﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (٣) ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ أي: دم على التقوى. ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ فيما يدعونك إليه. روي أنهم قالوا له: إن العرب لا تحتمل القهر فاعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة؛ فنزلت (^١). كان رجل من العرب فصيح اللسان يقال له أبو عمرو، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكل منهما كما يعقل محمد؛ فأنزل الله تعالى ذكره ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (^٢). ومثل ذلك بمثالين؛ أن تكون المرأة أم الرجل وهي زوجته، وجعل الدعي نسيبا؛ فكما لا يجتمع هذان الأمران لا يجتمع أن يكون للرجل قلبان. ﴿ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ﴾ وكل قول لا يعضده دليل يعبر الله تعالى عنه بأنه قول بالفم، وإن كانت الأقوال كلها بالفم، أي: لا يواطئ عليها القلب. وقوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ زيادة تصوير للأمر كأنك تشاهده، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ (^٣). وقوله: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (^٤).
وقد اشتق لفظ الظهار من قوله: أنت عليّ كظهر أمي. وكذلك تأفف الرجل إذا قال:
أفّ. وإنما عدي "ظاهر" ب "من"، وكان الظهار طلاقا في الجاهلية تجتنب فيه المرأة المظاهر منها؛ لأنه ضمن "تظاهر" معنى "تباعد" فعدي تعديته.
_________________
(١) رواه الواحدي في أسباب النزول (ص: ٣٦٤ رقم ٦٨٨).
(٢) رواه الطبري في التفسير (٢١/ ١١٨)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٦١) للفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) سورة الأنعام، الآية (٣٨).
(٤) سورة الحج، الآية (٤٦).
[ ٢ / ٩٧ ]
﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥) النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٦)﴾
وقيل: كانت العرب إذا رأوا من رجل جمالا وسيرة حسنة ضمه رجل منهم إلى نفسه وتبناه، جعله ابنه وأعطاه ما يعطي أحدا أولاده، ثم نسخ ذلك بقصة زيد بن حارثة، ونزل فيه: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ الآية (^١).
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا﴾ لهم أبا فهم إخوانكم في الدين، نصفه بالأخوة، ولا نصفه بالبنوة.
﴿وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ﴾ في موضع خفض، عطفا بلفظة "لكن" على "ما" في قوله:
﴿فِيما أَخْطَأْتُمْ﴾ ويجوز أن (١٨٨ /أ) يكون محله الرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح. وقوله: ﴿فِيما أَخْطَأْتُمْ﴾ يريد به تسميته الدعي ابنا قبل التحريم أو بعده على سبيل الإكرام للشخص، ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ به في مسألة الدعي وغيره. فإن قلت: ما حكم التبني؟ قلت: إذا استلحق صبيّا في سن تحتمل أن يكون ولدا له ثبت النسب والميراث، وإن كان عبدا عتق مع ثبوت النسب، وإن كان لا يولد مثله لمثله لم يثبت النسب، ولكنه يعتق عند أبي حنيفة، ولا يعتق عند صاحبيه. وأما المعروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبني، وإن كان عبدا عتق (^٢).
قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ تجب طاعته عليهم في المنشط والمكره، وتقديم أوامره على مصالح أنفسهم، حتى قال بعض أصحاب الشافعي: يجوز له - ﵇ - أن يأخذ الماء من العطشان، وإن لم يكن الرسول ﷺ مضطرا، ويجب أن يبذلوا نفوسهم له (^٣).
_________________
(١) رواه الطبري في التفسير (٢١/ ١١٩).
(٢) ينظر: الهداية شرح البداية للمرغيناني (٥٢، ٢/ ٥١)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق لزين بن إبراهيم (٢/ ٢٥٠).
(٣) ينظر: روضة الطالبين للإمام النووي (٧/ ٨)، وكذا مذهب الحنابلة، ينظر: الإنصاف للمرداوي (٤٢، ٨/ ٤١)، كشاف القناع للبهوتي (٥/ ٢٧).
[ ٢ / ٩٨ ]
ويجوز أن يكون المراد: النبي أولى بالمؤمنين بشفقته عليهم والسعي في مصالحهم، وأرأف بهم وأرحم؛ لقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (^١).
وعن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة؛ اقرؤوا ما شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ " (^٢).وفي قراءة ابن مسعود: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم" (^٣).وقال مجاهد: كل نبي أبو أمته (^٤) صار المؤمنون إخوة بذلك؛ لأن النبي ﷺ أبو هم في الدين وأزواجه أمهاتهم. واعلم أن هذه النسبة لا تتفرع تفرع الأنساب؛ فلا يقال معاوية خال المؤمنين، وما أشبه ذلك من الأنساب، واختلفوا في نساء النبي ﷺ هل هن أمهات لنساء المؤمنين؟ على وجهين.
﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ في بعض الأحكام؛ وهي تحريم نكاحهن بقوله تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (^٥). واحترامهن، وهن فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيات. وقول عائشة ﵂: "لسنا أمهات النساء" (^٦) تريد به أن تحريم زوجات النبي ﷺ إنما يظهر في الرجال؛ لأن المرأة بالنسبة إلى المرأة لا توصف بحل ولا حرمة. وقد تزوج عثمان ابنتي رسول الله ﷺ وتزوج علي فاطمة، ولم يقل لأحد منهم إنه تزوج أخته من أبيه.
وكان المسلمون في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف والنصرة والهجرة، ثم نسخ ذلك بقوله:
﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ (١٨٨ /ب).
﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ عني: اللوح المحفوظ، أو: فيما أوحى الله إلى نبيه وهو هذه الآية، أو آية المواريث، أو: فيما فرض؛ كقوله: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ (^٧). ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ يجوز أن يكون بيانا لأولي الأرحام، أي: الأقرباء من المؤمنين والمهاجرين،
_________________
(١) سورة التوبة، الآية (١٢٨).
(٢) رواه البخاري رقم (٢٣٩٩)، ومسلم رقم (١٦١٩)، والترمذي رقم (١٠٧٠)، والنسائي (٤/ ٦٦)، وابن ماجه رقم (٢٤١٥)، عن أبي هريرة ﵁.
(٣) تقدم تخريجها في تفسير سورة هود، الآية (٧٨).
(٤) رواه سفيان الثوري في تفسيره (١/ ١٣١) ط. دار الكتب العلمية - بيروت - ١٩٨٣ م.
(٥) سورة الأحزاب، الآية (٥٣).
(٦) ذكره بهذا اللفظ الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٢٣)، وذكر السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٦٧) ونسبه لابن سعد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة: "أن امرأة قالت لها: يا أمي. فقالت: أنا أم رجالكم، ولست أم نسائكم".
(٧) سورة النساء، الآية (٢٤).
[ ٢ / ٩٩ ]
أي: بعضهم أولى بأن يرث البعض من الأجانب، ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، أي:
أولى بالميراث، أي: أولى من المؤمنين بحق الولاية في الدين، ومن المهاجرين بحق الهجرة.
فإن قلت: مم استثنى قوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا؟﴾ قلت: من أعم العام في معنى النفع والإحسان؛ كما تقول: القريب أولى من الأجنبي بالتركة إلا أن يوصى له، والمراد بفعل المعروف الوصية؛ لأنه "لا وصية للوارث" (^١).وعدي ﴿تَفْعَلُوا﴾ ب "إلى" لأنه في معنى تسدوا، والمراد بالأولياء: المؤمنون والمهاجرون، الولاية في الدين.
﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الآيتين جميعا، وتفسير الكتاب ما مرّ آنفا، والجملة مستأنفة كالخاتمة لما ذكره من الأحكام.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٧)﴾
واذكر حين أخذنا من النبيين جميعا ميثاقهم بتبليغ الرسالة والدعاء للدين القيم ﴿وَمِنْكَ﴾ خصوصا ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وإنما فعلنا ذلك ليسأل الله يوم القيامة عن الأشهاد المؤمنين الذين صدقوا عهدهم، ووفوا به من جملة من أشهدهم على أنفسهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ (^٢) بصدقهم في عهدهم وشهادتهم فتشهد لهم الأنبياء بأنهم صدقوا عهدهم، وأنهم وفوا بما عاهدوا الله عليه.
أو: ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم؛ لأن من قال لصادق: صدق. كان صادقا في قوله، أو: ليسأل الأنبياء: ما الذي أجابتهم به أممهم؟ وفائدة سؤال الرسل تبكيت أممهم المكذبين. وقدم رسول الله ﷺ وذكر بعده مشايخ الأنبياء؛ أما نوح فلأنه الأب الأصغر، والخلق كلهم أولاده، وأما إبراهيم؛ فلأنه أبو هذه الأمة؛ قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ (^٣). وأما موسى وعيسى؛ فلأنهما صاحبا الكتابين والشريعتين؛ لأن هذا الذكر
_________________
(١) هذا جزء من حديث أبي أمامة في خطبة الوداع، رواه أحمد في المسند (٥/ ٢٦٧)، وأبو داود رقم (٢٨٧٠)، والترمذي رقم (٦٧٠)، وابن ماجه رقم (٢٥٠٧)، وحسنه الترمذي، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء رقم (١٦٥٥، ١٦٣٥).
(٢) سورة الأعراف، الآية (١٧٢).
(٣) سورة الحج، الآية (٧٨).
[ ٢ / ١٠٠ ]
إنما هو للتشريف، وقدم الأشرف فالأشرف. فإن قلت: فقد جرى تقديم نوح مع أنه ليس بأفضل من محمد ﷺ في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا﴾ (^١).
قلت: سياق تلك (١٨٩ /أ) الآية مخالف لهذا السياق؛ لأنهم اتبعوا الدين الحق؛ لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا﴾ ثم قال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (^٢) فكأنه قال: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوحا في العهد القديم، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسطهما من الأنبياء والمشاهير. قوله: ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ليس المراد منه أخذ ميثاقا آخر؛ بل هو هو، والتقدير: وأخذنا منهم بأخذ العهد ميثاقا غليظا.
﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾
قوله: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا،﴾ والتقدير: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم، وأعتدنا للكافرين عذابا أليما. ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ يوم الأحزاب وهو يوم الخندق. ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ وهم الأحزاب فأرسل الله عليهم ريح الصبا؛ قال ﷺ:
"نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" (^٣). ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ وهم الملائكة، وكانوا ألفا فبعث الله عليهم ريحا باردة في ليلة شاتية، فاشتد عليهم البرد، وسفت عليهم الريح التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فاقتلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب (^٤) وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وماجت (^٥) الخيل بعضها في بعض، وقذف الله في قلوبهم الرعب،
_________________
(١) سورة الشورى، الآية (١٣).
(٢) سورة الشورى، الآية (١٣).
(٣) رواه البخاري رقم (٣٣٤٣، ٣٢٠٥٠، ١٠٣٥)، ومسلم رقم (٩٠٠)، وأحمد في المسند (١/ ٣٢٤)، وابن حبان رقم (٦٤٢١)، عن ابن عباس ﵄.
(٤) الأطناب: ما يشد به البيت من الحبال بين الأرض والطرائق (ابن سيده). الطنب: حبل طويل يشد به البيت والسرادق بين الأرض والطرائق، وقيل: هو الوتد والجمع أطناب وطنبة. ينظر: لسان العرب (طنب).
(٥) ماج البحر يموج موجا وموجانا ومؤوجا وتموج اضطربت أمواجه وموج كل شيء وموجانه اضطرابه وماج الناس دخل بعضهم في بعض. ينظر: لسان العرب (موج).
[ ٢ / ١٠١ ]
وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم، فقال طليحة بن خويلد: أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجا النجا (^١) فانهزموا من غير قتال، وانهزم الأحزاب، وحين سمع رسول الله ﷺ بقدومهم وإقبالهم حفر الخندق، وأشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب معسكرهم والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء، فرفعوا الآطام (^٢) واشتد الخوف، وظن المؤمنون كل ظن، ونجم (^٣) النفاق من المنافقين، حتى قال معتب بن قشير (^٤): كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من الأحابيش (^٥) وهي كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد، وقائدهم عيينة بن حصن (١٨٩ /ب) وعامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا بالنبل والحجارة، حتى أنزل الله النصر (^٦).
﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾
_________________
(١) النجا: السرعة في السير وقد نجا نجاء ممدود، وهو ينجو في السرعة نجاء وهو ناج سريع ونجوت نجاء أي أسرعت وسبقت وقالوا: النجاء النجاء والنجا النجا فمدوا وقصروا. ينظر: لسان العرب (نجا).
(٢) الأطم: حصن مبني بحجارة وقيل: هو كل بيت مربع مسطح. وقيل: الأطم مثل الأجم يخفف ويثقل والجمع القليل آطام وآجام. ينظر: لسان العرب (أطم).
(٣) نجم الشيء: ظهر وطلع وبابه دخل يقال: نجم السن والقرن والنبت إذا طلعت. ينظر: لسان العرب (نجم).
(٤) هو معتب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس الأنصاري الأوسي، ذكر فيمن شهد العقبة. وقيل إنه كان منافقا، وإنه الذي قال يوم أحد: (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا) وقيل: إنه تاب وقد ذكره بن إسحاق فيمن شهد بدرا. تنظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ١٤٢٩)، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٦/ ١٧٥).
(٥) الأحابيش: أحياء انضموا إلى بني ليث في الحرب التي وقعت بينهم وبين قريش قبل الإسلام؛ سموا بذلك لاسودادهم، فلما سميت تلك الأحياء بالأحابيش من قبل تجمعها صار التحبيش في الكلام كالتجميع. وحبشي: جبل بأسفل مكة يقال منه سمي أحابيش قريش وذلك أن بني المصطلق وبني الهون بن خزيمة اجتمعوا عنده فحالفوا قريشا وتحالفوا بالله إنا ليد على غيرنا ما سجا ليل ووضح نهار وما أرسى حبشي مكانه فسموا أحابيش قريش باسم الجبل. ينظر: لسان العرب (حبش).
(٦) رواه الطبري في التفسير (٢١/ ١٣٠ - ١٣١)، ونسبه له الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار التي في الكشاف (٣/ ٩٩) وزاد نسبته لابن هشام في السيرة النبوية.
[ ٢ / ١٠٢ ]
﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا (١٣)﴾
﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ من أعلى الوادي من قبل نجد وهم غطفان ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ من أسفل الوادي قريش؛ تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة؛ حتى نستأصل محمدا.
﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ﴾ مالت عن مستوى نظرها حيرة. وقيل: عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلى عدوّها من شدة الخوف. الحنجرة: رأس الغلصمة (^١) وهي منتهى الحلقوم. وإذا زاد الهم أو الخوف أو البلاء ارتفع القلب إلى الحنجرة، ويجوز أن يكون تمثيلا للهول، وإن لم يبلغ الحناجر حقيقة. ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ يشمل الظان المخلص والمشكك، فيقول الظانون بالحق:
الله يبتلي عباده بما يشاء، ويقول الشاكون: لو تيقّنا الحق لانتصرنا وما انهزمنا. والوعود التي سبقت من النبي ﷺ ما كانت إلا غرورا بالنصر.
﴿الظُّنُونَا﴾ و﴿الرَّسُولا﴾ و﴿السَّبِيلا﴾ قرئت بإلحاق ألف في الوصل؛ إجراءا له مجرى الوقف (^٢)؛ كقوله [من الوافر]:
أقلّ اللوم عاذل والعتابا وقل لي إن أصبت لقد أصابا (^٣)
_________________
(١) الغلصمة: رأس الحلقوم، وهو الموضع الناتئ في الحلق والجمع: الغلاصم. وقيل: الغلصمة: اللحم الذي بين الرأس والعنق. وقيل: متصل الحلقوم بالحلق. ينظر: لسان العرب (غلصم).
(٢) قرأ نافع وابن عامر وشعبة عن عاصم وأبو جعفر "الظنونا" بإثبات الألف وصلا ووقفا. وقرأ أبو عمرو وحمزة ويعقوب "الظنون" بحذف الألف وصلا ووقفا، وأثبتها وقفا وحذفها وصلا عاصم في رواية حفص عنه والكسائي وابن كثير وخلف. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢١٧)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٧٣)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٠٤)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥١٩)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٧).
(٣) البيت لجرير ينظر في: خزانة الأدب (١/ ٦٩)، الخصائص لابن جني (٣/ ٦٩)، الدرر اللوامع (٥/ ١٧٦)، ديوان جرير (ص: ٨١٣)، شرح أبيات سيبويه (٢/ ٣٤٩)، شرح الأشموني (١/ ٢١)، همع الهوامع (٢/ ٨٠).
[ ٢ / ١٠٣ ]
والمعنى: أن الخوف أزعجهم أشد الإزعاج.
﴿طائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ معتب بن قشير، وأوس بن قبطي. وقيل: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، و﴿يَثْرِبَ﴾ اسم المدينة. وقيل: أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ لا قرار لكم. ﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى بيوتكم؛ أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله ﷺ.
وقيل: المراد ب "ارجعوا" أن يرجعوا إلى دينهم الأول، ويسلموا محمدا وإلا فليس هذا المكان مكان حرب ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أي: ليست بمحصنة، والعدو متمكن منها وهم كاذبون، بل كانت بيوتهم محصنة؛ كذبهم الله وبين أن ليس قصدهم بذلك إلا الفرار.
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧)﴾
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ المدينة. وقيل: بيوتهم، تقول: دخلت على فلان داره ﴿مِنْ أَقْطارِها﴾ من جوانبها. ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ الرجوع إلى دينهم، ومن قرأ ﴿لَآتَوْها﴾ بالقصر، أي: لجاءوها، ومن قرأ بالمد (^١) فمعناه: لأعطوها ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها﴾ أي بإعطاء كلمة الكفر. قيل: ما تلبثوا بها؛ أي: بالمدينة، فإذا خالفوا (١٩٠ /أ) الأمر وأعطوا الكفر غضب الله عليهم فابتلوا وأخرجوا من ديارهم؛ وذلك لمقتهم الإسلام وبغضهم لأهله، وكان رسول الله ﷺ قد عاهد الأنصار ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم. وقيل: هم قوم اتفقت غيبتهم عن بدر؛ فقالوا: فاتنا مغنم بدر وثوابها، والله لئن أشهدنا الله موقفا مع الرسول ﷺ لنبلغن الجهد في القتال؛ فلما جاءت وقعة أحد انهزموا، وعتبهم الله بقوله: ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا﴾ الآية ﴿مَسْؤُلًا﴾ مطلوبا حتى يوفّى به. ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ﴾ مما لا بد لكم من نزوله بكم، وإن منعكم الفرار ومنعتم بالبقاء لم
_________________
(١) قرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر "لأتوها" وقرأ الباقون "لآتوها". تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢١٨)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٨٩)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٧٤)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٠٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٢٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٥٤)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٨).
[ ٢ / ١٠٤ ]
يكن زمن تمتعكم إلا قليلا. وروي أن بعض بني مروان مر بحائط مائل فأسرع في الذهاب؛ فقيل له: ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ فقال: ذلك القليل أطلب.
فإن قيل: كيف ذكر العصمة وإذا حصلت العصمة انتفى السوء؟! قلت: حمل الثاني على الأول؛ لما في العصمة من معنى المنع. وقيل: المراد: أن يعصمكم من السوء إن أردتم رحمة.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلًا (٢٠) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (٢١)﴾
﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ الذين كانوا يثبطون الناس عن القتال، ويلقون في مسامع المسلمين: إن إخوانكم من الغزاة قتلوا، فتعالوا نجتمع ونكن حزبا واحدا.
و﴿هَلُمَّ﴾ بمعنى تعالى، وأهل الحجاز لا يثنونه ولا يجمعونه؛ يقولون للرجل وللرجلين وللرجال: هلم وغيرهم يقول: هلمي وهلما وهلموا وهلممن.
﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ إلا زمانا قليلا. ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ في وقت الحرب بخلا بكم، خشية أن يصيبكم مكروه. ﴿يَنْظُرُونَ﴾ إليكم في تلك الحالة؛ كما ينظر المغشي عليه من معالجة سكرة الموت وحذرا وخورا. ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ﴾ وحيزت الغنائم ووقعت القسمة جاءوا يطلبون نصيبهم منها بألسنة حداد وقالوا: وفّروا قسمنا منها. قوله: ﴿أَشِحَّةً﴾ حال، وإنما ذكر الإحباط في أعمال المنافقين مع أن أعمالهم محبطة من أصلها؛ لدفع وهم من يظن أن المنافق لإظهار دين الإسلام قد يتخيل له نصيب من الأجر لما أظهر من إيمانه؛ فقطع مطامعهم بذلك. فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ وكل شيء يسير عليه؟ فجوابه أن الرجل الصالح (١٩٠ /ب) حقيق ألا يناله مكروه؛ فإن وقع ذلك فهو على مخالفة الدليل. وجاء في الحديث عن الله تعالى أنه قال: "ما ترددت في شيء ترددي في قبض روح
[ ٢ / ١٠٥ ]
عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه" (^١).
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لم ينهزموا وقد انهزموا وانصرفوا عن الخندق راجعين إلى المدينة؛ لما نزل بهم من الخوف الشديد. ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ﴾ كرة ثانية يتمنوا؛ لخوفهم مما منوا به ﴿لَوْ أَنَّهُمْ﴾ خارجون إلى البدو. ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ من كل قادم منهم من جانب المدينة عن أخباركم وعما جرى عليكم. ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال: ﴿ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلًا﴾ إلا بعلة رياء وسمعة.
﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ في ثباته مع انهزامكم حتى كسرت رباعيته، وشج وجهه وقوله: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الرسول نفسه أسوة، أي: يقتدى به؛ كما تقول: في البيضة عشرون منا؛ أي: هي في نفسها هذا المبلغ. والثاني: أن فيه خصلة حقها أن يتأسى بها.
قوله: ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ بدل من قول: "لكم" بإعادة الجار؛ كقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (^٢). ﴿يَرْجُوا اللهَ﴾ قيل: يخافه. وقيل: يأمله. وقيل: الأمران ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾
﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾
وكان رسول الله ﷺ قد قال لأصحابه: "يأتيكم الأحزاب لتسع أو عشر، يعني:
لتسع ليال أو عشر، فلما جاءوا في العدد الذي ذكره رسول الله ﷺ ﴿قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ (^٣) ﴿وَما زادَهُمْ﴾ رؤية ذلك ﴿إِلاّ إِيمانًا﴾ بالله ﴿وَتَسْلِيمًا﴾
_________________
(١) هذا جزء من الحديث القدسي المشهور الذي أوله:" من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب " الحديث. رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٥٠٢)، وابن حبان في صحيحه رقم (٣٤٧) عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ عن ربه ﷾.
(٢) سورة الأعراف، الآية (٧٥).
(٣) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٣/ ١٠٠) عن ابن عباس، ولم يعلق عليه.
[ ٢ / ١٠٦ ]
لقضائه. و﴿هذا﴾ إشارة إلى الخطب.
نذر جماعة من الصحابة أنهم إن حضروا مع رسول الله ﷺ أن يقاتلوا حتى يقتلوا منهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وغيرهم ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ يعني: حمزة ومصعبا.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ يعني: عثمان وطلحة. وفي الحديث:" من أحب أن (١٩١ /أ) ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة " (^١).وقضاء النحب: الموت فإنه إذا مات انقطع النذر ولم يبق وفاء بالشرط؛ فعبر عن انقضاء حكم النذر بوفائه، يقال: صدق وعده إذا صدق. وقولهم: صدقني أخوك وكذبني، أي: قال لك الصدق والكذب، وأما قولهم:
صدقني سن بكره (^٢)؛ فالمراد: صدقني في سن بكره [بطرح الجار] (^٣) وإيصال الفعل، فلا يخلو قوله: ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ إما أن يكون مثل" صدقني في سن بكره "أو يجعل المعاهد عليه مصدرا؛ كقولك: صدقني الحديث؛ كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك وهم وافون به، فقد صدقوه، فلو كانوا ناكثين لكذبوه ولكان مكذوبا. ﴿وَما بَدَّلُوا﴾ العهد، وما غيروه لا المستشهد ولا من ينتظر الشهادة.
ولقد ثبت طلحة مع رسول الله ﷺ حتى شلت يده؛ فقال ﷺ:" أوجب طلحة " (^٤) أي: وجبت له الجنة، وفيه تعريض بمن بدل من أهل النفاق، ومرض القلوب، وجعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء، وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم؛ لأن كلا الفريقين مسوق إلى ما قضى له من ثواب أو عقاب.
﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٣٧٣٩)، وابن ماجه رقم (١٢٥)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (١٢٥) بمجموع طرقه.
(٢) هذا مثل يضرب للصادق في خبره ويقوله الإنسان على نفسه وإن كان ضارا له وأصله: أن رجلا ساوم رجلا في بكر ليشتريه فسأل صاحبه عن سنه، فأخبره بالحق فقال المشتري: صدقني سن بكره. ينظر: النهاية في غريب الأثر لابن الأثير (٢/ ٤١٣).
(٣) زيادة من الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٣٢) وليست بالأصل وهي مناسبة للسياق.
(٤) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٦٤٣، ٤/ ٢٠١) وقال: حسن صحيح غريب، وحسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٦٢٨) عن الزبير بن العوام ﵁.
[ ٢ / ١٠٧ ]
﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)﴾
الباء في قوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ مثلها في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (^١) ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ وهما حالان مترادفان، أو متداخلان، ويجوز أن تكون الثانية بيانا للأولى واستئنافا. ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ بالريح والملائكة ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ من حصونهم.
والصيصية: ما تحصّن به، يقال لقرن الثور والظبي: صيصية، ولمخلب الديك صيصية.
روي أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي ﷺ صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا سلاحهم، جاء جبريل على فرسه الحيزوم، والغبار على وجه فرسه وعلى سرجها، فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: من متابعة قريش، فجعل رسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجه الفرس وسرجه، فقال: يا رسول الله، إن الملائكة لم تضع السلاح، وإن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وإن الله (١٩١ /ب) داقّهم دقّ البيض على الصفا وأنهم لك طعمة، فأذّن في الناس أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاء لقول رسول الله ﷺ ذلك " (^٢) فحاصرهم رسول الله ﷺ خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار؛ فقال لهم رسول الله ﷺ:" تنزلون على حكمي؟ فأبوا، فقال: على حكم سعد بن معاذ؟ فرضوا به، فقال سعد بن معاذ: حكمت بقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم ونسائهم؛ فكبر النبي ﷺ وقال: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة "أي: سبع سماوات، وخندق رسول الله ﷺ خندقا وقدّمهم فضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" (^٣).
وقيل: كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.
وقرئ ﴿الرُّعْبَ﴾ بسكون العين وضمها (^٤). وروي أن رسول الله ﷺ جعل عقارهم
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآية (٢٠).
(٢) رواه البخاري رقم (٤١١٩)، ومسلم رقم (١٧٧٠).
(٣) رواه البخاري رقم (٤١٢٢)، ومسلم رقم (١٧٦٩).
(٤) قرأ أبو عمرو وحمزة وخلف وعاصم ونافع وابن كثير: "الرعب"، وقرأ ابن عامر والكسائي وأبو جعفر ويعقوب: "الرعب". تنظر القراءات في: إتحاف فضلاء البشر للبنا (ص: ٣٥٤)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٥٧)، النشر لابن الجزري (٢/ ٢١٦).
[ ٢ / ١٠٨ ]
للمهاجرين دون الأنصار؛ فقال الأنصار في ذلك، فقال: أسلم في منازلكم. فقالوا: ألا تخمس كما خمست يوم بدر. فقال: إنما جعلت هذه طعمة لي دون الناس. فقالوا: رضينا بما صنع الله ورسوله (^١).
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾
﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها﴾ قيل: فارس والروم (^٢). وقيل: مكة (^٣). وقيل: خيبر (^٤). وقيل:
كل أرض لم تفتح إلى يوم القيامة (^٥)، ومن بدع التفاسير أنه أراد نساءهم (^٦).
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾
أراد نساء النبي ﷺ شيئا من الدنيا من ثياب وزيادة نفقة وتغايرن، فغمّ ذلك رسول الله ﷺ، فنزلت، فبدأ بعائشة وخيرها - وكانت أحبهن إليه - وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرئي الفرح في وجه رسول الله ﷺ، ثم اختار جميعهن اختيارها، فشكر الله لهن ذلك؛ فأنزل: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية (^٧). وحكم التخيير في الطلاق إذا قال لها: اختاري. فقالت: اخترت نفسي. أو قال: اختاري نفسك.
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٢٩١٤)، ومسلم رقم (١١٩٦).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ١٥٥) عن الحسن.
(٣) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٩٢) لعبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ١٥٥) عن يزيد بن رومان.
(٥) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٥٩٢) للفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة.
(٦) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٣٤) قال الطبري في تفسيره (٢١/ ١٥٥): "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله - تعالى ذكره - أخبر أنه أورث المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ أرض بني قريظة وديارهم وأموالهم وأرضا لم يطئوها يومئذ ولم تكن مكة ولا خيبر ولا أرض فارس والروم ولا اليمن مما كان وطئوه يومئذ ثم وطئوا ذلك بعد وأورثهموه الله، وذلك كله داخل في قوله: وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها لأنه - تعالى ذكره - لم يخصص من ذلك بعضا دون بعض".
(٧) رواه البخاري رقم (٤٧٨٥)، ومسلم رقم (١٤٧٥).
[ ٢ / ١٠٩ ]
فقالت: اخترت. لا بد من ذكر النفس في قول المخيّر أو في قول المخيّر أو المخيّرة، وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه، واعتبروا أن يكون ذلك في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض، واعتبر الشافعي اختيارها على الفور، وهي عنده طلقة (١٩٢ /أ) رجعية، وهو مذهب عمر وابن مسعود. وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره. وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بإجماع فقهاء الأمصار (^١).
وعن عائشة - ﵂ - قالت: "خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعدّ ذلك طلاقا" وفي رواية: "أفكان طلاقا؟ " (^٢).وعن علي - ﵁ -: إن اختارت نفسها فهي طلقة واحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فطلقة واحدة رجعية. وفي رواية عنه:
إن اختارت زوجها فليس بشيء (^٣).
أصل "تعال" أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان المستفل، ثم كثر حتى استوت في استعماله الأمكنة. ومعنى ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد الأمرين، ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن؛ كما تقول: أقبل يخاصمني، وأقبل يهددني.
﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطكن متعة الطلاق، فإن قلت: ما حكم المتعة؟ قلت: المطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها في العقد فرض تستحقها واجبة عند أبي حنيفة وأصحابه، وأما سائر المطلقات فمتعتهن مستحبة (^٤). وعن الزهري: هما متعتان إحداهما: يقضي بها السلطان؛ وهي من طلق قبل ما يفرض ويدخل بها. والثانية: حق على المتقين، من طلق بعد ما يفرض ويدخل بها. وخاصمت امرأة إلى شريح في المتعة، فقال: متعها إن كنت من المتقين ولم يجبره. وعن سعيد بن جبير: حق مفروض. وعن الحسن: لكل مطلقة متعة إلا المختلعة والملاعنة (^٥). والمتعة: درع وخمار وملحفة على حسب الطاقة والسعة والاقتدار، إلا
_________________
(١) ينظر: بداية المبتدي للمرغيناني (١/ ٧٢)، المبسوط للسرخسي (٦/ ١٠١)، الأم للإمام الشافعي (٥/ ٢٥٥)، المهذب للشيرازي (٢/ ٨٢).
(٢) رواه البخاري رقم (٥٢٦٣، ٥٢٦٢)، ومسلم رقم (١٤٧٧).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٣٥).
(٤) ينظر: الاستذكار لابن عبد البر (٦/ ١٢٢)، إعانة الطالبين لأبي بكر البكري (٣/ ٣٥٦)، بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ٧٣).
(٥) ذكر هذه الأقوال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٣٥).
[ ٢ / ١١٠ ]
أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك؛ فيجب لها الأقل منهما ولا ينقص عن خمسة دراهم عند أبي حنيفة؛ لأن أقل المهر عنده عشرة؛ فنصف المهر خمسة (^١). فإن قلت: ما وجه من قرأ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بالرفع (^٢)؟
قلت: وجهه الاستئناف. والسراح الجميل: طلاق السنة.
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾
﴿مِنْكُنَّ﴾ للتببين لا للتبعيض.
﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الظاهرة القبح، وهي الكبيرة، والمراد: كل ما اقترفن من الكبائر، وقيل: هو عصيانهن رسول الله ﷺ ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه. وقيل: الزنا.
والله عاصم رسوله ﷺ من ذلك كما مرّ في حديث الإفك، وإنما ضوعف عذابهن؛ لأن ما قبح من سائر النساء كان منهن أشد قبحا (١٩٢ /ب) لأن زيادة قبح المعصية يتبع زيادة الفضل والمرتبة، وليس لأحد من النساء من الفضل مثل فضل نساء النبي ﷺ ولا على واحدة منهن من نعم الله ما عليهن، وأجلّها تزويجهن النبي ﷺ، وذم العاصي العالم أشد من ذم الجاهل؛ ولذلك فضل حد الأحرار [على حد العبيد] (^٣) حتى إن أبا حنيفة وأصحابه لا يوجبون الرجم على الكافر (^٤). ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ إعلام بأن
_________________
(١) ينظر: شرح فتح القدير لمحمد بن عبد الواحد السيواسي (٣/ ٣٢٧)، فتاوى السعدي (١/ ٢٩٥).
(٢) قرأ جمهور القراء "أمتعكن وأسرحكن" بالجزم، وقرأ حميد الخزاز "أمتعكن وأسرحكن" بالرفع على الاستئناف. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٢٧)، تفسير القرطبي (١٤/ ٧٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤١٢)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢٧٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٣٤).
(٣) زيادة من الكشاف (٣/ ٥٣٦).
(٤) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٩٨)، بدائع الصنائع للكاساني (٧/ ٣٨) قال الجصاص: "واختلف الفقهاء في الذميين هل يحدان إذا زنيا؛ فقال أصحابنا والشافعي: يحدان، إلا أنهما لا يرجمان عندنا، وعند الشافعي يرجمان إذا كانا محصنين. وقال مالك: لا يحد الذميان إذا زنيا. قال أبو بكر: -
[ ٢ / ١١١ ]
تزويجهن ليس بمغن عنهن من الله شيئا، بل هو سبب في زيادة الحد، فكان ذلك داعيا إلى تشديد الأمر عليهن غير صارف عنه. والقنوت: الطاعة، وإنما ضعّف أجرهن لطلبهن رضا رسول الله ﷺ بحسن الخلق وطيب المعاشرة والقناعة وبوقرهن على عبادة الله ﷿.
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾
﴿كَأَحَدٍ﴾ أصله: وحد، وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه. ومعنى قوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أي: ليست واحدة منكن كواحدة من النساء، أي: لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء، أي: إذا تقصيت أمة النساء جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تعادلكن في الفضل والسابقة، ومثله قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ (^١) يريد: بين جماعة واحدة منهم تسوية منهم بينهم في أنهم على الحق المبين.
﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إن أردتن التقوى، وإن كنتن متقيات. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ فلا تجئن
_________________
(١) = وظاهر قوله تعالى: الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ يوجب الحد على الذميين، ويدل عليه حديث زيد بن خالد وأبي هريرة عن النبي ﷺ:" إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها "وقوله ﷺ:" أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم "ولم يفرق بين الذمي والمسلم، وأيضا فإن النبي ﷺ رجم اليهوديين. فلا يخلو ذلك من أن يكون بحكم التوراة أو حكما مبتدأ من النبي ﷺ، فإن كان رجمهما بحكم التوراة؛ فقد صار شريعة للنبي ﷺ لأن ما كان من شرائع الأنبياء المتقدمين مبقى إلى وقت النبي ﷺ فهو شريعة لنبينا ﷺ ما لم ينسخ، وإن كان رجمهما على أنه حكم مبتدأ من النبي ﷺ؛ فهو ثابت إذ لم يرد ما يوجب نسخه. والصحيح عندنا أنه رجمهما على أنه شريعة مبتدأة من النبي ﷺ لا على تبقية حكم التوراة، والدليل عليه أن حد الزانيين في أول الإسلام كان الحبس والأذى، المحصن وغير المحصن فيه سواء، فدل ذلك على أن الرجم الذي أوجبه الله في التوراة قد كان منسوخا فإن قيل: فإن النبي ﷺ رجم اليهوديين، وأنت لا ترجمهما فقد خالفت الخبر الذي احتججت له في إثبات حد الزنا على الذميين. قيل له: استدلالنا من خبر رجم اليهوديين على ما ذكرنا صحيح؛ وذلك لأنه لما ثبت أنه رجمهما صح أنهما في حكم المسلمين في إيجاب الحدود عليهما، وإنما رجمهما النبي ﷺ لأنه لم يكن من شرط الرجم الإحصان، فلما شرط الإحصان فيه وقال النبي ﷺ:" من أشرك بالله فليس بمحصن " صار حدهما الجلد". انتهى من أحكام القرآن.
(٢) سورة النساء، الآية (١٥٢).
[ ٢ / ١١٢ ]
بقولكن خاضعا؛ أي: مثل كلام المريبات والمومسات (^١). ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ﴾ أي: ريبة وفجور. ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ بعيدا من طمع المريب بحدة وخشونة من غير تخنيث أو قولا خشنا مع كونه خنثا.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾
وقرئ ﴿وَقَرْنَ﴾ بفتح القاف (^٢) من وقر يقر وقارا ومن قرّ يقرّ، حذفت الراء الأولى من رائي "اقررن" ونقلت حركتها إلى القاف؛ كما قيل: ظلن.
و﴿الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ هي القديمة التي يقال لها: الجاهلية الجهلاء. وهي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ وتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال. وقيل: ما بين آدم ونوح. وقيل: ما بين إدريس ونوح. وقيل: زمن داود وسليمان، والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهم.
ويجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق، والمراد: لا تحدثن في الإسلام (١٩٣ /أ) جاهلية تشبهن فيها بجاهلية الكفر. وأمرهن أمرا خاصا بالصلاة والزكاة، ثم جاء به عامّا في جميع الطاعات؛ لأن هاتين الطاعتين - البدنية والمالية - هما أصل سائر الطاعات، والصواب في قوله: جاء بالأمر عامّا لجميع الطاعات.
أنه مطلق ولا عموم في المطلقات، والصلاة والزكاة أصلان لسائر الطاعات؛ من اعتنى بهما اعتنى بسائر العبادات، وإنما خاطبهن بالأمر وحدهن؛ ليكون احترازهن عن الوقوع في
_________________
(١) المومسات: جمع المومسة وهي الفاجرة، وتجمع على ميامس أيضا وموامس. وامرأة مومس ومومسة: فاجرة زانية تميل لمريدها، وربما سميت إماء الخدمة مومسات، والمومسات: الفواجر مجاهرة. ينظر: لسان العرب (ومس)، النهاية في غريب الأثر لابن الأثير (٣/ ٣٧٣).
(٢) قرأ نافع وعاصم وأبو جعفر "وقرن" بالفتح، وقرأ الباقون "وقرن" بالكسر. تنظر القراءات في: البحر المحيط (٧/ ٢٣٠)، الحجة لابن خالويه (ص: ٢٩٠)، الحجة لأبي زرعة (ص: ٥٧٧)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤١٥)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٢١ - ٥٢٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٠)، النشر لابن الجزري (٢/ ٣٤٨).
[ ٢ / ١١٣ ]
المأثم أتمّ، وليتصونن عنها. واستعار للذنوب الرجس وللتقوى الطهر؛ لأن عرض المقترف للمعاصي يتلوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما الحسنات فالعرض منها نقي مصون؛ كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة تنفير للعصاة من اقتراف الذنوب. و﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصب على النداء أو على المدح، وفيه دليل على أن نساء النبي ﷺ من أهل بيته، ثم ذكر أن بيوتهن مهابط الوحي، وأمرهن ألا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب الجامع لأمرين: أحدهما: الإعجاز بفصاحته، والثاني: تعليم علوم الشريعة. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ علم ما يصلحكم في دينكم، وأنزل عليكم كتابا يهديكم إلى سبيل الرشاد، أو علم من يصلح لنبوته ممن لا يصلح، واصطفى من اختاره لذلك.
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾
وروي أن نساء النبي ﷺ قلن: "يا رسول الله، ذكر الله الرجال في القرآن بخير، وما فينا خير نذكر به؛ فنزلت ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ ونزل ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ (^١). وروي: أنه لما نزل في نساء النبي ﷺ ما نزل قال نساء المسلمين كذلك؛ فنزلت (^٢). والمسلم: الداخل في السلم بعد الحرب؛ المنقاد الذي لا يعاند أو المفوض أمره إلى الله المتوكل عليه، من أسلم وجهه إلى الله.
والمؤمن: المصدق بالله ورسوله، وبما يجب أن يصدق به. والقانت: القائم بالطاعة الدائم عليها. والصادق: الذي يصدق في نيته وقوله وعمله. والصابر: الذي يصبر على
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (١٩٥) وذكر ذلك الزيلعي في تخريج الكشاف (٣/ ١٠٧) والمناوي في الفتح السماوي تخريج أحاديث البيضاوي (٣/ ٩٣٤) وقال: رواه الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس نحوه.
(٢) روى الترمذي رقم (٣٢١١) عن أم عطية الأنصارية أنها أتت النبي ﷺ فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت هذه الآية إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب وإنما يعرف هذا الحديث من هذا الوجه. وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي رقم (٢٥٦٥).
[ ٢ / ١١٤ ]
الطاعات وعن المعاصي وعند الشدائد. والخاشع: المتواضع لله بقلبه وجوارحه. وقيل:
الذي إذا صلى لم يعرف من عن يمينه وشماله. والمتصدق: الذي يزكي ماله ولا يخل بالنوافل. وقيل: من تصدق (١٩٣ /ب) في أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين، ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين.
﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا﴾ من لا يكاد يخلو من ذكر الله بقلبه أو بلسانه أو بهما، وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر. وقال رسول الله ﷺ:" من استيقظ من نومه وأيقظ امرأته فصليا جميعا كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات " (^١).والمعنى:
والحافظاته والذاكرته، فحذف لأن السياق يدل عليه. فإن قلت: فأي فرق بين العطفين؟ أعني: عطف الإناث على الذكور، وعطف الزوجين على الزوجين؟
قلت: الأول نحو قوله: ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا﴾ (^٢). في أنهما جنسان مختلفان، فإذا اشتركا في حكم لم يكن بد من توسط العاطف بينهما، وأما العاطف الثاني فهو من عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع؛ فكان معناه: إن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾
ولما خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها؛ فلما نزلت رضيا؛ فأنكحها رسول الله ﷺ وساق إليها مهرها ستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدّا من طعام وثلاثين
_________________
(١) رواه أبو داود رقم (١٤٥١، ١٣٠٩)، وابن ماجه رقم (١٣٣٥)، وابن حبان رقم (٢٥٦٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣١٦)، وصححه ابن حبان والحاكم. وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٣٣).
(٢) سورة التحريم، الآية (٥).
[ ٢ / ١١٥ ]
صاعا من تمر (^١). وقيل: هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي ممن هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي ﷺ فقال:" قد قبلت ". وزوّجها زيد بن حارثة فسخطت وأخوها، وقالت: ما أردت إلا رسول الله ﷺ فزوجني عبده (^٢).
والمعنى: وما صح لرجل ولا امرأة من المؤمنين ﴿إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (^٣) يعني: الاختيار، وحقهم أن يجعلوا إرادتهم واختيارهم تبعا لرأيه واختياره، وجمع الضمير في قوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ حملا على المعنى في جريان ذكر المؤمن والمؤمنة. والخير ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعتق هو زيد بن حارثة. ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني: زينب بنت جحش وذلك أن رسول الله ﷺ كان قد تزوج خديجة وذكر لها أنه رأى في السوق غلاما حسنا يباع، وهو زيد بن حارثة، فاشترته خديجة بمالها، ووهبته للنبي ﷺ فأعتقه رسول الله ﷺ وتبناه وكان أبوه (١٩٤ /أ) يطوف عليه البلاد حتى وجده عند عرب.
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدري وإنّي لسائل أغالك بعدي السّهل أم غالك الجبل
فيا ليت شعري هل إلى الدّهر أوبة فحسبي من الدنيا رجوعك لي أمل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا غربها أفل
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره فيا طول ما حزني عليه وما وجل
سأعمل نص العيش في الأرض جاهدا ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي عليّ منيتي فكلّ امرئ فان وإن غرّه أمل
_________________
(١) رواه الطبري (٢٢/ ١١).
(٢) رواه الطبري (٢٢/ ١٢) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٦١٠) ونسبه لابن أبي حاتم.
(٣) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو" تكون "بالتاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي" يكون " بالياء. تنظر في: الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤١٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٢٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٤٠).
[ ٢ / ١١٦ ]
فقام حارثة وهو أبو زيد فقال: يا نبي الله إني قد أنضيت (^١) الرقاب في طلب هذا الغلام، ولو رأيت أمّه وما صنعت بنفسها لأدركتك الرحمة؛ فمنّ علينا بهذا الولد؛ فأنت أهل للمعروف. فقال النبي ﷺ: هذا الغلام واقف، فإن اختار أن يذهب معك سلمته إليك، وإن اختارني فلا يسعني أن أقصي شخصا يحب قربي؛ فدعا رسول الله ﷺ زيدا، فقال له: أتختارني أم تختار أباك وأمك؟ فقال: والله لا أختار عليك يا رسول الله أحدا أبدا. فأخذ رسول الله ﷺ بيد زيد ووقف على ملأ قريش وقال: اشهدوا أن هذا ابني يرثني وأرثه. ولم يزل يدعى زيد بن محمد حتى أنزل الله: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ الآية (^٢)، فحرم الله التبني. ثم إن زيدا خطب زينب، فأجيب فرأى رسول الله ﷺ أن يزوجه زينب، فزوجه إياها، فغضبت هي وأخوها وقالا: زوجنا عبده، ما أردنا إلا هو! وزوج رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ﵁ بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية ﵂ - وأمها أميمة بنت عبد المطلب - وأصدقها عشرة دنانير، وستين درهما، وخمارا، وملحفة، ودرعا، وخمسين مدّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر، فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما] (^٣) فجاء زيد إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أريد طلاق زينب.
فقال له النبي ﷺ: أمسك عليك زوجك واتق الله. أي: اتق الله ولا تفارق زوجك من غير ذنب، وكان الله قد أوحى إلى نبيه أن زينب ستصير زوجة له، فعتب الله عليه حيث (١٩٤ /ب) يقول له: أمسك عليك زوجك. وهو يعلم أنها ستصير زوجته، ولا يتأتى ذلك مع أمره بإمساكها، ولكن جعل الله هذه الواقعة سببا لثبوت حكم شرعي وهو أن زوجة الابن المتبنى لا تكون بمنزلة زوجة ابن الصلب؛ بل هي حلال للمتبني، وقد صرح بذلك في هذه السورة بقوله: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾. وقال في سورة النساء: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ (^٤) يحترز به من زوجة الابن الدعي. فإن قيل: هلاّ ترك الأمر بالعتب على قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وهلا عوتب على أمر يكثر فيه القالة إذا فعله؟ وهلاّ
_________________
(١) أنضى فلان بعيره أي: هزله وتنضاه أيضا. والنضو: الدابة التي هزلتها الأسفار وأذهبت لحمها. ينظر: لسان العرب (نضو).
(٢) رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٣٦) وفيه آخر بيت" فيأتي أو تأتي علي منيتي "، ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩) لابن مردويه، عن ابن عباس ﵄.
(٣) ما بين المعكوفين من عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير (٤٧، ٣/ ٤٦).
(٤) الآية (١٢٣).
[ ٢ / ١١٧ ]
صين مقام النبي ﷺ عن ذلك؟ قلت: كم من شيء فيه هجنة لكن ليس فيه في الشرع ما يكره، ومنه ما في هذه الآية؛ فإن الله ألقى في قلب زيد بغض زينب حتى يقضي ما علمه من رجوعها إلى رسول الله ﷺ فعادت إليه بعقد صحيح موافق لقواعد الشرع.
وقيل في قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ إنه محبته لزينب. وقيل: العلم بأنها ستصير زوجة له، وإظهار هذا الأخير فيه هجنة؛ وهو أن يقول لمن استشاره في أمر زوجته:
طلقها، فأنا أتزوجها لا سيما وقد اقترن بذلك جواز حل زوجة المتبنى، وهي فائدة جليلة.
وأيضا فإن الصحابة كانوا إذا عرفوا من رجل صالح رغبة في الزوجية نزل له عن إحدى زوجتيه، فزوجه بها، وكذلك كان في أول الإسلام حتى ورد المنع من ذلك فإن قلت:
الواو في قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ ﴿وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ ما هي؟ قلت:
واو الحال، أي: تقول لزيد: أمسك عليك زوجك مخفيا في نفسك إرادة ألا يمسكها وتخفي خاشيا قالة الناس وتخشى الناس حقيقا في ذلك بأن تخشى الله، والله أحق أن تخشاه. إذا بلغ الرجل حاجته على يسر بغير عسر - قيل قد قضى وطره، والمعنى: فلما فارق زيد زوجته، وقد قضى منها حاجته وطلقها وانقضت العدة زوجناكها. ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ﴾ الذي يريد أن يفعله ﴿مَفْعُولًا﴾ لا محالة. ﴿فَرَضَ اللهُ﴾ قسم وأوجب؛ من قولك: فرض لفلان كذا.
﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا (٣٩) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾
﴿سُنَّةَ اللهِ﴾ اسم موضوع للمصدر؛ كقولهم: [تربا وجندلا] (^١) أكده بقوله: ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١٩٥ /أ) يعني: قد سن الله مثل ذلك في الأنبياء الماضيين، وقد كان لداود مائة زوجة وثلاثمائة سرية، ولسليمان ثلاثمائة زوجة وألف سرية. ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مضوا. ﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ قضاء مقضيّا وحكما مبتوتا.
﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ﴾ تعريض بعد التصريح. في قوله: ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾.
﴿حَسِيبًا﴾ كافيا للمخلوق، أو: محاسبا على الصغيرة والكبيرة فتجب خشيته. ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ﴾ وكل نبي فهو أبو أمته؛ في معنى التعظيم والاحترام لا في معنى الميراث
_________________
(١) بياض بالأصل، والمثبت من الكشاف (٣/ ٥٤٣).
[ ٢ / ١١٨ ]
ووجوب النفقة. ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الرجال الذين يصلحون للنبوة، وقد قال رسول الله ﷺ في ابنه إبراهيم:" لو عاش لكان نبيّا " (^١) ولا يكون نبيّا؛ لقوله: ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
فإن قلت: أولاده الذكور الذين ماتوا: الطاهر والطيب وإبراهيم عاشوا في حياته زمنا، فهل كانوا أنبياء في ذلك الزمن؟ قلت: خرجت نبوتهم بدليلين: أحدهما: قوله: ﴿مِنْ رِجالِكُمْ﴾ يريد البالغين، فإن أولاد النبي ﷺ لم يبلغ أحد منهم مبلغ الرجال. والثاني:
إضافتهم بقوله: ﴿مِنْ رِجالِكُمْ﴾ وهؤلاء لم يكونوا من رجال أحد غير النبي ﷺ.
فإن قيل: أما كان الحسن والحسين ابنين له؟ قلت: بلى، ولكن لم يكونا رجلين حينئذ، وهما - أيضا - من رجاله لا من رجالهم، وقرئ ﴿وَلكِنْ رَسُولَ﴾ بالنصب عطفا على قوله: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ،﴾ ﴿وَلكِنْ﴾ كان ﴿رَسُولَ اللهِ﴾ وبالرفع على قوله: ولكن هو رسول الله (^٢). وقرئ ﴿وَخاتَمَ﴾ بالفتح بمعنى الطابع، وبالكسر (^٣) بمعنى فاعل الطبع فإن قلت: فسينزل عيسى بعد النبي ﷺ. قلت: يبعث مقررا لدين النبي ﷺ. وفي الحديث الصحيح:" كيف بكم إذا نزل عيسى ابن مريم وإمامكم منكم " (^٤)
_________________
(١) رواه ابن ماجه رقم (١٥١١) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٤٩٣): وإسناده ضعيف لضعف إبراهيم بن عثمان. وضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٢٢٠).
(٢) قرأ جمهور القراء" رسول "بالفتح، وقرأ ابن أبي عبلة" رسول "بالرفع. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٣٦)، الدر المصون للسمين (٥/ ٤١٩)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢٨٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٤)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٨١).
(٣) قرأ جمهور القراء" وخاتم "بالكسر، وقرأ عاصم وحده" وخاتم "بالفتح. تنظر القراءات في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٣٦)، تفسير القرطبي (١٤/ ١٩٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤١٩)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٥٢٢)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢٨٥)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٦٤)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٨١).
(٤) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٢) عن أبي هريرة ﵁. وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع رقم (٤٥٩١) قال المناوي في فيض القدير:" أي الخليفة من قريش على ما وجب واطرد، أو وإمامكم في الصلاة رجل منكم كما في صحيح مسلم "يقال له: صل بنا، فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة لهذه الأمة". وقال الطيبي: معنى الحديث: أي يؤمكم عيسى حال كونكم في دينكم وصحح المولى التفتازاني أنه يؤمهم ويقتدي به المهدي، لأنه أفضل، فإمامته أولى، وفي رواية بدل "إمامكم منك" و"يؤمكم منكم" ومعناه يحكم بشريعة الإسلام، وهذا استفهام عن حال من يكونون أحياء عند نزول عيسى كيف يكون سرورهم بلقاء هذا النبي الكريم وكيف يكون فخر هذه الأمة -
[ ٢ / ١١٩ ]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾
﴿اُذْكُرُوا اللهَ﴾ أثنوا عليه بأنواع الثناء من تسبيح وتقديس وتحميد وتمجيد، وغير ذلك مما هو أهله، وأكثروا من ذلك. قال النبي ﷺ: "ذكر الله على فم كل مسلم" (^١).وعن قتادة: هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله (^٢). وقوله: ﴿اُذْكُرُوا﴾ و﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ كلاهما موجه إلى قوله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ وهذه كلمات يقولهن البر والفاجر والجنب والحائض، والتسبيح من جملة الذكر وإنما اختصه بإعادة ذكره لتشريفه؛ كما في قوله: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ (^٣) لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يليق بجلاله (١٩٥ /ب) ويدل على تعظيم التسبيح ما هو دال على تنزّه الباري عن جميع ما لا يليق بجلاله، ومثاله أن تصف عبدك باجتناب الفواحش وترك الخيانة، وتقدم هذا الوصف على صومه وصلاته.
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾
فإن قلت: ﴿الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ إن فسرته بالرحمة لم يحسن في حق الملائكة؟
_________________
(١) = وعيسى روح الله يصلي وراء إمامهم، وذلك لا يلزم انفصال عيسى من الرسالة؛ لأن جميع الرسل بعثوا بالدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل والنهي عما خالف ذلك من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح من حيث أن كل واحدة منها حق بالإضافة إلى زمانها مراعى فيه صلاح من خوطب به، فإذا نزل المتقدم في أيام المتأخر، نزل به على وقفه، ولذلك قال ﵊: "لو كان موسى حيّا لما وسعه إلا اتباعي" تنبيها على أن اتباعه لا ينافي الإيمان به بل يوجبه.
(٢) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ١١٥) وقال: غريب بهذا اللفظ، وروى البيهقي والدارقطني من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: سأل رجل رسول الله ﷺ: "الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي. قال: اسم الله على فم كل مسلم". وقال الزيلعي (٣/ ١١٦) ورواه ابن عدي في الكامل وأعله بمروان بن سالم الغفاري، وكذلك ابن القطان في كتابه وقال: إنه ضعيف جدّا. وقال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٢٧٧٤): موضوع.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٤٥).
(٤) سورة البقرة، الآية (٩٨).
[ ٢ / ١٢٠ ]
قلت: لما كانت الملائكة دعوتهم مستجابة؛ فإذا سألوا الرحمة فكأنهم فعلوها ونظيره حياك الله، أي: أحياك، وحييتك بمعنى: دعوت لك بأن يحييك الله، وكذلك قوله:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ بمعنى: سلوا الله له الرحمة.
﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فيه دليل على أن المراد بالصلاة الرحمة، وروي أنه لما نزل ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله، ما خصك الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه: فنزلت (^١).
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: تحيتهم الملائكة حين يلقونهم سلام. وقيل: هو سلام ملك الموت وأعوانه عند قبض الروح. وقيل: سلام الملائكة عند الخروج من القبور. وقيل: هو عند دخول الجنة؛ لقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ (^٢). والأجر الكريم: الجنة. ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا﴾ أي: شاهدا على من بعث إليهم، وعلى تصديقهم وتكذيبهم بمعنى أنه مقبول عند الله قولك عليهم ولهم. فإن قيل: الشاهد إنما يسمى شاهدا عند تحمل الشهادة أو أدائها، ووقت الإرسال ليس وقتا للتحمّل ولا للأداء؟ قلت: تسميته شاهدا حال مقدرة؛ كقولك: جاءني زيد وعلى يده صقر صائدا به غدا. فإن قيل: قد فهم من إرساله أنه مأذون له في الدعوة فما فائدة قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾؟ قلت: الإذن المراد به تيسير الأمر وتسهيله، ومن ذلك قولهم في البخيل: إنه غير مأذون له في الإنفاق. أي: لا يتيسر عليه ذلك ولا يسهل.
﴿وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ جلا الله به ظلمات الشرك، ونوّر به قلوب المؤمنين. وقيل: ذا سراج، أي: وصاحب سراج منير، وهو القرآن، ويجوز أن يراد: وأعد له فضلا على سائر الأمم، وذلك الفضل من جهة الله؛ فإنه آتاهم ما فضلوا به.
﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾
_________________
(١) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٨٩) لعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد عن أبي بكر الصديق ﵁.
(٢) سورة الرعد، الآية (٢٣).
[ ٢ / ١٢١ ]
﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ﴾ أي: دم على امتناعك من قبول رأيهم. ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ يحتمل إضافة المصدر للفاعل وللمفعول ﴿وَكَفى بِاللهِ﴾ مفوضا إليه الأمور.
النكاح: الوطء، واستعمل في العقد؛ لأنه سبب موصل إليه؛ كما سمّوا الخمر إثما؛ لأنه موصل (١٩٦ /أ) إلى الإثم، وقال الراجز:
يا عارضا يختال في أثوابه أسنمة الآبال في سحابه (^١)
ولم يرد النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى العقد؛ لأنه تصريح، ومن آداب القرآن الكناية عن الوطء بالمسيس والدخول والغشيان والمباشرة والإتيان والقربان.
فإن قيل: قوله: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ..﴾. الآية، وحكم الزوجة الكتابية حكم المسلمة؛ فما وجه تخصيص المؤمنات بالذكر؟ قلنا: فائدة ذكر المؤمنات الإشعار بأن حق المسلم أن يترفع عن نكاح الكافرة، ولا يجتمع ولي الله وعدو الله تحت لحاف واحد، والذي في سورة المائدة ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (^٢) لبيان الجواز، وهذه لبيان الأفضل. فإن قلت: ما فائدة "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ؟﴾
قلت: ذكر ذلك دفعا لوهم من يتوهم أن من طالت مدة فراقها من الزوج لا عدة عليها بخلاف من قصرت مدتها، فإن قلت: ما حكم الخلوة؟ قلت: الخلوة موجبة لجميع المهر عند أبي حنيفة وأصحابه والشافعي لا يرى ذلك (^٣).
﴿تَعْتَدُّونَها﴾ تستوفون عددها، وعند الشافعي لا عدة على من لم يدخل بها (^٤) وقرئ ﴿تَعْتَدُّونَها﴾ (^٥) بالتخفيف، أي: تعتدون فيها، كقوله [من الطويل]:
_________________
(١) ينظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤١٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ٦)، غريب الحديث للخطابي (١/ ٧١٤)، الفائق في غريب الحديث للزمخشري (٢/ ٢٧٩)، الكشاف له (٣/ ٥٤٨) ويروى الشطر الأول: أقبل في المستن من ربابه في وصف غيث
(٢) الآية (٤).
(٣) ينظر: البحر الرائق لزين بن إبراهيم (٣/ ١٦٦)، بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٢٩٤)، فتاوى السغدي (١/ ٣٠١)، مغني المحتاج للخطيب الشربيني (٣/ ٢٢٥)، المغني لابن قدامة (٦/ ٧٢٤).
(٤) ينظر: مغني المحتاج للخطيب الشربيني (٣/ ٣٨٤).
(٥) قرأ بها ابن كثير في رواية ابن أبي بزّة عنه، وقراءة الجمهور "تعتدّونها" بالتشديد. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٤٠)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٢٠)، السبعة -
[ ٢ / ١٢٢ ]
ويوما شهدناه سليما وعامرا (^١)
المراد بالاعتداء مثله في قوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (^٢) والمتعة مر شرحها في أثناء السورة (^٣). ﴿سَراحًا جَمِيلًا﴾ من غير ضرار ولا منع واجب. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن، وإيتاؤها: إما تسليمها عاجلا، أو ذكرها في العقد. فإن قلت: ما فائدة التقييد بقوله: ﴿مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ؟﴾ قلت: واللاتي هاجرن معك، قد اختار الله له شرط الأفضل كغيرهما مما خصّ به، فإن تسمية المهر في العقد أولى من تركها، وسوق المهر إليها عاجلا خير من تركه وتأجيله، وكان التعجيل عادة السلف، ومما لا يعرف بينهم سواه، وكذلك الجارية إذا حيزت من المغانم كانت أحل مما يشترى من الأسواق وكذلك المرأة المهاجرة أفضل من التي لم تهاجر مع النبي ﷺ.
وعن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: "خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني، فأنزل الله هذه الآية ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قالت: فلم أحل له؛ لأني لم أهاجر" (^٤).
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ﴾
_________________
(١) = لابن مجاهد (ص: ٥٢٢)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢٩٠)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٤١) قال ابن مجاهد: "وقال لي قنبل: كان ابن أبي بزة قد وهم في" تعتدونها "فكان يخففها فقال لي القواس: صر إلى أبي الحسن فقل له: ما هذه القراءة التي قرأتها، لا نعرفها؟! فصرت إليه فقال: رجعت عنها. قال: وقد غلط أيضا في ثلاثة مواضع؛ هذه أحدها وَما هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: ١٧] وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) [التكوير].
(٢) هذا صدر بيت لرجل من بني عامر، وعجزه: قليل سوى الطعن النهال نوافله. ينظر في: الدرر اللوامع (٣/ ٩٦)، شرح المفصل (٢/ ٤٦)، وبلا نسبة في: الأشباه والنظائر (١/ ٣٨)، خزانة الأدب (٧/ ١٨١)، مغني اللبيب (٢/ ٥٠٣)، المقتضب للمبرد (٣/ ١٠٥).
(٣) سورة البقرة، الآية (٢٣١).
(٤) في تفسير الآية (٢٨).
(٥) رواه الترمذي رقم (٣٢١٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٥٤)، وحسنه الترمذي، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي رقم (٦٣٠).
[ ٢ / ١٢٣ ]
﴿عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾
قوله: ﴿وَامْرَأَةً﴾ أي: وأحللنا لك امرأة ﴿مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ قرئ بفتح" أن " (١٩٦ /ب) وكسرها (^١) فالكسر على الشرطية، والفتح على أنه مصدر إن أراد هو، قيد في اعتبار الشرط الأول. وفي الكتاب العزيز مواضع أخر اعترض فيها بدخول الشرط على الشرط؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (^٢) وعند إمام الحرمين (^٣): إذا اجتمع الشرطان وقع المشروط. وعند صاحب المهذب (^٤): إن قدم الشرط الأول على الثاني لم يقع شيء، وإن قدم الثاني على الأول وقع. وقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ شرط في حل الموهوبة أن يريد أن يستنكحها، فلا تعمل الهبة إلا بعد تحقق شرطها وهو إرادة أن يستنكحها، فإن قلت: لم عدل عن الخطاب في قوله: ﴿إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ ولم يقل: لك، ثم رجع إلى الخطاب؟ قلت: للإيذان بأن ذلك من خواص النبي ﷺ وقد خصّ رسول الله ﷺ بمعنى الهبة. وقال الماوردي: اختلف العلماء فيما خص به رسول الله ﷺ على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن الذي خص به انعقاد نكاحه بلفظ الهبة. والثاني:
أن الخاصية أنه لا يجب المهر في هذا العقد. والثالث: إذا وقع مفوّضا لم يجب فيه المهر لا في العقد ولا في الدخول (^٥). ﴿خالِصَةً﴾ مصدر مؤكد على وزن الفاعلة؟ كالعاقبة والعافية
_________________
(١) قرأ جمهور القراء" إن وهبت "بالكسر، وقرأ أبي والحسن وعيسى بن عمر" أن "بالفتح. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٤٢)، تفسير القرطبي (١٤/ ٢٠٩)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٤٢١)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٢٩٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٤٢)، المحتسب لابن جني (٢/ ١٨٢)، مجمع البيان للطبرسي (٨/ ٣٦٣).
(٢) سورة هود، الآية (٣٤).
(٣) تقدمت ترجمته في سورة الأعراف، الآية (١٠٦).
(٤) هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الشيرازي الفيروز آبادي منسوب إلى فيروز آباد بفتح الفاء، وهي بليدة من بلاد فارس وهو الإمام المحقق المتقن المدقق ذو الفنون من العلوم، الزاهد العابد الورع. وكان عامة المدرسين بالعراق والجبال تلاميذه وأصحابه وصنف في الأصول والفروع والخلاف والجدل. توفي ببغداد سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. ينظر: تهذيب الأسماء للنووي (٢/ ٤٦٥).
(٥) ينظر: تفسير النكت والعيون للماوردي (٣/ ٣٣٣) ونسب هذه الأقوال لأنس بن مالك - ﵁ - وقتادة وسعيد بن المسيب وللإمام الشافعي رحمهم الله تعالى.
[ ٢ / ١٢٤ ]
والكاذبة والخائنة؛ خالصا بمعنى خلوصا. ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ﴾ جملة معترضة ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾.
واعلم أن رسول الله ﷺ لما أمر بتخيير نسائه فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة فشكر الله لهن ذلك وجازاهن بأن حرم على النبي ﷺ خلافهن وحرم عليه أن يستبدل بهن غيرهن، فقال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ (^١) ثم اختلف في أن هذا التحريم هل زال أو بقي؟ فعن الشافعي ﵁:" ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النسوة التي حرمن عليه "واحتج بقوله - تعالى -:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ﴾ الآية. وقال أبو حنيفة ﵀: كن محرمات عليه إلى حين وفاته، واحتج (١٩٧ /أ) بأن ذلك كان مكافأة لهن على اختيارهن لله ورسوله والدار الآخرة (^٢).
﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾
قوله: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ وذلك أنهن إذا رأين رسول الله ﷺ يعدل في القسمة مع أنه مباح له ألا يقسم علم من ذلك محبته لجميعهن، وأنه لا يؤثر واحدة على أخرى فرفع النزاع والشقاق. و" من "في قوله: ﴿مِنْ أَزْواجٍ﴾ مزيدة في النفي. وتحريم جميع الأزواج أن يبدل بهن غيرهن. وقيل في قوله: ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ هو كون الرجل ينزل عن زوجته لصديقه أو صاحبه، ثم نسخ ذلك. وقيل: المراد بقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ هي أسماء بنت عميس (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد غي المسند (٢٠١، ٦/ ٤١)، والترمذي رقم (٣٢١٦)، والنسائي (٦/ ٥٦)، وابن حبان في صحيحه رقم (٦٣٦٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٧)، عن عائشة ﵂. وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي رقم (١٥٦٨).
(٢) ينظر: الأم للشافعي (٥/ ١٤٠)، بدائع الصنائع للكاساني (٦/ ١٢٨)، تفسير القرطبي (١٤/ ٢٢٩).
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٥٤).
[ ٢ / ١٢٥ ]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾
﴿إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وما بعدها في معنى الظرف، أي: لا تدخلوا إلا في وقت الإذن ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾ حال من ﴿لا تَدْخُلُوا﴾ أي: إلا في معنى الإذن أو حال الإذن. وقيل:
﴿إِناهُ﴾ أكله؛ لأن المراد: غير ناظرين الأكل ولا وقته. روي: أن رسول الله ﷺ أولم على زينب بتمر وسويق وشاة فلما استوى الطعام بعث يطلب الناس فكانوا يأتون أفواجا، يذهب قوم ويأتي قوم، ورسول الله ﷺ يقول: ادعوا الناس. فقال: يا رسول الله: لقد دعوت حتى لا أجد من أدعوه، فقال رسول الله ﷺ: ارفعوا طعامكم، وخرج وخرج معه الناس، ثم رجع النبي ﷺ إلى بيته فوجد ثلاثة يتحدثون في منزله، وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج فلما رآه النفر الثلاثة خارجا استحيوا وخرجوا، وأنزل الله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية (^١).
﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أي: من إخراجكم. ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ لا يمتنع من قوله وفعله، وقرئ ﴿يَسْتَحْيِي﴾ بياء واحدة (^٢).
الضمير في قوله: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ عائد على نساء النبي ﷺ ولم يجر لهن ذكر، لكن السياق يدل عليهن. روي: أن عمر كان حريصا على الحجاب وكان يود أن ينزل فيه (^٣).
وروي: أن رسول الله ﷺ كان يأكل تمرا مع جماعة، فوقعت يد رجل منهم على يد عائشة
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٤٢٨)، وأحمد في المسند (٣/ ١٦٣)، والترمذي رقم (٢٣١٨)، والنسائي (٦/ ١٣٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤١٧)، عن أنس ﵁.
(٢) قرأ جمهور القراء "يستحيي" بيائين، وقرأ ابن كثير في رواية عنه "يستحي" بياء واحدة، وهي لغة تميم. تنظر في: إتحاف فضلاء البشر للبنا (١/ ٣٨٢)، البحر المحيط لأبي حيان (١/ ١٢١)، تفسير القرطبي (١/ ٢٤٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (١/ ١٦٢)، الكشاف للزمخشري (١/ ٥٥)، مختصر الشواذ لابن خالويه (ص ١٢)، معاني القرن للأخفش (١/ ٢١٤).
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٠٢)، ونسبه لابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس.
[ ٢ / ١٢٦ ]
فكره ذلك رسول الله ﷺ فنزلت آية الحجاب (^١).
﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ (١٩٧ /ب) أي: ولا يتأتى لكم إيذاء رسول الله ﷺ ولا نكاح أزواجه من بعده، وفيه تطييب لقلب رسول الله ﷺ فإنه إذا قيل للإنسان: قاتل ومعك هذا العبد، فإنك إذا مت لا يملكه أحد بعدك - طابت نفسه بالزوجة المحترمة المصونة إذا قيل له: إنها لا تستبدل بعدك كان أطيب لنفسه وأقر لعينه.
ولما نزلت ﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ الآباء والأبناء أو نحن نمنع من أقاربنا؟ فنزلت ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ﴾ (^٢) أي: لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من الآباء والأبناء، وترك ذكر العم والخال؛ لأن العم أب؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ (^٣) وإسحاق عم، والخالة بمنزلة الأم في الحضانة، وقوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللهَ﴾ انتقال من الغيبة إلى التكلم، وفيه دليل على اهتمام واعتناء بهذه الإباحة.
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥) إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾
قوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ معناه: إن الله يأمركم ويأمر ملائكته أن تسألوا للنبي ﷺ الرحمة، وتجب الصلاة على رسول الله ﷺ؛ لقوله: ﴿صَلُّوا﴾ وهو أمر، والأمر يقتضي الوجوب واختلف في وقت الوجوب؛ فقيل: تجب كلما ذكر، وفي الحديث: "من ذكرت عنده ولم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" (^٤).
_________________
(١) نسبه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٠٢) لابن سعد عن ابن عباس ﵄، ولابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح عن عائشة ﵂.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٥٧).
(٣) سورة البقرة، الآية (١٣٣).
(٤) رواه ابن حبان في صحيحه رقم (٤٠٩)، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب رقم (٢٤٩٩) ونسبه لابن خزيمة وابن حبان. وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع رقم (٧٥) وهو جزء من حديث أوله: "أتاني جبريل فقال: يا محمد، من أدرك أحد والديه فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين. فقلت: آمين. قال: يا محمد من أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله، -
[ ٢ / ١٢٧ ]
ومنهم من قال: في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره؛ كما قيل في آية السجدة، وأنه متى أعاد قراءة الآية التي فيها سجدة سجد ثانيا، وكذلك تشميت العاطس يتكرر بتكرر العطاس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره، ومنهم من أوجبها في العمر مرة واحدة، وكذلك في إظهار الشهادتين، والأحسن وجوبها عند ذكره؛ للأخبار. والصلاة بمعنى الرحمة، والقياس أن تجوز الصلاة على كل مسلم؛ لقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (^١). وقوله ﷺ:" اللهم صل على آل أبي أوفى " (^٢).
ولكن للعلماء تفصيل في ذلك، وهو أن ذلك يجوز تبعا ولا يجوز استقلالا، وهو أن تقول: اللهم صلى على آل محمد، فلا يجوز ذلك؛ لأن هذه الألفاظ صارت شعارا مخصوصة بجهات؛ فيقال: الله ﷿، ولا يقال: محمد ﷿، وإن كان محمد عزيزا جليلا، ولا يقال: عمر بن الخطاب صلى الله عليه، ومعناه: ﵀، ولو دعا له بالرحمة لم يمتنع؛ ولأن إفراده للصلاة يوهم الرفض إذا صلى على علي وحده (^٣).
_________________
(١) = قل: آمين. فقلت: آمين. قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل: آمين، فقلت: آمين".
(٢) سورة التوبة، الآية (١٠٣).
(٣) رواه البخاري رقم (١٤٩٧)، ومسلم رقم (١٠٧٨)، وأبو داود رقم (١٥٩٠)، والنسائي (٥/ ٣١)، وابن ماجه رقم (١٧٩٦)، وابن خزيمة في صحيحه رقم (٢٣٤٥) عن عبد الله بن أبي أوفى.
(٤) قيل في سبب تسمية الشيعة بالرافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر. وقيل: لأنهم طالبوا زيد بن علي بالتبرؤ ممن خالف عليّا في إمامته فامتنع من ذلك فرفضوه فسموا الرافضة. قال الإمام ابن الجوزي في كتابه "تلبيس إبليس" (١/ ٣١): "انقسمت الرافضة اثنتي عشرة فرقة؛ العلوية قالوا: إن الرسالة كانت إلى علي وإن جبريل أخطأ. والأمرية قالوا: إن عليّا شريك محمد في أمره. والشيعة قالوا: إن عليّا ﵁ وصي رسول الله ﷺ ووليه من بعده وإن الأمة كفرت بمبايعة غيره. والإسحاقية قالوا: إن النبوة متصلة إلى يوم القيامة وكل من يعلم علم أهل البيت فهو نبي. والناووسية قالوا: إن عليّا أفضل الأمة فمن فضل غيره عليه فقد كفر. والإمامية قالوا: لا يمكن أن تكون الدنيا بغير إمام من ولد الحسين وإن الإمام يعلمه جبرائيل فإذا مات بدل مكانه مثله. واليزيدية قالوا: إن ولد الحسين كلهم أئمة في الصلوات فمتى وجد منهم أحد لم تجز الصلاة خلف غيره برهم وفاجرهم. والعباسية زعموا أن العباس كان أولى بالخلافة من غيره. والمتناسخة قالوا: إن الأرواح تتناسخ فمتى كان محسنا خرجت روحه فدخلت في خلق تسعد بعيشه ومن كان مسيئا دخلت روحه في خلق تشقى بعيشه. والرجعية زعموا أن عليّا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا وينتقمون من أعدائهم. واللاعنية الذين يلعنون عثمان وطلحة والزبير ومعاوية وأبا موسى وعائشة وغيرهم ﵃. -
[ ٢ / ١٢٨ ]
وفي الحديث:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم " (^١).
_________________
(١) = والمتربصة تشبهوا بزي النساك ونصبوا في كل عصر رجلا ينسبون الأمر إليه يزعمون أنه مهدي هذه الأمة فإذا مات نصبوا رجلا آخر". ثم قال في (١/ ١١٩): "وقد اعتقد جماعة من الرافضة أن أبا بكر وعمر كانا كافرين وقال بعضهم: ارتدا بعد موت رسول الله ﷺ. ومنهم من يقول بالتبرئ من غير علي. ونقل عن ابن عقيل قوله: الظاهر أن من وضع مذهب الرافضة قصد الطعن في أصل الدين والنبوة وذلك أن الذي جاء به رسول الله ﷺ أمر غائب عنا، وإنما نثق في ذلك بنقل السلف وجودة نظر الناظرين إلى ذلك منهم فكأننا نظرنا إذ نظر لنا من نثق بدينه وعقله فإذا قال قائل: إنهم أول ما بدأوا بعد موته بظلم أهل بيته في الخلافة وابنته في إرثها وما هذا إلا لسوء اعتقاد في المتوفّى فإن الاعتقادات الصحيحة سيما في الأنبياء توجب حفظ قوانينهم بعدهم لا سيما في أهليهم وذريتهم، فإذا قالت الرافضة: إن القوم استحلوا هذا بعده. خابت آمالنا في الشرع؛ لأنه ليس بيننا وبينه إلا النقل عنهم والثقة بهم، فإذا كان هذا محصول ما حصل لهم بعد موته خبنا في المنقول وزالت ثقتنا فيما عوّلنا عليه من اتباع ذوي العقول ولم نأمن أن يكون القوم لم يروا ما يوجب اتباعه فراعوه مدة الحياة وانقلبوا عن شريعته بعد الوفاة ولم يبق على دينه إلا الأقل من أهله، فطاحت الاعتقادات، وضعفت النفوس عن قبول الروايات في الأصل وهو المعجزات، فهذا من أعظم المحن على الشريعة. ثم قال ابن الجوزي:" وغلو الرافضة في حب علي ﵁ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله أكثرها تشينه وتؤذيه. ومقابح الرافضة أكثر من أن تحصى وقد حرموا الصلاة لكونهم لا يغسلون أرجلهم في الوضوء والجماعة لطلبهم إماما معصوما وابتلوا بسب الصحابة". وقد وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله تعالى في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم حيث قال (ص: ٣٩١):" إنهم أكذب طوائف أهل الأهواء وأعظمهم شركا؛ فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم ولا أبعد عن التوحيد، حتى إنهم يخربون مساجد الله التي يذكر فيها اسمه؛ فيعطلونها عن الجمعة والجماعات، ويعمرون المشاهد التي أقيمت على القبور التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها ". كما قال في (ص: ٤٣٩):" الرافضة أمة مخذولة ليس لها عقل صريح". وقال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين (١/ ١٦):" وهم مجمعون على أن النبي ﷺ نص على استخلاف علي بن أبي طالب باسمه وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي ﷺ وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوفيق، وأنها قرابة، وأنه جائز للإمام في حال التقية أن يقول: إنه ليس بإمام. وأبطلوا جميعا الاجتهاد في الأحكام، وزعموا أن الإمام لا يكون إلا أفضل الناس، وزعموا أن عليّا رضوان الله عليه كان مصيبا في جميع أحواله، وأنه لم يخطئ في شيء من أمور الدين، وأنكروا الخروج على أئمة الجور، وقالوا: ليس يجوز ذلك دون الإمام المنصوص على إمامته ".
(٢) ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٣/ ١٣٦) وقال: غريب.
[ ٢ / ١٢٩ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا (٥٧)﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١٩٨ /أ) أي: يخالفن ما أمرا به، ويعبر عن المخالفة بالإيذاء، ويجوز أن يكون التقدير: يؤذون أولياء الله ورسوله، ولو قال قائل: جعل الإيذاء لله مجاز؛ لأنه لا يتصور أن يستطيعه أحد، وجعله للرسول ﷺ حقيقة لإمكانه، فجمع في اللفظ الواحد بين الحقيقة والمجاز وأنه لا يجوز.
وقيل: هو قول اليهود: يد الله مغلولة غلت أيديهم، وقولهم ثالث ثلاثة، وقولهم:
الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤهم. وقيل: قول الذين يلحدون في أسمائه وصفاته.
وفي الحديث عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿:" سبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، وآذاني ولم يكن له ذلك؛ فأما شتمه إياي فقوله: إني اتخذت ولدا. وأنا أحد صمد، وأما أذاه لي فقوله: إن الله لن يعيدني كما بدأني " (^١).
وقيل: قولهم في النبي ﷺ: كاهن وساحر ومجنون. وقيل: كسر رباعيته، وشج جبينه يوم أحد. وقيل: طعنهم عليه في نكاحه صفية بنت حيي بن أخطب. و[أطلق إيذاء الله ورسوله وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات] (^٢) لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون إلا غير حق أبدا، وأما إيذاء المؤمنين والمؤمنات فمنه ومنه.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾
ومعنى ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ بغير جناية واستحقاق. وقيل: نزلت في ناس من المنافقين يؤذون عليّا ﵁ ويسمعونه. وقيل: في الذين أفكوا على عائشة.
وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات. وعن الفضيل: لا يحل لك أن تؤذي كلبا ولا خنزيرا بغير حق، فكيف بالمؤمنين؟ (^٣). وكان ابن عون لا يكري حوانيته لأهل الذمة؛ لما فيه من الروعة عند استحقاق الأجرة (^٤).
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤١٣)، ونسبه لابن أبي حاتم عن قتادة.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في الأصل: وقيل: إيذاء الله: ورسوله المؤمنين والمؤمنات. والمثبت من الكشاف (٣/ ٥٥٩) وهو الأنسب للسياق.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٥٩).
(٤) ينظر السابق.
[ ٢ / ١٣٠ ]
الجلباب: ثوب فوق الخمار ودون الرداء، تديره المرأة على رأسها، ويبقى منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس: الرداء الذي يستر من أعلى البدن إلى أسفله، وقيل:
الملحفة وكل ما يؤتزر به من كساء وغيره؛ قال أبو زبيد: [من الوافر]:
مجلبب من سواد الليل جلبابا (^١)
ومعنى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ يرخين ويغطين وجوهن وأعطافهن، يقال إذا تقلص الإزار عن وجه المرأة: أدني ثوبك على وجهك؛ وذلك أن النساء كن على عادتهن في الجاهلية مبتذلات؛ تبرز المرأة في درع وخمار ولا فصل بين الحرة والأمة، وكان الفتيان وأهل (١٩٨ /ب) الشطارة يتبعون النساء إذا خرجن بالليل، وإذا قضين حوائجهن في النخيل والغيطان والخربات يتبعون الإماء، وربما يتبعون الحرائر بعلة الأمة؛ يقولون: حسبناها أمة؛ فأمر الحرائر أن يتميزن عن هيئة الإماء بما يعرفن به. ﴿ذلِكَ أَدْنى﴾ أقرب وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرضن لهن ولا يلقين ما يكرهن. فإن قلت: ما معنى" من "في قوله: ﴿مِنْ جَلابِيبِهِنَّ؟﴾ قلنا: المراد أن تستر ببعض الجلبات ما يخرجها عند حد ملابس الإماء. وقيل:
أن ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع؛ حتى تتميز عن الأمة. وقال الكسائي: يتقنعن بملاحفهن مضمومة إليهن، أراد بالانضمام معنى الإدناء (^٢). ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾ لما سلف منهن من التفريط قبل النهي.
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قوم كان فيهم ضعف إيمان وقلة ثبات.
وقيل: هم الزناة وأهل الفجور؛ من قوله ﷿: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (^٣).
﴿وَالْمُرْجِفُونَ﴾ قوم كانوا يقولون عن سرايا رسول الله ﷺ أنهم قتلوا وأسروا؛ فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين، يقال: أرجف بكذا إذا أخبر به من غير تحقيق، والمعنى:
لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يقولون
_________________
(١) ينظر في: العين للخليل (٦/ ١٣٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٦٠)، لسان العرب (جلب).
(٢) ينظر: الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٦٠).
(٣) سورة الأحزاب، الآية (٣٢).
[ ٢ / ١٣١ ]
من أخبار السوء - لنأمرنك أن تفعل بهم ما يسوؤهم، ثم نضطرهم إلى الخروج من المدينة؛ لأن بقاءهم فيها ضرر على أهلها.
﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ إلا زمنا قليلا بقدر ما يتهيأ لهم التجهز والخروج. ﴿مَلْعُونِينَ﴾ نصب على الشتم أو الحال معا؛ كما مرّ في قوله: ﴿إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ ولا يجوز أن يكون معمولا لقوله: ﴿أُخِذُوا﴾ لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها. وقيل: ﴿قَلِيلًا﴾ هو منصوب على الحال بمعنى: لا يجاورونك إلا أقلاء أذلاء.
وقوله: ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لأنه يجوز أن يجاب به القسم. ألا ترى إلى صحة قوله: لئن لم ينتهوا لا يجاورونك؟ فإن قلت: لو كانت الفاء مكان "ثم" لحصل مراد التعقيب والتسبيب (١٩٩ /أ) قلت: لم يجعل الثاني مسببا عن الأول، بل عطف عليه، وليس التعقيب والتسبب ههنا مرادين وإنما عطف ب "ثم" للتراخي المعنوي، وقد سبق ذكره مرارا؛ لأن الجلاء عن الأوطان أعظم عليهم وأطم؛ قال الله - تعالى:
﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٦٢) يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا (٦٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾
﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ (^١) فاكتفى لهم بالجلاء عن القتل.
﴿سُنَّةَ اللهِ﴾ مصدر مؤكد؛ أي: سنّ الله ذلك سنة في الذين ينافقون الأنبياء أن يقتلوا
_________________
(١) سورة الحشر، الآية (٣).
[ ٢ / ١٣٢ ]
حيثما ثقفوا. وعن مقاتل: يعني كما قتل أهل بدر (^١). وكان المشركون يسألون رسول الله ﷺ عن وقت قيام الساعة استهزاء، واليهود يسألونه امتحانا؛ لأن الله تعالى عمّى ذكرها في الكتب المنزلة؛ فلا أحد يطلع عليها، ثم بين أنها قريبة الوقوع؛ تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للممتحنين. قوله: ﴿قَرِيبًا﴾ أي: شيئا قريبا أو زمانا قريبا، أو يعبر عن أحوالها وهيآتها، وطرحهم في النار منكوسين مقلوبين وخصت الوجوه بالذكر لأنها أكرم شيء على الإنسان، ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة.
﴿كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قيل: نزلت في الذين تكلموا في تزويج رسول الله - ﷺ - بزينب بنت جحش (^٢). ﴿آذَوْا مُوسى﴾ ما رتبه قارون مع المومسة أنها تقذفه بنفسها. وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هارون هناك، فحملته الملائكة وطافت به عليهم حتى رأوه غير مقتول. وقيل: أحيا الله هارون فأخبرهم ببراءة موسى (^٣). وقيل:
قذفوه بعيب في جسده وأدرة (^٤) فأطلعهم الله ﷿ على أنه بريء منه (^٥) ﴿وَجِيهًا﴾ ذا جاه ومنزلة عنده؛ فلذلك كان يميط عنه التهم ويدفع عنه الأذى. وقوله: ﴿مِمّا قالُوا﴾ إما أن تكون "ما" مصدرية أو موصولة، وأيهما كان فكيف تصح البراءة منه؟ فنقول: المراد بالقول مؤداه ومضمونه هو الأمر المغيب، ألا ترى أنهم سموا السببية بالقالة، والقالة بمعنى القول. ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أي: يقصد فيه الحق والعدل؛ يقال: سدد السهم نحو الرمية إذا لم يعدل به عن سمتها والمراد نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد، والمعنى:
راقبوا الله ﷿ في حفظ ألسنتكم، وسداد قولكم، فإذا فعلتم ذلك حصل لكم الفوز العظيم، وهو صلاح الأعمال، ومغفرة الذنوب ونهاهم عن التعريض للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين (١٩٩ /ب) وعن إيذاء رسول الله ﷺ والمؤمنين، ثم أمر بحفظ اللسان
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٦١).
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٣٤١) ونسبه للنقاش، والزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٦٣).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٥١).
(٤) الأدرة: بالضم نفخة في الخصية يقال: رجل آدر بين الأدر - بفتح الهمزة والدال - الذي يصيبه فتق في إحدى الخصيتين. وقيل: الأدرة الخصية والخصية الأدراء: العظيمة من غير فتق. ولا يقال امرأة أدراء إما لأنه لم يسمع، وإما أن يكون لاختلاف الخلقة. ينظر: لسان العرب (أدر).
(٥) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٥٢).
[ ٢ / ١٣٣ ]
وتحرير القول قبل أن يبلغ من الفم.
﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾
قوله: ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ﴾ وهي التكاليف من الأمر والنهي، وفيه وجهان: أحدهما:
أن هذه الأجرام العظيمة، وهي السماوات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله - عز وعلا - انقياد مثلها، وهو مما يتأتى من الجمادات، وأطاعت له الطاعة التي يراد من مثلها؛ حيث لم تمتنع عن مشيئته وإرادته إيجادا وتكوينا وتسوية على هيئات مختلفة؛ كما قال الله ﷿: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ (^١) وأما الطاعة فإنها لازمة الوجود، وعرضها على الجبال وإباؤها وإشفاقها مجاز، وإنما حمل على المجاز؛ لاستحالة قبول هذه الأجرام لما تخاطب به وعدم فهمها له، ولا يخاطب ما لا يعقل، والمعنى بحمل الأمانة: أنه من استودع شيئا فأبقاه في يده، ولم يؤده إلى صاحبه يبقى حاملا لها محاسبا عليها، ولو أداها سقط عنه حملها ولم يبق حاملا لها، فالإنسان احتمل الأمانة، ولم يقم بها فبقي حاملا لها، ولو أداها لم يبق حاملا لها، ومن أمثالهم: تقلدها طوق الحمامة، أي: بقيت في عنقه كما يبقى طوق الحمامة لا يفارقها. والثاني: حملها على ظاهرها وأنها حلت محل من لو خوطب بذلك لأجاب بهذا الجواب؛ كما قال:
امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني (^٢)
والقرآن قد نزل بلسان العرب وهذه أساليبهم. وأما قولهم: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ﴾ فهي لام العاقبة والصيرورة؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (^٣). ولم يلتقطوه لذلك؛ بل صارت العاقبة إليه، والله أعلم.
_________________
(١) سورة فصلت، الآية (١١).
(٢) ينظر البيت في: التوقيف على مهمات التعريف للمناوي (ص: ٥٩٤)، الصحاح للجوهري (قطن)، العين للخليل (باب القاف مع الطاء)، لسان العرب (قول).
(٣) سورة القصص، الآية (٨).
[ ٢ / ١٣٤ ]