﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾
قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمره؛ كقوله: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (^١).
من قرأ اسم "الله" بالجر فهو بدل من ﴿الْعَزِيزِ﴾ ولا يقف دونها، ومن رفع (^٢) فهو مبتدأ خبره ما بعده. ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ صفة للكافرين، وعدّي ﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾ ب "على" ضمنها معنى يؤثرون؛ كقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ (^٣) ومتى كان موضع الضلال بعيدا كان الظفر بها أبعد ﴿بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ بلغتهم ﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ أي: قائلا ذلك، أو مقولا له؛ فقائلا (٩٣ /أ) لقوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ﴾ ومقولا له لقوله: ﴿أَخْرِجْ﴾ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ لكل مؤمن.
وفي الحديث: "الإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر" (^٤) وسببه أن العبد لا يخلو من أن يكون في نعمة أو في شدة، والمطلوب منه في النعمة الشكر، وفي الشدة الصبر، وليس
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (١٤٥).
(٢) قرأ نافع وابن عامر برفع لفظ الجلالة "الله"، وقرأ الباقون "الله". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٤٠٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٢٥٠)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٦٢)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٣٧).
(٣) سورة الأعلى، الآية (١٦).
(٤) رواه البيهقي في شعب الإيمان رقم (٩٧١٥) عن أنس ﵁ مرفوعا، وضعفه الشيخ الألباني - ﵀ - في السلسلة الضعيفة رقم (٦٢٥).
[ ١ / ٤٢٩ ]
يعني بالنصف نصفا مجردا، بل المراد: انقسام الإيمان إلى هاتين الجملتين، فهو كقوله ﷺ:
"تعلموا الفرائض فإنها نصف العلم" (^١).
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾
﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يكلفونكم ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ بالواو يدل على أنه أمر زائد على سوء العذاب ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ الإشارة فيها إلى الإنجاء إن كان المراد بالبلاء النعمة، وإن كان المراد به النقمة فهو إشارة إلى سوء العذاب والذبح ﴿تَأَذَّنَ﴾ أعلم ﴿فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ﴾ دال على الجزاء المحذوف، وليس بجزاء؛ فإن الله غني حميد سواء كفروا أو شكروا، والتقدير: إن كفرتم لم يعبأ الله بكم ولم تضرّوه شيئا، فإنه غني عنكم محمود في السماء والأرض غني عن حمدكم. قال مالك - ﵀: "من عدنان كذب النسّابون"؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ﴾ يعني أن النبي ﷺ مضبوط إلى عدنان. ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾ أي: ردوا أيدي الرسل إلى أفواه الرسل ليسكتوهم، أو ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم يشيرون بالسكوت، أو ردوا أيدي أنفسهم إلى أفواه أنفسهم، كحال من عليه الضحك، يستهزئون بما قالت الرسل، أو ردوا أيدي أنفسهم إلى أفواه الرسل، ولا يجيء الرابع، وهو ردوا أيدي الرسل إلى أفواه الكافرين وفيه قول آخر: أن المراد بالأيدي النعم، أي: فردوا نعم الله، ويبعده قوله: ﴿فِي أَفْواهِهِمْ﴾ أكدوا كفرهم ب "إنّ " وقالوا: ﴿إِنّا﴾
_________________
(١) رواه ابن ماجه رقم (٢٧١٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٠٩)، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف ابن ماجه رقم (٥٩٤).
[ ١ / ٤٣٠ ]
﴿كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ وهم لم يؤمنوا بأنهم مرسلون، ولكنه كقول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (^١).
وقوله: ﴿مُرِيبٍ﴾ يدل على أن الريب غير الشك، وأن الشك يوقع في الريب، وهو القلق والاضطراب. قوله: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ صفة لله، وقد فصل بين الصفة والموصوف بالمبتدأ، وقوله: ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ يجوز أن يكون اسم كان ضمير شأن مستقر فيها، ولا يجوز أن يكون ﴿يَعْبُدُ﴾ خبرا مقدما و﴿آباؤُنا﴾ اسمها؛ لأنه يلزم منه أن يكون في الفعل ضمير جمع، ولا يصح أن يقال: عما كان آباؤنا يعبد.
﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾
السلطان: الحجة. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ فيصطفي من الملائكة رسلا
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية (٢٧).
[ ١ / ٤٣١ ]
ومن الناس ﴿وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ﴾ بآية تقترحونها ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾.
وقوله: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أبلغ من ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لأنه أمر من دخل في حيز المؤمن أن يدوم على التوكل ويستمر عليه؛ كقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ (^١) أقسموا ليكونن أحد أمرين؛ إما الرجوع إلى دين الكفار وإما الإخراج.
﴿ذلِكَ﴾ الوعد بإهلاك الظالمين وإسكان المظلومين الأرض بعدهم ﴿ذلِكَ﴾ الوعد ﴿لِمَنْ خافَ﴾ مقامه بين يدي ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ واستنصروا ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ أي: أمامه؛ كقوله بعدها: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ وكقوله: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (^٢) أي:
أمامهم، وقول الشاعر [من الوافر]:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب (^٣)
أي: بعده ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ ريحه. الضمير في ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ يعود على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أي: بسبب إقامة الحق. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أطوع له منكم ﴿وَبَرَزُوا﴾ صاروا في أرض الموقف، وهو براز ليس فيها جبل ولا جدار ولا حائل، فقالت الأتباع لكبرائهم ﴿تَبَعًا﴾ جمع تابع، كخدم في جمع خادم، أو ذوي تبع إن كان مصدرا، والمحيص:
موضع الفرار والمهرب. ويروى أن إبليس ينصب له منبر من نار في جهنم فيقول ما قصه الله. ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ لما استقر أهل النار في النار ﴿وَعْدَ الْحَقِّ﴾ من إضافة الشيء إلى صفته ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ استثناء من غير الجنس؛ لأن دعاءه إياهم ليس بسلطان عليهم. قرئ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ بكسر الياء (^٤) وهي لغة قليلة.
_________________
(١) سورة هود، الآية (١١٢).
(٢) سورة الكهف، الآية (٧٩).
(٣) البيت لهدبة بن الخشرم، ينظر في: أسرار العربية لابن الأنباري (ص: ١٢٨)، خزانة الأدب للبغدادي (٩/ ٣٢٨)، شرح أبيات سيبويه (١/ ١٤٢)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٤٦)، مغني اللبيب لابن هشام (١/ ٢٥٥) همع الهوامع للسيوطي (١/ ٤١٧).
(٤) قرأ "بمصرخيّ " حمزة من العشرة، وقرأ باقي العشرة "بمصرخيّ ". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٤١٩)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٠٣)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٧٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٢٦١)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٦٢)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٧٤)، النشر لابن الجزري (٢٩٩، ٢/ ٢٩٨).
[ ١ / ٤٣٢ ]
﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)﴾
﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ مصدر يجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل، أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام ويجوز أن يضاف إلى المفعول، أي: يحيون بالسلام إمّا من بعضهم بعضا، وإما من الملائكة؛ لقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ (^١) وإمّا من الله - ﷿؛ لقوله: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (^٢).
﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ هي النخلة. وقيل: شجرة في الجنة. وقيل: شجرة مفروضة كذلك. ﴿أُكُلَها﴾ ثمرتها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ كقوله: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ (^٣) ﴿اُجْتُثَّتْ﴾ قطعت من أصلها. ﴿بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ بلا إله إلا الله. قيل: تثبيتهم في الحياة الدنيا استمرارهم على التوحيد مدّة العمر. وقيل: في القبر، والحياة القربى مدة البرزخ. (٩٤ /أ)
﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ ببعثة الرسل تكذيبا وجحودا. و﴿الْبَوارِ﴾ الهلاك.
قوله: ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ حذفت النون بلام أمر مقدرة، أي: ليقيموا الصلاة؛ كقول الشاعر [من الوافر]:
محمّد تفد نفسك كلّ نفس (^٤)
_________________
(١) سورة الرعد، الآية (٢٣).
(٢) سورة يس، الآية (٥٨).
(٣) سورة الواقعة، الآية (٣٣).
(٤) هذا صدر بيت للأعشى أو لحسان بن ثابت أو لأبي طالب. ينظر في: الدر المصون (٤/ ٢٦٩)، شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ٦٠)، شرح شواهد المغني (١/ ٥٩٧)، الكتاب لسيبويه (٣/ ٦٢٩).
[ ١ / ٤٣٣ ]
ولكنه فيما جاء في الكتاب العزيز أبين؛ لأنه لم يأت حذف النون وإرادة لام مقدّرة إلا في ثلاثة مواضع، هذا وقوله في "سبحان": ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^١) ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ (^٢) و﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فلا ينتظم معنى الشرط فيه، فجوابه: أن الأمر في هذه المواضع الثلاثة تعلق بقوم من أهل الخير والصلاح، فإن إضافة العباد إليه يدل على ذلك، وكذلك وصف المقول لهم بأنهم يؤمنون ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فنشتري ما يسر، ونجتنب ما يضر. ولا مخالة تنفع إلا مخالة المتقين، ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ (^٣).
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ (٣٤) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾
﴿رِزْقًا﴾ يجوز أن يكون "رزقا" مصدرا، على أن يكون قوله: ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ سدّ مسدّ الخبر، كأنه قال: فأخرج به بعض الثمرات لكي يرزقكم، فيكون على هذا معمولا لقوله: ﴿رِزْقًا﴾.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ﴾ جعل التسخير للفلك، وقال في أخرى:
﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ (^٤) ثم قال: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ (^٥) والتسخير شامل لهما. ﴿دائِبَيْنِ﴾ مستمرين. قرئ ﴿مِنْ كُلِّ﴾ بالتنوين (^٦) و﴿ما﴾ على هذا نافية،
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (٥٣).
(٢) سورة النور، الآية (٣٠).
(٣) سورة الزخرف، الآية (٦٧).
(٤) سورة الجاثية، الآية (١٢).
(٥) سورة النحل، الآية (١٤).
(٦) قرأ بها ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٤٢٨)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٢٧٢)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ١١٠)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٧٩)، المحتسب لابن جني (١/ ٣٦٣).
[ ١ / ٤٣٤ ]
وعلى المشهور هي موصولة. قيل: إن إبراهيم مرّ على مكة ولم تكن محل قرار لأحد، فدعا الله بأن تكون بلدا، وتكون محرّما، ثم مرّ بها وهي بلد فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (^١) فدعا لها بالأمن بعد أن صارت بلدا. وقيل: إنه دعا في الموضعين بعد كونها بلدا، ولهذا لمن رزق ولدا فلك أن تقول له: اللهم اجعله ولدا مباركا.
﴿أَضْلَلْنَ﴾ نسب الإضلال إلى الصنم وهو لم يفعل شيئا من الإضلال، لكن كان وجوده سببا فيه. ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي: محسوب من جماعتي، فهو كالجزء مني، وقال ﵇: "من غشنا فليس منا" (^٢) وقال الشاعر [من الوافر]:
فإنّي لست منك ولست مني (^٣)
﴿وَمَنْ عَصانِي﴾ مع كونه موافقا لي في الدين فاغفر له وكان ذلك قبل نهيه عن الاستغفار للكفار. ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ يؤيد قول النبي ﷺ: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة (٩٤ /ب) وإني حرمت المدينة بما حرم به إبراهيم مكة" (^٤).
﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١) وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣)﴾
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (١٢٦).
(٢) رواه مسلم رقم (١٠١)، وابن ماجه رقم (٢٥٧٥) بهذا اللفظ، ورواه مسلم رقم (١٠٢)، وأبو داود رقم (٣٤٢٥)، والترمذي رقم (١٣١٥)، وابن ماجه رقم (٢٢٢٤) بلفظ: "من غش فليس منا". واللفظان عن أبي هريرة ﵁.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران، الآية (٣٤).
(٤) رواه مسلم رقم (١٣٧٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١ / ٤٣٥ ]
﴿فَاجْعَلْ﴾ قلوب الناس ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ مسرعة. ﴿إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ﴾ من الوجد بالولد إسماعيل وتخليته بواد غير ذي زرع.
﴿عَلَى الْكِبَرِ﴾ في موضع الحال. ﴿الدُّعاءِ﴾ عبادة تقبل ويثاب عليها وذلك أمر زائد على كون الدعاء مستجابا، فدعا إبراهيم بأن يكون دعاؤه مقبولا عند الله مثابا عليه، واستغفر لأبيه قبل النهي وقد سبق الاعتذار عنه في سورة التوبة (^١). يوم يقوم الناس للحساب.
وقيل: يقال: قامت السوق إذا كثر البيع والشراء. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ﴾ يأيها المخاطب بهذا الكلام، وهو كل سامع، فإن رسول الله ﷺ لا يحسب الله غافلا وهو كقول الخطيب: "ابن آدم عندك ما يكفيك وتطلب ما يطغيك" (^٢).وقيل: لا يلزم من النهي عن الشيء كونه فعل؛ كقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ (^٣) ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ (^٤) ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين ﴿مُقْنِعِي﴾ رافعين ﴿رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ محدقين لما يرون، كما قال: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (^٥) أي: نظرك حادّ محدق. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ أي: خالية، كما قال حسان [من المتقارب]:
فأنت مجوف نخب هواء (^٦)
ولا يراد به الذي يهبّ، فإنه إنما يسمى ريحا، ولا يقال: هواء.
_________________
(١) في سورة التوبة، الآية (١١٤).
(٢) تقدم تخريجه في سورة يونس، الآية (٩٤).
(٣) سورة الإسراء، الآية (٣٢).
(٤) سورة الأنعام، الآية (١٥١).
(٥) سورة ق، الآية (٢٢).
(٦) هذا عجز بيت لحسان يهجو أبا سفيان قبل إسلامه، وصدره: ألا أبلغ أبا سفيان عني ينظر في: تاج العروس للزبيدي (جوف)، تفسير القرطبي (٩/ ٣٢١)، العين للخليل (٤/ ١٠٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٦٣)، لسان العرب (جوف - هوا) ومجوف ونخب وهواء: خالي الجوف، أو فارغ القلب من العقل والشجاعة.
[ ١ / ٤٣٦ ]
﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦) فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧)﴾
﴿يَوْمَ﴾ مفعول ب ﴿وَأَنْذِرِ﴾ ولا يجوز أن يكون ظرفا؛ لفساد المعنى. ﴿أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (^١) ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي﴾ بعض بلاد ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ من الكفار حتى يجمع بينه وبين قوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ (^٢) ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ اللائق بمثلهم. ﴿وَعِنْدَ اللهِ﴾ جزاء ﴿مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ﴾ قرئ بكسر لام كي وفتح لام الفعل، وقرئ بفتح اللام الأول، وتكون هي الفارقة، ورفع لام الفعل (^٣). وقيل في ﴿وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾: إنه من باب المقلوب، وتقديره: مخلف رسله وعده، وهذا ليس بمقلوب، وهو مثل قول الشاعر [من الطويل]:
ترى الثور فيها مدخل الظّلّ رأسه وسائره باد إلى الشّمس أجمع (^٤)
إنما المقلوب في المركبات كقوله: ﴿إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ (^٥) لتنهض بالمفاتح، ومعنى قوله (٩٥ /أ) ناء بالحمل، أي: نهض مائلا إلى أحد شقيه، ومثله قوله - تعالى:
﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ على قراءة من قرأ كذلك (^٦).
_________________
(١) سورة النحل، الآية (٣٨).
(٢) سورة النمل، الآية (٥٢).
(٣) قرأ الكسائي "لتزلّ "، وقرأ باقي العشرة "لتزول". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٤٣٧)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٠٣)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٣٧٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ٢٧٩) السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٦٣)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٨٣)، المحتسب لابن الجزري (١/ ٣٦٥)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٠٠).
(٤) ينظر البيت بلا نسبة في: أمالي المرتضي (١/ ٢١٦)، خزانة الأدب للبغدادي (٤/ ٢٣٥)، الدرر اللوامع (٢/ ١٥٦)، شرح أبيات سيبويه (١/ ١٩٢)، الكتاب لسيبويه (١/ ١٨١).
(٥) سورة القصص، الآية (٧٦).
(٦) سورة الإسراء، الآية (٨٣) وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر وأبي جعفر "وناء"، -
[ ١ / ٤٣٧ ]
والمقلوب في المفردات كقولهم: شاك السلاح، بمعنى: شائك، وجرف هار، بمعنى:
هائر. ومن المركب قولهم: أدخلت الخاتم في إصبعي.
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١) هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)﴾
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ يعني: تبدل صفاتها فتدك جبالها ويسوى منخفضها بالمرتفع حتى تكون ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ (^١) ومنه قولهم:
ذهب بوجه وجاء بوجه غير الذي ذهب به، ومنه: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها﴾ (^٢) على أحد القولين. وقيل: هو تبديل على الحقيقة، يخلق الله أرضا غير هذه الأرض لم يعص الله عليها قط. ﴿الْأَصْفادِ﴾ القيود. والقطران إذا أحرق بالنار كان شديد الحر كثير النتن فيعظم بسببه العذاب.
قيل: لكل كتاب عنوان، وعنوان هذا الكتاب العزيز: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾.
***
_________________
(١) = وقرأ جمهور القراء "ونأى". تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٧٥)، حجة ابن خالويه (ص: ٢٢٠)، حجة أبي زرعة (ص: ٤٠٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٨٤)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٤٦٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٠٨).
(٢) سورة طه، الآيتان (١٠٧، ١٠٦).
(٣) سورة النساء، الآية (٥٦).
[ ١ / ٤٣٨ ]