﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾
﴿يس﴾ بالفتح ك" أين "وبالنصب بمعنى: اتل يس، وبالضم ك" منذ "، وبالرفع على هذه يس، وبالجر على حذف حرف القسم وإدغام النون في السين وإظهارها وإمالة (يا) وتفخيمها (^١). وقيل: معناها: يا إنسان في لغة طيئ، وشك بعضهم في صحة الرواية بذلك عن لغة طيئ، ووجهه إن صح: أنه كان الأصل: يا أنيسين، فكثر دورانه على الألسنة، وحذف شطره وبقي يا سين.
﴿الْحَكِيمِ﴾ ذي الحكمة، أو لأنه دليل ناطق بالحكمة، أو لأنه تنزيل من حكيم. ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبر بعد خبر، أو صلة للمرسلين. فإن قلت: قوله ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرا كان أو صلة أي حاجة إليه والمرسلون لا يكونون إلا كذلك؟
قلت: ليس الغرض تمييز من هو على صراط مستقيم من الرسل عمن ليس كذلك؛ بل القصد الإعلام بأنه سالك طريقا لا يقدر قدرها، ولا يعرف مقدار عظمتها (٢١٠ /ب) والتنكير دال عليه.
﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾
وقرئ ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على أعني،
_________________
(١) قرأ جمهور القراء بسكون النون والإظهار مع الواو، وأدغم النون في الواو بعدها ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص وقالون وورش بخلاف عنه، وقرأ بالفتح ابن إسحاق بخلاف عنه وعيسى بن عمر عن الغنوي، وقرأ الكلبي بالضم، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو السمأل بالكسر، وأمال" يا "حمزة والكسائي وأبو بكر. تنظر في: الإملاء للعكبري (٢/ ٢٠١)، البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٢٣)، تفسير القرطبي (١٥/ ٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٧٤ - ٤٧٥)، السبعة (ص: ٥٣٨)، المحتسب (٢/ ٢٠٣)، المحرر الوجيز (١٣/ ١٨٦).
[ ٢ / ١٧٠ ]
وبالجر على البدل من القرآن (^١).
﴿قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ ما: نافية، أي: لتنذر قوما لم ينذر آباؤهم؛ على الوصف، ويجوز أن تكون" ما "مصدرية، أي: لتنذر قوما إنذارا مثل ما أنذر آباؤهم.
فإن قلت: فالمعنيان يتعارضان؛ لأن الأول ينفي إنذار الآباء والثاني يثبته؟ قلت: لا تعارض؛ لأن الأول في نفي إنذار الآباء، والثاني في إثبات إنذارهم أنفسهم.
فإن قلت: ﴿فَهُمْ غافِلُونَ﴾ بم يتعلق؟ قلت: على الأول يكون متعلقا ب ﴿ما أُنْذِرَ﴾ أي: ترك الإنذار سبب غفلتهم. وعلى الثاني: متعلقة ب ﴿لِتُنْذِرَ﴾ كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره فهو غافل. و﴿إِلَى﴾ في قوله ﴿إِلَى الْأَذْقانِ﴾ على بابها من انتهاء الغاية متعلقة بمحذوف، التقدير: فهي واصلة إلى الأذقان؛ لأن ملتقى الغل من أمام الوجه تكون فيه حلقة تمنع مطاطأة الرأس، فلا يزال رافعا رأسه مقمحا، يقال: أقمح البعير: إذا رفع رأسه من الشرب لبرد الماء، وهما شهرا قماح وهما كانون الأول وكانون الثاني؛ لأن الماء فيهما يبرد فيحتاج شاربه إلى أن يرفع رأسه قليلا قليلا.
وقد قال قائل: إن الضمير في قوله: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ﴾ راجع إلى الأيدي مضمومة إلى الأعناق وهو بعيد؛ لأن ذلك لا يكون سببا في الإقماح المذكور (^٢).
﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ﴾
_________________
(١) قرأ بالرفع نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر، وقرأ الجمهور بالنصب، وقرأ بالجر أبو حيوة واليزيدي وأبو جعفر وشيبة. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٢٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٧٥)، السبعة (ص: ٥٣٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٧٠).
(٢) قال ذلك الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٥٠) وعبارته:" وقوله إلى الأذقان يعني فأيمانهم مجموعة بالأغلال في أعناقهم فكني عن الأيمان ولم يجر لها ذكر لمعرفة السامعين بمعنى الكلام وأن الأغلال إذا كانت في الأعناق لم تكن إلا وأيدي المغلولين مجموعة بها إليها فاستغنى بذكر كون الأغلال في الأعناق من ذكر الأيمان". ورد ذلك الزمخشري في الكشاف (٤/ ٦) فقال:" ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى التسبب في الإقماح ظاهرا على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف وترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه ".
[ ٢ / ١٧١ ]
﴿بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾
وقرئ" إنا جعلنا في أيديهم "، " وفي أيمانهم " (^١) وهو ضعيف؛ لما سبق من كون الغل سببا في الإقماح. وقرئ ﴿سَدًّا﴾ بالفتح والضم (^٢). وقيل: ما كان من فعل الناس فبالفتح، وما كان من فعل الله فبالضم.
﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾ فألبسنا أبصارهم غشاوة، أي: غطيناهم. وقرئ (فأعشيناهم) بالعين (^٣) من العشاء، وهو تعذر الإبصار بالليل. وقيل: نزلت في بني مخزوم، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه، فجاء النبي ﷺ فصلى فأخذ أبو جهل حجرا ليرضخ به رأسه كما زعم، فيبست يده ولصق الحجر بجلده، فلم يقدر على فكه إلا بجهد، فقال مخزومي آخر: أنا أرضخه بهذا الحجر فقام ليفعل فأعمى الله بصره (^٤).
قوله ﷿: ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ الآية، أي: لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم؛ لأجل السد المانع من ذلك؛ لأنهم متعامون على النظر في الآيات. فإن قلت: قوله: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ (٢١١ /أ) إنما يتوجه إذا كان الإنذار حاصلا، وقد تقدم قوله: ﴿ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ؟﴾
_________________
(١) قرأ" في أيديهم "ابن عباس ب، وقرأ ابن مسعود ﵁" في أيمانهم ". تنظر في: تفسير القرطبي (١٥/ ٧)، فتح القدير (٤/ ٣٦١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٨١)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٣).
(٢) قرأ حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف" سدا "بفتح السين، وقرأ الباقون" سدا "بضم السين. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٢٥)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٩٨)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٩٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٧٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٣٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣١٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣١٥).
(٣) قرأ بها ابن عباس وعمر بن عبد العزيز والحسن ويحيى بن يعمر وأبو رجاء وعكرمة. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٢٥)، تفسير القرطبي (١٥/ ١٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٧٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٨١)، مجمع البيان للطبرسي (٨/ ٤١٤)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٠٤)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٣).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٥٢)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٤٣) للبيهقي في الدلائل.
[ ٢ / ١٧٢ ]
قلت: لما كان المقصود بالإنذار الانكفاف والانزجار فإذا لم يحصل فكأنه لا إنذار، وإنما ينفع إنذارك من كان غير مطبوع على قلبه، وخاشيا ربه بالغيب ومنتفعا ب ﴿الذِّكْرَ﴾ أي: بالقرآن أو بالموعظة.
﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾
﴿نُحْيِ الْمَوْتى﴾ حمل على الحقيقة. وقيل: يخرجهم من الكفر إلى الإيمان؛ فجعل المجاز في الإحياء والإماتة. ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ ما أسلفوا من أعمال صالحة، وما علموه من علم أو صنفوه من كتب أو حبسوه من حبس أو سيئة؛ كالظلامات التي أحدثها الظلمة، وتعليم الفاحشة والخنا، وغير ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ (^١) أي:
قدم من أعمال، وأخر من آثاره. وقيل: هي أثر المشي إلى المساجد، وأراد بعض الصحابة أن ينتقل إلى جوار مسجد رسول الله ﷺ فقال له:" ابق على مسكنك؛ فإن خطواتكم إلى المساجد من آثاركم، وتلا: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ الآية (^٢). ﴿فِي إِمامٍ﴾ أي: في كتاب، وأراد بالكتاب: اللوح المحفوظ.
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ أي: واجعل أصحاب القرية مثلا لهم، وهو كقولك: عندي ضرب من هذا المتاع، وضربت القصة خاتما، وضربت الطين لبنا.
و﴿الْقَرْيَةِ﴾ أنطاكية، و﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ رسل عيسى ﵇، وبعثهم عيسى دعاة إلى الحق. ﴿فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا﴾ فقوينا ﴿بِثالِثٍ﴾ وهو شمعون الصّفا وكان عيسى قد بعث
_________________
(١) سورة القيامة، الآية (١٣).
(٢) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٠٦٨) عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد، قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم".
[ ٢ / ١٧٣ ]
اثنين إلى أنطاكية، فلما بلّغا الرسالة إلى الملك لم يقبلهما وحبسهما، ثم بعث عيسى رجلا ثالثا وهو شمعون فتحيل حتى اتصل بحاشية الملك وكان يحضر في مجلس الملك فقال يوما للملك: إنه بلغني أنك حبست رجلين جاءاك برسالة؟ فقال: نعم، أحضروهما فأحضروهما، فسألهما شمعون: فقالا: ربنا الذي يحيي ويميت، فنحن نبرئ الأكمه والأبرص فأحضر الملك غلاما أعمى، فدعوا الله ﷿ فانشق موضع البصر، ثم أخذا بندقتين من طين فوضعاهما في موضع شق العين، فصارا مقلتين صحيحتين؛ فقال شمعون للملك: إن قدر إلههما أن يحيي ميتا آمنا به، والملك يحسب أن شمعون من أصحابه، وكان شمعون يدخل معهم إلى الأصنام فيسجد معهم في سجودهم (٢١١ /ب) ويتضرع إلى الله تعالى، فقال شمعون للملك: إن أحيا هذان ميتا قويت حجتهما، فأحضر الملك غلاما له مات من سبعة أيام، فأحياه الله تعالى بدعائهم، وقال: إني أدخلت في سبعة توابيت من نار، فآمنوا بالله ورسله؛ فإني رأيت السماء قد انشقت ورأيت شخصا يشفع لهؤلاء الثلاثة، فانكشف حال شمعون، وعرفوا أنه على دين عيسى ﵇، ودعا شمعون الملك إلى الله ﷿ فأجابه وكذبه الآخرون؛ فأهلك الله تلك القرية كلها؛ نزل جبريل وأخذ بعضادتي باب المدينة، وصاح صيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (^١).
﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾
﴿تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ تشاء منا؛ كما قالوا لصالح وللمؤمنين الذين معه: ﴿قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ (^٢). ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ قيل: بالحجارة. وقيل: لنقتلنكم. قالت لهم الرسل جوابا:
_________________
(١) ذكره بهذا السياق الزمخشري في الكشاف (٤/ ٨).
(٢) سورة النمل، الآية (٤٧).
[ ٢ / ١٧٤ ]
﴿طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ يعني أن هذا الشؤم الذي أصابكم إنما هو شؤم معاصيكم. ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أعرضتم وتطيرتم بنا. وجاء حبيب النجار من آخر المدينة لما سمع باجتماع الناس لقتل الرسل، وكان قد آمن من قبل ذلك بالحواريين. ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا﴾ على دعائه ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أتم الناس عقلا وذلك أن التهمة تحصل لمن دعا إلى أمر ينشئه إما بأن له في ذلك غرضا، وإما أن يكون في عقله نقص، فنفى الله هذين المانعين عن الرسل؛ وقال: ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ثم تلطف حبيب النجار في تخليص الرسل بأن فرض الكلام في غلط نفسه وشرع يلومها فقال: ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ولم يقل: ما لكم؟ ونظيره في التلطف قول مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ ثم قال: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ فقد قسم الكذب مع علمه بأن الرسول لا يكذب؛ لأن الملوك لا يخاطبون بما يكرهون. ثم قال: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ (^١) وإذا كان صادقا أصابهم كل ما وعدهم به، ثم صرح حبيب النجار بموافقته لدين عيسى فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ فقتلوه، فلما وقف بين يدي الله - تعالى - ورأى ما أعده له من الكرامة أدركته الشفقة على قومه فقال: ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ يجوز أن تكون "ما" في ﴿بِما غَفَرَ﴾ استفهامية، أي: بأي شيء جعل لي الغفران، وأن تكون موصولة (٢١٢ /أ) والتقدير: يعلمون أي شيء غفرلي من الذنوب، وأن تكون مصدرية؛ أي: بمغفرة ربي، إلا أنها إذا كانت استفهامية فالغالب حذف ألف الاستفهام؛ ونحوه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (^٢) ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ (^٣) ولم يقل: عما، ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (^٤) ولم يقل: فبما، ويجوز ثبوت الألف مع الاستفهام؛ كما قال حسان بن ثابت الأنصاري [من الوافر]:
على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرّغ في رماد (^٥)
_________________
(١) سورة غافر، الآية (٢٨).
(٢) سورة الطارق، الآية (٥).
(٣) سورة النبأ، الآية (١).
(٤) سورة الحجر، الآية (٥٤).
(٥) ينظر في: تفسير الطبري (١٩/ ١٥٦)، تهذيب الأسماء للنووي (٣/ ٣١٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٨٠)، لسان العرب (قوم).
[ ٢ / ١٧٥ ]
﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾
﴿وَما أَنْزَلْنا﴾ وما احتجنا في إهلاك قومه إلى أن نبعث جندا. ﴿وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ وما كان هذا من شأننا وعادتنا. ﴿إِنْ كانَتْ﴾ إهلاكتهم إلا بصيحة واحدة صاحها جبريل، فهلكوا أجمعين، يعني: إن كانت الأخذة أو العقوبة إلا صيحة، وقرئ بالرفع على التامة وهي بعيدة (^١) لأن التقدير يصير: وما وجد إلا صيحة. ﴿خامِدُونَ﴾ كالنار إذا طفئت وبقيت رمادا.
﴿يا حَسْرَةً﴾ نادى الحسرة كأنه قال: يا حسرة هذا وقتك فتعالي. وقيل: هم أحقاء بأن يقال عليهم يا حسرة على هؤلاء العباد. ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ ليس معمولا لقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله (^٢)، سواء كانت للاستفهام أو للخبر، إلا أن الفعل عامل في ﴿كَمْ﴾ من جهة المعنى، والتقدير: ألم يروا كثرة إهلاكنا؛ كما تقول: ألم تر أن أباك المنطلق، فعملت في المعنى لا في اللفظ. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ يبطل قول أهل الرجعة (^٣). وروي أن رجلا قال لابن عباس: إن عليا مبعوث فقال: "بئس القوم نحن، نكحنا نساءه، وقسمنا ميراثه" (^٤).
_________________
(١) قرأ بها أبو جعفر وشيبة والأعرج ومعاذ القارئ. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٣٢)، تفسير القرطبي (١٥/ ٢١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٨٠)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٣٦٧)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٢٠)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢٠٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٩).
(٢) وذلك لأن الاستفهام له صدر الكلام، ولكن يعمل فيه ما بعده؛ لأنه لا يخرجه عن المصدر في اللفظ. ينظر: التبيان في إعراب القرآن للعكبري (٢٢٣، ١/ ١١٠)، شرح شذور الذهب لابن هشام (١/ ١٦٢)، مغني اللبيب لابن هشام (٥٤٥، ١/ ١٨٩).
(٣) أهل الرجعة ويسمون الرجعية فرقة من فرق الرافضة زعموا أن عليا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا وينتقمون من أعدائهم ". ينظر عنهم: تلبيس إبليس لابن الجوزي (١/ ٣٢)، مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (١/ ١٥).
(٤) نسبه الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ١٦٤) للحاكم في مستدركه في فضائل الصحابة عن أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن الأصم قال: قلت: للحسن بن علي: إن هذه الشيعة تزعم أن عليا -
[ ٢ / ١٧٦ ]
﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢) وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾
قرئ ﴿لَمّا﴾ بتخفيف الميم (^١) على أن ﴿وَما﴾ زائدة، واللام هي الفارقة بين النافية والمثبتة والمعنى: أنهم محضرون للحساب والجزاء كما مضى في عدة مواضع. فإن قلت: لم أخبر عن ﴿كُلٌّ﴾ ب ﴿جَمِيعٌ﴾ ولغتاهما سواء؟ قلت: هما مختلفتان؛ لأن ﴿كُلٌّ﴾ يفيد معنى الإحاطة والشمول، و﴿جَمِيعٌ﴾ يفيد الاجتماع، والجميع: فعيل، بمعنى مفعول، وتقدم ﴿فَمِنْهُ﴾ على ﴿يَأْكُلُونَ﴾ لأن الحب فيه قوام الآدميين والحيوانات، فإذا قل جاء القحط وغلا السعر. ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ هو سقي النبات والأشجار، واستنباط العيون والآبار. وذكر النخيل والأعناب ثم أفرد الثمر في قوله: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ لأنه إذا علم حكم النخل في الثمر عرف مثله في الكرم. وقيل: أراد: ليأكلوا من ثمر ذلك، قال رؤبة في حمر الوحش [من الرجز]:
فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الوجه توليع البهق (^٢)
(٢١٢ /ب) فقيل له في ذلك، فقال: أردت: كأن ذلك.
_________________
(١) = ﵇ مبعوث قبل يوم القيامة فقال كذبوا ما أولئك شيعة لو كان مبعوثا ما زوجنا نساءه ولا اقتسمنا ماله انتهى وسكت عنه. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٥) ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي إسحق قال قيل لابن عباس إن ناسا يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فسكت ساعة ثم قال: بئس القوم نحن إن كنا أنكحنا نساءه واقتسمنا ميراثه أما تقرأون أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
(٢) قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وابن جماز" لمّا "بالتشديد، وقرأ الباقون" لما "بالتخفيف. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٣٤)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٩٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٨٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٢١)، مجمع البيان (٨/ ٤٢٢)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢٩١).
(٣) ينظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٨٤)، غريب الحديث للحربي (٣/ ١٠٣١)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٥، ١/ ١٤٩) لسان العرب (بهق)، ويروى: كأنه في الجسم توليع البهق. وكأنه في الجلد توليع البهق.
[ ٢ / ١٧٧ ]
ولك أن تجعل" ما "في قوله: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ نافية، أي: ولم تعمله أيديهم.
﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾
﴿الْأَزْواجَ﴾ الأصناف ﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها. وفي الحديث:" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " (^١).ونحوه: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٢) ﴿مُظْلِمُونَ﴾ داخلون في الظلام، يقال: أظلمنا؛ كما يقال: أعتمنا.
﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ لحد مؤقت. قيل: المستقر: هو مجراها من المشرق إلى المغرب، ومن المغرب إلى المشرق؛ فهو مجراها الذي لا تفارقه. وقرئ (تجري إلى مستقر لها) وقرأ ابن مسعود:" تجري لا مستقر لها " (^٣) ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ﴾ أي: ترتيب الشمس والقمر في البروج وسيرهما على حساب لا يختل نظمه أي تقدير ﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب ﴿الْعَلِيمِ﴾ بالمصالح.
قرئ" والقمر " (^٤) رفعا على الابتداء، أو عطفا على الليل، ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: قدرناه ذا منازل؛ لأن القمر نفسه لم يصر منازل. ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ هو العذق وشبه به؛ لأنه يصفر عند يبسه صفرة ليست بنيّرة كصفرة القمر إذا عاد هلالا وقال
_________________
(١) تقدم تخريجه في سورة السجدة.
(٢) سورة السجدة، الآية (١٧).
(٣) قرأ ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وزين العابدين وابنه الباقر والصادق بن الباقر" لا مستقر لها " وأما القراءة الثانية فلم أقف على من قرأ بها. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٨٥)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٣٦٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٨٦)، مجمع البيان للطبرسي (٨/ ٤٢٣)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢١٢).
(٤) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وروح" والقمر "بالرفع، وقرأ الباقون" والقمر "بالفتح. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٣٦)، تفسير القرطبي (١٥/ ٢٩)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٩٨) الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٩٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٨٥)، السبعة (ص: ٥٤٠)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٣٦٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٢٢)، النشر (٢/ ٣٥٣).
[ ٢ / ١٧٨ ]
الزجاج: العرجون: فعلون من عرج، إذا انعطف، ثم سير هذين الكوكبين على طريقة لا تنخرم (^١) وهو معنى قوله: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾.
وأقل مدة تتصف بالقدم سنة، فلو حلف: لا يبقي عنده عبدا قديما. وكان عنده عبد له سنة في ملكه حنث. هكذا قال الزمخشري (^٢) وليس ذلك بمذهب الشافعي (^٣).
وإنما جعل للشمس معنى الإدراك وللقمر نفي السبق؛ لأن القمر يقطع الفلك في كل شهر فهو حقيق بأن يوصف بسرعة السير، والشمس لا تقطعه إلا في سنة كاملة فهي حقيقة بعدم الإدراك لبطء سيرها. ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يطلق على النساء؛ تقول: سبا ذريته، أي: نساءه " ونهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان " (^٤).
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٤٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾
وذريتهم أيضا اسم للآباء والأجداد في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي: حملنا آباءهم في سفينة نوح، وهم في أصلاب آبائهم. ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي:
من مثل الفلك. ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾ من السفن والزوارق. الصريخ: المغيث أو الإغاثة نفسها.
﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ إلى أجل يموتون فيه، قال الشاعر (٢١٣ /أ) [من الوافر]:
ولم أسلم لكي أبقى ولكن سلمت من الحمام إلى الحمام (^٥)
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٢٨٨).
(٢) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ١٧).
(٣) ينظر: الأم للإمام الشافعي (٧/ ٦١).
(٤) رواه البخاري رقم (٣٠١٥)، ومسلم رقم (١٧٤٤)، وأبو داود رقم (٢٦٦٨)، والترمذي رقم (١٥٦٩)، وابن ماجه رقم (١٨٤١)، وأحمد في المسند (٢٣، ٢/ ٢٢)، وابن حبان في صحيحه رقم (١٣٥) عن ابن عمر ب.
(٥) البيت للمتنبي، ينظر البيت في: تفسير أبي السعود (٧/ ١٦٩)، روح المعاني للألوسي (٢٣/ ٢٨)، الكشاف للزمخشري (٤/ ١٨).
[ ٢ / ١٧٩ ]
﴿اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية (^١). وقيل: المراد: انظروا في أخبار الأولين، وما جرى على المكذبين، وما خلفكم من أمر الساعة. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لتكونوا على رجاء رحمة، وجواب ﴿وَإِذا﴾ محذوف مدلول عليه بقوله: ﴿إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أي: أعرضوا. كان المشركون معطلين، لا يعتقدون البعث، وكانوا يسمعون المؤمنين يقولون: أفعالنا بمشيئة الله، ويقولون: لو شاء الله لأغنى فلانا أو لأفقره، فجرى ذكر الإطعام على هذا النمط؛ فقال المشركون: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ استهزاء، والمؤمنون يقولون ذلك حقيقة، وقد شارك الزمخشري الكفار في اعتقادهم في هذه المسألة (^٢). وهي عندنا حق، ولكن وجه إنكارها أنهم قالوها على وجه الاستهزاء؛ كانوا يقولون إذا قيل لهم أنفقوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾.
وعن ابن عباس:" كان بالمدينة زنادقة إذا قيل لهم: أطعموا الفقراء، قالوا: لا والله لا نطعم من لو أراد أطعمه، وكانوا يقولون: الله قادر على إطعام هذا الفقير، ولو شاء لفعل:
فنحن نقتدي بما فعله الله معه " (^٣).
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ قاله الله لهم، أو قاله المؤمنون، أو من جوابهم للمؤمنين
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾
﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ قيام الساعة وهم في أسواقهم وخصامهم. وفي الحديث:" لتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها " (^٤).وقيل: يختصمون في أن الساعة هل تكون أو لا تكون. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ بل يموتون عند سماع الصيحة، ثم بعد ذلك
_________________
(١) سورة سبأ، الآية (٩).
(٢) ينظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ١٩).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ١٩)، ونسبه الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٣٩٤) لقتادة.
(٤) رواه البخاري رقم (٧١٢١، ٦٥٠٦)، ومسلم رقم (٢٩٥٤) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ١٨٠ ]
يذهبون مهطعين إلى الداعي وهو إسرافيل و﴿الصُّورِ﴾ القرن الذي ينفخ فيه.
وقيل: جمع صورة. وقرئ ﴿الصُّورِ﴾ بفتح الواو (^١). و﴿الْأَجْداثِ﴾ القبور، وقرئ بالفاء (^٢). ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يسرعون بكسر السين وضمها (^٣) وهي النفخة الثانية. قرئ (من أهبنا) بمعنى: من أيقظنا، وقرئ" من بعثنا " (^٤) على الجار والمجرور، و" ما "خبر وهي موصولة أو مصدرية. ويجوز أن يكون ﴿هذَا﴾ صفة للمرقد، و﴿ما وَعَدَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو ﴿ما وَعَدَ﴾ مبتدأ وخبره محذوف. قيل: إن الكفار يجدون بين النفختين هجعة يرفع (٢١٣ /ب) عنهم العذاب فيها، فإذا صيح بهم قالوا: ﴿يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ وقوله: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾ من كلام الملائكة، أو كلام المتقين. وقيل: من كلام الكفار؛ يتذكرون ما سمعوه من الرسل، فيجيب بعضهم بعضا به.
وإذا كانت ﴿ما﴾ مصدرية كان التقدير: هذا ما وعد الرحمن، ولا يمكن أن يقال: وهذا صدق المرسلين، فلنرجع إلى القول بأنها موصولة، والتقدير: هذا الذي وعد الرحمن والذي صدق فيه المرسلون، من قولك: صدقني سن بكره (^٥).
وقوله: ﴿مَنْ بَعَثَنا﴾ سؤال عن الباعث، وجوابه بتعيينه، لكن طابقه ما بعده؛ لأن المعنى: بعثكم الرحمن الذي صدق الوعد وأنبأكم به الرسل؛ كأنه قيل: الأهم بكم السؤال
_________________
(١) قرأ بها قتادة. تنظر القراءة في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٧٨)، تفسير للقرطبي (١١/ ٢٤٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٥٣)، المحتسب لابن جني (٢/ ٥٩)، المحرر الوجيز لابن عطية (١١/ ١٠٥).
(٢) تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٨٨) وقال السمين: وهي لغة في الأجداث.
(٣) قرأ" ينسلون "بضم السين ابن أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية عنه. وقراءة العامة" ينسلون " بالكسر. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٨٨).
(٤) قرأ أبي بن كعب ﵁" من أهبّنا "وقرأ ابن عباس ب وأبو نهيك" من بعثنا". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٤١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٨٨)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٣٧٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٨٩)، مجمع البيان للطبرسي (٨/ ٤٢٨)، المحتسب لابن جني (٢/ ٢١٤).
(٥) تقدم تخريج المثل في تفسير سورة الأحزاب، الآية (٢٣).
[ ٢ / ١٨١ ]
عن البعث؛ فليس هذا هو البعث الذي يراد به النوم في الدنيا؛ بل المراد به البعث الأكبر والحشر الأعظم.
﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥)﴾
﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً﴾ قرئ برفعها وبنصبها (^١).
﴿فِي شُغُلٍ﴾ وأي شغل؟! وقيل: في شغل افتضاض الأبكار. وقيل: في سماع ضرب الأوتار. وقيل: في التزاور. وقيل: في ضيافة الله. وقيل: شغلهم عما فيه أهل النار التنعم بما هم فيه. وقيل: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم.
والفاكه والفكه: المتنعم، وسمي المزاح فكاهة؛ للتلذذ به، كما يتلذذ بالفاكهة. وقرئ ﴿فاكِهُونَ﴾ و﴿فاكِهُونَ﴾ وقرئ ﴿فاكِهِينَ﴾ (^٢) على أنه حال، والظرف مستقر.
﴿هُمْ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ، وأن يكون مؤكد للضمير في ﴿شُغُلٍ﴾ على أن أزواجهم يشاركون في ذلك الشغل، وفي التفكه والجلوس تحت الظلال.
﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾
والأريكة: هي السرير في الحجلة. ﴿يَدَّعُونَ﴾ يفتعلون من الدعاء؛ أي: يدعون لأنفسهم؛ كقولك: اشتوى واحتمل: إذا شوى وحمل لنفسه. وقيل: ﴿يَدَّعُونَ﴾ يتمنون؛
_________________
(١) قرأ جمهور القراء "صيحة واحدة" بالنصب، وقرأ أبو جعفر "صيحة واحدة" بالرفع. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٣٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٨٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٢٦)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٣).
(٢) قرأ جمهور القراء "فاكهون" وقرأ أبو جعفر والحسن وأبو حيوة وأبو رجاء وشيبة وقتادة ومجاهد "فكهون" وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف "فاكهين". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٤٢)، تفسير القرطبي (١٥/ ٤٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٨٩)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٣٧٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٢٧)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٨٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٤).
[ ٢ / ١٨٢ ]
تقول لمن تكرمه: ادّع ما شئت. وقال الزجاج: هو من الدعاء، أي: ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم (^١). ﴿سَلامٌ﴾ بدل من ﴿ما يَدَّعُونَ﴾ ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ تحية من الله لهم أي: سلام خالص من الشوب والكدر. ﴿قَوْلًا﴾ مصدر مؤكد؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾ والأحسن أن يكون نصبا على الاختصاص.
﴿وَامْتازُوا﴾ أي: وانفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة. وذلك حين يساق المؤمنون إلى الجنة، ونحوه قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيتين (^٢).
يقال: مازه فانماز وامتاز. وقيل: اعتزلوا عن كل خير. وقيل: لكل كافر بيت في النار (٢١٤ /أ) لا يرى أحدا ولا يرى. العهد: الوصية، وعهد الله إليهم: ما ركزه فيهم من أدلة العقل، وأنزل عليهم من دلالة السمع. وعبادة الشيطان: طاعته.
قرئ: "إعهد" بكسر الهمزة. وباب "فعل" يجوز في جميع حروف مضارعته الكسر إلا الياء، وقرئ "أحهد" و"أحد" (^٣) ومنه قولهم: دحامحا.
﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾
﴿هذا﴾ إشارة إلى ترك طاعة الشيطان، ولا صراط أقوم من اجتناب الشيطان، ومنه
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٢٩٢).
(٢) سورة الروم، الآية (١٤).
(٣) قراءة العامة "أعهد" بالفتح، وقرا طلحة بن مصرف والهذيل بن شرحبيل الكوفي "إعهد" بكسر همزة المضارعة وهي لغة في حرف المضارعة، وقرأ ابن وثاب "أحد" وهي لغة تميم وحكى الزمخشري "أحهد" وهي لغة هذيل. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٤٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٩١)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٢٧).
[ ٢ / ١٨٣ ]
قول كثير [من الطويل]:
لئن كان يهدى برد أنيابها العلا لأفقر منّى إنني لفقير (^١)
ويجوز أن يراد: هذا هو الصراط المستقيم وما سواه معوج. ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ﴾ الشيطان ﴿جِبِلاًّ﴾ و"جبلا" و"جبلا" و"جبلا" (^٢) وهي لغات في معنى الخلق، جبلا جمع جبلة كفطرة وفطر. ويروى أن الكفار إذا شهدت عليهم الحفظة أنكروا وكذبوا، فيختم على أفواههم وتتكلم الجوارح بما عملوا. وفي الحديث: "إن الكافر يقول: إني لا أجيز إلا شاهدا من نفسي فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكنّ وتعسا؛ فعنكنّ كنت أناضل" (^٣).
الطمس: تعفية شق العين حتى تبقى ممسوحة. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ أي: فاستبقوا إلى الصراط؛ فحذف الجار وأوصل الفعل، أو تضمن معنى ابتدروا، ويجعل الصراط مسبوقا لا مسبوقا إليه، والمعنى: أنا لو طمسنا على أعينهم فتسابقوا إلى الطريق المسلوك في حوائجهم على عادتهم القديمة - لم يستطيعوا. والمكان والمكانة واحد؛ كالمقام والمقامة، أي: لمسخناهم وغيّرنا خلقهم فلا يستطيعون مضيا ولا استقرارا. وقيل: لمسخناهم قردة وخنازير. أو: لمسخناهم حجارة. ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ نخلقه على خلاف ما خلقناه؛
_________________
(١) البيت لابن الدمينة، ينظر في: الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (١/ ٧٨١)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (٢٢٢٣)، عيون الأخبار لابن قتيبة (٢٦٢٦)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٣) قال المرزوقي في شرح الحماسة: "قوله: يهدي يجوز أن يكون من الإهداء الإتحاف، ويجوز أن يكون من الهداء الزفاف. أنيابها العلى، يراد به الشريفة العالية الشأن. ويجوز أن يراد بالعلى الأعالي من الأسنان، لأنها موضع القبل. ويعني ببرد الأسنان: عذوبة الرضاب عند المذاق. وقوله: إنني لفقير، فعيل بناء المبالغة، ولا سيما إذا أطلق إطلاقا، فلا يقال فقير إلى كذا وكذا فيخصص. والمعنى: إن كان يتربص بمتسق مضحكها، وواضح مقبلها، وطيب رضابها، وبراد أسنانها، لمن هو أفقر مني إليها، فإنني الفقير مطلقا. والمعنى: لا غاية وراء فقري".
(٢) قرأ نافع وعاصم وأبو جعفر "جبلاّ" وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ورويس وخلف "جبلا" وقرأ أبو عمرو وابن عامر "جبلا" وقرأ روح "جبلا". تنظر القراءات في:: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٤٤)، تفسير القرطبي (١٥/ ٤٧)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٩٩) الحجة لأبي زرعة (ص: ٦٠٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٩١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٤٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٢٨)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٥٥)
(٣) رواه مسلم رقم (٢٩٦٩)، والنسائي في السنن الكبرى رقم (١١٦٥٣) عن أنس ﵁.
[ ٢ / ١٨٤ ]
أي: لا يزال يتزايد في القوى إلى أن ينتهي إلى الكهولة، فيعود من القوة إلى الضعف حتى ينتهي، وفي ذلك دليل على أن من قدر على الطمس والمسخ والنقل من حال إلى حال قادر على أن يخلقه كيف يشاء.
كان عقبة بن أبي معيط يقول: إن الذي يأتي به محمد شعر، وقد أخطأ عقبة؛ فليس القرآن على أوزان الشعر، ولا على قوافيه، والذي جاء به محمد ليس بشعر، إلا أن القرآن لفظه عربي؛ كما أن الشعر كذلك. ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: وما يتأتى له، وأما قوله:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب (^١)
(٢١٤ /ب) وقوله:
هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت (^٢)
فليس بشعر مقصود، وقد يتفق في كلام الإنسان كلام متزن لا يقصد به شعرا (^٣).
_________________
(١) قاله الرسول ﷺ في غزوة حنين، رواه البخاري في صحيحه رقم (٢٧١٣)، ومسلم رقم (٣٣٢٥).
(٢) قاله ﷺ في إحدى الغزوات، رواه البخاري رقم (٢٥٩٢)، ومسلم رقم (٣٣٥٣).
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١١٨): "قال القاضي عياض: قال المازري: أنكر بعض الناس كون الرجز شعرا لوقوعه من النبي ﷺ مع قوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ وهذا مذهب الأخفش، واحتج به على فساد مذهب الخليل في أنه شعر. وأجابوا عن هذا بأن الشعر هو ما قصد إليه واعتمد الإنسان أن يوقعه موزونا مقفى يقصده إلى القافية، ويقع في ألفاظ العامة كثير من الألفاظ الموزونة ولا يقول أحد إنها شعر ولا صاحبها شاعر، وهكذا الجواب عما في القرآن من الموزون كقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وقوله تعالى: نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ولا شك أن هذا لا يسميه أحد من العرب شعرا لأنه لم تقصد تقفيته وجعله شعرا قال: وقد غفل بعض الناس عن هذا القول فأوقعه ذلك في أن قال الرواية أنا النبي لا كذب بفتح الباء. حرصا منه على أن يفسد الرواية فيستغني عن الاعتذار، وإنما الرواية بإسكان الباء. هذا كلام القاضي عن المازري. قلت (أي النووي): وقد قال الإمام أبو القاسم علي بن أبي جعفر بن علي السعدي الصقلي المعروف بابن القطاع في كتابه الشافي في علم القوافي: قد رأي قوم منهم الأخفش وهو شيخ هذه الصناعة بعد الخليل أن مشطور الرجز ومنهوكه ليس بشعر كقول النبي ﷺ:" الله مولانا ولا مولى لكم "وقوله ﷺ:" هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت "، وقوله ﷺ:" أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب "وأشباه هذا. قال ابن القطاع: وهذا الذي زعمه الأخفش وغيره غلط بين، وذلك لأن الشاعر إنما سمي شاعرا لوجوه، منها: أنه شعر القول وقصده وأراده واهتدى إليه وأتى به كلاما موزونا على طريقة العرب مقفى، -
[ ٢ / ١٨٥ ]
ولما قال: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أتبعه قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ﴾ أي: شرف ورفعة. وقيل: تذكير وموعظة.
﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾
﴿لِيُنْذِرَ﴾ والمنذر القرآن أو الرسول. ﴿مَنْ كانَ حَيًّا﴾ أي: عاقلا أو معلوما أنه يؤمن فيحيا بالإيمان. ﴿مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾ تولينا إحداثه، ولم يقدر على توليه غيرنا. ﴿أَنْعامًا﴾ وهي الإبل والبقر والغنم. ﴿فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ ضابطون؛ أي: فملكناها لهم، قال [من المنسرح]:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا (^١)
﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ أي: سخرناها، ولهذا ألزم الله الراكب أن يشكر هذه النعمة بقوله:
﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا﴾ (^٢). ﴿وَمَشارِبُ﴾ من الألبان، ذكرها مجملة، والمشارب جمع مشرب، وهو موضع الشرب والشرب نفسه.
_________________
(١) = فإن خلا من هذه الأوصاف أو بعضها لم يكن شعرا، ولا يكون قائله شاعرا، بدليل أنه لو قال كلاما موزونا على طريقة العرب وقصد الشعر أو أراده ولم يقفه لم يسم ذلك الكلام شعرا ولا قائله شاعرا بإجماع العلماء والشعراء، وكذا لو قفاه وقصد به الشعر ولكن لم يأت به موزونا لم يكن شعرا، وكذا لو أتى به موزونا مقفى لكن لم يقصد به الشعر لا يكون شعرا، ويدل عليه أن كثيرا من الناس يأتون بكلام موزون مقفى غير أنهم ما قصدوه ولا أرادوه ولا يسمى شعرا، وإذا تفقد ذلك وجد كثيرا في كلام الناس. كما قال بعض السؤال: اختموا صلاتكم بالدعاء والصدقة. وأمثال هذا كثيرة فدل على أن الكلام الموزون لا يكون شعرا إلا بالشروط المذكورة، وهي القصد وغيره مما سبق، والنبي ﷺ لم يقصد بكلامه ذلك الشعر ولا أراده، فلا يعد شعرا وإن كان موزونا، والله أعلم".
(٢) البيت للربيع بن منبع الفزاري، ينظر في: الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٨)، لسان العرب (ضمن).
(٣) سورة الزخرف، الآية (١٣).
[ ٢ / ١٨٦ ]
اتخذوا الآلهة ليكونوا لهم عزّا؛ فكان الأمر على عكس ذلك. ﴿إِنّا نَعْلَمُ﴾ "إنا" بالكسر: استئناف، ومن فتح الهمزة وقصد المعنى كفر؛ لأن "أن" وما بعدها بتأويل المصدر، تقول: يسرني أنك حاضر، أي حضورك، فيكون المعنى: فلا يحزنك يا رسول الله قول الكفار عنا: ﴿إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ وهذا كلام حق لا يحزن منه الرسول ولا المؤمنون، ومن أراد حذف لام الجر وقصد فلا يحزنك قولهم؛ لأنا نعلم فلا يكفر، ومثله قولهم في التلبية: لبيك إن الحمد، كسرها الشافعي وفتحها أبو حنيفة (^١).
قبح الله اعتقاد الكفار عدم البعث والنشور بأن هذا النطفة الحقيرة المستقذرة يخلق منها رجل هو أشد الخصام؛ كقوله: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (^٢) ينكر قدرة القادر على ما يشاء من إحداث الأجسام والأعراض. ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أي: منطيق قادر على الخصام. والرميم: اسم من بلي من العظام، وهو اسم ليس بصفة؛ فلا يقال: لم لا يؤنث، وقد وقع خبرا لمؤنث؟ ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، وقد استشهد بهذه الآية من زعم أن الحياة تحل في العظام، وفيه خلاف بين العلماء (^٣).
﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾
_________________
(١) ينظر: الأم للإمام الشافعي (١٥٦، ٢/ ١٥٥)، المجموع للنووي (٢٢٠، ٧/ ٢١٩)، الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٢٨٣)، بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ١٤٥).
(٢) سورة الكهف، الآية (٥٤).
(٣) قال الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣١): "ولقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام ويقول: إن عظام الميتة نجسة؛ لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها. وأما أصحاب أبي حنيفة فهي عندهم طاهرة، وكذلك الشعب والعصب ويزعمون أن الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت ويقولون: المراد بإحياء العظام في الآية: ردّها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس".
[ ٢ / ١٨٧ ]
﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا﴾ أو أراد بالشجر الأخضر العيدان التي تقدح الأعراب بها النار، وقالوا: "في كل شجرة نار، واستمجد (٢١٥ /أ) المرخ والعفار" (^١) يعني أن هاتين يسهل اقتداح النار منهما. وقيل: إن العناب لا يقدح من شجره نار (^٢).
﴿الْأَخْضَرِ﴾ وقياسه: الشجر الخضر؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)﴾ (^٣) فذكر الضمير وأنثه.
من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظم أجرامهما، وتباعد أقطارهم، فهو على خلق الأناسي أقدر منه؛ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ (^٤). ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ (^٥).
﴿أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في الحقارة؛ لأن من قدر على الأعلى قدر على الأدنى من باب الأولى. ﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ الكثير الخلق والعلم. ﴿إِنَّما أَمْرُهُ﴾ شأنه.
***
_________________
(١) ينظر المثل في: غريب الحديث للخطابي (٢/ ١٤٧)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٣١)، لسان العرب (مرخ، عفر) واستمجد أي استكثر. والمرخ والعفار: من شجر النار، كثير الوري سريعه. وقيل العفار: الزند وهو الأعلى، والمرخ: الزندة وهو الأسفل. واستمجد المرخ والعفار أي: كثرت فيهما على ما في سائر الشجر وذلك أن هاتين الشجرتين من أكثر الشجر نارا وزنادهما أسرع الزناد.
(٢) نسبه الزمخشري في الكشاف (٤/ ٣١) لابن عباس ﵂.
(٣) سورة الواقعة، الآية (٥٣، ٥٢).
(٤) سورة غافر، الآية (٥٧).
(٥) سورة النازعات، الآية (٢٧).
[ ٢ / ١٨٨ ]