" ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أي: غفور لهم شكور لعملهم.
_________________
(١) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٦٩) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن صالح أبي الخليل.
(٢) رواه مسلم رقم (١١١٠)، وأحمد في المسند (٢٤٥، ١٥٦، ٦/ ٦٧)، وأبو داود رقم (٢٣٨٩)، وابن حبان في صحيحه رقم (٣٤٩٢)، عن عائشة ﵂.
[ ٢ / ١٦٤ ]
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)﴾
﴿الْكِتابِ﴾ القرآن، "ومن" للتبيين أو للجنس. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال مؤكدة؛ لأن الصدق لا ينفك عنه. ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما تقدمه من الكتب ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا﴾ يعني: أورثناك الكتاب ثم أعلمناك أنا نورثه بعدك للعلماء بالقرآن. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا﴾ هم أمة محمد ﷺ؛ لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم ثم قسمهم إلى ﴿ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو المرجأ لأمر الله، و﴿مُقْتَصِدٌ﴾ وهو الذي خلط (٢٠٩ /ب) عملا صالحا وآخر سيئا، و﴿سابِقٌ﴾ من السابقين، وإنما قدم الظالم على بقية الأصناف؛ لأنهم أكثر الخلق. ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ معطوف على محل ﴿مِنْ أَساوِرَ﴾ و"من" للتبعيض، أي: يحلون بعض أساور من ذهب.
وقيل: إن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ. ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ هو مثل قوله: ﴿قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ (^١). وقيل: هو حزن الأعراض والآفات. وقيل: حزن الموت.
وقيل: حزن إبليس ووسوسته. وقيل: همّ المعاش. وقيل: حزن زوال النعم، وقد أكثروا حتى قالوا: كراء البيت. وتأويله: لا يحزنهم شيء وإن قل حتى كراء البيت. وفي الحديث: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في محشرهم، ويؤتى بأهل لا إله إلا الله فيخرجون من قبورهم، وينفضون التراب عن وجوههم، ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" (^٢).
﴿لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ دليل على كثرة حسناتهم. ﴿الْمُقامَةِ﴾ الإقامة، يقال: أقمت إقامة ومقاما ومقامة. ﴿لُغُوبٌ﴾ تعب وإعياء. وقرئ: ﴿لُغُوبٌ﴾ بالفتح (^٣) إما مصدر كالقبول
_________________
(١) سورة الطور، الآية (٢٦).
(٢) رواه الطبراني في المعجم الأوسط رقم (٩٤٤٥)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٥ - ٨٦)، ونسبه للطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر. وقال الهيثمي: وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف. وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع رقم (٤٨٩٨).
(٣) قرأ بها علي بن أبي طالب والسلمي وسعيد بن جبير. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان -
[ ٢ / ١٦٥ ]
والفرق بين اللغوب والنصب أن النصب: التعب، واللغوب: ما يحصل بسبب النصب، والنصب: نفس المشقة، واللغوب: نتيجته.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَسارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاّ غُرُورًا (٤٠)﴾
وقرئ ﴿فَيَمُوتُوا﴾ (^١) عطفا على قوله: ﴿لا يُقْضى﴾ كقوله: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (^٢) ﴿كَذلِكَ نَجْزِي﴾ أي: مثل ذلك الجزاء نجزي. ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ من الصراخ، وهو الصياح بجهد. فإن قلت: لم حذف الموصوف في قوله: ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ وأقام الصفة مقامه؟ وما فائدة قوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ على أنه يوهم أنهم كانوا يعملون صالحا غير هذا العمل؟
قلت: لزيادة التحسر على ما فاتهم من العمل الصالح، وأما الوهم فزائل بسياق الكلام، ودليل الغضب في قوله: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ أي: فيقال لهم: أو لم نعمركم؟ ﴿ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ وهو يشمل كل من أدرك من عمره وقتا يمكنه فيه العمل، إلا أن التوبيخ على صاحب العمر الأطول أولى. وروي أن العمر الذي أعذر الله فيه لمن أدركه ولم يتذكر ستون سنة. وقيل: ما بين العشرين إلى الستين. وقيل:
ثماني عشرة سنة. و﴿النَّذِيرُ﴾ الرسول. وقيل: الشيب. وعطف قوله (٢١٠ /أ)
_________________
(١) = (٧/ ٣١٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٦٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٧٦)، مختصر الشواذ لابن خالويه (ص: ١٢٤).
(٢) قرأ بها الحسن وعيسى بن عمر. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣١٦)، تفسير القرطبي (١٤/ ٥٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٧٠)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٣٥٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٧٧)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٠١).
(٣) سورة المرسلات، الآية (٣٦).
[ ٢ / ١٦٦ ]
﴿تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ على معنى ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ فكأنه قال: قد عمرناكم وجاءكم النذير.
﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بمعنى مضمراتها.
﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُورًا (٤٢)﴾
﴿إِنْ أَمْسَكَهُما﴾ إن نافية أي: ما يمسكهما من أحد من بعده؛ كما في قوله تعالى:
﴿بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ (^١) وروي: "أن ابن عباس لقي رجلا، أخبره ذلك الرجل أنه لقي كعبا فسأله: ما سمعت منه؟ فقال: سمعته يقول: إن السماوات على كاهل ملك. فقال ابن عباس: كذب، ثم تلا ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية" (^٢).روي: "أنه بلغ قريشا أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى، أتتهم رسل فكذبوهم، والله لئن أتانا رسول ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ فلما بعث رسول الله ﷺ كذبوه. وقوله: ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ أي: من واحدة منها. وقيل: المعنى لنكونن أهدى من الأمة التي يقال فيها أنها أهدى الأمم، ومنه قوله ﷺ للمقداد: إحدى سوءاتك يا مقداد" (^٣).
_________________
(١) سورة الحج، الآية (٦٥).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٦١٧ - ٦١٨) وقال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (١٥٧/ ٣): رواه الطبري في تفسيره قال: حدثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: "جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: من أين جئت؟ قال: من الشام، قال من لقيت؟ قال: لقيت كعبا، قال ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك. قال: لقد كذب كعب؛ إن الله يقول: إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا الآية. وهذا سند صحيح وهو كما تراه عن ابن مسعود لا عن ابن عباس، ولعله اشتبه على المصنف عبد الله بعبد الله. قلت: وتبع السخاوي هنا الزمخشري في هذا الوهم والاشتباه.
(٣) رواه مسلم رقم (٣٨٣١) في حديث طويل عن المقداد بن الأسود ﵁ قال:" أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ، فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي ﷺ، فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي ﷺ: احتلبوا هذا اللبن بيننا. قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي ﷺ نصيبه، قال: فيجيء من الليل فيسلّم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان، قال: ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب، -
[ ٢ / ١٦٧ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (^١).
﴿اِسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾
﴿اِسْتِكْبارًا﴾ إما حال أو مفعول من أجله أو مصدر. ﴿سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ إنزال العذاب على من كذب منهم، وجعل استقبالهم لذلك انتظارا له. ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أي: بشؤم
_________________
(١) = فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة، فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل؛ قال: ندمني الشيطان، فقال: ويحك، ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء فلا يجده، فيدعو عليك؛ فتهلك فتذهب دنياك وآخرتك، وعلي شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت، قال: فجاء النبي ﷺ، فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو علي فأهلك، فقال: اللهم أطعم من أطعمني، واسق من أسقاني. قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن؛ فأذبحها لرسول الله ﷺ، فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن، فعمدت إلى إناء لآل محمد ﷺ ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة، فجئت إلى رسول الله ﷺ، فقال: أشربتم شرابكم الليلة؟ قال: قلت: يا رسول الله اشرب. فشرب، ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله، اشرب، فشرب، ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روي، وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض، قال: فقال النبي ﷺ: إحدى سوآتك يا مقداد. فقلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا وفعلت كذا. فقال النبي ﷺ: ما هذه إلا رحمة من الله، أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها، قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس ".
(٢) سورة المدثر، الآية (٣٥).
[ ٢ / ١٦٨ ]
ذنوبهم. وقيل: بحبس المطر فتهلك الحيوانات. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يوم القيامة، أو جزاء أعمالهم.
﴿كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ وعيد بالجزاء.
***
[ ٢ / ١٦٩ ]