﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤)﴾
﴿وَصَدُّوا﴾ وأعرضوا، وامتنعوا عن الدخول في الإسلام، أو: صدوا غيرهم عنه؛ قال ابن عباس: هم المطعمون يوم بدر (^١). وقيل: هي عامة في كل من كفر وصد. ﴿أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أبطلها، تقول: ضل الماء في اللبن؛ إذا لم يبق له طعم. وقيل: أبطل ما مكرو به للنبي ﷺ. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل: هم ناس من الأنصار. وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب.
﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ خص الإيمان بما نزل مع أن ما يجب الإيمان به كثير؛ لينبه بذلك على فضيلة هذا الوصف، وأن الإيمان لا يتم إلا به وأكد ذلك بالجملة المعترضة وهي قوله ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. وقيل: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الثابت فإنها شريعة لا تنسخ، وغيرها من الشرائع نسخ بها. ﴿وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أي: حالهم وشأنهم بالتوفيق. ﴿ذلِكَ﴾ أي: إبطال أعمال الكفار وإثابة المؤمنين بسبب ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ﴾ و﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ، وما بعده خبره ويجوز أن ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر كما ذكر؛ فيكون محل الجار والمجرور منصوبا على هذا، ومرفوعا على الأول، والضمير في
_________________
(١) ذكره بهذا اللفظ الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣١٤)، وروى الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٩٦) عن مجاهد عن ابن عباس - ﵄ - في قوله - ﷿ -: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ قال: منهم أهل مكة، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قال: هم الأنصار، قال: وَأَصْلَحَ بالَهُمْ قال: أمرهم ". وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ٢ / ٣٤١ ]
﴿أَمْثَلُهُمْ﴾ راجع إلى الناس أو إلى المذكورين من الفريقين، ومعنى ضرب الأمثال: أن جعل الكفار بكفرهم (٢٦٢ /أ) كالذين تبعوا الباطل، والمؤمنين كالذين تبعوا الحق، وأن جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين. ﴿لَقِيتُمُ﴾ من اللقاء وهو الحرب. ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ مصدر محذوف الفعل بمعنى الأمر، وضرب الرقاب كناية عن القتل ولو وقع بغير ضرب العنق كما قلنا: بما كسبت يداك، ولو كسب بكونه حارس بستان قيل: بما كسبت يداه. ﴿أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أكثرتم القتل فيهم، مأخوذ من الشيء الثخين، ومنه: ﴿حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^١) أي: يكثر القتلى فيها، و﴿الْوَثاقَ﴾ بالفتح والكسر: اسم ما يوثق به. ﴿فَشُدُّوا الْوَثاقَ﴾ فأسروهم ﴿مَنًّا﴾ و﴿فِداءً﴾ المصدران فعلاهما مضمران، ويعني الخيار بعد أسرهم من القتل والمن، وعند أبي حنيفة يتخير الإمام بين القتل والاسترقاق، ولا من عنده ولا فداء، ويقول: كان المن والفداء في ابتداء الإسلام، وضعف المسلمين؛ وأما اليوم فقد أعز الله الإسلام. وعند الشافعي: يتخير الإمام بين أمور أربعة: القتل والاسترقاق والمن والفداء، وهو ظاهر القرآن، وقد منّ رسول الله ﷺ على أبي عروة، فادى رجلا برجلين من المشركين وهذا كله منسوخ عند أصحاب الرأي (^٢).
وأوزار الحرب: آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها. فإن قلت: بم تعلق" حتى"؟
قلت: المعنى عند الشافعي: أن لا يزال التخيير بين أمور أربعة ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾.
وقيل: حتى ينزل عيسى ﵇. وعند أبي حنيفة: المعنى: إذا علق بالضرب والشد: أنهم يقتلون ويؤسرون حتى يضع جنس الحرب الأوزار، وإذا علق بالمن والفداء، فالمعنى: أنه يمن عليهم ويفادي حتى تضع الحرب أوزارها (^٣). ﴿ذلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك. ﴿لانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: لا نتقم منهم ببعض أسباب الهلاك ﴿وَلكِنْ﴾ أمركم بالقتال ﴿لِيَبْلُوَا﴾ المؤمنين بالكافرين. وعن قتادة: نزلت في يوم أحد.
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية (٦٧).
(٢) ينظر: المبسوط للسرخسي (١٣٩، ١٠/ ١٣٨)، بدائع الصنائع للكاساني (١٢٠، ٧/ ١١٩)، أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٧١).
(٣) ينظر: المهذب للشيرازي (٢٣٦، ٢/ ٢٣٥)، الأم للإمام الشافعي (٤/ ٢٨٦).
[ ٢ / ٣٤٢ ]
﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨)﴾
﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ بينها وأعلمها. وقيل: إن الملك كاتب الأعمال يمشي بين يدي المؤمن، ويريه جميع ما وعده الله وأنجزه له. وقيل: ﴿عَرَّفَها﴾ طيبها، والعرف: الطيب.
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ﴾ إن تنصروا دين الله ورسوله: ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ على أعدائكم ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ في مواطن الحرب على محجة الإسلام. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يحمل الرفع على الابتداء، والنصب بما يفسره. ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ (٢٦٢ /ب) كأنه قال: تعس الذين كفروا وعطف قوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ على الفعل الذي نصب ﴿فَتَعْسًا﴾ لأن المعنى: فقال تعسا لهم، أو: فقضى تعسا لهم، وتعسا لهم نقيض لعا لهم؛ قال [من البسيط]:
فالتعس أولى بها من أن أقول لعا (^١)
يريد: فالعثور أقرب لها من الانتعاش والثبوت. وقيل: في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردي في النار.
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ﴾
_________________
(١) هذا عجز بيت للأعشى، وصدره: بذات لوث عفرناة إذا عثرت ينظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٧٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٤٨)، ديوان الأعشى (ص: ١٠٥)، العين للخليل (٨/ ٢٣٩)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٥٢)، لسان العرب (تعس) قال ابن منظور في لسان العرب: "ويدعو الرجل على بعيره الجواد إذا عثر فيقول تعسا، فإذا كان غير جواد ولا نجيب فعثر قال له: لعا. ومعناه: أنه ينكر من مثلها في سمنها وقوتها العثار فإذا عثرت قيل لها: تعسا. ومعنى ذلك أنها لا تعثر لقوتها فلو عثرت لقلت: تعست. ولم يقل لها: تعسك الله. ولكن يدعو عليها بأن يكبها الله لمنخريها، والتعس أيضا الهلاك". وذات لوث عفرناة: ناقة ذات لحم وسمن قوية.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
﴿مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)﴾
﴿كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ من التكليف والامتناع من الشهوات والملاذ. دمره: أهلكه، ودمر عليه: أفسد عليه ما يختص به من نفسه وولده وماله.
﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ أمثال تلك العاقبة أو الهلكة أو السنة؛ كقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ (^١) ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وليهم وناصرهم.
روي أن الكفار نادوا يوم أحد: علا هبل؛ فأجابهم المسلمون: الله أعلى وأجل؛ فقال المشركون: لنا العزى، ولا عزى لكم، فقال المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم (^٢) وقوله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ (^٣) هل فيه مناقضة لهذا؟ قلت: لا تناقض بينهما؛ لأن الله تعالى مولى جميع العالم، وأنه خالقه ومدبره، وأما على معنى الناصر فهو مولى المؤمنين خاصة. ﴿يَتَمَتَّعُونَ﴾ ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا زمنا قليلا. ﴿وَيَأْكُلُونَ﴾ غافلين كما تأكل الأنعام في مسارحها ومعالفها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح. ﴿مَثْوىً لَهُمْ﴾ منزل ومقام. وأراد بالقرية أهلها ولهذا قال: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾.
ومعنى ﴿أَخْرَجَتْكَ﴾ كانوا سبب إخراجك. فإن قلت: كيف قال: فلا ناصر لهم وإنما هو أمر قد مضى؟ قلت: أجري مجرى الحال المحكية؛ كأنه قال: أهلكناهم فهم لا ينصرون ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ﴾ هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله ومن ﴿كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: على حجة وبرهان، وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات، وهو رسول الله ﷺ والمعنى: لا يستوي من اتبع الحجة الصحيحة ومن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ صفة الجنة العظيمة الشأن، وهو مبتدأ وخبره ﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ﴾ وقوله:
﴿فِيها أَنْهارٌ﴾ داخل في حكم الصلة؛ كالتكرير لها؛ لأنك لو قلت: مثل الجنة التي فيها أنهار لكان صحيحا. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هي فيها أنهار؛ كأن (٢٦٣ /أ) قائلا قال: وما مثلها؟ فقيل: فيها أنهار، وأن يكون في موضع الحال؛ أي: مستقرة فيها
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية (٣٨).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٤/ ١٠٥) و(٢٦/ ٤٤).
(٣) سورة الأنعام، الآية (٦٢).
[ ٢ / ٣٤٤ ]
أنهار ﴿مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ كما تتغير ألبان الدنيا بالحموضة ﴿لَذَّةٍ﴾ تأنيث لذ، وهو اللذيذ أو وصف بالمصدر.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨)﴾
كان المشركون والمنافقون يحضرون مجلس رسول الله ﷺ ولا يجعلون إصغاءهم إلى ما يقول فكانوا يسألون أهل العلم عما قال النبي ﷺ ﴿آنِفًا﴾ يعني: ماذا قال الآن. قال الزجاج: هو من قولك: استأنفت الشيء: إذا ابتدأته؛ كأنهم قالوا لأولي العلم: أخبرونا عما قال محمد ابتداء (^١).
قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ﴾ الله ﴿هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ أعانهم عليها، أو آتاهم جزاء تقواهم. وعن السدي: بين لهم ما يتقون (^٢). وفاعل ﴿زادَهُمْ﴾ هو قول الرسول ﷺ أو الاستهزاء من المنافقين. ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ بدل اشتمال من الساعة. قوله ﷿ ﴿فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ ﴿ذِكْراهُمْ﴾ متعلق ب ﴿فَأَنّى﴾ أي: من أين لهم التذكر، وبعد نزول الآيات لا ينفع التذكر. الأشراط: العلامات، ومن أشراطها: بعثة محمد ﷺ وانشقاق القمر، والدخان. وعن الكلبي: كثرة المال، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام (^٣).
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣)﴾
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٥/ ١٠).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٢٣).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٢٣).
[ ٢ / ٣٤٥ ]
لما بين حال المؤمنين والكافرين قال للنبي ﷺ: فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ولذنوب أمتك. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في الدنيا، ﴿وَمَثْواكُمْ﴾ في القبور. وقيل: والله يعلم أحوالكم وتقلبكم في معايشكم ومتاجركم ﴿وَمَثْواكُمْ﴾ في الجنة والنار، ومن كان موصوفا بالعلم بجميع المعلومات حقيق بأن يتقى ويخاف عقابه، وأن يستغفر ويسترحم. وقد قدم الله العلم في قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ على الأعمال المذكورة بعد العلم؛ قال: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ الآية (^١) وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ (^٢) قدم العلم وجعل العمل بعده. كان المؤمنون يتمنون الإذن لهم في القتال فلما أذن لهم جبن بعضهم عن الكفار، وقال بعضهم: ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ﴾ (^٣) وقال ها هنا: ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ﴾ الآية، فصارت أعينهم تدور دورانا مثل دوران أعين الذي يغشى عليه من الموت. ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ من لم يكن ثابت (٢٦٣ /ب) القدم في الإسلام. ﴿فَأَوْلى لَهُمْ﴾ بمعنى: ولي لهم، وهي أفعل من الولي، وهو القرب، وهو دعاء عليهم بأن يليهم المكروه. ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ كلام مستأنف، أي: خير لهم. وقيل: هي حكاية قولهم، أي: قالوا طاعة وقول معروف، بمعنى: أمرنا طاعة وقول معروف. ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جد. والعزم والجد لأصحاب الأمر، وإنما يسندان إلى الأمر إسنادا مجازيا، وهو كقوله: ﴿إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (^٤) ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فيما زعموا من الحرص على الجهاد، أو: فلو صدقوا في إيمانهم، وواطأت قلوبهم فيه ألسنتهم. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ وقد نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب التفاتا ومعنى هل عسيتم أن تفسدوا أي: هل يتوقع منكم الإفساد، والله عالم بما كان وما يكون فمعناه: فهل يرتجى منكم إذا علم باطن أحوالكم ورخاوة عقيدتكم أن يكون هؤلاء حقيقيون بذلك. ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ حرصا على الدنيا وعلى الملك.
وقيل: إن أعرضتم وتوليتم عن دين رسول الله ﷺ وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور وقطع الأرحام بمقاتلة بعضكم بعضا ووأد البنات.
_________________
(١) سورة الحديد، الآية (٢٠).
(٢) سورة الأنفال، الآية (٤١).
(٣) سورة النساء، الآية (٧٧).
(٤) سورة لقمان، الآية (١٧).
[ ٢ / ٣٤٦ ]
﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى المذكورين ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ لإفسادهم وقطعهم الأرحام، ويجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين المخلصين، وأنهم يتشوقون إلى الوحي إذا أبطأ عليهم؛ ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ في معنى الجهاد، رأيت المنافقين فيما بينهم يتضجرون منها.
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦)﴾
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أي: لا يتصفحون معانيه، ووعيده للعصاة حتى لا يجسروا على المعاصي، ثم قال: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ أم بمعنى بل، وهمزة التقرير للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر. وعن قتادة في قوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ لو تدبروه لوجدوا فيه شفاء لما في صدورهم (^١).
فإن قلت: لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها؟ قلت: أما تنكير القلوب فلأحد وجهين: أحدهما: تعظيم أمر الغشاوة التي استولت على قلوبهم. أو: على قلوب وأي قلوب!! وأما إضافة الأقفال إليها فإنه يريد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر.
﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ خبر إنّ، أي: سهل لهم ركوب العظائم، وهو من السول الذي هو استرخاء الإراقة؛ قاله بعض الناس، وأنكره الزمخشري (٢٦٤ /أ) وقال: وهو لا يوافق قواعد التصريف (^٢). ﴿وَأَمْلى لَهُمْ﴾ وأمد لهم؛ من الإمداد، وهم اليهود؛ كفروا بمحمد ﵇ بعد تبيّن صحة نبوته ونعته في التوراة، وقيل: هم المنافقون.
وقوله: ﴿قالُوا﴾ يريد اليهود، والذين ﴿كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ﴾ المنافقون. وقيل: هو قول المنافقين لقريظة والنضير: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ الآيات (^٣). وقيل: ﴿بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ التكذيب برسول الله ﷺ أو ب "لا إله إلا الله" أو بترك القتال معه. وقيل: هو قول أحد الفريقين للمشركين: سنطيعكم في التظافر على عداوة رسول الله ﷺ أو على
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٥٧).
(٢) الكشاف (٤/ ٣٢٦) وعبارته: "وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعا".
(٣) سورة الحشر، الآية (١١).
[ ٢ / ٣٤٧ ]
القعود عن الجهاد معه، ومعنى ﴿فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ أي: بعض ما تأمرون به، أو: الأمر الذي يهمكم. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾ قالوا ذلك سرا فيما بينهم، فأفشاه الله عليهم؛ فكيف يعملون؟!
﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢)﴾
وعن ابن عباس: "لا يتوفى أحد على معصية الله إلا تضربه الملائكة في وجهه ودبره" (^١).
﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى التوفي الموصوف. ﴿ما أَسْخَطَ اللهَ﴾ من كتمان بعث رسول الله ﷺ و﴿رِضْوانَهُ﴾ الإيمان برسوله. ﴿أَضْغانَهُمْ﴾ أحقادهم، وإخراجها: إبرازها لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، وإظهارهم على العداوة، وكانت صدورهم تغلي حنقا عليهم.
﴿لَأَرَيْناكَهُمْ﴾ لعرفناك بهم، ودللناك عليهم لا يخفون عليك. ﴿بِسِيماهُمْ﴾ بعلامتهم، وهو أن يسمهم الله بعلامة يعلمون بها. وعن أنس: "ما خفي على رسول الله ﷺ بعد هذه الآية شيء من المنافقين؛ كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكون الناس، فباتوا ذات ليلة فأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب هذا منافق" (^٢).فإن قيل: أيّ فرق بين اللامين في "فلعرفتهم" و"لتعرفنهم"؟
قلت: الأولى هي الداخلة في جواب ﴿وَلَوْ﴾ التي في ﴿لَأَرَيْناكَهُمْ﴾ كررت في المعطوف، وأما اللام في ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف. ﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ في نحوه، وعن ابن عباس: هو قولهم: ما لنا إن أطعنا من الثواب؟ ولا يقولون: ما علينا إن
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٢٧).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٢٧).
[ ٢ / ٣٤٨ ]
عصينا من العقاب؟ (^١). وقيل: اللحن: أن تلحن بكلامك: أن تميله إلى نحو من الأنحاء؛ كالتورية. ﴿أَخْبارَكُمْ﴾ ما يحكى عنكم؛ إن حسنا (٢٦٤ /ب) فحسن وإن قبيحا فقبيح.
﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ التي عملوها في دينهم فرجعت بلا ثواب؛ لأنها مع الكفر باطلة، وهم قريظة والنضير، أو: وسيحبط أعمالهم؛ أي: مكائدهم التي كادوها برسول الله ﷺ أي: سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم، ولا تثمر إلا القتل والجلاء عن أوطانهم.
وقيل: هم رؤساء قريش المطعمون يوم بدر.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)﴾
﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ أي: بالرياء والسمعة. وقيل: بالشك والنفاق. ﴿ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ﴾ قيل: هم أصحاب القليب، والظاهر العموم. ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا ولا تدعوا إلى السلم ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ الأغلبون ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ﴾ أي: ناصركم. و﴿وَتَدْعُوا﴾ مجزوم؛ لأنه في حكم النهي، أو منصوب بإضمار "أن".
تقول: وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم أو غيره وحقيقته: أفردته من قريبه أو ماله وفي الحديث: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" (^٢) أي:
أفرد عنها. ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ ثواب إيمانكم وتقواكم ﴿وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ أي: لا يطلبها جميعها إنما يجب فيها مقدار ربع العشر.
﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ أي: يجهدكم، والإحفاء: المبالغة في كل شيء؛ يقال: أحفاه في المسألة:
إذا بالغ في الطلب وكرره. ﴿تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ وكرهتم دينا يخرج أموالكم عنكم،
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٢٨).
(٢) رواه البخاري رقم (٥٥٢)، ومسلم رقم (١٤١٦) قال النووي في شرح مسلم: "ومعناه: انتزع من أهله وماله، على البناء للمجهول، وهو تفسير مالك بن أنس".
[ ٢ / ٣٤٩ ]
والضمير في "يخرج" لله، أو للبخل لأنه سبب الأضغان. ﴿هؤُلاءِ﴾ موصول بمعنى الذين، صلته ﴿تُدْعَوْنَ﴾ فكأنه قيل: هذا وصفكم؛ فقيل: وما وصفنا؟ فقال:
تدعون. قيل: هي النفقة في الغزو. وقيل: الزكاة. ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ﴾ الذي لا يفتقر والحاجات كلها ترجع إليه. ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ المحتاجون.
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ معطوف على ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يخلق قوما على خلاف صفتكم. قيل: هم الملائكة. وقيل: الأنصار. وقيل: العجم.
وقيل: فارس والروم. وسئل رسول الله ﷺ عن القوم، وكان سلمان إلى جانبه، فقال: "هذا وقومه، وضرب على فخذ سلمان" (^١).
***
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٣٢٦٠) وصححه الشيخ الألباني بمتابعاته في السلسلة الصحيحة رقم (١٠١٧).
[ ٢ / ٣٥٠ ]