السخاوي عالم موسوعي برز وتقدم في علوم كثيرة، ومن أكبر الأدلة على هذا كثرة مصنفاته وتنوعها في علوم الشريعة واللغة والأدب كما سبق من ذكر مصنفاته.
ومما يدل على شهرته وإمامته أيضا ما نقله عنه الآخرون من العلماء في مصنفاتهم وقد أشار بعض الباحثين إلى آثار السخاوي في بعض المصنفات وإلى تأثيره في كثير من العلماء ومن تلك الدراسات:
١ - أثر السخاوي في ابن يعيش وشرحه على المفصل (^٢).
٢ - أثر السخاوي في الزنجاني وكتابه (الكافي شرح الهادي) (^٣).
٣ - أثر السخاوي في المزهر للسيوطي (^٤).
٤ - أثر السخاوي في المصباح المنير للفيومي (^٥).
٥ - أثر السخاوي في (شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل) لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي (^٦).
_________________
(١) هو مخطوط يقع في ثماني ورقات، قال الدكتور عبد الكريم جواد كاظم: ولم أجده للسخاوي، ونسبه الدكتور أحمد هريدي للمهلبي ولم يترجم له. والحق أن معظم أبيات هذه المنظومة نسبها السيوطي في الأشباه والنظائر للمهلبي وهو مهلب بن حسن بن بركات البهنسي، ينظر ترجمته في: البغية (٢/ ٣٠٤، ٣٠٥) والكتاب يسمى (نظم الفرائد وحصر الشرائد)، قال الدكتور عادل خلف: لم يذكر صاحب البغية في ترجمته لقب (المهلبي)، وذكره بروكلمان (٥/ ٣٠٤) أنه تلميذ ابن بري وقال الدكتور عادل خلف: لم يحدد السيوطي ولا بروكلمان تاريخ حياته. ينظر دراسة في مصادر السيوطي في الأشباه والنظائر الدكتور عادل خلف (٦١).
(٢) قدم الدكتور عبد الكريم كاظم أدلة قطعية على تأثر ابن يعيش بالسخاوي من خلال شرحيهما على المفصل وكذا الدكتور محمود السيد الدريني في مقدمة تحقيقه للجزء الرابع من كتاب المفضل.
(٣) الزنجاني: عز الدين بن عبد الوهاب بن إبراهيم وقيل: هو تاج الدين عبد الوهاب بن إبراهيم بن عبد الوهاب الزنجاني أقام بالموصل ثم انتقل إلى بغداد وتوفي بها سنة ٦٦٠ هـ ألف كتاب (الهادي لذوي الألباب في علم الإعراب) ثم شرحه وسمى الشرح (الكافي شرح الهادي) وقد حقق الشرح الدكتور محمود فحال يوسف في رسالته للدكتوراه بكلية اللغة العربية بالأزهر. ينظر تفصيل ذلك في قسم الدراسة من المفضل وأثره في الدراسات النحوية للدكتور عبد الكريم جواز كاظم.
(٤) ينظر تفصيل ذلك في مقدمة تحقيق سفر السعادة للدكتور أحمد هريدي.
(٥) ينظر المصدر السابق.
(٦) ينظر المصدر السابق.
[ ١ / ٢٥ ]
٦ - أثر السخاوي في ابن الجزري (^١).
ونذكر هنا نقل بعض المفسرين عن علم الدين السخاوي:
١ - السخاوي في البحر المحيط لأبي حيان:
أ - نقل أبو حيان في البحر المحيط عن السخاوي رأيا فقهيّا تفسيريّا حول الصلاة الوسطى فذكر أنه قيل: إنها الوتر. قال: «واختاره أبو الحسن علي بن محمد السخاوي النحوي المقرئ» (^٢).
ب - كما احتج أبو حيان بقول السخاوي عند تعرضه لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فنقل عن السخاوي قوله بإشكال هذه الآية.
قال أبو حيان: «وقال أبو الحسن السخاوي: لم أر أحدا من العلماء تخلّص كلامه فيها من أولها إلى آخرها» (^٣).
ج - كما نقل عنه أيضا رأيه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] بأن ظاهر الآية العموم في المعاصي كلها قال: قال السخاوي: «قال مكحول: وروي عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت مثل ذلك» (^٤).
٢ - السخاوي في تفسير ابن كثير:
ذكر الحافظ ابن كثير علم الدين السخاوي وذلك عند تفسير سورة التوبة عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
فقال: ذكر الشيخ علم الدين السخاوي في جزء جمعه سماه المشهور في أسماء الأيام والشهور أن المحرم سمي بذلك لكونه شهرا محرما، وعندي أنه سمي بذلك تأكيدا لتحريمه لأن العرب كانت تتقلب به فتحله عاما وتحرمه عاما.
قال: ويجمع على محرمات ومحارم ومحاريم. وصفر سمي بذلك لخلو بيوتهم منهم حين
_________________
(١) ينظر: مقدمة تحقيق جمال القراء وكمال الإقراء للدكتور علي حسين البواب (ص: ٨) وما بعدها، طيبة النشر لابن الجزري (١/ ٩٧).
(٢) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (٢/ ٢٥٠) تحقيق الشيخ على محمد معوض وآخرين ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٣ م.
(٣) البحر المحيط (٤/ ٤٣)، وكذا نقله السمين الحلبي في الدر المصون (٢/ ٦٢٤).
(٤) البحر المحيط (٤/ ٢١٤).
[ ١ / ٢٦ ]
يخرجون للقتال والأسفار، يقال: صفر المكان إذا خلا ويجمع على أصفار كجمل وأجمال وشهر ربيع الأول سمي بذلك لارتباعهم فيه والارتباع الإقامة في عمارة الربع ويجمع على أربعاء كنصيب وأنصباء وعلى أربعة كرغيف وأرغفة. وربيع الآخر كالأول. جمادى سمي بذلك لجمود الماء فيه قال: وكانت الشهور في حسابهم لا تدور وفي هذا نظر إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة، فلابد من دورانها فلعلهم سموه بذلك أول ما سمي عند جمود الماء في البرد كما قال الشاعر [من البسيط]:
وليلة من جمادى ذات أندية لا يبصر العبد في ظلمائها الطنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة حتى يلف على خرطومه الذنبا
ويجمع على جماديات كحبارى وحباريات وقد يذكر ويؤنث فيقال جمادى الأولى والأول جمادى الآخر والآخرة. رجب من الترجيب وهو التعظيم ويجمع على أرجاب ورجاب ورجبات. شعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شعابين وشعبانات.
رمضان من شدة الرمضاء وهو الحر يقال: رمضت الفصال إذا عطشت ويجمع على رمضانات ورماضين وأرمضة، قال: وقول من قال إنه اسم من أسماء الله خطأ لا يعرج عليه ولا يلتفت إليه. شوال من شالت الإبل بأذنابها للطراق قال: ويجمع على شواول وشواويل وشوالات. القعدة بفتح القاف قلت: وكسرها لقعودهم فيه عن القتال والترحال ويجمع على ذوات القعدة. الحجة بكسر الحاء قلت: وفتحها سمي بذلك لإقامتهم الحج فيه ويجمع على ذوات الحجة.
أسماء الأيام أولها الأحد ويجمع على آحاد وأوحاد ووحود، ثم يوم الاثنين ويجمع على أثانين، الثلاثاء يمد ويذكر ويؤنث ويجمع على ثلاثاوات وأثالث، ثم الأربعاء بالمد ويجمع على أربعاوات وأرابيع، والخميس يجمع على أخمسة وأخامس، ثم الجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها أيضا، ويجمع على جمع وجماعات، السبت مأخوذ من السبت وهو القطع لانتهاء العدد عنده. وكانت العرب تسمي الأيام أول ثم أهون ثم جبار ثم دبار ثم مؤنس ثم العروبة ثم شيار (^١).
٣ - السخاوي في تفسير روح المعاني للألوسي (^٢):
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٦٥).
(٢) تجدر الإشارة إلى أن المفهرس لطبعة دار الكتب العلمية قد خلط بين علم الدين السخاوي المفسر النحوي وبين شمس الدين السخاوي المحدث المشهور صاحب (المقاصد الحسنة) وغيرها وذكرهما معا تحت: السخاوي.
[ ١ / ٢٧ ]
ذكر الألوسي علم الدين السخاوي في مواضع متعددة من التفسير في اللغة وأسباب النزول، كما استعان برأيه في قضايا تفسيرية، ومن ذلك:
أ - عند قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١] ذكر بعض التوجيهات واختار منها توجيها ونسبه إلى السخاوي وغيره.
قال الألوسي:
﴿لا ذَلُولٌ﴾ صفة ﴿بَقَرَةٌ﴾، وهو من الوصف بالمفرد، ومن قال: هو من الوصف بالجملة فقد أبعد عن الصواب، و﴿لا﴾ بمعنى (غير) وهو اسم على ما صرح به السخاوي وغيره، لكن لكونها في صورة الحرف ظهر إعرابها فيما بعدها، ويحتمل أن تكون حرفا كإلاّ التي بمعنى غير في مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] (^١).
ب - وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤].
قال الألوسي في اشتقاق يأجوج ومأجوج: «وقال أبو الحسن علي بن عبد الصمد السخاوي: الظاهر أنه عربي وأصله الهمز وتركه على التخفيف، وهو إما من الأجة وهو الاختلاف كما قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، أو من الأج وهو سرعة العدو قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] أو من الأجة وهي شدة الحر أو من أج الماء يأج أجوجا إذا كان ملحا مرّا، انتهى» (^٢).
***
_________________
(١) وينظر: روح المعاني (١/ ٢٩٠) ط دار الفكر.
(٢) روح المعاني (١٦/ ٣٩).
[ ١ / ٢٨ ]