﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١)﴾
النجم: الثريا، وهو اسم غالب لها؛ قال [من السريع]:
إذا طلع النجم عشاء اشترى الراعي كساء (^١)
أو الجنس. ﴿إِذا هَوى﴾ غرب أو استتر يوم القيامة، أو النجم الذي يرجم به ﴿إِذا هَوى﴾ إذا انقض، أو النجم من نجوم القرآن؛ فإنه نزل منجما في عشرين سنة ﴿إِذا هَوى﴾ إذا نزل، أو النبات ﴿إِذا هَوى﴾ إذا سقط إلى الأرض، وعن عروة بن الزبير أن عتبة بن أبي لهب، وكان متزوجا بنت رسول الله ﷺ أراد السفر إلى الشام فقال: لآتين محمدا ولأوذينه فأتاه فقال: يا محمد هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى ثم تفل في وجه رسول الله ﷺ (٢٧٩ /أ) ورد عليه ابنته وطلقها فقال رسول الله ﷺ: "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، وكان أبو طالب حاضرا فوجم لها، وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتبة إلى أبيه، وأخبره ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من الدير فقال: إن هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه: أعينونا يا معشر قريش هذه الليلة؛ فإني أخاف على ابني دعوة محمد؛ فجمعوا جمالهم وأناخوها وأحدقوا بعتبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله" (^٢).
وقال حسان بن ثابت [من السريع]:
_________________
(١) ينظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٥٧) بغير "إذا"، الدر المصون (٦/ ٢٠٣) وفيه الشطر الثاني: أتبع الراعي كساء، وقال السمين: ومنه قول العرب، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤١٥) وفيه: ابتغى الراعي كساء. وورد في لسان العرب (بيع): إذا الثريا طلعت عشاء فبع لراعي غنم كساء.
(٢) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩) من طريق عباس بن الفضل الأزرق عن الأسود بن شيبان عن أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال: "كان لهب بن أبي لهب يسب النبي ﷺ فذكره" وقال البيهقي: كذا قال عباس بن الفضل الأزرق وليس بالقوي؛ لهب بن أبي لهب وأهل المغازي يقولون: عتبة بن أبي لهب، وقال بعضهم: عتيبة. ونسبه الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف للزمخشري (ص: ١٦٠) لأبي نعيم في دلائل النبوة وللحاكم والبيهقي في "دلائل النبوة".
[ ٢ / ٣٩٦ ]
من يرجع العام إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع (^١)
﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (٨)﴾
﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ يعني محمدا ﷺ والخطاب لقريش وهو جواب القسم، والضلال:
نقيض الهدى، والغي: نقيض الرشد؛ أي: إن صاحبكم مهتد، وليس بضال كما زعمتم وليس ما يأتيكم به من القرآن شيئا يأتيكم به من جهة نفسه، إنما هو ﴿وَحْيٌ يُوحى﴾ ويحتج بهذه الآية من لا يجوز الاجتهاد، ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد كان الاجتهاد وما يترتب عليه كله وحيا. ﴿شَدِيدُ الْقُوى﴾ ملك شديدة قواه، فمن قوته أنه قلع مدائن قوم لوط ثم قلبها عليهم، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وكان صعوده إلى السماء ونزوله على الأنبياء في أسرع وقت، ورأى إبليس يكلم عيسى على عقبة من عقبات الأرض المقدسة فنفخه نفخة فألقاه في أقصى جبل بالهند.
﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ ذو قوة شديدة ﴿فَاسْتَوى﴾ على كمال قوته، وكان ينزل في صورة دحية، وذلك أن النبي ﷺ التمس منه أن يراه على صورته التي خلق عليها فتمثل له في أفق السماء من جانب المشرق فسد الأفق. وقيل: ما رآه أحد على صورته التي خلق عليها إلا محمد ﷺ رآه على هيئته مرتين؛ مرة في السماء ومرة في الأرض (^٢). ﴿ثُمَّ دَنا﴾ من رسول الله ﷺ ﴿فَتَدَلّى﴾ أي: فتعلق به في الهواء، ومنه: تدلت الثمرة، ودلى رجليه في السرير، والدواني: الثّمر المعلقة، وفي المثل: هو كالقرلى؛ إن رأى خيرا تدلى، وإن لم ير شيئا تعلى (^٣).
﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ﴾
_________________
(١) ينظر البيت في: الكشاف للزمخشري (٤/ ٤١٨)، وذكره الأصبهاني في دلائل النبوة (١/ ٢٢٠) وفيه: فما أكيل الليث بالراجع.
(٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٤٧٧)، ومسلم رقم (٢٥٩).
(٣) ينظر في: لسان العرب (قرل) وفيه: "كن حذرا كالقرلى إن رأى خيرا تدلى وإن رأى شرا تولى" قال ابن منظور: "قال ابن بري: القرلى: طائر صغير من طيور الماء يصيد السمك. وقيل: إن قرلى طير من بنات الماء صغير الجرم سريع الغوص حديد الاختطاف لا يرى إلا مرفرفا على وجه الماء على جانب يهوي بإحدى عينيه إلى قعر الماء طمعا ويرفع الأخرى في الهواء حذرا".
[ ٢ / ٣٩٧ ]
﴿يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦)﴾
﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ القاب والقيب والقاد والقيد والقيس: المقدار (٢٧٩ /ب). وفي الحديث:
"لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (^١) والمعنى: فكأن مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات. ﴿أَوْ أَدْنى﴾ على تقديركم.
﴿إِلى عَبْدِهِ﴾ إلى عبد الله، وإن لم يجر لاسم الله ذكر؛ كقوله: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ (^٢). ﴿ما أَوْحى﴾ تعظيم لما أوحى به إليه؛ كقوله: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ قيل: أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.
﴿ما كَذَبَ﴾ فؤاد محمد ما رآه ببصره من صورة جبريل، أي: ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك، ولو قالها لكان كاذبا؛ لأنه ﵇ رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك ﴿أَفَتُمارُونَهُ﴾ مأخوذ من المراء، وهو المجادلة. وقرئ: "أفتمرونه" (^٣) من: ماريته فمريته، أو لما فيه من معنى الغلبة عدي ب "على" كما تقول: غلبته على كذا. ﴿نَزْلَةً أُخْرى﴾ نصب نصب الظرف، أي: نزل عليه جبريل نزلة أخرى في صورة خلقته، فرآه عليها، وذلك في ليلة المعراج. ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾ شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش، ثمرها كقلال هجر، وورقها كآذان الفيول، تنبع من أصلها الأنهار، يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها، والمنتهى: بمعنى موضع الانتهاء، أو نفس الانتهاء؛ كأنها منتهى الجنة وآخرها. وقيل: لم يتجاوزها أحد، ولم تعلم الملائكة ما وراءها. وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء. ﴿جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ الجنة التي يصير إليها المتقون. وقيل: تأوي إليها أرواح الشهداء. ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ أي: ستره بظلاله ودخل فيه، وعن عائشة أنها أنكرته وقالت: من قرأ بها فأجنّه الله (^٤).
﴿ما يَغْشى﴾ تعظيم وتكثير لما يغشاها، وقد تضمن ذكر هذه السدرة وجنة المأوى ذكر
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٢٧٩٣)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣).
(٢) سورة فاطر، الآية (٤٥).
(٣) قرأ بها حمزة والكسائي وخلف ويعقوب، وقرأ الباقون "أفتمارونه". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٥٩)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٣٥)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٨٥)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٠٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦١٤)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٩)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٩٥).
(٤) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٩).
[ ٢ / ٣٩٨ ]
أمور لا يكتنهها الوصف. وقيل: تغشاها الخلائق من الملائكة يعبدون الله عندها.
وعن النبي ﷺ: "يغشاها رفرف من طير خضر" (^١) وعن ابن عباس: "يغشاها فراش من ذهب" (^٢).
﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى (١٩) وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠)﴾
﴿ما زاغَ﴾ بصر رسول الله ﷺ ﴿وَما طَغى﴾ ما تجاوز الحد ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ الآيات التي هي كبراها وعظماها؛ يعني حين رقي به إلى السماء فرأى عجاب الملكوت.
﴿اللاّتَ وَالْعُزّى﴾ (٢٨٠ /أ) أصنام كانت لهم مؤنثات فاللات لثقيف بالطائف. وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة من لوى؛ لأنهم كانوا يعكفون عليها للعبادة، أو يلتوون عليها؛ أي: يطوفون، وقرئ: "اللاتّ " (^٣) بالتشديد، وزعموا أنه كان رجلا يلت السويق بالطائف، وكانوا يعكفون على قبره، فجعلوه وثنا.
و﴿وَالْعُزّى﴾ كانت بغطفان، وهي سمرة، وأصلها تأنيث الأعز، وبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها فخرجت شيطانة ناشزة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها؛ فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول [من الرجز]:
يا عزّى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك (^٤)
ورجع فأخبر الرسول ﷺ فقال: "تلك العزى ولا تعبد أبدا" (^٥).
﴿وَمَناةَ﴾ صخرة كانت لهذيل وخزاعة، وقرئ: "ومناءة" (^٦) لأن دماء النسائك كانت
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٩) وقال الحافظ ابن حجر (ص: ١٦١) لم أجده.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣٩) ونسبه لابن مسعود وغيره.
(٣) قرأ بذلك ابن عباس ومجاهد ومنصور بن المعتمر وأبو الجوزاء وأبو صالح وابن كثير في رواية عنه. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٠٨).
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الزمر.
(٥) نسبه الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف للزمخشري (ص: ١٦١) لابن مردويه وابن سعد في الطبقات. قال: وأصل هذه القصة رواها النسائي وأبو يعلى والطبراني وأبو نعيم في "دلائل النبوة".
(٦) قرأ العامة "مناة"، وقرأ ابن كثير "ومناءة". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٦١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٠٨)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦١٥).
[ ٢ / ٣٩٩ ]
تذبح عندها، و"مناءة" مأخوذة من النوء، وكانوا يستمطرون بها الأنواء و﴿الْأُخْرى﴾ ذم، وهي المتأخرة؛ كقوله: ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ (^١) أي: وضعاؤهم لأشرافهم، ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى.
﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنّى (٢٤) فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾
وكانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، وكانوا يعبدونها ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله مع وأدهم البنات؛ فقيل لهم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى﴾ ويجوز أن يراد أن اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموهن لله شركاء، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث وتستنكفوا من أن يولدن لكم وينسبن إليكم؛ فكيف تجعلون هؤلاء الإناث لله أندادا، وتسمونهن آلهة؟! ﴿قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ جائرة من ضازه يضيزه، إذا ضامه، والأصل: ضوزي؛ ففعل بها ما فعل ب "بئس" لتسلم الياء وقرئ: "ضئزى" من ضأزه بالهمزة، "ضيزى" (^٢) بفتح الضاد.
﴿هِيَ﴾ ضمير الأصنام؛ أي: ما هي إلا أسماء ليس تحتها على الحقيقة مسميات؛ لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشد منافاة، ونحوه قوله تعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ (^٣) أو ضمير الأسماء، وهي قولهم: اللات والعزى ومناة.
﴿مِنْ سُلْطانٍ﴾ من حجة وبرهان. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ في دعوى إلهيتها ﴿إِلاَّ الظَّنَّ﴾ إلا التوهم أن ما هم عليه حق (٢٨٠ /ب) وكانوا إذا هووا صنما عبدوه؛ فإذا أحبوا غيره تركوا
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية (٣٨).
(٢) قرأ ابن كثير "ضئزى"، وقرأ الباقون "ضيزى" وقرأ زيد بن علي "ضيزى". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٦٢)، الحجة لابن خالويه (ص: ٣٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢٠٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٦١٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٩٥).
(٣) سورة يوسف، الآية (٤٠).
[ ٢ / ٤٠٠ ]
الأول وعبدوا الثاني، هذا وقد جاءت الأوامر من الله تعالى والأدلة القاطعة على أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه. ﴿أَمْ لِلْإِنْسانِ﴾ أو هل جعل الله لكل أحد أن يعبد ما تمناه؟ ﴿فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى﴾ فهو يحكم فيهما بما يشاء. وكثير من الملائكة في السماوات لا يحصى عددهم لا تنفع شفاعتهم لأحد إلا بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة له ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى﴾ يقولون: أنثى بني فلان، وإذا قالوا: الملائكة بنات الله؛ فقد سموا كل واحدة منهن أنثى. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في دعوى إلهيتها ﴿إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي﴾ في أصول الدين والعقائد ﴿شَيْئًا﴾ لكنه يغني في مسائل الفروع؛ لأن الصحابة عملوا بالقياس وهو ظن.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى (٣٧)﴾
﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وهو حذقهم في التجارات وتقليب المكاسب. ﴿بِما عَمِلُوا﴾ بعملهم أو بالذي عملوا. ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ هو ما قبح منها، ثم أعاد ذكر الفواحش تخصيصا بعد التعميم للمبالغة والتعظيم. وقيل: كبير الإثم: الشرك بالله. ﴿اللَّمَمَ﴾ ما قل وصغر، ومنه: المس من الجنون؛ تقول: ألم بالمكان: إذا قل لبثه فيه، وألم بالطعام: إذا قل منه أكله. وقيل: ﴿اللَّمَمَ﴾ ما لم يذكر الله له عقابا. وقيل: عادة التصيد الحين بعد الحين. ﴿إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (^١) ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فلا تنسبوها إلى زكاء العمل، أو: فلا تثنوا عليها واهضموها؛ فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولا وآخرا قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن يخرجكم من بطون أمهاتكم. وقيل: كان قوم يعملون بالطاعات ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا، فنزلت (^٢). وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب والرياء، فأما من اعتقد أن هذه
_________________
(١) سورة النساء، الآية (١١٦).
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٢٦).
[ ٢ / ٤٠١ ]
الأعمال بتوفيق الله وتيسيره ولم يقصد بها الرياء والمفاخرة - فليس من الذين نهوا عن تزكية أنفسهم؛ لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر.
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى (٣٣)﴾ ﴿وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤)﴾ [النجم] روي أن عثمان ﵁ كان ينفق ماله في الخير، فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح - وهو أخوه من الرضاعة -: يوشك ألا يبقى لك شيء، فقال عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله وأرجو عفوه، فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه عثمان وأشهد عليه وأمسك عن العطاء؛ فنزلت (^١) ومعنى ﴿تَوَلّى﴾ فارق المركز يوم أحد، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل. ﴿فَهُوَ يَرى﴾ فهو يعلم ويعتقد أن ما قال له أخوه من احتمال أوزاره حق.
﴿وَفّى﴾ قرئ مخففا ومشددة (^٢) (٢٨١ /أ) والتشديد مبالغة في الوفاء؛ كقوله تعالى:
﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (^٣) وأطلق وفاء ولم يذكر له مفعولا ليعمّ كل وفاء، هذا معتقد الزمخشري (^٤) والصواب أن المطلق لا عموم له، وهو كثيرا ما يكرر هذا المعنى؛ ومن ذلك: تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح ولده، وعلى نار نمرود، وقيامه بأضيافه، وخدمته إياهم بنفسه، وأنه كان يخرج كل يوم من بيته فيمشي فرسخا لعله يجد ضيفا فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم.
وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به (^٥). وقيل: كان بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة أخيه، أو بجريرة قريبه، ويقتل بابنه وأبيه وعمه وخاله، والزوج بامرأته والعبد بسيده، فأول من خالفهم في ذلك إبراهيم.
_________________
(١) ذكره الواحدي في أسباب النزول (ص: ٤١٦) رقم (٧٧١) ونسبه لابن عباس والسدي والكلبي والمسيب بن شريك، وذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٢٧).
(٢) قرأ عامة القراء بالتشديد وقرأ أبو أمامة الباهلي وابن محيصن وابن السميقع وسعيد بن جبير "وفى" بالتخفيف. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٦٧)، تفسير القرطبي (١٧/ ١١٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢١٢)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٣٣)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٩٤).
(٣) سورة البقرة، الآية (٢٠٤).
(٤) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٢٧).
(٥) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٢٧).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وقيل: عهد إبراهيم ألا يسأل أحدا شيئا، فلما ألقي في النار قال له جبريل وميكائيل:
ألك حاجة؟ فقال: أما إليكما فلا " (^١).
وعن رسول الله ﷺ:" وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار، وهي صلاة الضحى " (^٢).وروي أن النبي ﷺ قال:" ألا أخبركم لم سمى الله خليله بالذي وفى؟ كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى قوله ﷿:
﴿تُظْهِرُونَ﴾ (^٣).
﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩)﴾
﴿أَلاّ تَزِرُ﴾ أنه لا تزر، والضمير للشأن، ومحل ﴿أَلاّ تَزِرُ،﴾ وما بعدها الجر؛ بدلا من بما ﴿فِي صُحُفِ مُوسى﴾ ويحتمل الرفع بتقدير: هو ألا تزر وازرة؛ كأن قائلا قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟ قيل: ألا تزر.
﴿إِلاّ ما سَعى﴾ إلا سعيه، وقد صح في الحديث: الصدقة عن الميت والحج عنه (^٤). وفيه
_________________
(١) نسبه الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٢) لعطاء بن السائب.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٢)، ونسبه الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (ص: ١٦١) للطبري وابن أبي حاتم وغيرهما من رواية جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا وأتم منه.
(٣) سورة الروم، الآية (١٨، ١٧) والحديث رواه أحمد والطبراني وابن السني والطبري وابن أبي حاتم كما قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (ص: ١٦١).
(٤) ومن ذلك ما رواه مسلم رقم (٢٣٢٣) في الصدقة عن عائشة - ﵂ - أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توصي وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال "نعم". وفي الحج روى أبو داود رقم (١٨١١)، وابن ماجه رقم (٢٩٠٣) عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال رسول الله ﷺ: من شبرمة؟ قال ": قريب لي، قال: هل حججت قط؟ قال: لا، قال: فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة". وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٣١٢٨).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
جوابان: أحدهما: أن سعي غيره لم ينفعه إلا مبنيا على سعي نفسه، وهو أن يكون صالحا، ولكن إذا نواه به حصل له، والوكيل قائم مقام الموتى.
﴿ثُمَّ يُجْزاهُ﴾ ثم يجزى سعيه؛ يقال: جزاه الله عمله، وجزاه على عمله، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء لوصفه بالجزاء الأوفى، أو لبدله عنه. ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ قرئ بالفتح على معنى أن هذا كله في الصحف، وبالكسر على الابتداء (^١) وكذلك ما بعده.
و﴿الْمُنْتَهى﴾ بمعنى النهاية، أي: ينتهي إليه الخلق. ويرجعون إليه؛ كقوله: ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (^٢) ﴿أَضْحَكَ﴾ أهل الجنّة في الجنة ﴿وَأَبْكى﴾ أهل النار في النار.
وقيل: خلق الضحك والبكاء. ﴿إِذا تُمْنى﴾ أي: تراق في الرحم؛ يقال: مني وأمنى. وقيل:
يخلق من مني الماني، أي: قدر المقدر. ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ﴾ التزمها بوعده.
﴿وَأَقْنى﴾ (٢٨١ /ب) أعطى القنية وهو المال الذي تأثلته وعزمت ألا تخرجه من يدك ﴿الشِّعْرى﴾ اثنتان: الغميصاء والعبور، وأراد العبور، وكانت العرب تعبدها، زين لهم ذلك أبو كبشة؛ رجل من أشرافهم، وكانت قريش يقولون لرسول الله ﷺ: ابن أبي كبشة.
تشبيها له به؛ لمخالفته إياهم في دينهم؛ يريد: أنه رب معبودهم.
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشّاها ما غَشّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾
﴿عادًا الْأُولى﴾ قوم هود، وعاد الأخرى: إرم. وقيل: ﴿الْأُولى﴾ بمعنى القدماء؛ لأنهم أول الأمم هلاكا بعد قوم نوح، أو لأنهم المتقدمون في الدنيا الأشراف. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ لأنهم كانوا يضربون نبيهم ويؤذونه حتى لا يبقى فيه حراك، وينفرون الناس عنه حتى كانوا يحذرون صبيانهم منه، وما أثر دعاؤه فيهم قريبا من ألف سنة. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾
_________________
(١) العامة على الفتح "وأن" وقرأ أبو السمأل بالكسر "وإن". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٦٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢١٤)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٤٢)، معاني القرآن للفراء (٣/ ١٠١).
(٢) سورة آل عمران، الآية (٢٨).
[ ٢ / ٤٠٤ ]
قرى قوم لوط. ﴿أَهْوى﴾ أسقطها من العلو ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ أمر عظيم لا يدرك قدره ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ﴾ فبأي نعم ﴿رَبِّكَ تَتَمارى﴾ أي: تشك؛ عدد الله سبحانه نعما ونقما، وسماها آلاء؛ لأن كل واحدة منها حث على الطاعة وتنفير من المعصية. و﴿هذا﴾ القرآن ﴿نَذِيرٌ مِنَ﴾ جملة ﴿النُّذُرِ الْأُولى﴾ فلا وجه لإنكاره، أو ﴿هذَا﴾ الرسول ﴿نَذِيرٌ مِنَ﴾ جملة المنذرين الأولين، وقال: ﴿النُّذُرِ الْأُولى﴾ على تأويل الجماعة.
﴿أَزِفَتِ﴾ قربت ﴿الْآزِفَةُ﴾ القيامة، لقوله ﷻ: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ (^١) ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ أي: مبينة متى تقوم؛ لقوله: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ (^٢).
وعن رسول الله ﷺ: أنه لم ير ضاحكا بعد نزولها (^٣).
﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ شامخون متبرطمون متكبرون. وقيل: لاهون لاعبون، وقال بعضهم لجاريته: أسمدي لنا؛ أي: غني، وقال الشاعر [من الوافر]:
فإنك لو شهدت بكاء هند و[رملة] (^٤) إذ يصكان الخدودا
إذ لشهدت معولة ثكولا أباح الدهر واحدها الفقيدا
رمي الحدثان نسوة آل حرب بمقدار سمدن له سمودا
فردّ شعورهنّ السود بيضا وردّ وجوههنّ البيض سودا (^٥)
_________________
(١) سورة القمر، الآية (١).
(٢) سورة الأعراف، الآية (١٨٧).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٣) وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (ص: ١٦١): رواه أحمد في الزهد والثعلبي من حديث صالح بن أبي خليل، ورواه ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بإسناد ضعيف.
(٤) بياض بالأصل والمثبت من تاريخ مدينة دمشق لابن هبة الله (١٠/ ٤٧).
(٥) ينظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٢١٩)، وذكره أبو القاسم بن هبة الله الشافعي في تاريخ مدينة دمشق (١٠/ ٤٧)، غريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٥٩٨)، لسان العرب (سمد) والبيتان الأولان في تاريخ دمشق: وإنك لو سمعت بكاء هند ورملة حين يلطمن الخدودا بكيت بكاء معولة ثكول أصاب الدهر واحدها الفريدا
[ ٢ / ٤٠٥ ]