﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾
جواب القسم كما في" ص ". و﴿الْمَجِيدِ﴾ ذو الشرف على غيره من الكتب، ومن اتبع أوامر القرآن فقد مجد عند الله وهو بسبب من الله المجيد؛ فجاز اتصافه بصفته.
أنكر تعجبهم مما ليس بعجب وهو أن يبعث الله رسولا إلى خلقه ويؤيده بالمعجزات، وإذا علم ذلك الرسول أن خطبا شديدا يدهمهم بإدراك إنذارهم وتحذيرهم فكيف بما هو أشد المحذورات وهو بعث الكفار معهم الكفر. والعجب تعجبهم من ذلك وهو خلقهم أول مرة وأنه خلق السماوات والأرض وهو أكبر من خلق الناس، ووضع الكافرون موضع المضمر للدلالة على أن إقدامهم على هذا التعجب كفر، ولفظة ﴿هذا﴾ إشارة إلى الرجعة و﴿أَإِذا﴾ منصوب بمضمر تقديره: أنبعث إذا كنا ترابا؟ وقوله ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ إما من كلام الله، أو حكاية عنهم أنهم قالوه، وقرئ" إذا " (^١) على الخبر، وهو أيضا منكر من كلامهم، والدليل على إنكاره: ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ وقيل: إن الرجع بمعنى الرجوع؛ فيكون العامل في الظرف محذوفا وهو الذي دل عليه المنذر. ﴿قَدْ عَلِمْنا﴾ رد على استبعادهم الرجعة؛ لأن من اتسع علمه حتى علم ما تأكله الأرض من لحومهم وأجزائهم ولم يخف عليه أين تلك الأجزاء وكان قادرا لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض قدر على أن يحيي الموتى.
قوله: ﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أي: محفوظ من الاختلاف والتغيير، أو من الشياطين، أو حافظ لما وضع فيه. ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ إضراب عن الإنكار الأول؛ لأن الثاني أشد من الأول وهو تكذيبهم الرسل المؤيدين بالمعجزات في أول وهلة، ولم يتدبروا ولم يتفكروا؛ بل كذبوا في أول
_________________
(١) قرأ بها ابن عامر في رواية عنه وأبو جعفر والأعمش والأعرج. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٢٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٧٤)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ٧١)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٨١).
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وهلة ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ مختلف مضطرب يقولون تارة: شاعر. وأخرى: كاذب. وأخرى:
كاهن. لا يصرون (٢٧١ /ب) على شيء، وقرئ:" لما جاءهم " (^١) بكسر اللام، و﴿ما﴾ على هذا مصدرية. وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾ القرآن.
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾
وقيل: الإخبار بالبعث ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ آثار قدرة الله في خلق العالم؛ من السماء برفعها بغير عمد، وترتيب كواكبها وما فيها من الملائكة والآيات. ﴿مِنْ فُرُوجٍ﴾ من فتوق، يعني: أنّها ملساء سليمة من العيوب، ومن الأرض وبسطها وما ألقي فيها من الجبال والأنهار.
﴿مَدَدْناها﴾ دحوناها. ﴿رَواسِيَ﴾ جبالا ثوابت لولاها لانكفأت.
﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ من كل صنف يبتهج من يراه ﴿مُبارَكًا﴾ كثير المنافع ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد. ﴿رِزْقًا﴾ مصدر لأن الإنبات في معنى الرزق. وقيل: مفعول ل" نزلنا " ﴿وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً﴾ ﴿باسِقاتٍ﴾ طوالا.
وقرئ:" باصقات " (^٢) بالصاد لأجل القاف. ﴿طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ متراكم بعضه فوق بعض، أو متراكم ما فيه من الثمر. ﴿كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ من القبور بعد الموت، والكاف في موضع رفع على الابتداء أراد ب ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ قومه؛ كقوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ﴾ (^٣) و﴿كُلٌّ﴾ يجوز أن
_________________
(١) قرأ بها الجحدري. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٢١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٧٥)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ٧٢)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٨٢).
(٢) قرأ بها قطبة بن مالك. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٢٢)، تفسير القرطبي (١٧/ ٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٧٦)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٥)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٨٢).
(٣) سورة يونس، الآية (٨٣).
[ ٢ / ٣٧١ ]
يرجع إلى كل واحد؛ لأن كل واحد منهم كذب الرسل كلهم، وأن يراد تكذيب كل أمة رسولها، ووحد الضمير المصحح ل "كل" على اللفظ دون المعنى.
﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ فوجب وحل. عيي بالأمر: إذا لم يهتد لوجه الصواب فيه، والمعنى أنهم علموا أن الله قدر على إيجادنا أول مرة فهو يقدر على إيجادنا ثانيا. ﴿فِي لَبْسٍ﴾ أي: في اختلاط وشبهة، وقد لبس عليهم الشيطان أمرهم؛ فإنه أثبت في أذهانهم أن إحياء الموتى لا يتصور، وإنما نكر في ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لأنه أراد خلقا جديدا له شأن بخلاف تعريفه في أول السورة.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾
الوسوسة: الصوت الخفي، ومنه: وسواس الحلي، ووسوسة النفس: هو ما يخطر ببال الإنسان، والباء في قوله: ﴿تُوَسْوِسُ بِهِ﴾ مثلها في: همس به وصوّت به، ويجوز أن تكون الباء للتعدية، والضمير للإنسان؛ أي ما يجعله موسوسا، و"ما" مصدرية. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ يعني، قرب مجاز، وقوله: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ أي: من حبل العاتق، وهو مثل في القرب؛ كما يقال: هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار، قال ذو الرمة [من السريع]: والموت أدنى لي من الوريد (^١) (٢٧٢ /أ).
والوريدان: عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمها، متصلان بالوريد، يردان من الرأس إليه، وإضافة الحبل إلى الوريد يشبه إضافة الحبل إلى نفسه وجاز ذلك كما قالوا: بعير سائبة، والسائبة هو البعير، أو يراد حبل العاتق؛ فيضاف إلى الوريد كما يضاف إلى العاتق؛ لاجتماعهما في عضو واحد.
و﴿إِذْ﴾ منصوب ب ﴿أَقْرَبُ﴾ لأن الظروف تعمل فيها المعاني متقدمة ومتأخرة.
وروي في الحديث: "إن مقعد ملكيك على ثنيتك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت غافل عن ذلك" (^٢).والتلقي: التلقن بالحفظة والكتبة، والقعيد: المقاعد كالجليس
_________________
(١) هذا عجز بيت لذي الرمة، وصدره: هل أغدون في عيشة رغيد ينظر في: تفسير البيضاوي (٥/ ٢٢٦)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٣٨٣).
(٢) ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار في الكشاف (٣/ ٣٥٧) ونسبه للثعلبي بإسناده إلى علي بن -
[ ٢ / ٣٧٢ ]
والعشير، والتقدير: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد؛ كقول الشاعر [من الطويل]:
كنت منه ووالدي بريّا (^١)
﴿رَقِيبٌ﴾ ملك يرقب عمله. ﴿عَتِيدٌ﴾ حاضر، واختلف فيما يكتبان الملكان، فقيل: يكتبان كل شيء حتى الأنين في المرض. وقيل: لا يكتبان إلا ما تعلق به ثواب أو عقاب وروي أن كاتب الحسنات على اليمين وكاتب السيئات على الشمال، وكاتب اليمين أمين على كاتب اليسار؛ فإذا عمل العبد حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا كسب سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يستغفر أو يتوب، فإذا مضت سبع ساعات، فإن تاب وإلا كتبها واحدة.
﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾
لما ذكر إنكارهم للبعث أعقبه بذكر كيفية ما يخشى وقوعه من عذاب يوم القيامة، ودل على قربه للعبارة عنه بالماضي بقوله: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ،﴾ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وسكرة الموت: شدته الذاهبة بالعقل، والباء في ﴿بِالْحَقِّ﴾ للتعدية. وقيل: للمصاحبة، وقرأ ابن مسعود: "وجاءت سكرة الحق بالموت" (^٢) والباء على هذه القراءة للتعدية؛ لأنها سبب
_________________
(١) = أبي طالب عن النبي ﷺ وفي آخره: "وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما".
(٢) جزء من بيت لابن أحمر، وقيل: للأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصي، وتكملته: رماني بأمر كنت منه ووالدي بريا ومن جول الطوي رماني ينظر في: تفسير الطبري (١١/ ٨٦)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٢)، لسان العرب (جول)، معجم البلدان (١/ ٣٩٠) وجول الطوي: جدار البئر. قال ابن منظور في اللسان: "قال ابن بري: أي رماني بأمر عاد عليه قبحه؛ لأن الذي يرمي من جول البئر يعود ما رمى به عليه، ويروى: ومن أجل الطوي قال: وهو الصحيح؛ لأن الشاعر كان بينه وبين خصمه حكومة في بئر فقال خصمه: إنه لص ابن لص. فقال هذه القصيدة وبعد البيت: دعاني لصا في لصوص وما دعا بها والدي فيما مضى رجلان
(٣) وقرأ بها أيضا أبو بكر الصديق ﵁. تنظر في: تفسير القرطبي (١٧/ ١٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٧٨)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ٧٥)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢١)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٨٣)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٧٨).
[ ٢ / ٣٧٣ ]
حصول الموت، ولأن الموت يعقبها فكأنها أتت به. ويجوز أن يكون المعنى: جاءت ومعها الموت. وقيل ﴿الْحَقُّ *﴾ هو الله، وأضيفت إلى الله؛ تعظيما لشأنها وتهويلا.
وقوله: ﴿ذلِكَ﴾ الخطاب للإنسان ملتفتا عن قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ وما بينهما اعتراض. وقيل: هو خطاب للكافر، والإشارة إلى الحق. وسئل زيد بن أسلم عن قوله:
﴿ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ؟﴾ فقال: هو خطاب لرسول الله ﷺ فبلغ ذلك صالح بن كيسان فأنكره، فبلغ ذلك الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس فقال: أخالفهما؛ هو لكل بر وفاجر (^١).
﴿ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ أي: ذلك يوم إنجاز الوعيد (٢٧٢ /ب) والإشارة إلى مصدر" ونفخ " ﴿سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ملكان أحدهما يسوقها إلى المحشر والآخر يشهد عليه بعمله. وقيل: هو ملك واحد يسوق ويشهد، ومحل ﴿مَعَها سائِقٌ﴾ النصب على الحال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾.
﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ﴾ وقرئ:" لقد كنت "بكسر التاء، و" عنك عطاءك فبصرك " بكسر الكاف (^٢) شبه حاله بشيء قد غطى عليه تغطية موثقة؛ فصار لا يبصر شيئا، ثم كشف عنه ذلك الغطاء؛ فصار بصره حديدا.
﴿وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾
﴿قَرِينُهُ﴾ شيطانه؛ كقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (^٣) ويشهد له قوله: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾ ﴿وَقالَ قَرِينُهُ﴾ قال الشيطان وهو مقرون معه في السلسلة: هذا الشخص الذي لدي قد أعتدته (^٤) وهيأته لدخول جهنم بإغوائي. ﴿هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ يجوز أن تكون ﴿ما﴾
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٨٦) وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٢٥):" فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو. وقيل: الكافر، وقيل غير ذلك ".
(٢) قرأ بذلك الجحدري وطلحة بن مصرف. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٢٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٧٨)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ٧٦)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٢).
(٣) سورة الزخرف، الآية (٣٨).
(٤) أي: جهزّته وحضّرته. عتيد: مهيأ حاضر. المعجم الوسيط/عتد.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
نكرة موصوفة أي: هذا شيء لدي، و﴿عَتِيدٌ﴾ صفته، ويجوز أن تكون موصولة و﴿لَدَيَّ﴾ صلتها و﴿عَتِيدٌ﴾ خبر بعد خبر أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف.
﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ﴾ إن كان السائق والشهيد واحدا ففيه وجهان:
أحدهما عن المبرد: أن تثنية الفاعل بمنزلة تثنية الفعل؛ كأنه قال: ألق ألق (^١).
والثاني: أن العرب أكثر ما يرافق الرجل منهم اثنان؛ فكثر على ألسنتهم أن يقولوا:
خليلي وصاحبي، وقفا واسعدا. وقال الحجاج لبعض حرسه: يا حرسي اضربا عنقه؛ فجرى ذلك على عادة كلامهم. وقرأ الحسن:" وألقينا " (^٢) أبدل النون الساكنة ألفا، ويجوز أن يكون ﴿أَلْقِيا﴾ إجراء للوصل مجرى الوقف؛ فأثبت الألف عوضا عن النون في حال الوصل.
﴿عَتِيدٌ﴾ بمعنى معاند؛ كعشير وجليس. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ كثير المنع. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة؛ كان يقول: من دخل في دين محمد لم أنفعه بشيء أبدا (^٣).
﴿مُرِيبٍ﴾ شاك في الله وفي دينه. ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ مبتدأ خبره: ﴿فَأَلْقِياهُ﴾ وأدخلت الفاء على الخبر لتضمنه معنى الشرطية، ويجوز أن يكون ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ بدلا منصوبا من ﴿كُلَّ كَفّارٍ﴾ ويكون ﴿فَأَلْقِياهُ﴾ تكريرا للتوكيد، ودخلت الواو في قوله تعالى: ﴿وَقالَ قَرِينُهُ﴾ لأنه لم يكن مقاولة سؤالا وجوابا بخلاف قوله: ﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ فإنها حكاية جواب وكذلك جاء في مقاولة موسى وفرعون: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (^٤) كررها تسع مرات بغير واو (٢٧٣ /أ) وقوله هاهنا: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾ أجراه مجرى المقاولة؛ لأنه لما قال: ﴿رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾ دل على أنه كان قد جرى بينهم مقاولة.
﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٨٧).
(٢) تنظر قراءة الحسن في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٢٦)، تفسير القرطبي (١٧/ ١٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٧٨)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٢)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٨٤).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٨٧).
(٤) سورة الشعراء، الآية (٢٣).
[ ٢ / ٣٧٥ ]
﴿وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فأعذب من لا يستحق. الباء في قوله: ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ مثلها في قوله ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (^١) إذا قرئت بضم التاء الأولى (^٢) ويجوز أن تكون للتعدية إذا جعلت تقدم مطاوعا لمعنى قدم، ويجوز أن يكون الفعل واقعا على الجملة؛ وهي قوله: (ما يبدل القول وما أنا بظلم) ويكون قوله: ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ حالا، أي: قدمت متلبسا بالوعيد قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ﴾ جملة وقعت حالا من ﴿تَخْتَصِمُوا﴾ مضارع و﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ﴾ ماض، وهذه الحال لا يمكن اجتماعها مع صاحب الحال، ومعناه: لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد. ﴿وَما أَنَا بِظَلاّمٍ﴾ نفي للمبالغة، ولا يلزم من نفي المبالغة نفي أصل الفعل؟ وجوابه من وجوه:
أحدها: أن يكون" ظالما وظلاما "بمعنى واحد على لغة قوم. والثاني: أن معناه: لو عاقبت من لا يستحق العقاب لكنت بليغ الظلم. والثالث: أنه جمع لجميع العبيد؛ تقول: أغلقت الباب وغلقت الأبواب، ولا تقول: غلقت الباب؛ كذلك هاهنا لو قال: وما أنا بظلام لعبد لورد السؤال. وانتصاب اليوم بظلام، أو بإضمار فعل نحو اذكر وغيره، أو ب ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾.
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ وعلى هذا يشار بذلك إلى ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾ ولا يقدر حذف مضاف.
وسؤال جهنم وجوابها من باب المجاز الذي يراد به تقوية المعنى في النفس، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها تمتلئ حتى لا يبقى فيها سعة لمكان واحد مع اتساعها وتباعد أطرافها.
والثاني: أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها موضع المزيد، ويجوز أن يكون ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ استكثار لمن دخلها أو غضبا على الكفار والعصاة، والمزيد إما مصدر كالمحيد، وإما اسم مفعول كالمبيع. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ نصب على الظرف، أي: مكانا قريبا، أو على الحال، أو على حذف الموصوف، أي: شيئا غير بعيد، ومعناه التوكيد، أي: قريب غير بعيد.
﴿هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) اُدْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ﴾
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآية (٢٠).
(٢) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو ورويس وابن محيصن والجحدري وروح والحسن. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٠١)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٥٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٤٤٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٩)، المحتسب لابن جني (٢/ ٨٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٢٨).
[ ٢ / ٣٧٦ ]
﴿مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾
قوله: ﴿لِكُلِّ أَوّابٍ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ بتكرير الجار، و﴿هذا﴾ إشارة إلى الثواب أو إلى مصدر ﴿أُزْلِفَتِ﴾ ﴿مَنْ خَشِيَ﴾ بدل بعد بدل تابع ل ﴿لِكُلِّ﴾ ويجوز (٢٧٣ /ب) أن يكون بدلا غير موصوف ﴿أَوّابٍ﴾ و﴿حَفِيظٍ﴾ ولا يجوز أن يكون في حكم ﴿أَوّابٍ﴾ و﴿حَفِيظٍ﴾ لأن" من "لا يوصف به ولا يوصف من بين الموصولات إلا بالذي وحده، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ لأن" من "في معنى الجمع، ويجوز أن يكون منادى كقولهم: من لا يزال محسنا أحسن، وحذف حرف النداء للتقريب. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ مضى في أول البقرة (^١).
﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ أي: سالمين من العذاب، أو مسلما عليكم من الله وملائكته. ﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ يوم تقدير الخلود؛ كقوله: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ أي: مقدرين الخلود. ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ وهو ما لم تبلغه آمالهم ولم يخطر ببالهم حتى يشاءوه. وروي أن السحابة تمر بأهل الجنة فتمطرهم الحور العين فيقولون: نحن المزيد الذين قال الله ﷿ فيه: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ (^٢).
التنقيب: التنقير عن الأمر والبحث والطلب؛ قال الشاعر [من الخفيف]:
نقّبوا في البلاد من حذر المو ت وجالوا في الأرض كلّ مجال (^٣)
ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله: ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أي: شدة بطشهم أقدرتهم على التنقيب، وقرئ:" فنقبوا "بالتخفيف وكسر القاف (^٤) أي: نقبت أخفاف إبلهم من كثرة أسفارهم، ورأوا في آثار المهلكين ما يكفي للاعتبار. ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ هل من مخلص من
_________________
(١) عند تفسير الآية (٣).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٩٠).
(٣) البيت لعدي بن زيد، أو للحارث بن حلزة، ينظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٢٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٨١)، الدر المنثور للسيوطي (٧/ ٦٠٨)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ٢٥٦)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٣٩٠).
(٤) قرأ بها أبو العالية ويحيى بن يعمر. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٢٩)، تفسير القرطبي (١٧/ ٢٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٨١)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ٨٠)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١١).
[ ٢ / ٣٧٧ ]
الله أو من الموت. ﴿لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: واع؛ لأن من لا يحضر ذهنه كالغائب، وإلقاء السمع:
الإصغاء. ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: حاضر. وقيل: أي: شاهد على صحته وأنه من الله، أو هو بعض الشهداء في قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ (^١).
وقيل: شاهد من أهل الكتاب على صدقه وصحة ما جاء به في كتب الأولين فصدق به وآمن. اللغوب: الإعياء، وقرئ بالفتح (^٢) كالقبول والولوع؛ كذب الله اليهود في هذه الآية حيث زعموا أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد، وآخرها الجمعة، ثم استراح يوم السبت، واليهود مشبهة، والمشبهة من هذه الأمة أخذوا تلك العقائد من اليهود.
﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾
﴿فَاصْبِرْ عَلى ما﴾ يقول اليهود ويكيدونك به. وقيل: على أذى جميع المشركين. وقيل:
نسخت بآية السيف، والصحيح أنها ليست منسوخة؛ فإن الصبر مطلوب مثاب عليه لم ينسخ (^٣).
﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حامدا له، وقيل: المراد: الصلاة. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٢٧٤ /أ) صلاة الصبح. ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ صلاة الظهر والعصر. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ صلاة المغرب والعشاء. وقيل: قوله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ المراد به التهجد ﴿وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ التسبيح في آثار الصلوات، والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة. وقيل: النوافل بعد المكتوبات. وعن علي ﵁: الركعتان بعد المغرب (^٤). وروي عن النبي ﷺ أنه قال:" من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم ركعتين كتبت صلاته في عليين " (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (١٤٣).
(٢) قرأ بها السلمي وعلي بن أبي طالب وطلحة بن مصرف ويعقوب. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٢٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٨١)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١١)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٨٥).
(٣) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ٣٩٢).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ١٨٢).
(٥) قال الحافظ ابن حجر في" الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف " (ص: ١٥٩) " رواه ابن أبي -
[ ٢ / ٣٧٨ ]
وقيل: هو الوتر بعد العشاء الآخرة. و﴿وَأَدْبارَ﴾ جميع دبر، وقرئ "إدبار" (^١) من أدبرت الصلاة: إذا قضيت وتمت؛ كقولهم: آتيك خفوق النجم وغروب الشمس.
﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾
﴿وَاسْتَمِعْ﴾ يعني: ما أخبرك به من حال ﴿يَوْمَ﴾ وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به وانتصب ﴿يَوْمَ يُنادِ﴾ بما دل عليه ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ أي: يوم ينادي المنادي يخرجون و﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يُنادِ﴾ و﴿يُنادِ﴾ إسرافيل، يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة: إن الله يأمر كن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وقيل: إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي بالحشر. ﴿مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ من صخرة بيت المقدس، وهي أقرب الأرض إلى السماء باثني عشر ميلا، وهي وسط الأرض. وقيل: من تحت أقدامهم. وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة: يا أيتها العظام البالية.
و﴿الصَّيْحَةَ﴾ النفخة الثانية ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بالصيحة، والمراد به: البعث والحشر. ﴿عَنْهُمْ سِراعًا﴾ حال من المجرور. ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ تقديم الظرف يدل على الاختصاص؛ يعني: لا يتيسر ذلك الأمر العظيم إلا على القادر الذي لا يشغله شأن عن شأن، كما قال: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ (^٢) ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ تهديد لهم وتسلية لرسول الله ﷺ. ﴿بِجَبّارٍ﴾ كقوله: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ (^٣) حتى تقسرهم على الإيمان، إنما أنت داع وباعث.
_________________
(١) = شيبة وعبد الرزاق من رواية عبد العزيز بن عمر عن مكحول مرسلا ". .. ثم قال الحافظ:" وقد روي موصولا عن أنس وعن عائشة - ﵄ - أما حديث أنس فرواه الدراقطني في غرائب مالك من رواية أحمد بن سليمان السدي عنه عن الزهري عن أنس به وأتم منه. وقال الحافظ: هذا موضوع على مالك. وأما حديث عائشة فرواه ابن شاهين في "الترغيب" وفي إسناده جعفر بن جميع ".
(٢) قرأ بها نافع وابن كثير وحمزة وأبو جعفر وخلف، وقراءة الباقين" وأدبار "بالفتح. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٣٠)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٣١)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٧٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٨٢)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦٠٧)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٧٦).
(٣) سورة لقمان، الآية (٢٨).
(٤) سورة الغاشية، الآية (٢٢).
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وقيل: أريد الحلم عنهم، وترك الغلظة عليهم، ويجوز أن يكون من: جبره على الأمر، بمعنى أجبره، أي: ما أنت بوال عليهم تجبرهم على الإيمان، و﴿عَلى *﴾ مثلها في قولك: زيد عليهم، أي: واليهم. ﴿مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ كقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ (^١) لأن التذكير لا يؤثر إلا فيه دون المصر على الكفر، والله تعالى أعلم (٢٧٤ /ب).
***
_________________
(١) سورة النازعات، الآية (٤٥).
[ ٢ / ٣٨٠ ]